مسألة لم قيل الرأى نائم والهوى يقظان ولذلك غلب الهوى الرأى
يروى هذا عن حكيم العرب عامر بن الظرب.
أليس الرأى من حزب العقل وأوليائه فكيف غلب مع علو مكانه وشرف موضعه وما معنى قول الآخر من الأوائل: العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ما سبب هذه الصداقة مع هذا العقوق وما سبب تلك العداوة مع تلك المتابعة وهل يرى هذا حقائق الأمور معكوسة منكوسة فإن الظاهر خارج عن حكم الواجب جار على غير النظام الراتب.
الجواب: قال ابو على مسكويه - رحمه الله: هذا كلام خرج في معرض فصاحة وخطابة.
فأما معناه فهو أن الهوى فينا قوى جداً والرأى ضعيف وسبب ذلك أنا - معشر الناس - طبيعيون وجزء الطبيعة فينا أغلب من جزء العقل لأنا في عالم الطبيعة والعقل غريب عندنا ضعيف الأثر فينا ولذلك نكل عند النظر في المعقولات ولا نكل عند النظر في الطبيعيات ذلك الكلال.
والعقل وإن كان في نفسه شريفاً عالى الرتبة فإن أثره عندنا يسير.
والطبيعة وإن كانت ضعيفة بالإضافة إلى العقل منحطة الرتبة - فإنها قوية فينا لأنا في عالمها ونحن أجزاء منها ومركبون من عناصرها وفينا قواها أجمع.
وهذا واضح غير محتاج إلى الإطناب في الشرح.
فقال له أبو هاشم المتكلم عائباً للمنطق: هل المنطق إلا في وزن مفعل من النطق فحدثني: أأنصف أبو هاشم وحز الحق أم تشيع وقال ما لا يجوز ان يسمع منه هذا مع محله وشدة توقيه في مقالته فإن البيان عن هذا القدر يأتي على كنائن العلم ويوضح طرق الحكمة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما من طريق الوزن فقد صدق فيه أبو هاشم وأما من طريق الازدراء والعيب - إن كان قصد ذلك - فقد ظلم لأنه لا عيب على العلم إلا من جهة خطأ المخطىء فيه لا من جهة اسمه.
ولو كايله أبو بشر مكايلة فقال له: وهل المتكلم إلا في وزن متفعل من الكلام وتصفح سائر العلوم فقال فيها مثل هذا وقال هل التفقه إلا نفعل من قولك فقهت الشيء وهل النحو إلا مصدر قولك نحوت الشي أى قصدته - لكان هذا مستمراً وما أكثر ما يسمى من العلم لما لا يستحقه رتبته وما أكثر ما يسمى بما يحط من رتبته فلا ذاك ينفع في ذلك العلم ولا هذا يضر في هذا العلم.
وقد عرفت قوماً سموا أنفسهم المدركين وسموا علومهم الإدراك الحقيقي وهو في غاية البعد من حقائق الأمور وقد سمى قوم أنفسهم المستحقين وأهل الحق وما أشبه ذلك فكانوا فيه مدعين باطلاً.
مسألة رأيت رجلاً يسأل شيخاً من أهل الحكمة
فقال له: العرب تؤنث الشمس وتذكر القمر فما العلة في ذلك وأى معنى عنوا بهذا الإطباق فإنه إن خلا من العلة جرى مجرى الاصطلاح على غير غرض مقصود.
فلم يورد ذلك الشيخ شيئاً ولهذا لم أسمه فإن في ذكره مع إظهار عجزه تعريضاً به وتحقيراً لشأنه وما يستحق بهذا اليسير ان يجحد ما يصيب فيه الصواب الكثير.
فقال السائل: فإن المنجمين يذكرون الشمس ويؤنثون القمر.
وهذا أيضاً من المنجمين اتفاق.
فأجاب ههنا وقال ما قالوه ولم يعجز عن المسألة الأخرى لقصر باعه في الأدب ولكن لم يحفظ فيها جواباً عن اهل العربية.
والمعنى فيه خاف ليس من شأن المتمسحين في العلم بل من شأن المتبحرين فيه الخائضين في غماره البالغين إلى قراره وهيهات ذلك العلم عميق البحر عالى الفلك وليس كل قلب وعاء لكل سانح ولا كل إنسان ناطقاً بكل لفظ ولا كل فاعل آتياً بكل عمل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما النحويون فلا يعللون هذه الأمور ويذكرون أن الشيء المذكر بالحقيقة ربما أنثته العرب والمؤنث بالحقيقة ربما ذكرته العرب فمن ذلك أن الآلة من المرأة بعينها التي هي سبب تأنيث كل ما يؤنث هي مذكر عند العرب واما آلة الرجل فلها أسماء مؤنثة.
فأما العقاب والنار وكثير من الأسماء التي هي أولى الأشياء بالتذكير وهي مؤنثة وأمثالها فكثير.
ولكن الشمس التي قصد السائل قصدها بعينها فإني أظن السبب في تأنيث العرب إياها أنهم كانوا يعتقدون في الكواكب الشريفة أنها بنات الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وكل ما كان منها أشرف عندهم عبدوه.
وقد سموا الشمس خاصة باسم الآلهة فإن اللاة اسم من اسمائها فيجوز أن يكونوا أنثوها لهذا الاسم ولاعتقادهم أنها بنت من البنات بل هي أعظمهن عندهم.
مسألة هل يجوز لإنسان أن يعي العلوم كلها على افتنانها وطرقها واختلاف اللغات والعبارات عنها فإن كان يجوز فهل يجب وإن وجب فهل يوجد وإن كان وجد فهل عرف وإن كان جائزاً فما وجه جوازه وإن كان الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أحد الحدود التي حدت بها الفلسفة أنها علم الموجودات كلها بما هي موجودات.
ولكن ليس على الشرائط التي ذكرتها في مسألتك أعني قولك: على افتنانها وطرقها واختلاف اللغات بها والعبارات عنها فإن علماً واحداً من بين العلوم لا يجوز أن يحتوي على جميع هذه الشرائط فيه لأن جزئيات العلوم بلا نهاية وما لا نهاية له لا يخرج إلى الوجود.
ولكن المطلوب من كل علم هو الوقوف على كلياته التي تشمل على جميع أجزائه بالقوة.
مثال ذلك أن الطب إذا تعلمت أصوله وقوانينه التي بها يستخرج نوع المرض ونوع العلاج فقد كفي فيه ذلك.
فأما أن يعرف منه جميع أجزاء الأمراض فذلك محال.
وكذلك تجد كتب جالينوس وغيره من الأطباء فإنها تعلمك أصول الأمراض والعلاجات فإذا باشرت الصناعة ورد عليك من أجزاء مرض واحد ما لا يمكنك إحصاؤه ويبقى من أجزائه ما لا يمكن أحصاؤه أحداً بعدك.
وإذا كان الأمر على ذلك فالجواب عن مسألتك يكون مقيداً على ما ذكرته.
فأما اختلاف الطرق والعبارات فلا معنى لتعاطي معرفتها فإن المقصود من العلوم هي ذواتها وأما قولك: هل يجب فأقول: إنه واجب لأن التفلسف واجب من أجل أنه كمال الإنسانية وبلوغ أقصى درجتها.
وكل شيء كان كمال فإن غايته البلوغ إلى ذلك الكمال.
ومن قصر من الناس عن بلوغ كماله مع حصول الأسباب وارتفاع الموانع عنه فهو غير معذور فيه.
وأما قولك: هل يوجد فإنه موجود لأن الفلسفة موجودة وهي صناعة الصناعات وما تب شيء من أجزائها كما رتبت هي نفسها فإنه قد بدىء من أدنى درجة يبتدىء بها المتعلم إلى أقصى مرتبة يجوز أن يبلغها.
وهذا لجميعه أصول وشروح على غاية الأحكام وهي معروفة موجودة غير ممنوع منها ولا مضنون بها على من يطلبها وفيه منة لتعلمها.
مسألة ما غضب الصارف على المصروف
هكذا تنشأ هذه المسألة وصورتها أنك تولى إمرة بلد أو قضاء مدينة فترد البلد وبه أمير قبلك صرف بك فتعنف به وتغضب عليه وتكلح وجهك في وجهه وهو ما أغضبك ولا ومن جنس هذا الغضب غضب الجلاد والسياف.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كان الصارف يستشعر من المصروف أنه يبغضه ويكرهه لا محالة وفي الطباع أن يكره الإنسان من يكرهه وببغض من يبغضه - عرض هذا العارض لكل صارف على كل مصروف.
وربما انضاف إلى ذلك أشياء أخر منها أن المصروف ربما صرف عن خيانة أو جناية كثيرة يعرض في مثلها الغضب بالواجب.
وربما انضاف إلى ذلك أن يؤمر الصارف بالقبض على المصروف وموافقته على جناياته واستصفاء ماله.
وهذه أشياء تثير الغضب وتزيد في مادته لا سيما والمصروف يحتج لنفسه ويدفع عنها كل ما نسب إليه من القبيح ويدافع عن ماله بما أمكنه.
فأين يذهب الغضب عن هذا المكان وهل هو إلا في حقيقة موضعه الخاص به فأما الجلاد والسياف فلهما وجه آخر من العذر وهو أنهما إنما يأخذان أجرة على صناعتهما وإن لم يوفياها حقها خشيا اللائمة والاستخفاف وليس يمكنهما توفية صناعتهما حقوقهما إلا بإثارة الغضب.
مسألة لم كان اليتم في الناس من قبل الأدب وفي سائر الحيوان من قبل الأم
فإن قلت: لأن الأم ههنا كافلة فإن الأمر في الناس كذلك وفيه سر غير هذا ونظر فوقه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان من حيث هو حيوان مشارك للبهائم في هذا المعنى محتاج إلى ما يقيمه من الأقوات التي تحفظ عليه حيوانيته.
ومن حيث هو إنسان مشارك للفلك في هذا المعنى يحتاج إلى ما يبلغه هذه الدرجة بالتعليم والتأديب لأن الأدب يجري من النفس مجرى القوت من البدن والذي يقوم بالحال الأولى وهي الأم والذي يقوم له بالحال الثانية هو الأب.
ولما كانت الحالة الثانية أشرف أحواله وهي التي بها يصير هو ما هو اعني أن يصير إنساناً - وجب أن يكون يتمه من قبل أبيه.
ولما كان سائر الحيوانات كما حيوانيتها في القوت البدني وجب أن يكون يتمها من قبل الأم.
ولعل الإنسان قبل أن يبلغ حد التعلم من الأب وفي حال حاجته إلى الرضاع إذا فقد أمه سمي يتيماً من قبل الأم ولم يمتنع إطلاق ذلك عليه.
وأعجز عن رقعة - يعني الشطرنج وهذا معنى شائع في الناس فما السبب فيه فإنه إنما عجب من خفاء السبب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصناعات لا يكتفي فيها بالعلم المتقدم والمعرفة السابقة بها حتى يضاف إلى ذلك العمل الدائم والارتياض الكثير وإلا لم يكن الإنسان ماهراً.
والصانع هو الماهر بصناعته.
ومثال ذلك الكتابة فإن العالم بأصولها وإن كان سابق العلم غزير المعرفة إذا اخذ العلم ولم تكن له دربة انقطع فيها ولم ينفعه جميع ما تقدم من علمه بها.
وكذلك حال الخياطة والبناء.
وبالجملة كل صناعة مهنية كقيادة الجيش ولقاء الأقران في الحروب ليس تكفي فيها الشجاعة ولا العلم بكيفيتها حتى يحصل فيها الارتياض والتدرب فحينئذ تصير صناعة.
ولما كان الشطرنج أحد الأشياء الجارية هذا المجرى من الصناعات لم يكتف فيه بالتدبير ولا حسن التخيل ولا جودة الرأى حتى تنضاف إلى ذلك مباشرة الأمر والدربة فيه فإن لكل ضربة يتغير بها شكل الشطرنج ضربة من الرسيل مقابلة لها إما على غاية الصواب وإما بخلافه.
ويحتاج إلى ضبط جميع ذلك وتخيل تلك الأشكال كلها ضربة بعد ضربة على وجوه تصاريفها وليس ذلك إلا مع دربة ورياضة.
مسألة ما السبب في استيحاش الإنسان من نقل كنيته أو اسمه
فقد رأيت رجلاً غير كنيته لضرورة لحقته وحال دعته فكان يتنكر ويقلق وكان يكنى أبا حفص فاكتنى أبا جعفر وكان سببه في ذلك أنه قصد رجلاً يتشيع فكره أن يعرفه بأبي حفص.
وكيف صار بعض الناس يمقت الشيء لاسمه دون عينه أو للقبه دون جوهره.
وما النفور الذي يسرع إلى النفس من النبز واللقب.
وما الشكون الذي يرد على النفس من النعت وما هما إلا متقاربان في الظاهر متدانيان في الوهم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المعاني تلزمها الأسماء ويعتادها أهل اللغات على مر الأيام حتى تصير كأنها هي وحتى يشك قوم فيزعمون أن الاسم هو المسمى وحتى زعم قوم أفاضل أن الأسامى بالطباع تصير إلى مطابقة المعاني كأنهم يقولون إن الحروف التي تؤلف لمعنى القيام أو الجلوس أو الكوكب أو الأرض لا يصلح لغيرها من الحروف أن تسمى به لأن تلك بالطبع صارت له.
واضطر لأجل هذه الدعوى أن يشتغل كبار الفلاسفة في بمناقضتهم ووضع الكتب في ذلك فليس بعجب أن يألف إنسان اسم نفسه حتى إذا غير ظن أنه إنما يغير هو وإذا دعى بغير اسمه فإنما دعى غيره بل يرى كأنما بدل به نفسه.
ولقد سمعت بعض المحصلين يستشير طبيباً ويخاف فيما يشكوه أنه قد أصابه الماليخوليا فقلت له: وما الذي أنكرت من نفسك.
قال: يخيل لي أن يميني قد تحول شمالاً وشمالي يميناً لست أشك في ذلك.
فلما امتد بي النظر في مساءلته وجدته كان قد تختم في يمينه مدة للتقرب إلى بعض الرؤساء من أصدقائه ثم لما فارقه لسفره اتفقت له إعادة إلى التختم اليسار فعرض له من الإلف والعادة هذا العارض.
فأعتبر بذلك يسهل جواب مسألتك وتعلم ما في العادة من المشاكلة لما في الطبع.
فأما كراهة الناس الشيء لأسمه أو للقبه ونبزه فالجواب عنه قريب من الجواب عن هذه المسألة وذلك أن الأسماء والألقاب أيضاً تكره لكراهة ما تدل عليه للعادة الأولى فلو أنك نقلت اسم الفحم إلى الكافور فيما بينك وبين آخر لكان متى ذكر الفحم تصور السواد ولم يمنعه ما انتقل فيما بينه وبينك إلى مسمى آخر أبيض طيب الرائحة وذلك لأجل العادة اللهم إلا أن يكون تركيب الحروف تركيباً قبيحاً والحروف أنفسها مستهجنة فإن الجواب عن ذلك قد مر في صور هذه المسائل مستقصى.
مسألة قال أبو حيان لم صار صاحب الهم ومن غلبة عليه الفكر
في ملم يولع بمس لحيته وربما نكت الأرض بإصبعه وعبث بالحصى.
وقد يختلف الحال في ذلك حتى إنك لتجد واحداً يحب عند صدمة الهم ولوعه الحزن جمعاً وناساً ومجلساً مزدحماً يريغ بذلك تفريحاً ويجد عنده خفا.
وآخر يفزع إلى الخلوة ثم لا يقع إلا بمكان موحش ونشر ضيق وطريق غامض.
وآخر يؤثر الخلوة ولكن الخلوة يحن إلى بستان حال وروض مزهر ونهر جار.
ثم تختلف الحال بين هؤلاء حتى إنك لتجد واحداً عند غاشية ذلك الفكر أصفى طبعاً وأذكى قلباً وأحضر ذهناً وحتى يقول القافية النادرة ويضنف الرسالة الفاخرة وحتى يحفظ علماً جماً ويستقبل أيامه نصحاً وآخر يذهل ويعله ويزول عنه الرأى ويتحير حتى لوهدي ما اهتدى ولو أمر لما فقه ولو نهى لما وبه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس لا تعطل الجوارح إلا عند النوم الأسباب ليس هذا موضع ذكرها.
والعقل يستهجن البطالة ولا بد من تحريك الأعضاء في اليقظة إما بقصد وإدارة وبصناعة ولأغراض مقصودة وإما بعبث ولهو وعند غفلة وسهو ولأجل ذلك نهت الشريعة عن الغفلة ونهى الأدب عن الكسل وأمر الناس وسواس المدن بترك العطلة واشتغال الناس بضروب الأعمال.
ولقباحة العطلة ونفور العقل عنها اشتغل الفراغ بلعب الشطرنج والنرد على سخافتهما وأخذهما من العمر وذهابهما بالزمان في غير طائل فإن الجلوس بلا شغل ولا حركة بغير ضرورة أمر يأباه الناس كافة لما ذكرناه.
فصاحب الفكر والهم لا تتعطل جوارحه وإنما ينبغي أن يتعود الإنسان بالتأديب حركات جميلة مثل القضيب الذي وضع الملوك وقد ذكره ذلك أيضاً ونسب إلى النزق وجعل في جنس الولع بالخاتم.
فأما مس اللحية وقلع الزئبر من الثوب فمعدود من المرض لأنة حركة غير منتظمة ولا جارية على سنة الأدب بل هو عبث يدل على أن صاحبه قد احتمل حتى عزب عقله وذهب تمييزه دفعة.
ولا ينبغي ذلك لمن له تمييز وبه مسكة أن يفعله بل ينبه عليه من نفسه ويتركه إن كان عادته.
فأما اختلاف الحال في الناس فيمن الاجتماع مع الناس أو يحب الخلوة وغير ذلك مما حكيته وذكرت أقسامه فإن ذلك تابع للمزاج وذاك أن صاحب السوداء والفكر السوداوي يحب الخلوة والتفرد ويأنس بذلك.
وأما صاحب الفكر الدموي فإنه يحب الاجتماع والناس وربما آثر النزهة والفرجة.
وأما ما حكيت عمن يصنع الشعر ويصنف الرسالة ويشغل نفسه بالعلوم فجميع ذلك إنما يكون بحسب عادة من يطرقه الفكر فإن كان قبل ذلك ممن يرتاض ببعض هذه الأشياء أو يكثر الفكر فيها فإنه بعد ورود العارض يلجأ إلى ما كان عليه ويعود إلى عادته بنفس ثائرة مضطرة إلى الفكر فينفذ فيما كان فيه.
ولا بد أن يصير ذلك الفكر من جنس ما دهمه أعني أنه يقول القافية ويصنف الرسالة في ذلك المعنى الذي طرأ عليه لكن يستعين عليه بفكر كأن يتصرف في شعر آخر فيرده إلى الأهم الذي وأما الذي يذهل ويعله ويتحير فهو الذي لم يكن قبل ورود ذلك الشغل عليه ممن لا يرتاض بشعر ولا ترسل ولا عادته أن يلجأ إلى فكره ويستعمله في استخراج الخبايا واللطائف فإذا طرقه عارض يحتاج فيه إلى فكر لم يجده وأصابه من الوله والدهش ما ذكرت.
مسألة ما بال أصحاب التوحيد لا يخبرون عن الباري إلا بنفي الصفات
فقيل له: بين قولك وابسط فيه إرادتك.
قال: إن الناس في ذكر صفات الله - تعالى - على طريقتين: فطائفة تقول: لا صفات له كالسمع والعلم والبصر والحياة والقدرة لكنه مع نفي هذه الصفات موصوف بأنه سميع بصير حي قادر عالم.
وطائفة قالت: هذه أسماء لموصوف بصفات هي العلم والقدرة والحياة.
ولا بد من إطلاقها وتحقيقها.
ثم إن هاتين الطائفتين تطابقته على أنه عالم لا كالعالمين وقادر لا كالقادرين وسميع لا كالسامعين ومتكلم لا كالمتكلمين.
وكانت الطائفتان في ظاهر الرأى مثبتة نافية معطية آخذه إلا أن يبين ما يزيد على هذا.
هذا آخر المسألة.
والجواب عنها حرفان مع الإيجاز إن ساعد فهم وتبسيط مع البيان إن احتيج إليه في موضعه إن شاء.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قولك: الجواب عنها حرفان مع الإيجاز فهو قريب مما قلت وذاك أن كل صفة وموصوف يقع عليه وهم وينطلق به لسان فهو جود من الله تعالى وإبداع له ومن منه امتن به على خلقه وليس يجوز أن يوصف الله - تعالى - بما هو مبدع ومخلوق له.
فهذا مع الإيجاز كاف.
ولا بد من أدنى بسط وبيان فنقول: إن البرهان قد قام على أن الباري الأول الواحد هو - عز اسمه - متقدم الوجود على كل معقول ومحسوس وأنه أول بالحقيقة أي ليس له شيء يتقدمه على سبيل علة ولا سبب ولا غيرهما.
وما ليس له علة تتقدمه فوجوده أبداً وما وجوده أبداً فهو واجب الوجود وما كان كذلك فهو لم يزل وما لم يزل فليس له علة فليس بمتركب ولا متكثر لأنه لو كان مركباً أو كان متركباً لكان وقد قلنا إنه أول لم يتقدمه شيء فإذن ليس بمركب ولا متكثر.
والأوصاف التي يثبتها له من يثبتها ليس تخلو من أن تكون قديمة معه أو محدثة بعده.
ولو كانت قديمة معه موجودة بوجوده لكان هناك كثرة ولو كانت كثرة لكانت - لا محالة - متركبة من آحاد.
ولو كانت الآحاد متقدمة أو الوحدة - سيما التي تركبت منها الآحاد - والكثرة متقدمة - لم يكن أولاً وقد قلنا إنه أول.
ولو كانت أوصافه بعده لكان خالياً منها فيما لم يزل وخلصت له الوحدة.
وإنما حدث له ما حدث عن سبب وعلة - تعالى الله وجل عما يقولون المبطلون - وقد قلنا إنه لا سبب له ولا علة.
وأما أطلاقنا ما نطلقه عليه من الجود والقدرة وسائر الصفات فلأن العقل إذا قسم الشيء إلى الإيجاب والسلب أو إلى الحسن والقبيح أو إلى الوجود والعدم - وجب أن ينظر في كل طرفين فينسب الأفضل منهما إليه إن كنا لا محالة مشيرين إليه بوصف مثلاً كأنا سمعنا بالقدرة والعجز وهما طرفان فوجدنا أحدهما مدحاً والآخر ذماً فوجب أن ننسب إليه ما هو مدح عندنا.
ومع ذلك فينبغي ألا نقيس على هذا القدر أيضاً إلا إذا كان معنا رخصة في شريعة أو إطلاق في كتاب منزل لئلانبتدع له من عندنا ما لم تجربه سنة أو فريضة ونحذر كل الحذر من الإقدام على هذه الأمور.
ولأنا ضمنا ترك الإطالة في جميع أجوبة هذه المسائل فلنقتصر على هذا النبذ.
ومن أراد الإطالة والتوسع فيه فليقرأه من موضعه الخاص به من كتابنا الذي سميناه الفوز أو من كتب غيرنا المصنفة في هذا المعنى إن شاء الله.
مسألة لم صار الإنسان في حفظ الصواب أنفذ منه في حفظ الخطأ
شاهد هذا أنك لو سمت الغفل أن يتعلم الأدب ويعتاد الصواب في اللفظ كان أخرى بذلك وأجرأ عليه من قاض أو عدل أو أديب عالم تسوم واحداً منهم ان يتخلق بخلق بعض العامة أو يقتدي بلفظه في خطابه وفساده ولهذا تجد مائة ينشدونك لأبي تمام والبحتري ولا تجد ثلاثة ينشدونك للطرمي وأبي العبر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصواب شيء واحد وله سمت يشير إليه فأما الانحراف عن ذلك السمت والخطأ فيه وعنه فأمر لا نهاية له فلذلك لا يمكن ضبطه.
وإن انحرف عنه منحرف فإنما يكون ذلك منه كما جاء واتفق لا بإشارة من فهم ولا دليل من عقل.
وحفظ مثل هذا عسير جداً إذ كان الحفظ إنما هو تذكر لصورة قيدها العقل وتلك الصورة هي مقتضى العقل أو رسم من رسوم قوى العقل.
فالإنسان معان على هذا الرسم بالفطرة ومعان على تذكره - أيضاً - بالفطرة.
فأما العدول عنه فهو كالعدول عن نقطة الدائرة التي تسمى مركزاً فإن النقطة في الدائرة - التي ليست مركزاً - هي كثيرة بلا نهاية وإنما المحدودة منها على نقطة واحدة أعني التي بعدها من جميع محيط الدائرة بالسواء.
مسألة لم صار العروضي ردىء الشعر قليل الماء
والمطبوع على خلافه ألم تبن العروض على الطبع أليست هي ميزان الطبع فما بالها تخون وقد رأينا بعض من يتذوق وله طبع يخطي ويخرج من وزن إلى وزن وما رأينا عروضياً له ذلك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المطبوع من المولدين يلزم الواحد ولا يخرج عنه مادام طبعه يطيع ذلك.
ولكن سمعنا للشعراء الجاهليين المتقدمين أوزاناً لا تقبلها طباعنا ولا تحسن في ذوقنا وهي عندهم مقبولة موزونة يستمرون عليها كما يستمرون في غيرها كقول المرقش: لابنه عجلان بالطف رسوم لم يتعفين والعهد قديم وهي قصيدة مختارة في المفضليات ولها أخوات لا أحب تطويل الجواب بإيرادها - كانت مقبولة الوزن في طباع أولئك القوم وهي نافرة عن طباعنا نظنها مكسورة.
وكذلك قد يستعملون من الزخاف في الأوزان التي تستطيبها ما يكون عند المطبوعين منا مكسوراً وهي صحيحة.
والسبب في جميع ذلك أن القوم كانوا يجبرون بنغمات يستعملونها مواضع من الشعر يستوى بها الوزن.
ولأننا نحن لا نعرف تلك النغمات إذا أنشدنا الشعر على السلامة لم يحسن في طباعنا والدليل على ذلك أنا عرفنا في بعض الشعر تلك النغمة حسن عندنا وطاب في ذوقنا كقول الشاعر: إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلاً دمه ما يطل فإن هذا الوزن إذا أنشد مفكك الأجزاء بالنغمة التي تخصه طاب في الذوق وإذا أنشد كما ينشد سائر الشعر لم يطب في كل ذوق.
وهذه سبيل الزحاف الذي يقع في في الشعر مما يطيب في ذوق العرب وينكسر في ذوقنا.
لولا أن الموسيقا مركوزة في الطباع ووزن النغم ومقابلة بعضه بعضاً مجبولة عليه النفس لما تساعدت النفوس كلها على قبول حركات أخر بعينها.
وتلك الحركات المقبولة هي النسب التي يطلبها الموسيقي ويبني عليها رأيه وأصله.
والعروضي إنما يتبع هذه الحركات والسكنات التي في كل بيت فيحصلها بالعدد وبالأجزاء المتقابلة المتوازنة.
فإن نقص جزء من الأجزاء ساكن أو متحرك فإنما يجبره المنشد بالنغمة حتى يتلافاه.
فمتى ذهب عنه ذلك لم يستقم في ذوقه ولم يساعد عليه طبعه.
فأما من نقص ذوقه في العروض فإنما ذلك للغلط الذي يقع له في بعض الزحافات التي يجيزها العروض وله مذهب عند العرب فيقع لصاحب الذوق الذي لا يعرف تلك النغمة التي تقوم بذلك الزحاف - أنه جائز في كل موضع فيغلط من ههنا ويتهم أيضاً طبعه حتى يظن أن المنكسر من الشعر أيضاً هو في معنى المزاحف وأنه كما لم يمتنع المزحوف من الجواز كذلك لا وهذا غلط قد عرف وجهه ومذهب صاحبه فيه.
وأما واضع العروض فقد كان ذا علم بالوزن وصاحب ذوق وطبع فاستخرج صناعة من الطباع الجيدة تستمر لمن ليست له طبيعة جيدة في الذوق ليتمم بالصناعة تلك النقيصة.
وكذلك الحال في صناعة النحو والخطابة وما يجري مجراها من الصنائع العلمية.
وليس يجري صاحب الصناعة وإن كان ماهراً في صناعته - مجرى الطبع الجيد الفائق.
مسألة ما معنى قول بعض القدماء العالم أطول عمراً من الجاهل بكثير
وإن كان أقصر عمراً عنه.
ما هذه الإشارة والدفنية فإن ظاهرها مناقضة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين من مباحث الفلسفة أن الحياة على نوعين: أحدهما حياة بدنية وهي البهيمية التي تشاركنا فيها الحيوانات كلها.
وحياة نفسية وهي الحياة الإنسانية التي تكون بتحصيل العلوم والمعارف.
وهذه هي الحياة التي تجتهد الأفاضل من الناس في تحصيلها.
فالواجب أن يظن بالجاهل الذي يحيا حياة بدنية أنه ليس بحي بتة أعني أنه ليس بإنسان ولا فأما العالم فالواجب أن يقال فيه: إنه هو الحي بالحقيقة كما أن غيره هو الميت.
مسألة لم صارت بلاغة اللسان أعسر من بلاغة القلم
وما القلم واللسان إلا آلتان وما مستقاهما إلا واحد فلم نرى عشرة يكتبون ويجيدون ويبلغون وثلاثة منهم إذا نطقوا لا يجيدون ولا يبلغون والذي يدلك على قلة بلاغة اللسان إكبار الناس البليغ باللسان أكثر من إكبارهم البليغ بالقلم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ذلك لأن البلاغة التي تكون بالقلم تكون مع روية وزمان متسع للانتقاد والتخير والضرب والإلحاق وإجالة الروية لإبدال الكلمة بالكلمة.
ومن تبادل بالكلام متى لم يكن لفظه ومعناه متوافيين عرض له التتعتع والتلجلج وتمضغ الكلام وهذا هو العي المكروه المستعاذ منه.
فأما البليغ فهو حاضر الذهن سريع حركة اللسان بالألفاظ التي لا يقتصر منها أن يبلغ ما في نفسه من المعنى حتى تتفرغ له قطعة من ذلك الزمان السريع إلى توشيح عبارته وترتيبها باختيار الأعذب قالأعذب وطلب المشاكلة والموازنة والسجع وكثير مما يحتاج في مثله إلى الزمان الكثير والفكر الطويل.
من بين هذا الحيوان فقد قال أبو زيد البلخي الفلسفي كلاماً سأحكيه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا الرجل الفاضل الذي ذكرته إذا كان يوجد له كلام في هذا المعنى فالأولى بنا أن نستعفيك الكلام فيه.
وإذا كنت غير معفينا فالأولى أن نكتفي بالإيماء إلى المعنى دون الإطالة فنقول: إن الحرارة إذا كانت مادتها لطيفة مواتية في الرطوبة والاستجابة إلى الامتداد فهي تمد الجسم الذي تعلقت به إلى جهتها - أعني العلو - مداً مستقيماً.
وإنما يعرض الانكباب والميل إلى جهة الأرض لشيئين: إما لضعف الحرارة وإما لقلة استجابة المادة التي تعلقت بها.
وأنت تتبين ذلك وتتأمله في الأشجار التي بعضها ينشعب بشعب مر جحنة نحو الأرض.
وبعضها ممتدة على جهة الاستقامة إلى فوق.
وبعضها مركبة الحركة بحسب مقاومة المادة لأن حركة الشيء المركب وما كان من الشجر والنبات ممتداً على وجه الأرض غير منتصب فهو لكثرة الأجزاء الأرضية فيه ولضعف الحرارة وما كان الشجر منتصباً وقد تشعبت منه نحو الأرض ويميناً وشمالاً فلأن حركة النار والأرض قد تركبتا فحدث منهما هذا الشكل المركب بين الانتصاب والارجحنان.
وما كان الشجر ممتداً كالقضيب إلى فوق كالسرو وما أشبهه فلأن أجزاءه الأرضية والرطوبة المائية فيه لطيفة والحرارة قوية فلم يمتنع من الحركة المستقيمة التي تحركها النار.
وإذا تأملت حق التأمل هذه الأمثلة لم يعسر عليك نقلها إلى الحيوان إن شاء الله.
مسألة لم صار اليقين إذا حدث وطرأ لا يثبت ولا يستقر والشك إذا عرض أرسى وربض يدلك على هذا أن الموقن بالشيء متى شككته نزا فؤاده وقلق به والشاك متى وقفت به وأرشدته وأهديت الحكمة إليه لا يزداد إلا جموحاً ولا ترى منه إلا عتواً ونفوراً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أظن السائل عن اليقين لم يعرف حقيقته وظن ان لفظة اليقين تدل على المعرفة المرسلة أو على الإقناع اليسير.
وليس الأمر كذلك فإن مرتبة اليقين أعلى مرتبة تكون في العلم وليس يجوز أن يطرأ عليه شك بعد أن صار يقيناً.
وكذلك من علم أن زوايا المثلث مساوية لقائمتين ليس يجوز أن يشك فيه.
وهذه سبيل العلوم المتيقنة بالبراهين وبالأوائل التي بها تعلم البراهين.
فأما ما دون اليقين فمراتبه كثيرة على ما بين في كتاب المنطق.
والشكوك تعترض كل مرتبة بحسب منزلتها من الإقناع.
وإذا كان الأمر كذلك فليس يرد قلب المتيقن - أبداً - شك ينزو منه فؤاده بل قار وادع لا تحرك منه الشكوك بتة.
فأما ما ذكرته من أن الشاك إذا أرشد وأهديت له الحكمة لا يزداد إلا جموحاً فإن ذلك يعترض لأحد شيئين: إما لأن المرشد لم يتأت للشاك ولم يدرجه إلى الحكمة فحمله ما لا يضطلع به وإما لأن الحكيم ربما نهى عن أشياء يميل إليها الطبع بالهوى.
وقد علمت بما بيناه فيما تقدم أن تقدم أن قوى الهوى أغلب وأقوى فينا من قوى العقل فيصير حاله حال من يجدنه حبلان أحدهما ضعيف والآخر قوى - لا محالة - يستجيب للأقوى إلى أن تقوى عزيمته على الأيام فيضعف القوى ويقوى الضعيف كما أشار به الحكماء وشرعه الأنبياء.
والمضحك إذا لم يضحك - أكثر من ضحكهم منه إذا ضحك وهذا عارض موجود في كل من ألهاك ولم يضحك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن من شأن المضحك أن يتطلب أموراً معدولة عن جهاتها ليستدعي بذلك تعجب السامع وضحكه.
وإذا لم يضحك هو إنما يدل من نفسه أنه متماسك غير مكترث للسبب الذي من شأنه أن يعجب منه ويضحك فيتضاد الحال بالتسامع حتى يقترن إلى السبب الأول السبب الثاني.
مسألة ما معنى قول العلماء على طبقاتهم النادر لا حكم له هكذا تجد الفقيه والمتكلم والنحوي والفلسفي.
فما سر هذا وما علمه وعلته ولم إذا ندر خلا من الحكم وإذا شذ عرى من التعليل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس الأمر على ما ظننته من أن جميع الطبقات من العلماء يستعملون هذه اللفظة.
وإنما يستعملها منهم من كانت طبقته في العلوم المأخوذة من التصفح والآراء المشهورة فإن هذه أوائل عند قوم في علومهم.
وأعني بقولي أوائل أي أنهم يجعلونها مبادىء مسلمة بمنزلة الأشياء الضرورية من مبادىء الحس والعقل فإذا فعلوا ذلك لم يخل من أن يرد عليهم ما يخالف أصولهم فيجعلونه نادراً وشاذاً مثال ذلك: أنه تصفح رجل منهم يوماً في السنة كيوم السبت من كانون أنه يجىء فيه مطر وبقي إلى ذلك سنين - حكم بأن هذا واجب لا بد منه.
فإن انتقض عليه ذلك زعم أنه شاذ نادر.
وكذلك من يتبرك بيوم في الشهر ويتشاءم بآخر كما تفعله الفرس بأول يوم من شهرهم المسمى هرمز وبآخر يوم المسمى بانيران فإنه لا يزال يحكم بأن هذا على الوتيرة فإن انتقض قالوا هذا شاذ ونادر.
وكذلك حال من حكم بحكم مأخوذ من أوائل غير طبيعية وغير ضرورية فإنه غير مستمر له استمرار العلوم المبرهنة المأخوذة الأوائل من الأمور الضرورية.
وأنت ترى ذلك عياناً ممن لا يعرف علل الأشياء ولا أسبابها من جمهور الناس فإن أحدهم إذا رأى أمراً حدث عند حضور أمر آخر نسبه إليه من غير أن يبحث هل هو علته أم لا.
وذلك أنه إذا رأى حالاً تسره عند حضور زيد زعم أن سبب ذلك الحال زيد.
فإن اتفق حضور زيد مرة أخرى واتفقت له حال أخرى سارة قوى ظنه وزادت بصيرته وكذلك تكون الحال في أكثر أمور هذا الصنف من الناس.
لا جرم أنه متى انتقض الأمر زعموا أنه شاذ.
ولهذه الحال عرض كثير وذلك أنه ربما مازج أسباباً صحيحة كما يحكم في الشتاء أنه يجيء مطر يوم كذا لأنه كذلك اتفق في العام الماضي.
فلأن الوقت شتاء ربما اتفق ذلك مراراً كثيرة ولكن ليس سبب المطر ذلك اليوم بل له أسباب أخر وإن اتفق فيه.
فأما الرجل الفلسفي فإنه إذا تشبه بغيره أو أخذ مقدماته من مثل تلك المواضع عرض له - لا محالة - ما عرض لغيره.
ولذلك وجب أن تنزل الأمور منازلها فما كان منها ذا برهان لم يتغير ولم ينتظر ورود ضد عليه ولا شك فيه.
وإذا كان غير ذي برهان إلا أن له دليلاً مستمراً صحيحاً سكن إليه وثق به.
فأما ما ينحط إلى الإقناعات الضعيفة فينبغي ألا يسكن إليه ولا يوثق به وانتظر أن ينقضه شيء طارىء عليه ولم يمتنع من الشكوك والاعتراضات عليه.
أنه لا يجوز أن يتفق أن يمس أهل محلة لحاهم في ساعة واحدة وفصل واحد وحال واحدة.
وإن جاز هذا فهل يجوز في جميع من في العالم وإن كان لا يجوز أن يتفق هذا فما علته فإن المتكلم سكت عند الأولى حين ذكر اليقين والضرورة.
ولعمري إن الغشاء حق ولكن العلة باقية.
وسيمر بيان ذلك على حقيقته في الشوامل إن شاء الله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الكلام على الواجب والممتنع والممكن قد استقصاه أصحاب المنطق وبلغ صاحب المنطق فيه الغاية.
والذي يليق بهذا الموضع هو أن يقال: إن الواجب من الأمور هو الذي يصدق فيه الإيجاب ويكذب فيه السلب أبداً.
والممتنع ما يكذب فيه الإيجاب ويصدق فيه السلب أبداً.
والممكن ما يصدق فيه الإيجاب أحياناً ويكذب فيه أحياناً ويكذب فيه السلب أحياناً ويصدق أحياناً.
فإذا كانت طبائع هذه الأمور مختلفة فمسألتك هذه من طبيعة الممكن.
فإن جوز فيه أن يكون جميع الناس يفعلونه في حال واحدة ضير من طبيعة الواجب.
وأيضاً فإن أرسططاليس قد تبين أن المقدمات الشخصية في المادة الممكنة والزمان المستقبل لا تصدق معاً ولا تكذب معاً ولا تقتسم الصدق والكذب مثال ذلك زيد يستحم غداً ليس يستحم زيد.
فإن هاتين المقدمتين ليس يجوز أن تصدقا معاً لئلا يكون شيء واحد بعينه موجوداً وغير موجود.
ولا يجوز أن تكذبا معا لئلا يكون شيء واحد موجوداً وغير موجود ولا يمكننا أن نقول إنهما تقتسمان الصدق والكذب لئلا يرفع بذلك الممكن.
وهذا قول محير فلذلك ألطف أرسططاليس فيه النظر فقال: إن الشيء الممكن إنما يصدق عليه الإيجاب أو السلب على غير تحصيل.
والشيء الواجب والممتنع يصدق عليهما الإيجاب والسلب على تحصيل.
أعني أنه إنما يقتسم الصدق والكذب المقدمات الممكنة بأن توجد على طبيعتها الإمكانية.
فأما الضرورية فإنها تقتسم الصدق والكذب على أنها ضرورية.
وهذا كلام بين واضح لمن ارتاض بالمنطق أدنى رياضة.
ومن أحب أن يستقصيه فليعد إليه في مواضعه يجده شافياً.
فقيل له: أيستمر القياس في جميع ما يذهب إليه من الألفاظ فقال: لا.
فقال السائل: فينكسر القياس في جميع ذلك فقال: لا.
فقيل له: فما السبب فقال: لا أدري ولكن القياس يفزع إليه في موضع ويفزع منه في موضع.
وعرضت هذه المسألة على فيلسوف فأفاد جواباً سيطلع عليك مع إشكاله إن شاء الله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قياس النحو فليس مبيناً على أوائل ضرورية فلذلك لا يستمر وإنما أجاب هذا الرجل العالم بالنحو عن القياس الذي يخص صناعته ولم يلزمه إلا ذلك.
فأما الفيلسوف فقياساته كلها مستمرة لا ينكسر منها شيء لا سيما ضرب من القياس وهو المسمى برهاناً.
وقد تقدم - في المسألة المتقدمة إن النادر لا حكم له كلام يصلح أن يجاب به ههنا فلتعد إليه إن شاء الله.
مسألة سأل سائل هل خلق الله - تعالى - العالم لعلة أو لغير علة
فإن كان لعلة فما هي وإن كان لغير علة فما الحجة الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس يجوز أن يقال: إن الله خلق العالم لعلة لما تقدم من قولنا إن العلة سابقة للمعلول بالطبع.
فإن كانت العلة أيضاً معلولة لزم أن تكون لها علة تتقدمها.
وهذا مار بغير نهاية وما لا نهاية له يصح وجوده.
فإذن لا بد من أن يقال أحد شيئين: إما أن العلة لا علة لها وإما أن العالم لا علة له غير ذات الباري - تعالى ذكره - فإن قيل: إن للعالم علة غير ذات الباري - تعالى - فإن تلك العلة لا علة لها.
فيجب من ذلك أن تكون العلة أزلية لأنها واجبة الوجود.
وإذا كانت كذلك لزم فيها جميع ما سلم في ذات الباري - تعالى - ولو كان كذلك أولاً لم يزل.
وقد قلنا في الباري - تعالى - ذلك بالبراهين التي تأدت إلى القول به.
وليس يجوز ان يكون شيئان لهما هذا الوصف أعني أن كل واحد منهما اول لم يزل.
وذلك أنه لا بد أن يتفقا في شيء صار كل واحد منهما أول وأن يختلفا في شيء به صار كل واحد منهما غيراً لصاحبه.
وذلك الشيء الذي اشتركا فيه والذي تباينا به لا بد أن يكون فصلاً مقوماً أو مقسماً فيصير فالجنس متقدم على النوع بالطبع.
والنوع الذي يلزمه فصل مقوم ليس بأول لأنه مركب من ذات وفصل مقوم.
والمركب متأخر عن بسيطه الذي تركب منه.
فهذه أحوال يناقض بعضها بعضا ولا يصح معها أن يدعى في شيئين أن كل واحد منها اول لم يزل.
وشرح هذا المعنى وإن طال فهو عائد إلى هذا النبذ الذي يكتفي به ذو القريحة الجيدة والذكاء التام.
مسألة لم يضيق الإنسان في الراحة إذا توالت عليه وفي النعمة إذا حالفته
وبهذا الضيق يخرج إلى المرح والنزوان وإلى البطر والطغيان وإلى التحكك بالشر والتمرس به حتى يقع في كل مهوى بعيد وفي كل امر شديد.
ثم يعض على أنامله غيظاً على نفسه بسوء اختياره وأسفاً على تركه محمود الرأى ومجانبته نصيحة الناصحين مع ما يجد من الألم في صدره من شماتة الشامتين.
أي أطفاه الشبع وأبطرته الكفاية وأترفته النعمة حتى بطر وأشر واضطرب وانتشر.
ومن أجل ذلك قال بعض السلف الصالح: العافية ملك خفي لا يصبر عليها إلا ولى ملهم أو نبي مرسل.
هذا والناس مع اختلافهم يحبون العافية ويميلون إلى الراحة ويعوذون من الشر ومما يورث منه ويستعقب عنه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: السبب في ذلك ان الراحة إنما تكون عن تعب تقدمها لا محالة.
وجميع اللذات يظهر فيها أنها راحات من آلام.
وإذا كانت الراحة إنما تكون عن تعب فهي إنما تستلذ وتستطاب ساعة يتخلص من الشيء المتعب.
فإذا اتصلت الراحة وذهب ألم التعب لم تكن الراحة موجودة بل بطلت وبطل معناها.
ومع بطلانها بطلان اللذة.
ومع بطلان اللذة غلط الإنسان في الشوق إلى اللذة التي يجهل حقيقتها.
أعني أنه يشتاق إلى معنى اللذة ويجهل أنها راحة من ألم.
وهذا المعنى إذا لاح للعالم به وتبينه لم يشتق إلى اللذة بتة وصار قصاراه إذا آلمه الجوع أن يداويه بالدواء الذي يسمى الشبع لا أنه يقصده اللذة نفسها بل يرى اللذة شيئاً تابعاً لغرضه لا أنها مقصودة الأول ولذلك يزهد العالم في الأشياء البدنية أعني الدنيوية وهي ما يتصل بالحواس وتسمى لذيذة.
فأما الجاهل فلأنه يعترض له ما ذكرناه بالضرورة صار يقع فيه دائماً فيحصل في هموم وآلام وامراض لا نهاية لها.
وعاقبه جميع ذلك الندم والأسف.
مسألة لم صار بعض الأشياء تمامه أن يكون غضاً طرياً ولا يستحسن
ولا يستطاب إلا كذلك وبعض الأشياء لا يختار ولا يستحسن إلا إذا كان عتيقاً قديماً قد مر عليه الزمان ولم لم تكن الأشياء كلها على وجه واحد عند الناس وما السبب في انقسامها على هذين الوجهين ففيه سر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت كمالات الأشياء المختلفة أعني ان بعضها تتم صورته التي هي كماله في زمان قصير وبعضها تتم صورته في زمان طويل - كان انتظار الإنسان للكمال منها وتفضيله إياها بحسبه.
ولما كان الشيء يبتدىء وينتهي إلى الكمال ثم ينحط حتى يتلاشى ويعود إلى ما منه بدأ - كان أفضل أحواله وقت انتهائه إلى الكمال.
فأما حين صعوده إليه أو انحطاطه عنه فحالان ناقصان وإن كانت الأولى أفضل من الثانية.
ولما كانت هذه القضية مستمرة فيما كان في عالمنا هذا أعني عالم الكون والفساد - وجب من ذلك أن تكون استطابة الناس واستحسانهم لصورة الكمال في واحد واحد من الأشياء المختلفة أيضاً مختلفاً لأجل ما ذكرناه.
مسألة لم صار الإنسان إذا صام أو صلى زائداً عن الفرض المشترك فيه
حقر غيره واشتط عليه وارتفع على مجلسه ووجد الخنزوانة في نفسه وطارت النعرة في أنفه حتى كأنه صاحب الوحي أو الواثق بالمغفرة والمنفرد بالجنة.
وهو مع ذلك يعلم أن العمل معرض للآفات وبها يحبط ثواب صاحبه ولهذا قال الله - تعالى - {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} ولما يعرض له من هذا العارض علة ستنكشف في جواب المسألة وكان بعض أصحابنا يضحك بنادرة في هذا الفصل قال: أسلم يهودى غداة يوم فما أمشى حتى ضرب مؤذناً وشتم آخر وغضب على آخر.
فقيل له: ما هذا أيها الرجل فقال: نحن معاشر القراء فينا حده!.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: كل من استشعر في نفسه فضيلة وكان هناك نقصان من وجه آخر وخشى أن تنكتم تلك الفضيلة أو لا يعرفها غيره منه - عرض له عارض الكبر لأن معنى الكبر هو هذا.
أي أن صاحبه يلتمس من غيره أن يذعن له بتلك الفضيلة ويعرفها له.
فإذا لم يعرفها تحرك ضروب الحركة المضطربة ولهذا صدق القائل: ما تكبر أحد إلا عن ذلة يجدها في نفسه.
وإنما السلامة من هذا العارض هو أن يلتمس الإنسان الفضيلة لنفسه لا لشيء آخر أكثر من أن يصير هو بنفسه فاضلاً لأن يعرف ذلك منه أو يكرم لأجله.
فإن اتفق له أن يعرف فشيء موضوع في موضعه وإن لم يعرف له ذلك لم يلتسمه من غيره ولم يكترث لجهل غيره به.
ولأجل محبة الكرامة تعرض قوم للمتالف وعرض لقوم الصلف ولآخرين الهرب من الناس إلى غير ذلك من المكار.
والذي يجب على العاقل هو أن يلتمس الفضائل في نفسه ليصير بها على هيئة كريمة ممدوحة في ذاته أكرم أم لم يكرم وعرف ذلك له أم لم يعرف.
ويجعل مثاله في ذلك الصحة فإن الصحة تطلب لذاتها ويحرص المرء عليها ليصير صحيحاً حسب لا ليعتقد فيه ذلك ولا ليكرم عليها.
وذلك إذا جعلت له صحة النفس بحصول الفضائل لا ينبغي أن يطلب من الناس أن يكرموه لها ولا أن يعتقدوا فيه ذلك.
ومتى خالف هذه الوصية وقع في ضروب من الجهالات التي أحدها الكبر والحالة التي وصفت.
مسألة حكى بعض أصحابنا
أن الرشيد قال لإسحاق الموصلي كيف حالك مع الفضل بن يحيى وجعفر بن يحيى فقال: يا أمير المؤمنين أما جعفر فإني لا أصل إليه إلا على عسر فإذا وصلت إليه قبلت يده فلا يلتفت إلى بطرف ولا ينعم لي بحرف.
واما الفضل فإني ما أغشى بابه إلا ويتلقاني ويهش لي ويخصني ويسألني عن دقيق أمري وجليله ويصحبني من بشره وطلاقة وجهه وتهلله ورقة نغمته - ما يغمرني ويعجزني عن الشكر وأبقى خجلاً في أمره وليس غير ذلك.
فقال الرشيد عند هذا الحديث: يا أبا إسحاق فأيهما عندك آثر وفعل أيهما من نفسك أوقع فقال: فعل الفضل.
هذا آخر الحكاية.
وموضع المسألة منها: ما السبب في تشريف إسحاق فعل الفضل دون فعل جعفر والفضل مبذولة عرض لا بقاء له ولا منفعة به.
ومبذول جعفر جوهر له بقاء والحاجة إليه ماسة والرغبات به منوطة والآمال إليه مصروفة.
الدليل على ذلك أنك لا تجد طالباً في الدنيا لبشر رجل ولا ضارباً في الأرض لبشاشة إنسان.
وأنت ترى البر والبحر مترعين بمنتجعي المال وأبناء السؤال وخدم الآمال عند الرجال.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الحكاية فأظنها مقلوبة.
وذلك أن الموصوف بالكبر هو الفضل وهو صاحب الشرف في العطاء وأما جعفر فهو إلا أن المتفق عليه أن إسحاق فضل صاحب الطلاقة - وإن كان في الأكثر خالياً من بره على صاحب البر والعطاء الجزيل لما قرنه بالكبر والتيه.
والناس على تفاوت عظيم في الموضع الذي سألت عنه وتعجبت منه.
وذلك أن منهم المحب للثروة واليسار ومنهم المحب للكرامة والجاه.
فأما محب الثروة فقد يحب الجاه والكرامة ولكن ليكتسب بهما مالاً.
وأما محب الجاه والكرامة فقد يحب المال والثروة ولكن ليكتسب جاهاً وينال كرامة.
وكل طائفة من هاتين الطائفتين تزعم أنها هي الكيسة وأن صاحبتها هي الغافلة البلهاء.
والصحيح من ذلك ان كل واحد منهما ينازع إلى أمر طبيعي وإن كان قد مال السرف بهما جميعاً إلى الإفراط وذاك أن المال ينبغي أن يعتدل في طلبه ويكتسب من وجهه ثم ينفق في موضعه.
فمتى قصر في أحد هذه الوجوه صار شرها وأورث ذلة وكسب بخلاً وإثماً.
وأما الكرامة فينبغي أن تكون في الإنسان فضيلة يستحق بها أن يكرم لا أن تطلب الكرامة بالعسف أو بالكبر الذي ذممناه فيما تقدم من المسائل آنفاً.
فإذا كان الأمر على ما ذكرناه وكانت الكرامة تابعة للفضيلة فالكرامة أشرف من المال تتبعه وبالجملة فإن المال ليس بمطلوب لذاته بل هو آلة يوصل به إلى المآرب والأشجان الكثيرة.
وإنما يحب لأنه بإزاء جميع المطلوبات أي به يتوصل إلى المحبوبات فأما في نفسه فهو حجر لا فرق بينه وبين غيره إذا نزعت عنه هذه الخصلة الواحدة.
فأما الكرامة فقد تطلب لذاتها إذا كان الطالب لها من جهة الاستحقاق بالفضيلة وذلك لما تحصل عليه النفس من الالتذاذ الروحاني والسرور النفساني.
وإن كانت من جهة النفس الغضبية فإن هذه النفس وإن كانت دون الناطقة فإنها فوق النفس البهيمية التي تلتذ اللذات البدنية التي تشارك فيها النبات والخسيس من الحيوانات.
فأما قولك: إنك تجد محبي المال أكثر من محبي الكرامة فكذا يجب أن يكون لأن أكثر الناس هم الذين يشبهون البهائم وإنما يتميز القليل منهم بالفضائل.
فكما أن المتميزين بفضائل النفس الناطقة من القليل فكذلك المتميزون بفضائل النفس الغضبية أقل من الجمهور.
مسألة ما بال خاصة الملك والدانين منه والمقربين إليه لا يجري من ذكر الملك على ألسنتهم مثل ما يجري على ألسنة الأباعد منه
مثل البوابين والشاكرية الساسة فإنك تجد هؤلاء على غاية التشيع بذكره ونهاية الدعوى في الإشارة إليه والتكذب عليه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لسببين: أحدهما أن الأقربين إلى الملوك هم المؤدبون المستصلحون لخدمتهم.
وفي جملة الآداب التي أخذوا بها ترك ذكر الملك فإن في ذكرهم إياه ابتذالاً له وانتهاكاً لهيبته وهتكاً لحرمته.
فأما أولئك الطبقة فلسوء آدابهم لا يميزون ولا يأبهون لما ذكرته فهم يجرون على طباع العامة اللائقة بهم في الافتخار بما لا أصل له وادعاء ما لا حقيقة له ولظنهم أنهم ينالون بذلك كرامة ومحلاً عند أمثالهم.
وأما السبب الآخر فخوف حاشية الملك من عقوبته فإن الملك يعاقب على هذا الذنب ويراه سياسة له لئلا يتعدى ذاكروه إلى إفشاء سر وإخراج حديث لا ينبغي إخراجه.
مسألة ما الشبهة التي عرضت لابن البصري فيما تفرد به من مقالته
حين زعم أن الله - تعالى - لم يزل ناظراً إلى الدنيا رائياً لها مدركاً فإن شغبه وشغب ناصريه وأصحابه قد كثر بين العلماء.
فما وجه باطله إن كان قد أبطل وما وجه الحق إن كان قد حقق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما شبهة صاحب هذه المقالة فمركبة وذلك أنه لحظ إدارك الحي منا فوجده بنوعين: أحدهما عقلي والآخر حسي.
والحسي منه وهمي ومنه بصري.
فأما الحسي البصري فإنما يدرك المبصر بآلة ذات طبقات ورطوبات وقصبة مجوفة ذاتية من بطن الدماغ ويحتاج إلى جرم مستشف يكون بينه وبين المبصر وإلى ضوء معتدل ومسافة معتدلة وألا يكون بينهما حاجز ولا مانع.
وأما الوهم فقد ذكرنا من أمره أنه يتبع الحس فلا يجوز أن يتوهم ما لا يدرك أو يدرك له نظير.
وأما الإدراك العقلي فليس يحتاج إلى شيء من الحواس بل للعقل نفسه قوة ذاتية بها يدرك الأشياء المعقولة.
والكلام على هذا الإدراك ألطف وأغمض من الكلام في الإدراك الحسي.
ولما اختلطت على صاحب المسألة هذه الإدراكات وعلم أن الباري - جلت عظمته - عالم بالأمور الكائنة سمي هذا العلم إدراكاً وظنه من جنس إدراكنا وعلومنا الوهمية فتركبت الشبهة له من الظنون الكاذبة.
وتحقيق هذه الإدراكات وتمييزها حتى يعلم ما يختص به الحي منا ذو العقل والحس وكيف تكون إدراكاته للأمور الموجودة وتنزيه الباري - جل اسمه - عن جميعها إذ كانت هذه كلها منا انفعالات أعني العلوم والمعارف كلها وأنه لا يجوز أن نعلم شيئاً محسوساً ولا معقولاً بغير انفعال وأن الله تقدس وتعالى ذكره - ليس بمنفعل وإنما يعلم الأشياء بنوع أعلى وأرفع مما نعلمه - أمر صعب يحتاج فيه إلى تقدمة علوم كثيرة.
وفيما ذكرناه كفاية في إيضاح وجه شبهة لهذا الرجل فيما ذهب إليه.
مسألة حدثني عن ولوع الشاعر بالطيف وتشبيبه به واستهتاره بذكره وهكذا تجد أصناف الناس
وهذا معروف عند من عبثت به الصبابة ولحقته الرقة وألفت عينه حلية شخص ومحاسنه وعلق فؤاده هواه وحبه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الطيف هو اسم لصورة المحبوب إذا حصلته النفس في قوتها المتخيلة حتى تكون تلك الصورة نصب عينه وتجاه وهمه كلما خلا بنفسه.
وهذه حال تلحق كل من لهج بشيء فإن صورته ترتسم في قوته هذه التي تسمى المتخيلة وتكون ببطن الدماغ المقدم.
فإذا تكررت هذه الصورة على المحبوب على هذه القوة انتقشت فيها ولزمها.
فإذا نام الإنسان أو استيقظ لم تخل من قيام تلك الصورة فيها ويجد المشتاق في النوم خاصة إنسانه لأن النوم يتخيل فيه أشياء مما في نفسه فربما رأى في النوم أنه قد وصل إليه الوصول الذي يهواه فيكون من ذلك الاحتلام واستفراغ المادة التي تحركه إلى الشوق والاجتماع مع المحبوب فيزول عنه أكثر ذلك العارض ويصير سبباً لبرء تام فيما بعد.
مسألة ما السبب في ترفع الإنسان عن التنبيه على نفسه بنشر فضله وعرض حاله
وإثبات اسمه وإشاعة نعته وليس بعذ هذا إلا إثبات الخمول.
والخمول عدم ما وهو إلى النقص ما هو لأن الخامل مجهول والمجهول نقيض المعدوم.
ولا تبارى في المعدوم ولا تمارى في الموجود.
وكان منشأ هذه المسألة عن حال هذا وصفها: عرض بعض مشايخنا كتاباً له صنفه علينا فلم نجده ذكر على ظهره: تأليف فلان ولا تصنيفه ولا ذكر اسمه من وجه الملك.
فقلنا له: ما هذا الرأى.
فقال: هو شيء يعجبني لسر فيه.
ثم أخرج لنا كتباً قد كتبها في الحداثة فيها اسمه وقال: هذا أثر أيام النقص.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الفضل ينبه على نفسه وليست حاجة إلى تنبيه الإنسان عليه من نفسه.
وذاك أن الفضائل التي هي بالحقيقة فضائل تشرق إشراق الشمس ولا سبيل إلى إخفائها لو رام صاحبها ذلك.
وأما الشيء الذي يظن أنه فضيلة وليس كذلك فهو الذي يخفى.
فإذا تعاطى الإنسان مدح نفسه وإظهار فضيلته بالدعوى تصفحت العقول دعواه فبان عواره وظهر الموضع الذي يغلط فيه من نفسه.
فإن اتفق أن يكون صادقاً وكانت فيه تلك الفضيلة فإنما يدل بتكلف إظهارها على أنه غير واثق بآراء الناس وتصفحهم أو هو واثق ولكنه يتبجح عليهم ويفخر.
فأما الإنسان الكبير الهمة فإنه يستقل لنفسه ما يكون فيه من الفضائل لسموه إلى ما هو أكثر منه ولأن المرتبة التي تحصل للإنسان من الفضل وإن كانت عالية فهي نزر يسير بالإضافة إلى ما هو أكثر منه.
وهو متعرض لطباع الإنسان مبذول له وإنما يمنعه العجز الموكل بطبيعة البشر عن استيعابه وبلوغ أقصاه أو يشغله عنه بنقائص تعوقه عن التماس الغاية القصوى من الفضائل البشرية.
مسألة سأل سائل عن النظم والنثر وعن مرتبة كل واحد منهما
ومزية أحدهما ونسبة هذا إلى هذا وعن طبقات الناس فيهما فقد قدم الأكثرون النظم على النثر ولم يحتجوا فيه بظاهر القول وأفادوا مع ذلك به وجانبوا خفيات الحقيقة فيه وقدم الأقلون النثر وحاولوا الحجاج فيه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النظم والنثر نوعان قسيمان تحت الكلام والكلام جنس لهما.
وإنما تصح القسمة هكذا: الكلام ينقسم إلى المنظوم وغير المنظوم.
وغير المنظوم ينقسم إلى المسجوع.
ومثال ذلك مما جرت به عادتك أن تقول: الكلام بما هو جنس يجري مجرى قولك الحي.
فكما أن الحي ينقسم إلى الناطق وغير الناطق.
ثم إن غير الناطق ينقسم إلى الطائر وغير الطائر.
ولا تزال تقسمه حتى ينتهي إلى آخر أنواعه.
ولما كان الناطق والطائر يشتركان في الحي الذي هو جنس لهما ثم ينفصل الناطق عن الطائر بفضل النطق - فكذلك النظم والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس لهما ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل الوزن الذي به صار المنظوم منظوماً.
ولما كان الوزن حلية زائدة وصورة فاضلة على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن.
فإن اعتبرت المعاني مشتركة بين النظم والنثر.
وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر بل يكون كل واحد منهما صدقاً مرة وكذباً مرة وصحيحاً مرة وسقيماً أخرى.
ومثال النظم من الكلام مثال اللحن من النظم فكما أن اللحن يكتسي منه النظم صورة زائدة على ما كان له كذلك صفة النظم الذي يكتسى منه الكلام صورة زائدة على ما كان له.
هي جوهر نثر فإن ألفته بالنظم صار قلائداً وعقوداً.
مسألة لم صار الحظر يثقل على الإنسان
وكذا الأمر إذا ورد أخذ بالمخنق وسد الكظم وقد علمت أن نظام العالم يقتضي الأمر والنهي ولا يتمان إلا بآمر وناه ومأمور ومنهي.
وهذه أركان ودعائم.
ولكن ههنا مكتومة بالإشراف عليها يكمل الإنسان فيعرف الملتبس من المتخلص.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأمر الذي أومأت إليه والحظر إنما يقعان في جنس الشهوات التي تجمح بالإنسان إلى القبائح وبلزوم الأعمال التي فيها مشقة وتؤدى إلى المصالح.
ولما كان الإنسان ميله بالطبع إلى تعجل الشهوات غير ناظر في أعقاب يومه وإلى الهويني والراحة في عاجل اليوم دون ما يكسب الراحة طول الدهر - ثقل عليه حظر شهواته والأمر الذي يرد عليه بالأعمال التي فيها مشقة.
وهذه حال لازمة للإنسان منذ الطفولة فإن أثقل الأشياء عليه منع والديه مأربه وأخذهما إياه بلف الأعمال النافعة ثم إذا كمل صار أثقل الناس عليه طبيبه ومعالجه ونصيحه في المشوره وسلطانه الذي يأخذه بمنافعه ومصالحه.
وهذه حال الناس المنقادين لشهواتهم المتبعين لأهوائهم.
وقد يقع فيهم الجيد الطبع الصحيح الروية القوى العزيمة فلا يأتي من الأمور إلا أجملها قامعاً لهواه متحملاً ثقل مئونة ذلك لما ينتظره من حسن العاقبة وإحمادها.
ومثل هذا قليل بل أقل من القليل وليس إلى أمثاله يوجه الخطاب بالأمر والنهى ولا إياه خوف بالوعد والوعيد وأنذر العذاب الأليم.
مسألة ما السبب في أن الخطيب على المنبر وبين السماطين وفي يوم المحفل
- يعتريه من الحصر والتتعتع والخجل في شيء قد حفظه وأتقنه ووثق بحسنه ونقائه أتراه ما الذي يستشعر حتى يضل ذهنه ويعصيه لسانه ويتحير باله ويملك عليه الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن انصراف النفس بالفكر إلى جهة من الجهات يعوقه عن التصرف في غيرها من الجهات ولذلك لا يقدر أحد أن يجمع بين الفكر في مسألة هندسية وأخرى نحوية أو شعرية.
بل لا يتمكن أحد من تدبير أمر دنيوي وآخر أخروي في حال واحدة.
ومن تعاطى ذلك فإنما يقطع لكل واحد جزءاً من الزمان وإن قل.
فأما أن يكون زمان هذا هو بعينه زمان هذا فلا.
وإنما عرض لنا هذا - معاشر الناس - لأجل التباسنا بالهيولى واستعمال النفس للمادة والآلة.
والأمر في ذلك واضح بين مشاهد بالضرورة.
ولما كان الفكر يوم الحفل منصرفاً إلى ما ينصرف إليه من الناس عيب إن وجدوا وتقصير إن حفظوا - اشتغل الإنسان بتخوف هذه الحال وأخذ الحذر منها فكان هذا عائقاً عن الأفعال التي تخص هذا المكان.
وهذا الاضطراب من النفس هو الذي يجعل الآلات مضطربة حتى تحدث فيها حركات مختلفة على غير نظام أعني التتعتع وما أشبهه وذلك أن مستعمل الآلة إذا اضطرب تبعه اضطراب آلته لا محالة.
خاصة إذا كان منه بسبب وضمهما نسب ورجعا إلى حال جامعة ومذهب مشترك وما الفاصل من المنظور إليه إلى الناظر وما الواصل من المتكلم إلى السامع حتى يغضي طرفه حياله ويسد أذنه.
هذا شيء قد شاهدته بل قد دفعت إليه.
وإنما التأمت المسألة بالحادثة لأن التعجب تمكن والاستطراف ثبت إلى أن وقف على السبب الجالب والأمر الغالب.
وعند ظهور العلة يثبت الحكم وبانكشاف الغطاء ينقطع ولوع المستكشف.
فسبحان من له هذه اللطائف المطوية وهذه الخبيئات الملوية عن العقول الزكية والأذهان الذكية.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينبغي أن نعيد ذكر السبب في الحياء والخجل ذكراً مجملاً فنقول: إن الحياء هو انحصار يلحق الناس خوفاً من قبيح.
فإذا كان هذا هو الحياء فإن الإنسان إذا كان بسبب من المتكلم لحق نفسه من العارض قريب مما يلحق المتكلم لأنه يخشي من وقوع أمر قبيح منه أو كلام يعاب عليه مثل ما يخشاه المتكلم.
وقد كنا أومأنا فيما سبق إلى أن النفس واحدة وإنما تتكثر بالمواد.
ولولا ذلك لما كان لأحد سبيل إلى أن ينقل ما في نفسه إلى نفس غيره بالإفهام وفيما مر من ذلك فيما مضى كفاية لأن ما يحتاج إليه ههنا هو أن يظهر أن القبيح الذي يختص بزيد يعم عمراً أيضاً من جهة وإن كان عمرو غريباً من زيد فكيف إذا ضمه وإياه سبب أو نسب.
وليس يحتاج أن ينفصل من المنظور إلى الناظر شيء لأن أفعال النفس وآثارها لا تكون على هذه الطريقة الحسية والجسمية لا سيما واستشعار كل واحد من المتكلم والسامع استشعار واحد في تخوف القبيح والحذر من الزلل والخطأ فإن هذا الاستشعار يعرض منه الحياء والخجل كما قلنا.
ومتى غلب على ظن السامع أن المتكلم يسيء ويزيغ صار خوفه وحذره يقيناً أو شبيهاً باليقين فعظم العارض له من الحياء حتى يلحقه ما ذكرت من الحركة المضطربة.
وكذلك حال المتكلم إذا لم يثق بنفسه أو لم تكن له عادة بالوقوف في ذلك المقام والكلام فيه فإن حذره يشتد وحياءه يكثر وبزيادة الحياء يزداد الاضطراب ويمتنع القدر من الكلام الذي تسمح به النفس عند توفر قوتها واجتماع بالها وسكون جأشها وهدوء حركاتها.
المسألة ما علة كراهية النفس الحديث المعاد وما سبب ثقل إعادة الحديث على المستعاد وليس فيه في الحال الثانية إلا ما فيه في الحالة الأولى فإن كان فارق بينهما فما هو.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس تأخذ من الأخبار المستطرفة والأحاديث الغريبة عندها شبيهاً بما يأخذه من أقواته وما حصلته النفس من المعارف والعلوم فإعادته عليها بمنزلة الغذاء من الجسم الذي اكتفى منه.
فإذا أعيد عليه غذاء هو الأول ثقل عليه واستعفى منه.
فكذلك حال النفس في المعارف.
وينبغي أن تؤخذ هذه الأمثلة التي أوردتها عن الأجسام على ما ليس بالجسم أخذاً لطيفاً لا يحصل منه ظل في تلك الأمور الشريفة فيفسد على الإنسان تخيله ويذهب وهمه منه مذهباً غير لائق بالمعنى المقصود.
وأرجو أن يكفي الناظر في المسائل ما حددته فإني إنما أجبت من له قدم في هذه العلوم وتحرم بها.
وينبغي لمن لم تكن له هذه الرتبة ان يرتاض أولاً بهذه العلوم ارتياضاً جيداً ثم ينظر في هذه الأجوبة إن شاء الله.
تعالى - بما يأباه العقل ويخالفه ويكرهه ولا يجيزه كذبح الحيوانات وكإيجاب الدية على العاقلة.
وقد جهزت المسألة إليك ووجهت أملي في الجواب عنها نحوك.
وأنت المدخر لغريب العلم ومكنون الحكمة.
فإن تفضلت بالجواب وإلا عرضت عليك ما قلت للسائل ورويت ما دار بيني وبين المجادل فإن كان سديداً عرفتنيه وإن كان ضعيفاً نصحتني فيه.
فالعلم بعيد الساحل عميق الغور شديد الموج.
ولولا فضل الله العظيم على هذا الخلق الضعيف لما وقف على شيء ولا نظر في شيء لكنه لطيف بعباده رءوف يبتدىء بالنعمة قبل المسألة وبالخير قبل التعرض.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله - تعالى - بما يأباه العقل ويخالفه ولكن الشاك في هذه المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه.
فهو - أبداً - يخلطه بالعادات ويظن أن تأبى الطباع من شيء هو مخالفة العقل.
وقد سمعت كثيراً من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته.
وينبغي أن نوطىء للجواب توطئة من كلام نبين فيه الفرق بين ما يأباه العقل وبين ما يأباه الطبع ويتكرهه الإنسان بالعادة فنقول: إن العقل إذا أبى شيئاً فهو أبدى الإباء له لا يجوز أن يتغير في وقت ولا يصير بغير تلك الحال.
وهكذا جميع ما يستحسنه العقل أو يستقبحه.
وبالجملة فإن جميع قضايا العقل هي أبدية واجبة على حال واحدة أزلية لا يجوز أن يتغير عن حاله.
وهذا أمر مسلم غير مدفوع ولا مشكوك فيه.
فاما أمر الطبع والعادة فقد يتغير بتغير الأحوال والأسباب والزمان والعادات.
وأعني بقولي الطبع طبع الحيوان والإنسان لا الطبيعة المطلقة الأولى.
وذاك أن اسم الطبيعة مشترك.
فقد بينا ما أردنا بالطبع.
وإذا كان ذلك بيناً من الأمثلة والأحوال المقر فإنا نعود فنقول: إذا ذبح الحيوان ليس من الأشياء التي يأباها العقل وينكرها بل هو من القبيل الآخر أعني من الأشياء التي يأباها بعض الطباع بالعادة.
ونحن نشاهد من يأبى قتل الحيوان لأن عادته لم تجر به ومتى جرت به عادته هان عليه وسهل فعله وجرى مجرى سائر الأفعال عند أصحابه.
وأنت ترى القصاب والجزار بل مشاهدي الحروب يهون عليهم ما يصعب على غيرهم.
وأيضاً فإن الحيوان الذي يألم بمرض لا يعرف علاجه إذا أشفق عليه العاقل وكره مقاساته لما لا علاج له يأمر بذبحه ليكون خلاصة في الموت الوحي.
أفترى العقل الذي أمر بذبحه يستحسن ما كان مستقبحاً له أم تغير فعله الأبدي بطارىء طرأ وحادث حدث مع اعترافنا بأن العقل ليس من شأنه ذلك لأنه جوهر أبدي وجوهره هو حكمه ولذلك هو أبدي الحكم.
فإننا لا نظن بأن حكم العقل على العدد والهندسة وسائر البراهين الطبيعية تغير عما كان عليه منذ عشرة آلاف سنة أو يتغير إلى مثل هذا الزمان أو أكثر أو أقل بل نثق بأنه أبداً كان ويكون على وتيرة واحدة.
فأما الأمور التي تستقبح مرة وتستحسن أخرى وتتأبى تارة وتتقبل ثانية فإنما لها أسباب أخر غير العقل المجرد.
فإن السياسات أبداً يعترض فيها ذلك وأمراض الأبدان والأمور غير الأبدية كلها - أبداً - معرضة للتغير ويتغير الحكم بتغيرها بل لا يجوز أن تبقى لازمة بحال واحدة لأنها أبداً في السيلان والدثور للزوم الحركة إياها.
والحركة نفسها هي تغير الأشياء المتحركة إذ كلها متغيرة.
وكذلك الزمان وما تعلق به هو يتغير بتغيره.
وما يعرض للإنسان من كراهية ذبح الحيوان إنما هو لمشاركته إياه في الحيوانية ويخطر بباله عند مكروه ينال البهيمة أن مثل ذلك المكروه سيناله لمشاركته إياه في الحيوانية فيحدث له من النفور عند هذا الخاطر ما يحدث لكل حيوان إذا تصور مكروهاً حتى إذا أنس بذلك الفعل زال عنه ذلك النفور وصار الذبح والتقصيب يجري عنه مجرى برى القلم ونحت الخشب وكذلك حال من شاهد الحروب - وأنس بها عند العراء المستوحش منها.
وههنا حال أخرى أبين مما ذكرته وهي أن العقل قد حسن عند الإنسان إذا حصل في مكروه غليظ من الأعداء كمن يرى في أهله وولده ما لا يطيق مشاهدته - أن يبذل نفسه للقتل ويجتاز الموت الجميل على الحياة القبيحة.
وهذه الرخصة من العقل مستمرة في كل حال يقبح بالإنسان ان يعيش فيها.
أعني أن يختار الموت عليها.
فالجواب إذن عن أمثال هذه المسائل أن يقال: إن العقل لا يستحسن ولا يستقبح شيئاً منها إلا بقرائن وشرائط.
فأما هذا الفعل بعينه وحده فلا يتأباه ولا يتقبله أعني لا يحكم فيه بحكم أبدي أولى كأحكامه التي عرفناها وأحطنا بها.
وهكذا الحال في الأشياء التي تعرف بالخير والشر فإن كثيراً من الجهال يعتقد أن الأشياء كلها منقسمة إلى هذين.
وليس الأمر كذلك.
فإن اليسار والتمكن من الدنيا ليس بخير ولا شر حتى ينظر في ماذا يستعمله صاحبه: فإن استعمل يساره وماله في الأشياء التي هي خير فإن يساره خير وإن استعمله في الشر فهو شر.
وكذلك كل شيء كان صالحاً للشيء ولضده فليس يطلق عليه أنه واحد منهما بل الأولى أن يقال: إنه يصلح لهما جميعاً كالآلات التي يصلح بها ويفسد فإن الآلات لا توصف بأنها مصلحة ولا مفسدة ولا تسمى أيضاً بالصلاح والفساد إلا بعد أن تستعمل.
فهكذا يجب أن يقال في الأمور التي تستحسن أو تستقبح في أحوال وبحسب عادات إنها ليست حسنة عند العقل ولا قبيحة على الإطلاق حتى يتبين واضعها ومستعملها وزمانها فإن القصاص إذا وقع عليه هذا الاسم حس لما فيه من حياة الناس وإذا وقع عليه اسم القتل بغير هذا الاعتبار صار قبيحاً لما فيه من تلف الحيوان.
وقد خرجت في هذه المسألة عن عادتي في هذا الكتاب من الاختصار والإيماء إلى النكت لكثرة ما أسمعه من جهال المانوية ومن اغتر بأمثلتهم وجنح إلى أقاويلهم مصدقاً بالخديعة التي خلصوا بها إلى قلوب الأغمار من الناس حتى عدلوا بهم عن الشرائع الصحيحة.
ولو أن واحداً منهم سئل عن القبيح والحس مطلقاً أو مقيداً لما عرفه إلا على سبيل الاختلاط.
على انه لا يمتنع كل عاقل منهم إذا رأى حيواناً يضطرب ويطول ذماؤه في قروح خارجه به أو قولنج قد يئس من برئه أو مهواه تردى فيها فتكسر منها - أن يشير بذبحه وإن لم يتول ذلك بنفسه.
ولعل ضروباً من المكاره تلحق الحيوان إذا طال عمره ليست بدون ما ذكرناه خلاصه منها بالموت الوحي لو فطن له.
وإنما لا يتولى الذبح بنفسه ويشير على غيره به لأجل العادة والاستشعار الذي لزمه.
ولو أن هذا العاقل منهم بلى بسلطان يعذبه عذاباً يريد به ان يأتي على نفسه في زمان طويل ليذيقه العذاب لبادر إلى الحكم بما يأباه قبل وتناول سم ساعة أو سأل أن يراح من الحياة.
فكيف يكون المكروه مختاراً محبوباً والمستقبح مستحسناً من جهة العقل لولا ما ذكرناه.
فقد ظهر الجواب عن هذه المسألة وتبين أن كل ما كان قبيحاً في وقت دون وقت لا يجوز ان ينسب إلى العقل المجرد وإلى أحكامه الأولية الأزلية.
بل لا يقال فيه إنه قبيح ولا حسن على الإطلاق.
وإنما ينسب إلى الطباع والعادات ثم يقال قبيح بحسب كيت وكيت وحسن لكذا وكذا مقيداً غير مطلق ولا منسوب إلى العقل المجرد.
فأما الدية التي على العاقلة فقد تكلم الناس في وجه السياسة بها.
ووجه حسنها بين لا سيما والمسألة المتقدمة قد أوضحتها وبينت وجه الصواب في أمثالها من الشبه.
مسألة قال أحمد بن عبد الوهاب
في جواب أبي عثمان الجاحظ عن التربيع والتدوير: لا يقدر أحد أن يكذب كذباً لا صدق فيه من جهة من الجهات وهو يقدر أن يصدق صدقاً لا كذب فيه من جهة من الجهات.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن كان الصدق والكذب إنما يقعان في الخبر خاصة والخبر الذي يسميه المنطقيون: القول الجازم وهو الذي تقع فيه الفوائد.
وكانت أقسامه هي التي تكلم عليها أهل هذه الصناعة - فإن الخبر قد يكون كذباً محضاً كما يكون صدقاً محضاً.
وإن كان ذهب أحمد بن عبد الوهاب في الصدق والكذب إلى غير ما عرفه هؤلاء وتكلموا عليه فإني غير محصل له ولا متكلم عليه.
مسألة ذكرت في هذه المسألة مسألة ذكرها أبو زيد البلخي حاكياً
ومر أيضاً بجوابها راوياً قال أبو زيد الفلسفي البلخي: قيل لبعض الحكماء ما معنى سكون النفس الفاضلة إلى الصدق ونفورها عن الكذب فقال: العلة في ذلك كيت وكيت.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما تسكن النفس الفاضلة إلى ما كان من الخبر مقبولاً إما بوجوب مما اقتضاه دليل من برهان أو إقناع قوى وما لم يكن كذلك فإن النفس - لا محالة - ترده وتأباه.
وأظن صاحب المسألة إنما أراد من هذه المسألة: كيف صارت النفس تسكن إلى الحق بالقول المرسل فالجواب: أن النفس إنما تتحرك حركتها الخاصة بها - أعني إجالة الروية - طلباً للحق لتصيبه.
ولولا طلبها لما تحركت ولولا حركتها هذه لما كانت حية تفيد الجسم أيضاً الحياة.
فالنفس بهذه الحركة الدائمة الذاتية حية.
بل الحياة هي هذه الحركة من النفس وهي ذاتية لها كما قلنا.
وأنت تعرف ذلك قريباً من انك لا تقدر ان تعطلها من الروية والفكر لحظة واحدة لأنها - أبداً - إما مروية جائلة في المحسوس أو مروية جائلة في المعقول بلا فتور أبداً.
وكذلك هي دائمة الحركة.
وهذه الحركة إنما هي تلقاء أمر ما.
أعني به إصابة الحق فإذا أصابته سكنت من ذلك الوجه.
ولا تزال تتحرك حتى تصيب الحق من الوجوه التي تمكن إصابته منها.
فإذا أصابته سكنت لأن غاية كل متحرك أن يسكن عند بلوغه الغاية التي تحرك إليها.
ولعلك تقف من هذا الإيماء على غور بعيداً جداً.
أعانك الله - تعالى - عليه بلطفه.
لم صار الحيوان يتولد في النبات ولا يتولد النبات في الحيوان أي قد تتولد الدودة في الشجرة ولا تنبت شجرة في حيوان.
فلم لم يجب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الحيوان يحتاج في وجوده إلى وجود النبات والنبات لا يحتاج في وجود إلى وجود الحيوان.
والسبب في ذلك أن الحيوان أكثر تركيباً من النبات لأنه مركب منه ومن جواهر أخر أعني النفس الحيوانية ولذلك يكون الحيوان في أول تكونه نباتاً ثم تحصل من بعد حركة الحيوان.
وحصول أثر النفس في الإنسان إنما يكون بعد أن تستتم في الرحم صورة النبات.
ويكون استمداده الغذاء به هناك بعروق متصلة برحم أمه شبيهة بعروق النبات حتى إذا استكمل أيضاً صورة الحيوان وحصلت له النفس الحيوانية تقطعت تلك العروق وهو الطلق الذي يلحق الأم ويحرك الولد للخروج.
فإذا خرج وتنفس في الهواء فتح فمه واغتذى به.
ولا يزال تكمل فيه صورة الحيوان إلى أن يقبل أثر النفس الناطقة ثم يكمل بها ويصير إنساناً بقدرة الله - تعالى - ولطف حكمته - جل اسمه - فالنبات - كما ذكرنا - أبسط وأقدم أعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى وجود الحيوان.
فهو يكتفي بمادته من الأرض والهواء والماء والحرارة التي تأتيه من الشمس حتى يتم ويحصل وجوده.
فأما الحيوان فلا يكتفي بتلك الأشياء حتى تنضاف إليها مادة أخرى تغذوه إذ كان لا يكتفي بالبسائط من الماء والأرض والهواء ويحتاج إلى النبات حتى يغذوه ويكمل وجوده ويحفظ عليه قوامه.
فإذا كان وجوده وقوامه بالنبات جاز أن يتولد فيه.
ولما كان وجود النبات يتم بغيره ولا يحتاج إليه لم يتولد فيه.
ولو تولد النبات في الحيوان - مع أنه لا يغذوه ولا يحتاج إليه والطبيعة لا تفعل شيئاً باطلاً ولا لغواً - لأفسد الحيوان وفسد هو في ذاته: أما إفساده الحيوان فلحاجته إلى ما يصرف فيه عروقه التي يمتص بها مادته التي تحفظ عليه ذاته وتعوضه مما يتحلل منه ومتى ضروب عروقه في بدن الحيوان تفرق اتصاله وفي تفرق اتصال بدن الحي هلاكه.
وأما هلاكه في نفسه وفساده فلأنه لا يجد الماء البسيط والأرض البسيطة والهواء الذي منه قوامه ومادته فإن الحيوان لا توجد فيه هذه البسائط بالفعل.
مسألة ما سبب تساوي الناس في طلب الكيمياء
حتى إنك لتجد الغني في غناه والمتوسط في توسطه والفقير في فقره على شيمة واحدة وما هو أولاً وهل له حقيقة فقد طال خوض الخائضين فيه وكثر كلام الناس عليه واصطرع الحق والباطل والخطأ والصواب والإحالة فيه.
فكأن الذي يثبته غير متحقق به والذي يدفعه غير ساكن إلى دفعه وإبطاله.
هذا وقد تمت من الناس به حيل على الناس.
ومتى وقفت على هذه المسألة وقفت من الحقائق على غيب شريف ومعنى لطيف.
وهل ما يعزى إلى جابر بن حيان حق ولم يسند لخالد بن يزيد أصل وهل يسلم مثل هذا النوع في الموضوع المختلق والمفتعل المخترق وإذا اشتبه الأمر هذا الاشتباه كيف نخلص إلى ما يرفع الريب ويؤيد اليقين فقد رأيت ورأينا ناساً اختلفت بهم أحوال وتقلبت عليهم أمور بتصديق هذا الباب وتكذيبه.
وأطرف ما رأى فيه حلاوة الحديث وخلا به المتحدث بذكره وميل النفوس إليه حتى إن المكذب ليفرغ له باله ويصغي أذنه ويخلي ذهنه من غير أن يحلى بطائل أو يحظى بنائل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما سبب طلب الناس الكيمياء فظاهر بين وهو أنهم حريصون على جميع المتع والشهوات المختلفة في المأكل والمشرب والمنكح والنزه التي تقتسم بين الحواس.
ومحبة الاستكثار والاستبداد والنهم على الجمع والادخار شيء في الطبيعة.
وليس يوصل إلى جميع ذلك إلا بالذهب والفضة لأنهما بإزاء جميع المآرب على اختلافها.
وكل إنسان يعلم أنه متى حصلهما أو واحداً منهما فقد حصل جميع المآرب على كثرتها متى هم بها وأرادها.
ومع ذلك فهو يعدها ذخراً لولده ولأوقات شدته التي تلحقه من فجائع الدنيا ومحنها.
فبهذين الحجرين يتوصل إلى جميع ما ذكرناه ويدفع جميع الشر والمحن أيضاً بهما.
فهذا سبب طلب الناس لهما وحرصهم عليهما.
وليس يوصل إليهما إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال وتجشم الأعمال الصعبة وغير ذلك.
ثم هما معرضان للآفات والمتسلطين وأهل العيث وهما من هذه الجهة - إن صحت - أسهل شيء وأهونه.
وإذا بحثنا عن هل هو وجدنا الأمر فيه مشكلاً يحتاج فيه إلى أخذ مقدمات كثيرة طبيعية وصناعية.
وينبغي أن نورد شكوك الناس في تلك المقدمات واحتياج من يروم حلها من مثبتي الصناعة فقد أكثروا في ذلك.
ثم نروم نحن النظر فيها.
وقد اختلفت المتقدمون من الفلاسفة في ذلك والمتأخرون.
وآخر من تكلم على بطلان الكيمياء وإبطال دعاوي أصحابها يوسف بن إسحاق الكندي وكتابه مشهور في ذلك.
ورد عليه محمد بن زكريا الرزي وكتابه معروف.
ثم قد شاهدنا في أهل عصرنا جماعة يثبتون هذه الصناعة والأكثرون يبطلونها.
فأما المتكلمون وطبقاتهم من أصناف الناس فمجمعون على إبطالها لأنهم يزعمون أن في ذلك إبطال معجزات الأنبياء - صلوات الله عليهم - إذ كان ما يدعونه قلب الأعيان وهو لا يصح عندهم إلا على يد نبي حسب.
وإن الله - عز وجل - هو القادر على قلب الأعيان دون مخلوقية.
ولكل حجج وسننظر فيها نظراً شافياً ونورد أقاويل الجميع ويكون بحثنا عن ذلك بحث من قصده تعرف الحق دون الثمرة المرجوة من الكيمياء فإن هذا هو غاية من يتفلسف في نظره وبحثه ولا نبالي بعد ذلك صح أم بطل لئلا تدعونا محبة صحته ورجاؤنا إلى إثباته بخديعة النفس للهوى أو نفيه على طريق العصبية.
وفي هذا النظر طول لا يحتمله هذا الكتاب مع ما شرطنا فيه من الإيجاز ولكن سنفرد له مقالة كما فعلنا ذلك في مسألة العدل لما طال الكلام فيها أدنى طول.
وإذا فعلنا هذا في المقالة التي وعدنا بها نظرنا: فإن صحت لنا هليته أتبعناها بالنظر في المائية وإن بطل الأول بطل الثاني لا محالة.
مسألة قال أحمد بن عبد الوهاب في جواب التربيع والتدوير لأبي عثمان الجاحظ
ما الفرق بين المستبهم والمستغلق وهذا بين الجواب ولكني سقته ههنا لكيت وكيت.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: المستبهم من الأمور مرتبة زائدة على المستغلق يدلك على ذلك الاشتقاق فإن الاشتقاق ملائم للمعاني موافق لها لأن صاحبه إنما يشتق لكل وليس يظن هذا بالميز منا فكيف بواضع اللغة.
ولما كان الغلق إنما يكون للباب وما أغلق منه يرجى فتحه كذلك يكون حال ما شبه له واشتق له اسم منه أو تصريف.
وأما المستبهم فلا يقال في الباب أبهمته إلا إذا تجاوزت حد الغلق إلى السد وما يجري مجراه فالطمع فيه أقل.
فهذه حال المسائل والأمور المستغلقة المستبهمة تشبيهاً بالأبواب التي ذكرنا أحوالها.
مسألة حضرت مجلساً لبعض الرؤساء
فتدافع الحديث بأهله على جده وهزله فتحدى بعضهم الحاضرين وقال: والله ما أدري ما الذي سوغ للفقهاء أن يقول بعضهم في فرج واحد: هو حرام ويقول الآخر فيه بعينه: هو حلال.
والفرج فرج وكذلك المال مال.
نعم وكذلك في النفس وما بعدها: كلام: هذا يوجب قتل هذا وصاحبه يمنع من قتله.
ويختلفون هذا الاختلاف الموحش ويتحكمون التحكم القبيح ويتبعون الهوى والشهوة ويتسعون في طريق التأويل.
هذا وهم يزعمون أن الله - تعالى - قد بين الأحكام ونصب الأعلام وأفرد الخاص من العام ولم يترك رطباً ولا يابساً إلا أودع كتابه وضمن خطابه.
وهذه مسألة ليس يجب أن يكون مكانها في هذه الرسالة لأنها ترد على الفقهاء أو على المتكلمين الناصرين للدين.
لكني أحببت أن يكون في هذا الكتاب بعض ما يدل على أصول الشريعة.
وإن كان جل ما فيه منزوعاً من الطبيعة ومأخوذاً من علية الفلاسفة وأشياخ التجربة وذوى الفضل من كل جنس ونحلة.
وعلى الله - تعالى - بلوغ الإرادة والسلامة من طعن الحسدة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قول الفقهاء: إن الله - تعالى - بين الأحكام ونصب الأعلام ولم يترك رطباً ولا يابساً إلا في كتاب مبين - فكلام في غاية الصدق ونهاية الصحة.
وكيف لا يكون كذلك وأنت لا تقدر أن تأتي بحكم لا أصل له من القرآن من تأويل يرجع إليه أو نص ظاهر يقطع عليه ثم لا يخلو مع ذلك من إنباء بغيب وإخبار عما سلف من القرون ومثل لما نوعد به وإشارة إلى ما ننقلب إليه وتنبيه على ما نعمل به من سياسة دنيا ومصلحة فأما الذي سوغ للفقهاء أن يقولوا في شيء واحد إنه حلال وحرام فلأن ذلك الشيء ترك واجتهاد الناس فيه لمصلحة أخرى تتعلق على هذا الوجه بالناس وذاك أن الاجتهاد لا يكون في الأحكام متساوياً أعني أنه لا يؤدي إلى أمر واحد كما يكون ذلك في غير الأحكام من الأمور الواجبة.
وبيان هذا أن كل من اجتهد في إصابة الحق في أن الله - تعالى - واحد فطريقه واحد وهو - لا محالة - يجده إذا وفي النظر حقه فإن عدل عن النظر الصحيح ضل وتاه ولم يجد مطلوبه واستحق الإرشاد أو العقوبة إن عاند.
وليس كذلك الإجتهاد في الأحكام لأن بعض الأحكام يتغير بحسب الزمان وبحسب العادة وعلى قدر مصالح الناس لأن الأحكام موضوعة على العدل الوضعي.
وربما كانت المصلحة اليوم في شيء وغداً في شيء آخر وكانت لزيد مصلحة ولعمر مفسدة.
وعلى أن الاجتهاد الذي يجري مجرى التعبد واختيار الطاعة أو لعموم المصلحة في النظر والإجتهاد نفسه لا في الأمر المطلوب - ليس يضر فيه الخطأ بعد أن يقع فيه الإجتهاد موقعه مثال ذلك أن المراد من ضرب الكرة بالصولجان إنما هو الرياضة بالحركة فليس يضر أن يخطىء الكرة ولا ينفع أن يصيبها وإن كان الحكم قد أمر بالضرب والإصابة لأن غرضه كان في ذلك وكذلك إن دفن حكيم في برية دفيناً وقال الناس: اطلبوه فمن جده فله كذا.
وكان غرضه في ذلك أن يجتهد الناس مقادير اجتهادهم ليكون ذلك الطلب عائداً لهم بمنفعة أخرى غير وجود الدفين.
فإنه لا يضر أيضاً في ذلك أن يخطىء الدفين ولا ينفع أن يصيبه.
وإنما الفائدة في السعي والطلب وقد حصلت للطائفتين جميعاً.
أعني الذين وجدوه والذين لم يجدوه.
وأصناف الاجتهادات والنظر الذي يجري هذا المجرى كثيرة فمن ذلك كثير من مسائل العدد والهندسة وسائر الموضوعات ليس غرض الحكماء فيها وجود الغرض الأقصى من استخراج ثمرتها وإنما مرادهم أن ترتاض النفس بالنظر وتتعود الصبر على الروية والفكر إذا جريا على منهاج صحيح ولتصير النفس ذات ملكة وقنية للفكر الطويل ومفارقة الحواس والأمور الجسمية فإذا حصلت هذه الفائدة فقد وجد الغرض الأقصى من النظر.
فما كان من الشرع متروكاً غير مبين فهو ما جرى منه هذا المجرى وكان الغرض فيه والمصلحة منه حصول النظر والاجتهاد حسب.
ثم ما أدى إليه الاختلاف كله صواب وكله حكمة.
وليس ينبغي أن يتعجب الإنسان من الشيء الواحد أن يكون حلالاً بحسب النظر الشافعي وحراماً بحسب نظر مالك وأبي حنيفة فإن الحلال والحرام في الأحكام والأمور الشرعية ليس يجري مجرى الضدين أو المتناقضين في الأمور الطبيعية وما جرى مجراها لأن تلك لا يستحيل أن يكون الشيء الواحد منها حلالاً وحراماً بحسب حالين أو شخصين أو على ما ضربنا له المثل من ضرب الكرة بالصولجان ووجود دفين الحكيم على الوجه الذي اقتصصناه.
وإذا كان الأمر كذلك فينبغي للعاقل إذا نظر في شيء من أحكام الشرع وكان صاحب اجتهاد له أن ينظر - أعني أنه يكون عالماً بالقرآن وأحكامه وبالأخبار الصحيحة والسنن المروية والاجتماعات الصحيحة - أن يجتهد في النظر ثم يعمل بجسب اجتهاده ذلك.
ولغيره إذا كان في مثل مرتبته من المعرفة أن يجتهد ويعمل بما يؤديه إليه اجتهاده وإن كان مخالفاً للأول واثقاً بأن اجتهاده هو المطلوب منه ولا ضرر في الخلاف اللهم إلا أن يكون ذلك الأمر المنظور فيه من غير هذا الضرب الذي حكيناه وضربنا له الأمثال.
مثل الأصول التي غاية النظر فيها هو إصابة الحق لا غير فإن هذا مطلب آخر وله نظر لا بد أن يؤدي إليه.
وكما أن الرياضة المطلوبة بصرب الصولجان وإصابة الكرة إنما كانت لأجل الصحة ثم لم يضر بعد حصول الرياضة التي حصلت بها الصحة كيف جرى الأمر في الكرة: أصبناها أم أخطأناها فكذلك الحال في الوجه الآخر.
أعني الذي لا بد من إصابة الحق فيه بعينه فإن مثله مثل الفصد الذي لا بد في طلب الصحة من إصابته بعينه وإخراج الدم دون غيره ولا ينفع منه شيء غيره.
وإذا حصلت هذين الطريقين من النظر وأعطيتهما قسطهما من التمييز لم يعرض لك العجب فيما حكيته من مسألتك وخرج لك الجواب عنها صحيحاً إن شاء الله.
مسألة لم إذا عرفت العامة حال الملك في إيثار اللذة وانهماكه على الشهوة
واسترساله في هوى النفس استهانت به وإن كان سفاكاً للدماء قتالاً للنفوس ظلوماً للناس مزيلاً للنعم وإذا عرفت منه العقل والفضل والجد هابته وجمعت أطرافها منه ما شهادة الحال في هذه المسألة فإن جوابها يشرح علماً فوق قدر المسألة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الملك هو صناعة مقومة للمدنية حاملة للناس على مصالحهم من شرائعهم وسياساتهم بالإيثار وبالإكراه وحافظة لمراتب الناس ومعايشهم لتجري على أفضل ما يمكن أن تجري عليه.
وإذا كانت هذه الصناعة في هذه الرتبة من العلو فينبغي أن يكون صاحبها مقتنياً للفضائل كلها في نفسه فإن من لم يقوم نفسه لم يقوم غيره فإذا تهرب في نفسه بحصول الفضائل له أمكن أن يهذب غيره.
وحصول فضائل النفس يكون أولاً بالعفة التي هي تقويم القوة الشهوية حتى لا تنازع إلى ما لا ينبغي وتكون حركتها إلى ما يجب وكما يجب وعلى الحال التي تجب.
وثانياً تقويم القوة الغضبية حتى تعتدل هذه القوة أيضاً في حركتها فيستعملها كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الحال التي تنبغي ويعدلها في طلب الكرامة واحتمال الأذى والصبر على الهوان بوجه وجه والنزاع إلى الكرامة على القدر الذي ينبغي وعلى الشرائط التي وصفت في كتب الأخلاق.
وإذا اعتدلت هاتان القوتان في الإنسان فكانت حركتهما على ما يجب معتدلة من غير إفراط ولا تقصير - حصلت له العدالة التي هي ثمرة الفضائل كلها.
وبحصول هذه الفضائل تقوى النفس الناطقة وتستمر للإنسان الصورة الكمالية التي يستحق بها أن يكون سائس مدينة أو مدير بلد.
ومتى لم تحصل هذه له فينبغي أن يكون مسوساً بغيره مدبراً بمن يقومه ويعدله.
فأي شيء أقبح من عكس هذه الحال وإجرائها على غير وجهها وطباع الإنسانية تأبى الاعوجاج في الأمور فكيف الانتكاس وقلب الأشياء عن جهاتها فأما قولك: وإن كان الملك ذا بطش شديد وعسف كثير بسفك الدماء وانتهاك الحرم فهذه حال تنقصه من شروط الملك ولا تزيد فيه وهو بأن يسقط من عين رعيته أقرب إذ كانت شريطة الملك أن يستعمل هذه الأشياء على ما ينبغي وعلى جميع الشرائط التي قدمت.
وهل هذا إلا مثل طبيب يدعى أنه يبرى من جميع العلل ويتضمن بسلامة الأبدان على اختلاف أمزجتها وحفظها على اعتدالاتها ثم إذا نظر يوجد مسقاماً مختلف المزاج بسوء التدبير.
ولما سئل وتصفحت حاله جد من سوء البصيرة وفساد التدبير لنفسه بحيث لا ينتظر منه إصلاح مزاج بدنه فكيف لا يعرض من مثل هذا الضحك والاستهزاء وكيف لا يستهين به من ليس بطبيب ولا يدعى هذه الصناعة إلا أنه على سيرة جميلة في بدنه وسياسة صالحة لنفسه فإن اتفق لهذا المدعي أن يتغلب ويتسلط ويستدعي من الناس أن يتدبروا بتدبيره فكيف لا يزداد الناس من النفور عنه والضحك منه فهذا مثل صحيح مطابق للمثل به.
فينبغي أن ينظر فيه فإنه كاف فيما سألت عنه إن شاء الله.
ويحرك رأسه وربما قام وجال ورقص ونعر صرخ وربما عدا وهام.
وليس هكذا من يخاف فإنه يقشعر ويتقبض ويواري شخصه ويغيب أثره ويخفض صوته ويقل حديثه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة قد تقدم الجواب عنها كلامنا في سبب السرور والغم حيث قلنا: إن النفس عند السرور تبسط الدم في العروق إلى ظاهر البدن وإنها عند الغم تحصره وبانحصار الحرارة إلى عمق البدن وإلى منشئها من القلب ما يكثر هناك البخار الدخاني ويبرزه إلى ظاهر البدن واشتقاق اسم الغم يدل على معناه لأن القلب يلحقه ما يلحق الشيء الحار إذا غم فيمنع ذلك الحرارة من الانتشار والظهور إلى سطح البدن ولذلك يتنفس الإنسان عند الغم تنفساً شديداً كثيراً لحاجة القلب إلى هواء يخرج عنه الفضلة الدخانية التي فيه ويجلب له هواء آخر صافياً ينمي الحرارة ويروحها كالحال في النار التي من خارج.
وهاتان الحالتان متلازمتان أعني مزاج القلب وحركة النفس وذلك أنه عرض للنفس انقباض غارت الحرارة من أقطار البدن إلى عمقه.
وإن اتفق لمزاج البدن غؤور من الحرارة وانحصار إلى ناحية القلب انقبضت النفس لأن أحدهما ملازم للآخر تابع له ولهذا ظن قوم أن النفس مزاج ما وظن آخرون أنها حال تابعة لمزاج البدن.
والخمر وما يجري مجراها من الأشربة والأدوية التي تبسط الحرارة بلطفها وتنميها وتنشرها إلى ظاهر البدن - يعرض منها السرور والطرب والأدوية التي تبرد البدن وتقبض الحرارة يعرض منها ضد ذلك.
والمزاج السودوي معه - أبداً - الغم والمزاج الدموي معه - أبداً - السرور.
وكما أن الأدوية والأغذية يعرض منها للمزاج هذا العارض وتتبعه حركة النفس فكذلك الحديث والألحان وصوت الآلات من الأوتار والمزامير - تحرك النفس أيضاً ويتبع ذلك حركة مزاج البدن لإتصال المزاج بالنفس.
ولأنهما متلازمان يؤثر أحدهما في الآخر ويتبع فعل أحدهما فعل الآخر.
مسألة لم صار الكذاب يصدق كثيراً والصادق يذب نادراً وهل ينتقل إلف الصدق إلى الكذب
وهل يتحول إلف الكذب إلى الصدق أن يستحيل ذلك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصدق والكذب يجريان من النفس مجرى الصحة والمرض لأن الصدق لها صحة ما والكذب مرض ما.
وأيضاً فإن الصدق من الخبر يجري مجرى الصحة والكذب منه يجري مجرى المرض.
فكما أن الصحة من الجسم أكثر من المرض لأن المرض إنما يكون في عضو أو عضوين أو ثلاثة فكذلك الصحة في النفس أكثر من المرض لأن المرض إنما يكون منها في قوة أو قوتين وفي خلق أو خلقين.
وكما أن الجسم لو كثرت أمراض أعضائه أو لو توالت أمراض كثيرة على عضو منه لأبطلته وأعدمته فكذلك النفس لو كثرت امراض قواها أو توالت أمراض كثيرة على قوة واحدة لأهلكتها.
وإنما الاعتدال الموضوع لكل واحد من الجسم والنفس هو الذي يحفظ عليه وجوده فإن طرق واحداً منهما مرض في بعض الأحوال حتى يخرجه عن اعتداله فإنما يكون ذلك في جزء من الأجزاء وقوة من القوى ثم يكون ذلك زماناً يسيراً ويرجع بعد ذلك إلى الاعتدال الموضوع له.
فأما إن توهم متوهم أن الأمراض تستولي على جميع أعضاء الجسم حتى لا يبقى منه جزء صحيح أو تتوالى أمراض كثيرة في زمان طويل متصل على عضو واحد فإن ذلك وهم باطل والدليل على ذلك أن القلب لما كان مبدأ الحياة الذي منه تسري الحياة في جميع البدن صار محفوظاً غاية الحفظ من الأمراض لأنه لو عرض له مرض لسرى ذلك المرض في جميع أجزاء البدن سريعاً وعرض منه التلف السريع والموت الوحي.
وهذه حال النفس في اعتدالها ومرضها.
ولما كان الكذب يعطيها صورة مشوهة أي صورة الشيء على خلاف ما هو به صار المعطي والمعطي مريضين به ولذلك لا يتكلف أحد ذلك ولا يتعمده إلا لضرورة داعية أو لأنه يظن بذلك الكذب أنه نافع له أيضاً كما ينفع السم الجسم في بعض الأحوال فيتجشم هذه السماجة على استكراه من نفسه وربما تكرر منه ذلك فصار عادة كما تصير سائر القبائح أخلاقاً وعادات وكما تصير المآكل الضارة عادة سيئة لقوم.
وأيضاً فإن المعتاد للكذب إنما يتم له الكذب إذا خاطه بالصدق وإذا سمع أيضاً منه الصدق وإلا لم يتم له الكذب أيضاً لأن الباطل لا قوام له إلا إذا امتزج بالحق.
فأما قولك: هل ينتقل من اعتاد الصدق على الكذب أو من ألف الكذب إلى الصدق فلولا ان ذلك ممكن ومشاهد في الناس لما وضعت السنن ولا قوم الأحداث ولا عني الناس بتأديب أولادهم ولا عاتب أحد أحداً ولكن هذه الأشياء شائعة في الناس ظاهرة فيهم.
مسألة ذكرت - أيدك الله - مسائل
لا تستحق الجواب من آراء العامة وجهالات وقعت لهم مثل قولهم: إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم يمرض وقولهم: دية نملة تمرة وإذا طنت أذن أحدهم قالوا كيت وكيت.
وهذه المسائل وأشباهها إنما ينبغي أن يهزأ بها ويتملح بإيرادها على طريق النادرة فأما أن تطلب لها أجوبة فما أظن عاقلاً يعترف بها فكيف نجيب عنها والله يغفر لك ويصلحك.
مسألة ما الفرق بين العرافة والكهانة والتنجيم والطرق والعيافة والزجر وهل تشارك العرب في هذه الأشياء أمة أخرى أم لا؟
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الفرق بين العرافة والكهانة فهو أن العراف يخبر عن الأمور الماضية والكاهن يخبر بالأمور المستقبلة.
وذلك أن العرافة معرفة الآثار والاستدلال منها على مؤثرها.
والكهانة هي قوة في النفس تطالع الأمور الكائنة بتخليها عن الحواس.
وقد تكلمنا عليها في كتابنا الذي سميناه الفوز عند ذكرنا الفرق بين النبي والمتنبي وفي القوة التي يكون بها الوحي وكيفية ذلك فخذه من هناك.
وأما الفرق بين التنجيم وما يجري مجرى الفأل فظاهر لأن التنجيم صناعة تتعرف بها حركات الأشخاص العالية وتأثيرها في الأشخاص السفلية.
وهي صناعة طبيعية وإن كان قد حمل أكثر من طاقتها أعني أن المنجم ربما تضمن العلم من جزيئات الأمور ودقائقها ما لا يوصل إليه بهذه الصناعة فيخبر بالكائنات على طريقة تأثير الشيء في مثله وذلك ان الشمس إذا تحركت في دورة واحدة من أدوارها أثرت فيها ضروباً من التأثير في هذا العالم وكذلك كل كوكب من الكواكب له أثر بحركته ودورته وشعاعه الذي يصل إلى عالمنا هذا.
فالمنجم إنما يقول مثلاً: إن السنة الآتية تجتمع فيها دلائل الشمس وزحل فتؤثر في عالمنا هذا أثراً مركباً من طبيعتي هاتين الحركتين فتكون حال الهواء كيت وكيت.
وكذلك حال الاستقصات الأربع.
ولما كان الحيوان والنبات مركبين من هذه الطبائع وجب أن يكون كل ما أثر في بسائطها يؤثر أيضاً في المركبات منها.
والمنجم يخبر بحسب ما يحسب من حركاتها وشعاعاتها الواصل إلينا آثارها حكماً طبيعياً وإن كان يغلط أحياناً بحسب دقة نظره وكثرت الحركات والمناسبات التي تجتمع من جملة الأفلاك والكواكب وقبول ما يقبل من أجزاء عالم الكون والفساد وتلك الآثار مع اختلافها.
فأما أصحاب الفأل وزجر الطير وطرق الحصى وما أشبه ذلك فإنها ظنون والصدق فيها يكون على طريق الاتفاق والنادر وليس تستند إلى أصل ولا يقوم عليها دليل لأنها ليست طبيعية ولا نفسانية ولا إلهية وإنما هي اختيارات بحسب الأوهام والظنون وهي تكذب كثيراً وتصدق قليلاً كما يعرض ذلك لمن أخبر أن غداً يجىء المطر أو يركب الأمير بغير دليل ولا إقناع بل تكلم بذلك وأرسل الحكم به إرسالاً فربما صح ووافق أن يطايق الحقيقة وفي الأكثر يبطل ولا يصح.
والأمم تشارك العرب في هذه الأشياء إلا أن العرب تختص من العرافة ومن زجر الطير بأكثر مما في الأمم الأخر.
مسألة لم صارت أبواب البحث عن كل شيء موجود أربعة
وهي: هل والثاني ما والثالث أي والرابع لم الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لأن هذه الأشياء الأربعة هي مبادىء جميع الموجودات وعللها الأول.
والشكوك إنما تعرض في هذه فإذا أحيط بها لم يبق وجه لدخول شك.
وذلك أن المبدأ الأول في وجود الشيء هو ثبات ذاته أعني هويته التي يبحث عنها بهل فإذا شك إنسان في هوية الشيء أي في وجود ذاته لم يبحث عن شيء آخر من أمره.
فإذا زال عنه الشك في وجوده وأثبت له ذاتاً وهوية جاز بعد ذلك أن يبحث عن المبدأ الثاني من وجوده وهو صورته أعني نوعه الذي قومه وصار به هو ما هو وهذا هو البحث بما لأن ما هي بحث عن النوع والصورة المقومة.
فإذا حصل الإنسان في الشيء المحجوب عنه هذين وهما: الوجود الأول والهوية التي بحث عنها بهل والوجود الثاني وهو النوعية أعني الصورة المقومة التي بحث عنها بما - جاز أم يبحث عن الشيء الذي يميزه من غيره أعني الفصل وهذا هو المبدأ الثالث لأن الذي يميزه من غيره هو الذي يبحث عنه بأي أعني الفصل الذاتي له.
فإذا حصل من الشيء المبحوث عنه هذه المبادىء الثلاثة لم يبق في أمره ما يعترضه شك وصح العلم به إلا حال كماله والشيء الذي من أجله وجد وهذه العلة الأخيرة التي تسمى وأرسططاليس هو أول من نبه عليها واستخرجها وذاك أن العلل الثلاث هي كلها خوادم وأسباب لهذه العلة الأخيرة وكأنها كلها إنما وجدت لها ولأجلها.
وهذه التي يبحث عنها بلم.
فإذا عرف لم وجد وما غرضه الأخير أعني الذي وجد من اجله - انقطع البحث وحصل العلم التام بالشيء وزالت الشكوك كلها في أمره ولم يبق وجه تتشوقه النفس بالروية فيه والشوق إلى معرفته لأن الإحاطة بجميع علله ومبادئه واقعة حاصلة وليس للشك وجه يتطرق إليه فلذلك صارت البحوث أربعة لا أقل ولا أكثر.
مسألة ما المعدوم وكيف البحث عنه
وما فائدة الاختلاف فيه وما الذي أطال المتكلمون الكلام في اسمه ومعناه وهل لقولهم محصول فإني ما رأيت مسألة لا تمكن من نفسها غيرها.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المعدوم الذي يشير إليه المتكلمون خاصة هو موجود بوجه من الوجوه ولذلك صحت الإشارة إليه والكلام عليه.
وتلك الصورة له في الوهم هي وجود ماله.
وكذلك حال كل ما يتوهمونه معدوماً من جسم أو عرض أو حال لا معدومة بل ملحوظة.
والدليل على ذلك أنا لا نتوهم شيئاً معدوماً إلا نتصور له حالاً قد وجد فيها أو يوجد فيها وصورته تلك قائمة في وهمنا وهي وجود ما.
فأما المعدوم المطلق الذي لا يستند إلى شخص ما ولا إلى عرض فيه وحال له فإنه لا يضبط بوهم ولا يتكلم عليه ولا تصح مسألة أحد عنه لأنه لا شيء على الإطلاق.
وإنما تصح المسألة عن شيء ثم تعرض له أحوال إما حاضرة فيه أو منتظرة له ولذلك زعم أكثر المتكلمين أن المعدوم هو شيء وزعم بعضهم أنه لا شيء أعني أنهم لا يسمونه بشيء.
وإنما عرض لهم هذا الخلاف لأن منهم من لحظه من حيث الوهم ومنهم من لحظة من حيث الحس.
فمن لحظه في وهمه أثبته شيئاً ومن لحظه من حسه لم يثبته شيئاً.
والدليل على أن المعدوم الذي يشيرون إليه هو ما ذكرناه وعلى الحال التي وصفناها - أن القوم إذا تعاوروا مسألة المعدوم سألوا عن الجوهر: هل هو في العدم وعن السواد هل هو سواد العدم وكذلك جميع أمثلتهم إنما هي من أمور محسوسة إذا صارت غير محسوسة كيف تكون أحوالها ثم يكون جوابهم عن ذلك بما يتصور منه للنفس ويقوم في الوهم فيقولون في السواد الذي حقيقته أنه أثر في البصر من مؤثر يعرض منه القبض: إنه في العدم أيضاً كذلك.
كأنهم يتوهمون أنه يفعل بالبصر وهو معدوم ما يفعله وهو موجود.
وإنما عرض لهم هذا الوهم لأن القوة التي ترتقي إليها الحواس تقبل شبيهاً بالآثار التي تقبلها.
أي تحصل لها الصورة مجردة من المادة وهذا هو العلم الحسي.
لو أمكنهم إثبات صورة عقلية ونفيها لتكلموا على الموجود العقلي والمعدوم العقلي.
ولو أمكنهم ذلك لجاز أن يسألوا أيضاً عن العدم المطلق: هل يشار إليه أم لا يشار إليه ولكن هذه الأمور غابت عنهم.
وإنما سألت عن مذاهبهم وعما يسألون عنه وقد خرج الجواب ولاح لك بمشيئة الله.
مسألة سمعت شيخاً من الأطباء يقول
أنا أفرح ببرء العليل على تدبيري وأسر بذلك جداً.
قلت له: فما تعرف علة ذلك.
قال: لا.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما فرح الطبيب بنفسه وصحة علمه وذاك إنه إذا شاهد عليلاً احتاج أن يتعرف أولاً علته حتى يعملها على الصحة والحقيقة.
فإذا علمها قابلها بضدها من الأدوية والأغذية فيكون ذلك سبباً لبرء العليل.
فالطبيب حينئذ يكون قد أصاب في معرفة العلة ثم في مقابلتها بالدواء الذي هو ضدها.
وهذه الإصابة والمعرفة هي الحال التي يلتمسها بعلمه ويسعى لها طول زمان درسه ورويته.
ومن شان النفس إذا تحركت نحو مطلوب حركة قوية في زمان طويل بشوق شديد ثم ظفرت به فرحت له ولحقها انبساط وسرور عجيب.
مسألة ثم قلت - أيدك الله - سئل ابن العميد لم لم يتفق الناس في التعامل على المثامنة بالياقوت والجوهر أو بالنحاس والحديد والرصاص دون الفضة والذهب
وما الذي قصرهم عليهما مع إمكان غيرهما أن يقوم مقامها ويجري مجراهما.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن الإنسان لا تتم له الحياة بالتفرد لحاجته إلى المعاونات الكبيرة ممن يعد له الأغذية الموافقة والأدوية والكسوة والمنزل والكن وغير ذلك من سائر الأسباب التي بعضها ضرورية في المعيشة وبعضها نافعة في تحسين العيش وتفضيله حتى يكون لذيذاً أو جميلاً أو فاضلاً.
وليس يجرى الإنسان مجرى سائر الحيوانات التي أزيحت علتها في ضرورات عيشها وفيما تقوم به حياتها بالطبع.
فالاهتداء إلى الغذاء والرياش وغيرهما من حاجات بدنه ولذلك أمد بالعقل وأعين به ليستخدم به كل شيء ويتوصل بمكانه إلى كل أرب.
ولما كان التعاون واجباً بالضرورة والاجتماع الكثير طبيعياً في بقاء الواحد - وجب لذلك أن يتمدن الناس أي يجتمعوا ويتوزعوا الأعمال والمهن ليتم من الجميع هذا الشيء المطلوب أعني البقاء والحياة على أفضل ما يمكن.
ولما فرضنا أن الاجتماع قد وقع والتعاون قد حصل عرض أن النجار الذي يقطع الخشب ويهيئه للحداد والحداد الذي يقطع الحديد ويهيئه للحراث وكذلك كل واحد منهم إذا احتاج إلى صاحبه الذي عاونه قد يقع استغناء صاحبه عنه في ذلك الوقت فإن الحداد إذا احتاج إلى صناعته الحياكة وصاحب الثوب غير محتاج إلى صناعة الحداد وقف التعاون ولم تدر المعاملة وحصل كل واحد على عمله الذي لا يجدي عليه فيما يضطر إليه من حاجات بدنه التي من أجلها وقع التعاون واحتيج لذلك إلى قيم للجماعة ووكيل مشرف على أعمالهم ومهنهم موثوق بأمانته وعدالته ليقبل الجميع أمره ويصير حكمه جائزاً وأمره نافذاً مصدقاً وأمانته صحيحة ليأخذ من كل أحد ويستوفي عليه قدر ما عاون به ويعطيه من معاونة غيره بقسطه من غير حيف.
وإنما يتم له ذلك بأن يقوم عمل كل واحد منهم ويحصله ثم يعطيه بمقدار تعبه وعمله من عمل الآخر الذي يلتمس معاونته.
وهذا الفعل أيضاً لا يتم لهذا القيم المستوفي أعمال الناس إلا بأن يأتيه كل من عمل عملاً فيعرضه عليه ويأخذ منه علامة من طابع أو غيره يكون في يده متى عرضه قبل ولم ينس وعرفت صحة دعواه وأعطى به من تعب غيره بمقدار.
ثم لما نظر في هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون بهذه الصفة فلم يمكن أن يجعل من الأشياء الموجودة دائماً ومما يقدر كل أحد على تناوله ومد اليد إليه لئلا يحصله من لا يعمل عملاً ولا يعين أحداً بكده ويتوصل به إلى كد غيره وتعبه فيؤدي إلى خلاف ما دبر لإتمام المدنية والتعاون فوجب أن يكون هذا الطابع من جوهر عزيز الوجود ليمكن حفظه والاحتياط عليه ولا يصل إلا من جهة ذلك القيم إلى مستحقه الذي يعرض عمله وكده ووجب مع ذلك أن يكون مع عزة وجوده غير قابل للفساد من الماء والنار والهواء بنحو ما يمكن ذلك في عالمنا هذا فإنه كان شيئاً مما يبتل بالماء أو يحترق بالنار أو تفسد صورته بعض العناصر الأربع - لم يأمن صاحب التعب الكثير أن يحصله ثم يفسده عنده فيضيع عمله ولا يصدق فيما أعان به وكد فيه فوجب أن يكون هذا الطابع حافظاً لصورته خفيف المحمل مع ذلك مأموناً عليه الفساد مدة طويلة من الطبائع الأربع ومن الفساد الذي يكون بالمهنة أيضاً كالكسر والرض وغيرهما.
ولما تصفحت الموجودات لم يوجد شيء يجمع هذه الفضائل إلا الأشياء المعدنية ومن بين الأشياء المعدنية الجواهر التي تذوب بالنار وتجمد بالهواء.
ومن بين هذه الذهب وحده فإنه أبقاها وأعزها وأحفظها لصورته وأسلمها على النار والهواء والماء والأرض وهو مع ذلك سليم على الكسر والقطع والرض يعيد صورة نفسه بالذوب ويحفظها من جميع عوارض الفساد زماناً طويلاً جداً.
فجعل صورة مقوماً للصنائع وعلامة لهذا القيم ثم احتيط عليه بأن طبع بخاتمه وعلاماته.
كل ذلك خوفاً من توصل الأشرار إليه ممن يرتفق من عمل غيره ولا يرفق غيره فإن هذا الفعل هو الظلم الذي يرتفع به التعاون ويزول معه النظام ويبطل بسببه الاجتماع والتعايش.
ثم لما وجد هذا الجوهر جمع هذه الفضائل ويحيط عليه ضروب الاحتياطات من أن يصل إلى غير مستحقه - عرض فيه عارض آخر وهو أن الذي عاون الناس بمعاونة استحق بها شيئاً منه ربما احتاج إلى معاونة يسيرة لا تساوي تعبه الأول ولا تقرب منه ولا تقرب منه.
مثال أنه ربما تعب الإنسان أما ليحصل لغيره عمل الرحى بمئونة وكلفة وحكمة بليغة.
فإذا أعطى من هذا الجوهر قيمة عمله ثم احتاج إلى بقل أو خلال أو عرض يسير لا يستطيع أن يعطيه شيئاً من الجوهر الذي عنده ولا أقل القليل منه لأن الجزء اليسير جداً منه أكثر قيمة من العمل الذي يلتمسه من غيره.
فاحتيج لذلك إلى جوهر آخر تكون فضائله أنقص من الذهب ليصير خليفة له يعمل عمله وإن كان دونه فلم يوجد ما يجمع تلك الفضائل التي حكيناها في الذهب شيء غير الفضة فجعلت نائبة عنه ثم جعل كل واحد من الذهب يساوي عشرة أضعافه من الفضة لأن العشرة نهاية الآحاد فوجب لذلك أن تكون قيمة الواحد من ذلك الجوهر عشرة أمثاله من هذا الجوهر.
فاما التفاوت الذي وقع بين صرف الدينار والدرهم أعني أن صار منه الواحد بخمسة عشر درهماً ونحوها وهي المسألة التي جعلتها تالية لهذه المسألة - فإنما ذلك لأجل التفاوت في الوزن بين المثقال والدرهم ثم لأجل الغش الذي يكون في أحدهما.
والأمر محفوظ مع ذلك في أن الواحد من الذهب بإزاء عشرة من الفضة إذا كان كل واحد
مسألة متى تصل النفس بالبدن ومتى توجد فيه أفي حال ما يكون جنيناً أم قبلها أم بعدها
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن اتصال النفس بالبدن ووجودها فيه ألفاظ متسع فيها.
والأولى أن يقال: ظهور أثر النفس في البدن على قدر استعداد البدن وقبوله إياه.
وإنما تحرزنا من تلك الألفاظ لأنها توهم أن لها اتصالاً عرضياً أو جسمياً وكلا هذين غير مطلق على النفس.
والأشبه إذا عبرنا عن هذا المعنى أن تقول: إن النفس جوهر بسيط إذا حضر مزاج مستعد لأن يقبل له أثراً كان ظهورك ذلك الأثر على حسب ذلك الاستعداد لنسلم بهذه العبارة من ظن من زعم أن النفس تتقلب وتفعل أفعالها على سبيل القصد والاختيار أعني أنها تفعل في حال وتمنع في أخرى فإن هذا يجلب كثيراً من الشكوك التي لا تليق بخصائص النفس وأفعالها.
وإذ قد تحققت هذه العبارة فنقول: إن النطفة التي يكون منها الجنين إذا حصلت في الرحم الموافق كان أول ما يظهر فيه من أثر الطبيعة ما يظهر مثله في الأشياء المعدنية.
أعني أن الحرارة اللطيفة تنضجه وتمخضه وتعطيه - إذا امتزج بالماء الذي يوافقه من شهوة الأنثى - صورة مركبة كما يكون ذلك في اللبن إذا مزج بالإنفحة.
أعني أنه يثخن ويخثر ثم تلج عليه الحرارة حتى يصير ملوناً بالجمرة فيصير مضغة ثم يستعد بعد لقبول أثر آخر: أعني أن المضغة تستمد الغذاء وتتصل بها عروق كعروق الشجر والنبات فيأخذ من رحم أمه بتلك العروق ما تأخذه عروق الشجر من تربته فيظهر فيه أثر النفس النامية أعني النباتية ثم يقوى هذا الأثر فيه ويستحكم على الأيام حتى يكمل وينتهي بعد ذلك إلى أن يستعد لقبول الغذاء بغير العروق أعني أنه ينتقل بحركته لتناول غذائه فيظهر فيه أثر الحيوان أولاً أولاً.
فإذا كمل استعداده لقبول هذا الأثر فارق موضعه وقبل أثر النفس الحيوانية ثم لا يزال في مرتبة البهائم من الحيوان إلى أن يصير فيه استعداد لقبول أثر النطق.
أعني التمييز والروية.
فحينئذ يظهر فيه أثر العقل ثم لا يزال يقوى هذا الأثر فيه على قدر استعداده وقبوله حتى يبلغ نهاية درجته وكماله من الإنسانية ويشارف الدرجة التي تعلو درجة الإنسان فيستعد لقبول أثر الملك.
وهذا الكلام ليس يقتضي أن يقال فيه: متى تتصل وتنفصل بل من شأن القائل له أن يقال فيه: متى يستعد ويقبل.
وأما النفس فهي معطية للذات كل ما قبل أثرها بحسب قبوله واستعداده وتهيئه.
وقد تبين أنها تعطي البدن أحوالاً مختلفة وصوراً متباينة قبل أن يكون جنيناً وبعد أن تتم الصورة الإنسانية ليس ينقطع أثر النفس من البدن ألبتة على ضروب أحواله إلى أن يدور ضرب أدواره وينتهي إلى غاية كماله.
ولا ينبغي أن يقال إنه يخلو منها في حال من أحواله وإنما يقوى الأثر ويضعف بحسب قبوله.
والسلام.
مسألة سئل بعضهم إذا فارقت النفس الجسد هل تذكر من علومها شيئاً أم لا فأجاب بأنها تذكر المعقول كله ولا تذكر المحسوس
فزاد السائل بما يعرض للعليل من النسيان أي كيف تذكر النفس معقولها إذا فارقت البدن وهي لا تذكر شيئاً منه إذا اعتل البدن أو بعض أعضاء البدن فأجاب بما سيمر بك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يظهر أثر النفس في البدن بحسب حاجة البدن والتذكر إنما هو إحضار صور المحسوسات من قوة الذكر إلى قوة الخيال.
وهاتان القوتان جميعاً إنما تحصلان صور المحسوسات من الحواس أولاً في حواملها من الأجسام الطبيعية ثم تحصلانها بسيطاً في غير حامل جسمي بل في قوة النفس المسماة ذكراً.
وإنما احتيج إلى هذه القوة لأغراض البدن وحاجته إلى الشيء بعد الشيء.
فإذا استحال البدن وزالت الحاجة إلى الحواس سقطت الحاجة إلى الذكر أيضاً وصارت النفس مستغنية بذاتها وما فيها من صور العقل أعني التي تمسى أوائل لأن تلك هي ذات العقل غير محتاجة إلى مادة ولا إلى جسم توجد بوجوده أعني أن الأمور الموجودة في العقل هي العقل وهي التي نسميها الآن أوائل وليست في مادة ولا محتاجة إليها.
وجميع قوى النفس التي تتم بالبدن وبآلات جسمية فإنها تبطل ببطلان البدن أي تستغني عنها النفس بما هي نفس وجوهر بسيط.
وإنما احتاجت إليه لأجل حاجات البدن المشارك للنفس المستمد منها البقاء الملائم لها إذا كان نباتاً أو حيواناً أو إنساناً.
فأما النفس بما هي جوهر بسيط فغير محتاجة إلى شيء من هذه الآلات الجسمية.
وإنما عرضت لك هذه الحيرة لأنك سألت عن أمر بسيط مع توهمك إياه مركباً وحال المركب غير حال البسيط أعني أن الآلات البدنية كلها هي أيضاً مركبة نحو تمامات لها ليكمل بها أيضاً شيء مركب.
والحواس الخمس والقوى التي تناسبها من التخيل والوهم والفكر لا تتم إلا بآلات وأمزجة مناسبة تتم بها أفعال مركبة.
فإذا عادت الجواهر إلى بسائطها بطل الفعل المركب أيضاً ببطلان الآلات المركبة واستغني الجوهر البسيط القائم بذاته عن حاجات البدن وضروراته التي تم وجوده بها من حيث هو مركب لأجلها.
مسألة سأل عن الحكمة في كون الجبال
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن منافع الجبال ووضعها على بسيط من الأرض كثير جداً ولولاها ما وجد نبات ولا حيوان على بسيط الأرض وذلك أن سبب وجود النبات والحيوان وبقائهما بعد هو الماء العذب السائح على وجه الأرض.
وسبب الماء العذب السائح هو انعقاد البخار في الجو.
أعني السحاب وما يعرض له من الانحصار بالبرد حتى يعود منه إما مطر وإما ثلج وإما برد.
ولو أنك توهمت الجبال مرتفعة عن وجه الأرض وتخيلت الأرض كرة مستديرة لا نتوء ولا غور فيها لكان البخار المرتفع من هذه الكرة لا ينعقد في الجو ولا ينحصر ولا يعود منه ماء عذب.
بل كان غاية ذلك البخار أن يتحلل ويستحيل هواء قبل أن يتم منه ما هو سبب عمارة وجه الأرض وذلك لأجل أن البخار المرتفع من الأرض يحصل بين أعوار الأرض وبين الجبال التي تمنعه السيلان ومطاوعة حركة الفلك وأسباب الرجة التي هي حركة الهواء.
أعني أن قلل الجبال الشاهقة تحفظ الهواء المحتقن يين أغوارها من الحركة التي يوجبها الفلك بأسره والكواكب فيها وشعاعاتها المؤثرة الملطفة التي توجب لها السيلان.
فإذا حصل الهواء بين الجبال كذلك - كان البخار المرتفع فيه أيضاً محفوظاً من التبدد والحركة بتحرك الهواء ولحق هذا البخار من برد الجبال التي تحفظه في زمان الشتاء على أنفسها ما يجمده ويعقده ثم يعصره فيعود ماء مستحيلاً أو غيره مما يجري مجراه.
ولولا الجبال لكانت هذه المياه المدبرة بهذا التدبير مه ما ذكرناه لا تجري على وجه الأرض إلا ريثما يهدأ المطر ثم تنشفه الأرض فكان يعرض من ذلك أن يكون النبات والحيوان يعدمه في صميم الصيف وعند الحاجة الشديدة إليه في بقائهما حتى كان لا يوصل إليه إلا كما يوصل في البوادي البعيدة من الجبال أعني باحتفار الآبار التي يبلغ عمقها مائة ومائتين من الذرعان.
فأما الآن - مع وجود الجبال - فإن الأمطار والثلوج تبقى عليها فإذا نشفتها في الوقت أو بعد زمان نشأت من أسافلها العيون وسالتت منها الأنهار والأودية وساحت على وجه الأرض منصبة إلى البحار جارية من الشمال إلى الجنوب فإذا فنى ما استفادته من الأمطار في الصيف لحقتها نوبة الشتاء والأمطار فعادت الحال.
والدليل على أن العيون والأنهار والأودية كلها من الجبال أنك لا ترتقى في نهر ولا واد إلا أفضى بك إلى جبل.
فأما العيون فإنها لا توجد إلا بالقرب من الجبال البتة.
وكذلك ما يستنبط من القنى وما يجري مجراها.
فالجبال تجري من الأرض في إساحة الماء عليها من الأمطار مجرى إسفنجة أو صوفة تبل بالماء فتحمل منه شيئاً كثيراً ثم توضع على مكان يسيل منه الماء قليلاً قليلاً حتى إذا جفت أعيد بلها وسقيها من الماء لتدوم الرطوبة السائلة منها على وجه الأرض ويصير هذا التدبير سبباً لعمارة العالم ووجود النبات والحيوان فيه.
وللجبال منافع كثيرة إلا أن ما ذكرناه من أعظم منافعها فليقتصر عليه.
ولثابت مقالة في منافع الجبال من أحب أن يستقصي هذا الباب قرأه من تلك المقال إن شاء
مسألة لم صارت الأنفس ثلاثاً في العدد وهل يجوز أن تكون اثنتين أو هل يستحيل أن تكون أربع
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: النفس في الحقيقة واحدة وإنما يظهر أثرها - كما قلنا فيها فيما تقدم - بحسب قبول القابل.
وإنما قيل إنها ثلاث لأن من شأن الشيء الذي يبدأ أثره ضعيفاً ثم يقوى غاية القوة أن ينقسم ثلاثة أقسام أعني الابتداء والتوسط والنهاية.
ولما كان مبدأ أثر النفس في النبات أعني أنه يظهر فيه معنى يقبل الغذاء الموافق وينفض الفضلة وما ليس بموافق ويحفظ صورته بالنوع - سمي هذا الطرف الأول نفساً نباتية.
ثم لما قوى هذا الأمر حتى صار ينتقل لتناول غذائه وصارت له حواس وإرادة سميت هذه المرتبة: المتوسطة والحيوانية.
ولما قوى هذا الأثر حتى صار - مع هذه الأحوال - يرتئي ويفكر ويستعمل التمييز بتقديم المقدمات واستنتاج النتائج ثم يعمل أعماله بحسبها سمي ناطقاً وعاقلاً وما أشبه ذلك.
ولكل واحد من هذه المراتب لو قسمت - مراتب كثيرة.
إلا أن الأولى في كل ما جرى هذا المجرى أن يقسم إلى: المبدأ والوسط والنهاية كما فعل ذلك بقوى الطبيعة فإن الحرارة والبرودة وما جرى مجراها إنما تقسم إلى ثلاث مراتب أعني الابتداء والوسط والنهاية.
وإن كانت كل واحد من هذه المراتب تنقسم أيضاً.
وإذا ما تأملت جميع القوى وجدت الأمر فيها جارياً هذا المجرى.
فأما قولك: هل يجوز أن تكون اثنتين فهي إنما تكون واحدة أولاً ثم اثنتين ثم تستكمل فتصير ثلاثاً وقد شرح هذا.
مسألة لم صار البحر في جانب من الأرض
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه: لولا حكمة عظيمة اقتضت أن ينحسر الماء عن وجه الأرض لكان الأمر الطبيعي يوجب أن يكون لابساً وجه الأرض أجمعه حتى تصير الأرض في وسطه شبيهة بمح البيض والماء حولها شبيهاً بالبياض والهواء محيط بهما على ما هو موجود الآن والنار محيطة بالجميع ليكون الأثقل الأول بالمركز وهو الأرض في موضعه الخاص من المركز ويليه الماء الذي هو أخف من الأرض وأثقل من الهواء ويليه الهواء ثم النار على سوم الطباع.
ولكن لو تركت هذه الأشياء وسومها الطبيعي لم تكن على وجه الأرض عمارة من نبات وحيوان وبشر وبهيمة وطائر وبطلت هذه الحكمة العجيبة والنظام الحسن فلأجل ذلك خولف بين مركز الشمس ومركز الفلك الأعلى فتبع هذا أن صارت الشمس تدور على مركزها لعالم خاص بها غير الأرض.
أعني أن مركزها خارج من الأرض.
ولما دارت على مركزها قربت من ناحية من الأرض وبعدت من أخرى وصارت الناحية التي تقرب منها تحمي بها.
ومن شأن الماء إذا حمى أن ينجذب إلى الجهة التي يحمي فيها بالبخار.
وإذا انجذب إلى هناك انحسر عن وجه الأرض الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس.
وإذا انحسر عن وجه الأرض حدث من الجميع كرة واحدة.
أعني من الماء والأرض إلا أن شق الكرة الجنوبي الذي تقرب الشمس فيه من الأرض مكان الماء وهو البحر وشق الكرة الشمالي الذي تبعد عنه الشمس من الأرض يابس تظهر فيه الأرض.
ثم وجب بعد ذلك أن تنصب عليها الجبال لتستقيم الحكمة وينتظم أمر العالم على ما هو به عز مبدىء الجميع ومنشئه وناظمه ومقدره وتبارك اسمه وجل جلاله وتقدست اسماؤه وتعالى هما يقول الظالمون علواً كبيراً.
مسألة لم صارت مياه البحر ملحاً
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما ذلك لأجل قرب الشمس من سطح الماء وتمكنها من طبخه ومن طبيعة الماء إذا ألحت عليه الحرارة بالطبخ أن يتحلل لطيفه إلى البخار ويقبل الباقي أثراً من الملوحة فإن زادت الحرارة ودامت صار ذلك الماء شديد الملوحة ثم انتهى في آخر الأمر إلى المرارة.
وأصحاب الصنعة يدبرون ماء لهم بالنار ويدبرون حتى يكثر تردده على النار فيصير - بذلك - الماء حاراً يضرب إلى المرارة.
مسألة إذا كان المرئي لا يدرك إلا بآلة
وتلك هي الحس فما تقول فيما يراه النائم ألم يدركه من غير حس ولا انبثاث شعاع ولا أعمال آلة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد كنا بينا في مسألة الرويا وما أحببنا به عنها ما فيه غني عن تكلف الجواب عن هذه المسألة.
ولكنا نذكر جملة وهو أن الحواس كلها ترتقي إلى قوة يقال لها الحس المشترك.
وهذا الحس يقبل الآثار من الحواس ويحفظها عليها في قوة التي تعرف بالوهم.
فإذا غاب المحسوس أحضرت هذه القوة صورة ذلك المحسوس من الوهم: سواء كان مرئياً أو مسموعاً أو غيرهما من الصور المحسوسات.
وليس يمكن أن يحصل في هذه القوة شيء من الصور إلا ما قبلته وأخذته من الحواس.
وقد مر هذا الكلام في الموضع الذي أذكرنا به مستقصى مع الكلام في حد المرئي وما يتبعه.
مسألة لا نخلو في طلبنا لعلم شيء من أن نكون قد علمنا ذلك المطلوب أو لم نعلمه فإن كنا قد علمناه فلا وجه لطلبنا والدأب من ورائه
وإن كنا لا نعلمه فمحال أن نطلب ما لا نعمله.
وعاد أمرنا فيه مثل الذي أبق له عبد لا يعرفه وهو يطلبه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لو كان طلبنا للشيء إنما هو من وجه واحد وذلك الوجه المجهول لكان الأمر على ما ذكرت لكنا قد تقدمنا قبل فشرحنا أن كل مطلوب يمكن أن يبحث من أمره عن أربعة مطالب: أحدها إنيته وهذا البحث بهل ثم بما ثم بأي ثم بلم.
وهذه جهات لكل مطلوب.
فإذا عرفت جهة جهلت أخرى.
وليس يغني العلم بأحدها عن الأخرى.
مثال ذلك أنك إن بحثت عن جرم الفلك التاسع: هل له وجود فتبين هذا المطلب بقيت الجهة الأخرى وهي جهة ما هو لأنك قد عرفت جهة هل وجهلت جهة ما.
فإذا عرفت هذه الجهة بقيت الجهة الثالثة وهي جهة أي.
وقد شرحنا هذه الجهات فيما مضى فإذا حصلت هذه بقيت جهة العلة القصوى أعني لم.
وهي البحث عن الشيء الذي من أجله وجد على ما وجد عليه من المائية والكيفية.
فإذا عرفت هذه الجهة لم يبق من أمره شيء مجهول إلا جزئيات الأمور التي لا نهاية لها.
وليس يبحث عن تلك لقلة الفائدة فيها.
أعني أن تطلب مساحتها ومبلغ عدد الأجزاء التي تمسحها ونسبة كل جزء إلى غيره ووضعه وهذه المطالب هي بحث مطلب كيف وغيره من المقولات في أنواعها وأشخاصها.
وإذا عرفت الجنس العالي لم تطلب أجزاءه لحصول الجهة العليا.
فقد صح أن المطلوب إنما هو الجهة المجهولة لا الجهة المعلومة وأن الشيء الواحد قد يعلم من جهة ويجهل من جهة أخرى وزال موضع الشك إن شاء الله.
مسألة لم لا يجيء الثلج في الصيف
كما قد يجيء المطر فيه الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الفرق بين حالي الثلج والمطر أن البخار إذا ارتفع من الأرض حمل معه جزءاً أرضياً.
وقد يكون مقدار هذا الجزء الأرضي ما يخف مع البخار ويتحرك معه ويصعد بصعوده كالهباءة التي تراها أبداً في الهواء.
فإن ذلك القدر من أجزاء الأرض لخفته يتحرك بحركة الهواء ويصعد مع بخار الماء.
فإذا اتفق وقت صعود هذا البخار أن يصيبه في الهواء برد شديد حتى يجمد - جمد معه الجزء الأرضي وثقل بما يكتسبه من انضمام البعض إلى البعض بالبرد فارجحن إلى أسفل وهو الثلج.
وإن اتفق أن يكون البرد الذي يلحقه يسيراً لا يبلغ أن يجمده عصر البخار عصراً فخرج منه الماء الذي يقطر وهو المطر.
والدليل على أن في الثلج جزءاً أرضياً القبض الذي فيه الثلج وسلامة المطر منه.
وأيضاً فإن الثلج جزم البخار بعينه.
أعني الحالة التي ليست ماء ولا هواء.
فإذا جمدت تلك الحالة ردت طبيعة البخار.
فأما المطر فلا طبيعة للبخار فيه وهو ماء بعينه.
وكذلك يصيب آكل الثلج من النفخ والأسباب العارضة من البخار ما لا يصيب شارب ماء المطر.
وإذ قد وضح الفرق بين المطر والثلج فإنا نقول في جواب مسألتك: إن الشتاء يشتد فيه برد الهواء حتى يجمد البخار الصاعد إليه من الأرض فيرد ثلجاً.
فأما الصيف فليس يشتد فيه برد الهواء ولكن بما عرض فيه من البرد بقدر ما ينعقد البخار ثم ينعصر فيجيء منه مطر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الكتاب والسنة فمملوءان من ذكر الملائكة وأنها خلق شريف لله - تعالى - ولها مراتب متفاضلة.
وأما العقل فإنه يوجب وجودها من طريق أن العقل إذا قسم شيئاً وجد لا محالة إلا أن يمنع منه محال.
وذلك أن قسمة العقل هي الوجود الأول والحق المحض الذي لا يعترضه مانع ولا تعوق عنه مادة.
فإذا قسم فقد وجد الوجود العقلي وإذا حصل هذا الوجود تبعه الوجود النفساني والوجود الطبيعي لأن هذين متشبهان بالفعل مقتديان به تابعان له غير مقصرين ولا وانيين.
ولكن الطبيعة تحتاج في هذا الاقتداء إلى حركة لقصورها عن الإيجاد التام ولذلك قيل في حد الطبيعة إنها مبدأ حركة.
ولأن العقل إذا قسم الجوهر إلى الحي - قسم الحي منه إلى الناطق وغير الناطق وقسم الناطق منه إلى المائت وغير المائت فيحصل من القسمة أربعة هي: حي ناطق مائت.
وحي غير ناطق غير مائت.
وحي ناطق غير مائت.
والقسم الثالث هم المسمون ملائكة.
وهي مشتركة في أنها غير مائتة ومتفاضلة في النطق.
وبهذا التفاضل صار بعضها أقرب إلى الله - تعالى - من بعض وبه أيضاً صرنا - نحن معاشر البشر - متفاضلين في التقرب إلى الله - تعالى - والبعد منه ولأجله قيل: فلان شبيه بملك وفلان شبيه بشيطان وبسببه قيل: فلان عدو الله وبسببه قيل: فلان ولي الله وفي السب يقال: أبعد الله فلاناً ولعنه.
وقرب الله فلاناً وأدناه.
وقد يمكن أن يثبت وجود الملائكة من طريق آثارها وأفعالها الظاهرة في هذا العالم.
ولكني لما احتجت في ذلك إلى مقدمات كثيرة وبسط للكلام أخرج به عن الشرط الذي شرطته في أول هذه المسائل اقتصرت على ما ذكرته.
وهو كاف إن شاء الله.
مسألة وسألت - أيدك الله - عن آلام الأطفال ومن لا عقل له من الحيوان
وعن وجه الحكمة فيه الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما هذه المسألة فإنها تتوجه إلى من أثبت جميع الأفعال التي ليست للناس منسوبة إلى الله - تعالى - ولم يعترف بأفعال الطبيعة ولا أفعال الأشياء التي هي وسائط بيننا وبين الله - تعالى - فإن المتكلمين كالمجمعين على أن الحرارة و الإحراق وسائر أفعال الطبائع وما ننسبه نحن إلى الوسائط التي فوض الله إليها تدبير عالمنا من الأفلاك والكواكب كلها أفعال الله - تعالى - بلا واسطة يتولاها بذاته.
وفي مناقضة هؤلاء القوم طول فإن أحببت أن أفرد له مقالة أو كتاباً فعلت.
فأما من زعم أن النار إذا جاوزت النفط ألهبته وإذا جاوزت الماء أسخنته وكذلك كل عنصر وركن وكل شعاع وأثر ممتد من العلو إلى أسفل فإنه يؤثر في جميع ما يقابله آثاراً مختلفة: إما لاختلاف الفواعل وإما لاختلاف القوابل - فإن هذه المسألة غير لازمة له.
وإنما ينبغي أن يسأل من وجه آخر لم تسأل عنه فلذلك لم أتكلف جوابه.
وقد ظهر من مقدار ما أومأت إليه جواب مسألتك إن شاء الله.
مسألة لم كان صوت الرعد إلى آذاننا أبطأ وأبعد
من رؤية البرق إلى أبصارنا ولما كان الهواء سريع القبول للضوء بل يستضىء في غير زمان وذاك أن الشمس حين تطلع من المشرق يضيء منها الهواء في المغرب بلا زمان وكذلك الحال في كل مضىء كالنار وما أشبهها إذا قابل الهواء قبل منه الإضاءة بلا زمان - وكان الهواء متصلاً بأبصارنا لا واسطة بيننا وبينه - وجب أن يكون إدراكنا أيضاً بلا زمان ولذلك صرنا أيضاً ساعة نفتح أبصارنا ندرك زحل وسائر الكواكب الثابتة المضيئة إذا لم يعترض في الهواء عارض يستر أو يحجب.
فأما الرعد فلما كان أثره في الهواء بطريق الحركة والتموج لا بطريق الاستحالة - وجب أن يكون وصوله إلى أسماعنا بحسب حركته في السرعة والابطاء وذاك أن الصوت الذي هو اقتراع في الهواء يموج ما يليه من الهواء كما يموج الحجر الجزء الذي يليه من الماء إذا صك به ثم يتبع ذلك أن يموج أيضاً بعض الماء بعضاً وبعض الهواء بعضاً على طريق المدافعة بين الأجزاء إذا كانت متصلة.
فكما أن جانب الغدير إذا تموج حرك ما يليه في زمان ثم ما يلي ما يليه إلى أن ينتهي إلى الجانب الأقصى منه حتى تصير بينهما مدة وزمان على قدر اتساع سطح الماء فكذلك حال الهواء إذا اقترع فيه الجسم الصلب حرك ما يليه من الهواء وتموج به ثم حرك هذا الجزء ما يليه في زمان بعد زمان حتى ينتهي إلى الجزء الذي يلي آذاننا فنحس به ولذلك صار صوت وقع وكذلك حالنا إذا رأينا القصار من بعيد على طرف واد فإنا نرى حركة يده وإلاحته بالثوب حين رفعه وضربه الحجر قبل أن نسمع صوت ذلك الوقع بزمان.
فهذه بعينها حال البرق والرعد لأن السحاب يصطك بعضه ببعض فينقدح من ذلك الاصطكاك ما ينقدح من كل جسمين إذا اصطكا بقوة شديدة ويخرج أيضاً من بينهما صوت.
وهما جميعاً - أعني البرق والرعد - يحدثان معاً في حال واحدة إذ كان سببهما جميعاً الصك والقرع أعني حركة الجسم الصلب وقرع بعضه ببعض كحال المقدحة والحجر إلا أن البرق يضيء منه الهواء بالاستحالة التي تكون بلا زمان فنحسه في الوقت.
فأما الرعد فيتموج منه الهواء الذي يلي السحاب المصطك ثم يتموج أيضاً ما يليه ويسري في الجزء بعد الجزء إلى أن ينتهي إلى الهواء الذي يلي أسماعنا في زمان فنحس به حينئذ.
مسألة إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب
ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح له حق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لو كانت الإقناعات ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما أنكرت ما ذكرته ولكني وجدت مراتب الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة: فمنها ما يسمى يقيناً ومنها ما يسمى دليلاً وقياساً إقناعياً بحسب مقدمات ذلك القياس ومنها ما يسمى ظناً وتخيلاً وما أشبه ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في الآراء مع تفاوت القياسات الموضوعة فيها.
فمن ذلك أن القياس إذا كان برهانياً وهو أن تكون مقدماته مأخوذة من أمور ضرورية وكان تركيبها صحيحاً - حدثت منه نتيجة بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه خطأ.
وكذلك.
التي امتدلى بها - فأثر الحرارة في المبدأ يكون ضعيفاً لكثرة المادة ومقاومتها فإذا قويت الحرارة بالتدريج وانتهت إلى غاية أمرها - كان زمان الشباب وكأنه صعود وحال نشأ حتى ينتهي ثم يقف وقفة كما يعرض في جميع الحركات الطبيعية ثم ينحط وهو زمان التكهل فلا يزال إلى نقصان حتى يفنى فناء طبيعياً كما وصفنا وهو زمان الشيخوخة والهرم وقد كان في زمان جالينوس من ظن ما ظننته حتى حكاه عنه وذكر أنه بلى بمرض طويل أضحك منه من كان حفظ عليه مذهبه.يروى هذا عن حكيم العرب عامر بن الظرب.
أليس الرأى من حزب العقل وأوليائه فكيف غلب مع علو مكانه وشرف موضعه وما معنى قول الآخر من الأوائل: العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع ما سبب هذه الصداقة مع هذا العقوق وما سبب تلك العداوة مع تلك المتابعة وهل يرى هذا حقائق الأمور معكوسة منكوسة فإن الظاهر خارج عن حكم الواجب جار على غير النظام الراتب.
الجواب: قال ابو على مسكويه - رحمه الله: هذا كلام خرج في معرض فصاحة وخطابة.
فأما معناه فهو أن الهوى فينا قوى جداً والرأى ضعيف وسبب ذلك أنا - معشر الناس - طبيعيون وجزء الطبيعة فينا أغلب من جزء العقل لأنا في عالم الطبيعة والعقل غريب عندنا ضعيف الأثر فينا ولذلك نكل عند النظر في المعقولات ولا نكل عند النظر في الطبيعيات ذلك الكلال.
والعقل وإن كان في نفسه شريفاً عالى الرتبة فإن أثره عندنا يسير.
والطبيعة وإن كانت ضعيفة بالإضافة إلى العقل منحطة الرتبة - فإنها قوية فينا لأنا في عالمها ونحن أجزاء منها ومركبون من عناصرها وفينا قواها أجمع.
وهذا واضح غير محتاج إلى الإطناب في الشرح.
فقال له أبو هاشم المتكلم عائباً للمنطق: هل المنطق إلا في وزن مفعل من النطق فحدثني: أأنصف أبو هاشم وحز الحق أم تشيع وقال ما لا يجوز ان يسمع منه هذا مع محله وشدة توقيه في مقالته فإن البيان عن هذا القدر يأتي على كنائن العلم ويوضح طرق الحكمة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما من طريق الوزن فقد صدق فيه أبو هاشم وأما من طريق الازدراء والعيب - إن كان قصد ذلك - فقد ظلم لأنه لا عيب على العلم إلا من جهة خطأ المخطىء فيه لا من جهة اسمه.
ولو كايله أبو بشر مكايلة فقال له: وهل المتكلم إلا في وزن متفعل من الكلام وتصفح سائر العلوم فقال فيها مثل هذا وقال هل التفقه إلا نفعل من قولك فقهت الشيء وهل النحو إلا مصدر قولك نحوت الشي أى قصدته - لكان هذا مستمراً وما أكثر ما يسمى من العلم لما لا يستحقه رتبته وما أكثر ما يسمى بما يحط من رتبته فلا ذاك ينفع في ذلك العلم ولا هذا يضر في هذا العلم.
وقد عرفت قوماً سموا أنفسهم المدركين وسموا علومهم الإدراك الحقيقي وهو في غاية البعد من حقائق الأمور وقد سمى قوم أنفسهم المستحقين وأهل الحق وما أشبه ذلك فكانوا فيه مدعين باطلاً.
مسألة رأيت رجلاً يسأل شيخاً من أهل الحكمة
فقال له: العرب تؤنث الشمس وتذكر القمر فما العلة في ذلك وأى معنى عنوا بهذا الإطباق فإنه إن خلا من العلة جرى مجرى الاصطلاح على غير غرض مقصود.
فلم يورد ذلك الشيخ شيئاً ولهذا لم أسمه فإن في ذكره مع إظهار عجزه تعريضاً به وتحقيراً لشأنه وما يستحق بهذا اليسير ان يجحد ما يصيب فيه الصواب الكثير.
فقال السائل: فإن المنجمين يذكرون الشمس ويؤنثون القمر.
وهذا أيضاً من المنجمين اتفاق.
فأجاب ههنا وقال ما قالوه ولم يعجز عن المسألة الأخرى لقصر باعه في الأدب ولكن لم يحفظ فيها جواباً عن اهل العربية.
والمعنى فيه خاف ليس من شأن المتمسحين في العلم بل من شأن المتبحرين فيه الخائضين في غماره البالغين إلى قراره وهيهات ذلك العلم عميق البحر عالى الفلك وليس كل قلب وعاء لكل سانح ولا كل إنسان ناطقاً بكل لفظ ولا كل فاعل آتياً بكل عمل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما النحويون فلا يعللون هذه الأمور ويذكرون أن الشيء المذكر بالحقيقة ربما أنثته العرب والمؤنث بالحقيقة ربما ذكرته العرب فمن ذلك أن الآلة من المرأة بعينها التي هي سبب تأنيث كل ما يؤنث هي مذكر عند العرب واما آلة الرجل فلها أسماء مؤنثة.
فأما العقاب والنار وكثير من الأسماء التي هي أولى الأشياء بالتذكير وهي مؤنثة وأمثالها فكثير.
ولكن الشمس التي قصد السائل قصدها بعينها فإني أظن السبب في تأنيث العرب إياها أنهم كانوا يعتقدون في الكواكب الشريفة أنها بنات الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وكل ما كان منها أشرف عندهم عبدوه.
وقد سموا الشمس خاصة باسم الآلهة فإن اللاة اسم من اسمائها فيجوز أن يكونوا أنثوها لهذا الاسم ولاعتقادهم أنها بنت من البنات بل هي أعظمهن عندهم.
مسألة هل يجوز لإنسان أن يعي العلوم كلها على افتنانها وطرقها واختلاف اللغات والعبارات عنها فإن كان يجوز فهل يجب وإن وجب فهل يوجد وإن كان وجد فهل عرف وإن كان جائزاً فما وجه جوازه وإن كان الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أحد الحدود التي حدت بها الفلسفة أنها علم الموجودات كلها بما هي موجودات.
ولكن ليس على الشرائط التي ذكرتها في مسألتك أعني قولك: على افتنانها وطرقها واختلاف اللغات بها والعبارات عنها فإن علماً واحداً من بين العلوم لا يجوز أن يحتوي على جميع هذه الشرائط فيه لأن جزئيات العلوم بلا نهاية وما لا نهاية له لا يخرج إلى الوجود.
ولكن المطلوب من كل علم هو الوقوف على كلياته التي تشمل على جميع أجزائه بالقوة.
مثال ذلك أن الطب إذا تعلمت أصوله وقوانينه التي بها يستخرج نوع المرض ونوع العلاج فقد كفي فيه ذلك.
فأما أن يعرف منه جميع أجزاء الأمراض فذلك محال.
وكذلك تجد كتب جالينوس وغيره من الأطباء فإنها تعلمك أصول الأمراض والعلاجات فإذا باشرت الصناعة ورد عليك من أجزاء مرض واحد ما لا يمكنك إحصاؤه ويبقى من أجزائه ما لا يمكن أحصاؤه أحداً بعدك.
وإذا كان الأمر على ذلك فالجواب عن مسألتك يكون مقيداً على ما ذكرته.
فأما اختلاف الطرق والعبارات فلا معنى لتعاطي معرفتها فإن المقصود من العلوم هي ذواتها وأما قولك: هل يجب فأقول: إنه واجب لأن التفلسف واجب من أجل أنه كمال الإنسانية وبلوغ أقصى درجتها.
وكل شيء كان كمال فإن غايته البلوغ إلى ذلك الكمال.
ومن قصر من الناس عن بلوغ كماله مع حصول الأسباب وارتفاع الموانع عنه فهو غير معذور فيه.
وأما قولك: هل يوجد فإنه موجود لأن الفلسفة موجودة وهي صناعة الصناعات وما تب شيء من أجزائها كما رتبت هي نفسها فإنه قد بدىء من أدنى درجة يبتدىء بها المتعلم إلى أقصى مرتبة يجوز أن يبلغها.
وهذا لجميعه أصول وشروح على غاية الأحكام وهي معروفة موجودة غير ممنوع منها ولا مضنون بها على من يطلبها وفيه منة لتعلمها.
مسألة ما غضب الصارف على المصروف
هكذا تنشأ هذه المسألة وصورتها أنك تولى إمرة بلد أو قضاء مدينة فترد البلد وبه أمير قبلك صرف بك فتعنف به وتغضب عليه وتكلح وجهك في وجهه وهو ما أغضبك ولا ومن جنس هذا الغضب غضب الجلاد والسياف.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كان الصارف يستشعر من المصروف أنه يبغضه ويكرهه لا محالة وفي الطباع أن يكره الإنسان من يكرهه وببغض من يبغضه - عرض هذا العارض لكل صارف على كل مصروف.
وربما انضاف إلى ذلك أشياء أخر منها أن المصروف ربما صرف عن خيانة أو جناية كثيرة يعرض في مثلها الغضب بالواجب.
وربما انضاف إلى ذلك أن يؤمر الصارف بالقبض على المصروف وموافقته على جناياته واستصفاء ماله.
وهذه أشياء تثير الغضب وتزيد في مادته لا سيما والمصروف يحتج لنفسه ويدفع عنها كل ما نسب إليه من القبيح ويدافع عن ماله بما أمكنه.
فأين يذهب الغضب عن هذا المكان وهل هو إلا في حقيقة موضعه الخاص به فأما الجلاد والسياف فلهما وجه آخر من العذر وهو أنهما إنما يأخذان أجرة على صناعتهما وإن لم يوفياها حقها خشيا اللائمة والاستخفاف وليس يمكنهما توفية صناعتهما حقوقهما إلا بإثارة الغضب.
مسألة لم كان اليتم في الناس من قبل الأدب وفي سائر الحيوان من قبل الأم
فإن قلت: لأن الأم ههنا كافلة فإن الأمر في الناس كذلك وفيه سر غير هذا ونظر فوقه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان من حيث هو حيوان مشارك للبهائم في هذا المعنى محتاج إلى ما يقيمه من الأقوات التي تحفظ عليه حيوانيته.
ومن حيث هو إنسان مشارك للفلك في هذا المعنى يحتاج إلى ما يبلغه هذه الدرجة بالتعليم والتأديب لأن الأدب يجري من النفس مجرى القوت من البدن والذي يقوم بالحال الأولى وهي الأم والذي يقوم له بالحال الثانية هو الأب.
ولما كانت الحالة الثانية أشرف أحواله وهي التي بها يصير هو ما هو اعني أن يصير إنساناً - وجب أن يكون يتمه من قبل أبيه.
ولما كان سائر الحيوانات كما حيوانيتها في القوت البدني وجب أن يكون يتمها من قبل الأم.
ولعل الإنسان قبل أن يبلغ حد التعلم من الأب وفي حال حاجته إلى الرضاع إذا فقد أمه سمي يتيماً من قبل الأم ولم يمتنع إطلاق ذلك عليه.
وأعجز عن رقعة - يعني الشطرنج وهذا معنى شائع في الناس فما السبب فيه فإنه إنما عجب من خفاء السبب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصناعات لا يكتفي فيها بالعلم المتقدم والمعرفة السابقة بها حتى يضاف إلى ذلك العمل الدائم والارتياض الكثير وإلا لم يكن الإنسان ماهراً.
والصانع هو الماهر بصناعته.
ومثال ذلك الكتابة فإن العالم بأصولها وإن كان سابق العلم غزير المعرفة إذا اخذ العلم ولم تكن له دربة انقطع فيها ولم ينفعه جميع ما تقدم من علمه بها.
وكذلك حال الخياطة والبناء.
وبالجملة كل صناعة مهنية كقيادة الجيش ولقاء الأقران في الحروب ليس تكفي فيها الشجاعة ولا العلم بكيفيتها حتى يحصل فيها الارتياض والتدرب فحينئذ تصير صناعة.
ولما كان الشطرنج أحد الأشياء الجارية هذا المجرى من الصناعات لم يكتف فيه بالتدبير ولا حسن التخيل ولا جودة الرأى حتى تنضاف إلى ذلك مباشرة الأمر والدربة فيه فإن لكل ضربة يتغير بها شكل الشطرنج ضربة من الرسيل مقابلة لها إما على غاية الصواب وإما بخلافه.
ويحتاج إلى ضبط جميع ذلك وتخيل تلك الأشكال كلها ضربة بعد ضربة على وجوه تصاريفها وليس ذلك إلا مع دربة ورياضة.
مسألة ما السبب في استيحاش الإنسان من نقل كنيته أو اسمه
فقد رأيت رجلاً غير كنيته لضرورة لحقته وحال دعته فكان يتنكر ويقلق وكان يكنى أبا حفص فاكتنى أبا جعفر وكان سببه في ذلك أنه قصد رجلاً يتشيع فكره أن يعرفه بأبي حفص.
وكيف صار بعض الناس يمقت الشيء لاسمه دون عينه أو للقبه دون جوهره.
وما النفور الذي يسرع إلى النفس من النبز واللقب.
وما الشكون الذي يرد على النفس من النعت وما هما إلا متقاربان في الظاهر متدانيان في الوهم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المعاني تلزمها الأسماء ويعتادها أهل اللغات على مر الأيام حتى تصير كأنها هي وحتى يشك قوم فيزعمون أن الاسم هو المسمى وحتى زعم قوم أفاضل أن الأسامى بالطباع تصير إلى مطابقة المعاني كأنهم يقولون إن الحروف التي تؤلف لمعنى القيام أو الجلوس أو الكوكب أو الأرض لا يصلح لغيرها من الحروف أن تسمى به لأن تلك بالطبع صارت له.
واضطر لأجل هذه الدعوى أن يشتغل كبار الفلاسفة في بمناقضتهم ووضع الكتب في ذلك فليس بعجب أن يألف إنسان اسم نفسه حتى إذا غير ظن أنه إنما يغير هو وإذا دعى بغير اسمه فإنما دعى غيره بل يرى كأنما بدل به نفسه.
ولقد سمعت بعض المحصلين يستشير طبيباً ويخاف فيما يشكوه أنه قد أصابه الماليخوليا فقلت له: وما الذي أنكرت من نفسك.
قال: يخيل لي أن يميني قد تحول شمالاً وشمالي يميناً لست أشك في ذلك.
فلما امتد بي النظر في مساءلته وجدته كان قد تختم في يمينه مدة للتقرب إلى بعض الرؤساء من أصدقائه ثم لما فارقه لسفره اتفقت له إعادة إلى التختم اليسار فعرض له من الإلف والعادة هذا العارض.
فأعتبر بذلك يسهل جواب مسألتك وتعلم ما في العادة من المشاكلة لما في الطبع.
فأما كراهة الناس الشيء لأسمه أو للقبه ونبزه فالجواب عنه قريب من الجواب عن هذه المسألة وذلك أن الأسماء والألقاب أيضاً تكره لكراهة ما تدل عليه للعادة الأولى فلو أنك نقلت اسم الفحم إلى الكافور فيما بينك وبين آخر لكان متى ذكر الفحم تصور السواد ولم يمنعه ما انتقل فيما بينه وبينك إلى مسمى آخر أبيض طيب الرائحة وذلك لأجل العادة اللهم إلا أن يكون تركيب الحروف تركيباً قبيحاً والحروف أنفسها مستهجنة فإن الجواب عن ذلك قد مر في صور هذه المسائل مستقصى.
مسألة قال أبو حيان لم صار صاحب الهم ومن غلبة عليه الفكر
في ملم يولع بمس لحيته وربما نكت الأرض بإصبعه وعبث بالحصى.
وقد يختلف الحال في ذلك حتى إنك لتجد واحداً يحب عند صدمة الهم ولوعه الحزن جمعاً وناساً ومجلساً مزدحماً يريغ بذلك تفريحاً ويجد عنده خفا.
وآخر يفزع إلى الخلوة ثم لا يقع إلا بمكان موحش ونشر ضيق وطريق غامض.
وآخر يؤثر الخلوة ولكن الخلوة يحن إلى بستان حال وروض مزهر ونهر جار.
ثم تختلف الحال بين هؤلاء حتى إنك لتجد واحداً عند غاشية ذلك الفكر أصفى طبعاً وأذكى قلباً وأحضر ذهناً وحتى يقول القافية النادرة ويضنف الرسالة الفاخرة وحتى يحفظ علماً جماً ويستقبل أيامه نصحاً وآخر يذهل ويعله ويزول عنه الرأى ويتحير حتى لوهدي ما اهتدى ولو أمر لما فقه ولو نهى لما وبه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس لا تعطل الجوارح إلا عند النوم الأسباب ليس هذا موضع ذكرها.
والعقل يستهجن البطالة ولا بد من تحريك الأعضاء في اليقظة إما بقصد وإدارة وبصناعة ولأغراض مقصودة وإما بعبث ولهو وعند غفلة وسهو ولأجل ذلك نهت الشريعة عن الغفلة ونهى الأدب عن الكسل وأمر الناس وسواس المدن بترك العطلة واشتغال الناس بضروب الأعمال.
ولقباحة العطلة ونفور العقل عنها اشتغل الفراغ بلعب الشطرنج والنرد على سخافتهما وأخذهما من العمر وذهابهما بالزمان في غير طائل فإن الجلوس بلا شغل ولا حركة بغير ضرورة أمر يأباه الناس كافة لما ذكرناه.
فصاحب الفكر والهم لا تتعطل جوارحه وإنما ينبغي أن يتعود الإنسان بالتأديب حركات جميلة مثل القضيب الذي وضع الملوك وقد ذكره ذلك أيضاً ونسب إلى النزق وجعل في جنس الولع بالخاتم.
فأما مس اللحية وقلع الزئبر من الثوب فمعدود من المرض لأنة حركة غير منتظمة ولا جارية على سنة الأدب بل هو عبث يدل على أن صاحبه قد احتمل حتى عزب عقله وذهب تمييزه دفعة.
ولا ينبغي ذلك لمن له تمييز وبه مسكة أن يفعله بل ينبه عليه من نفسه ويتركه إن كان عادته.
فأما اختلاف الحال في الناس فيمن الاجتماع مع الناس أو يحب الخلوة وغير ذلك مما حكيته وذكرت أقسامه فإن ذلك تابع للمزاج وذاك أن صاحب السوداء والفكر السوداوي يحب الخلوة والتفرد ويأنس بذلك.
وأما صاحب الفكر الدموي فإنه يحب الاجتماع والناس وربما آثر النزهة والفرجة.
وأما ما حكيت عمن يصنع الشعر ويصنف الرسالة ويشغل نفسه بالعلوم فجميع ذلك إنما يكون بحسب عادة من يطرقه الفكر فإن كان قبل ذلك ممن يرتاض ببعض هذه الأشياء أو يكثر الفكر فيها فإنه بعد ورود العارض يلجأ إلى ما كان عليه ويعود إلى عادته بنفس ثائرة مضطرة إلى الفكر فينفذ فيما كان فيه.
ولا بد أن يصير ذلك الفكر من جنس ما دهمه أعني أنه يقول القافية ويصنف الرسالة في ذلك المعنى الذي طرأ عليه لكن يستعين عليه بفكر كأن يتصرف في شعر آخر فيرده إلى الأهم الذي وأما الذي يذهل ويعله ويتحير فهو الذي لم يكن قبل ورود ذلك الشغل عليه ممن لا يرتاض بشعر ولا ترسل ولا عادته أن يلجأ إلى فكره ويستعمله في استخراج الخبايا واللطائف فإذا طرقه عارض يحتاج فيه إلى فكر لم يجده وأصابه من الوله والدهش ما ذكرت.
مسألة ما بال أصحاب التوحيد لا يخبرون عن الباري إلا بنفي الصفات
فقيل له: بين قولك وابسط فيه إرادتك.
قال: إن الناس في ذكر صفات الله - تعالى - على طريقتين: فطائفة تقول: لا صفات له كالسمع والعلم والبصر والحياة والقدرة لكنه مع نفي هذه الصفات موصوف بأنه سميع بصير حي قادر عالم.
وطائفة قالت: هذه أسماء لموصوف بصفات هي العلم والقدرة والحياة.
ولا بد من إطلاقها وتحقيقها.
ثم إن هاتين الطائفتين تطابقته على أنه عالم لا كالعالمين وقادر لا كالقادرين وسميع لا كالسامعين ومتكلم لا كالمتكلمين.
وكانت الطائفتان في ظاهر الرأى مثبتة نافية معطية آخذه إلا أن يبين ما يزيد على هذا.
هذا آخر المسألة.
والجواب عنها حرفان مع الإيجاز إن ساعد فهم وتبسيط مع البيان إن احتيج إليه في موضعه إن شاء.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قولك: الجواب عنها حرفان مع الإيجاز فهو قريب مما قلت وذاك أن كل صفة وموصوف يقع عليه وهم وينطلق به لسان فهو جود من الله تعالى وإبداع له ومن منه امتن به على خلقه وليس يجوز أن يوصف الله - تعالى - بما هو مبدع ومخلوق له.
فهذا مع الإيجاز كاف.
ولا بد من أدنى بسط وبيان فنقول: إن البرهان قد قام على أن الباري الأول الواحد هو - عز اسمه - متقدم الوجود على كل معقول ومحسوس وأنه أول بالحقيقة أي ليس له شيء يتقدمه على سبيل علة ولا سبب ولا غيرهما.
وما ليس له علة تتقدمه فوجوده أبداً وما وجوده أبداً فهو واجب الوجود وما كان كذلك فهو لم يزل وما لم يزل فليس له علة فليس بمتركب ولا متكثر لأنه لو كان مركباً أو كان متركباً لكان وقد قلنا إنه أول لم يتقدمه شيء فإذن ليس بمركب ولا متكثر.
والأوصاف التي يثبتها له من يثبتها ليس تخلو من أن تكون قديمة معه أو محدثة بعده.
ولو كانت قديمة معه موجودة بوجوده لكان هناك كثرة ولو كانت كثرة لكانت - لا محالة - متركبة من آحاد.
ولو كانت الآحاد متقدمة أو الوحدة - سيما التي تركبت منها الآحاد - والكثرة متقدمة - لم يكن أولاً وقد قلنا إنه أول.
ولو كانت أوصافه بعده لكان خالياً منها فيما لم يزل وخلصت له الوحدة.
وإنما حدث له ما حدث عن سبب وعلة - تعالى الله وجل عما يقولون المبطلون - وقد قلنا إنه لا سبب له ولا علة.
وأما أطلاقنا ما نطلقه عليه من الجود والقدرة وسائر الصفات فلأن العقل إذا قسم الشيء إلى الإيجاب والسلب أو إلى الحسن والقبيح أو إلى الوجود والعدم - وجب أن ينظر في كل طرفين فينسب الأفضل منهما إليه إن كنا لا محالة مشيرين إليه بوصف مثلاً كأنا سمعنا بالقدرة والعجز وهما طرفان فوجدنا أحدهما مدحاً والآخر ذماً فوجب أن ننسب إليه ما هو مدح عندنا.
ومع ذلك فينبغي ألا نقيس على هذا القدر أيضاً إلا إذا كان معنا رخصة في شريعة أو إطلاق في كتاب منزل لئلانبتدع له من عندنا ما لم تجربه سنة أو فريضة ونحذر كل الحذر من الإقدام على هذه الأمور.
ولأنا ضمنا ترك الإطالة في جميع أجوبة هذه المسائل فلنقتصر على هذا النبذ.
ومن أراد الإطالة والتوسع فيه فليقرأه من موضعه الخاص به من كتابنا الذي سميناه الفوز أو من كتب غيرنا المصنفة في هذا المعنى إن شاء الله.
مسألة لم صار الإنسان في حفظ الصواب أنفذ منه في حفظ الخطأ
شاهد هذا أنك لو سمت الغفل أن يتعلم الأدب ويعتاد الصواب في اللفظ كان أخرى بذلك وأجرأ عليه من قاض أو عدل أو أديب عالم تسوم واحداً منهم ان يتخلق بخلق بعض العامة أو يقتدي بلفظه في خطابه وفساده ولهذا تجد مائة ينشدونك لأبي تمام والبحتري ولا تجد ثلاثة ينشدونك للطرمي وأبي العبر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصواب شيء واحد وله سمت يشير إليه فأما الانحراف عن ذلك السمت والخطأ فيه وعنه فأمر لا نهاية له فلذلك لا يمكن ضبطه.
وإن انحرف عنه منحرف فإنما يكون ذلك منه كما جاء واتفق لا بإشارة من فهم ولا دليل من عقل.
وحفظ مثل هذا عسير جداً إذ كان الحفظ إنما هو تذكر لصورة قيدها العقل وتلك الصورة هي مقتضى العقل أو رسم من رسوم قوى العقل.
فالإنسان معان على هذا الرسم بالفطرة ومعان على تذكره - أيضاً - بالفطرة.
فأما العدول عنه فهو كالعدول عن نقطة الدائرة التي تسمى مركزاً فإن النقطة في الدائرة - التي ليست مركزاً - هي كثيرة بلا نهاية وإنما المحدودة منها على نقطة واحدة أعني التي بعدها من جميع محيط الدائرة بالسواء.
مسألة لم صار العروضي ردىء الشعر قليل الماء
والمطبوع على خلافه ألم تبن العروض على الطبع أليست هي ميزان الطبع فما بالها تخون وقد رأينا بعض من يتذوق وله طبع يخطي ويخرج من وزن إلى وزن وما رأينا عروضياً له ذلك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المطبوع من المولدين يلزم الواحد ولا يخرج عنه مادام طبعه يطيع ذلك.
ولكن سمعنا للشعراء الجاهليين المتقدمين أوزاناً لا تقبلها طباعنا ولا تحسن في ذوقنا وهي عندهم مقبولة موزونة يستمرون عليها كما يستمرون في غيرها كقول المرقش: لابنه عجلان بالطف رسوم لم يتعفين والعهد قديم وهي قصيدة مختارة في المفضليات ولها أخوات لا أحب تطويل الجواب بإيرادها - كانت مقبولة الوزن في طباع أولئك القوم وهي نافرة عن طباعنا نظنها مكسورة.
وكذلك قد يستعملون من الزخاف في الأوزان التي تستطيبها ما يكون عند المطبوعين منا مكسوراً وهي صحيحة.
والسبب في جميع ذلك أن القوم كانوا يجبرون بنغمات يستعملونها مواضع من الشعر يستوى بها الوزن.
ولأننا نحن لا نعرف تلك النغمات إذا أنشدنا الشعر على السلامة لم يحسن في طباعنا والدليل على ذلك أنا عرفنا في بعض الشعر تلك النغمة حسن عندنا وطاب في ذوقنا كقول الشاعر: إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلاً دمه ما يطل فإن هذا الوزن إذا أنشد مفكك الأجزاء بالنغمة التي تخصه طاب في الذوق وإذا أنشد كما ينشد سائر الشعر لم يطب في كل ذوق.
وهذه سبيل الزحاف الذي يقع في في الشعر مما يطيب في ذوق العرب وينكسر في ذوقنا.
لولا أن الموسيقا مركوزة في الطباع ووزن النغم ومقابلة بعضه بعضاً مجبولة عليه النفس لما تساعدت النفوس كلها على قبول حركات أخر بعينها.
وتلك الحركات المقبولة هي النسب التي يطلبها الموسيقي ويبني عليها رأيه وأصله.
والعروضي إنما يتبع هذه الحركات والسكنات التي في كل بيت فيحصلها بالعدد وبالأجزاء المتقابلة المتوازنة.
فإن نقص جزء من الأجزاء ساكن أو متحرك فإنما يجبره المنشد بالنغمة حتى يتلافاه.
فمتى ذهب عنه ذلك لم يستقم في ذوقه ولم يساعد عليه طبعه.
فأما من نقص ذوقه في العروض فإنما ذلك للغلط الذي يقع له في بعض الزحافات التي يجيزها العروض وله مذهب عند العرب فيقع لصاحب الذوق الذي لا يعرف تلك النغمة التي تقوم بذلك الزحاف - أنه جائز في كل موضع فيغلط من ههنا ويتهم أيضاً طبعه حتى يظن أن المنكسر من الشعر أيضاً هو في معنى المزاحف وأنه كما لم يمتنع المزحوف من الجواز كذلك لا وهذا غلط قد عرف وجهه ومذهب صاحبه فيه.
وأما واضع العروض فقد كان ذا علم بالوزن وصاحب ذوق وطبع فاستخرج صناعة من الطباع الجيدة تستمر لمن ليست له طبيعة جيدة في الذوق ليتمم بالصناعة تلك النقيصة.
وكذلك الحال في صناعة النحو والخطابة وما يجري مجراها من الصنائع العلمية.
وليس يجري صاحب الصناعة وإن كان ماهراً في صناعته - مجرى الطبع الجيد الفائق.
مسألة ما معنى قول بعض القدماء العالم أطول عمراً من الجاهل بكثير
وإن كان أقصر عمراً عنه.
ما هذه الإشارة والدفنية فإن ظاهرها مناقضة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين من مباحث الفلسفة أن الحياة على نوعين: أحدهما حياة بدنية وهي البهيمية التي تشاركنا فيها الحيوانات كلها.
وحياة نفسية وهي الحياة الإنسانية التي تكون بتحصيل العلوم والمعارف.
وهذه هي الحياة التي تجتهد الأفاضل من الناس في تحصيلها.
فالواجب أن يظن بالجاهل الذي يحيا حياة بدنية أنه ليس بحي بتة أعني أنه ليس بإنسان ولا فأما العالم فالواجب أن يقال فيه: إنه هو الحي بالحقيقة كما أن غيره هو الميت.
مسألة لم صارت بلاغة اللسان أعسر من بلاغة القلم
وما القلم واللسان إلا آلتان وما مستقاهما إلا واحد فلم نرى عشرة يكتبون ويجيدون ويبلغون وثلاثة منهم إذا نطقوا لا يجيدون ولا يبلغون والذي يدلك على قلة بلاغة اللسان إكبار الناس البليغ باللسان أكثر من إكبارهم البليغ بالقلم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ذلك لأن البلاغة التي تكون بالقلم تكون مع روية وزمان متسع للانتقاد والتخير والضرب والإلحاق وإجالة الروية لإبدال الكلمة بالكلمة.
ومن تبادل بالكلام متى لم يكن لفظه ومعناه متوافيين عرض له التتعتع والتلجلج وتمضغ الكلام وهذا هو العي المكروه المستعاذ منه.
فأما البليغ فهو حاضر الذهن سريع حركة اللسان بالألفاظ التي لا يقتصر منها أن يبلغ ما في نفسه من المعنى حتى تتفرغ له قطعة من ذلك الزمان السريع إلى توشيح عبارته وترتيبها باختيار الأعذب قالأعذب وطلب المشاكلة والموازنة والسجع وكثير مما يحتاج في مثله إلى الزمان الكثير والفكر الطويل.
من بين هذا الحيوان فقد قال أبو زيد البلخي الفلسفي كلاماً سأحكيه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا الرجل الفاضل الذي ذكرته إذا كان يوجد له كلام في هذا المعنى فالأولى بنا أن نستعفيك الكلام فيه.
وإذا كنت غير معفينا فالأولى أن نكتفي بالإيماء إلى المعنى دون الإطالة فنقول: إن الحرارة إذا كانت مادتها لطيفة مواتية في الرطوبة والاستجابة إلى الامتداد فهي تمد الجسم الذي تعلقت به إلى جهتها - أعني العلو - مداً مستقيماً.
وإنما يعرض الانكباب والميل إلى جهة الأرض لشيئين: إما لضعف الحرارة وإما لقلة استجابة المادة التي تعلقت بها.
وأنت تتبين ذلك وتتأمله في الأشجار التي بعضها ينشعب بشعب مر جحنة نحو الأرض.
وبعضها ممتدة على جهة الاستقامة إلى فوق.
وبعضها مركبة الحركة بحسب مقاومة المادة لأن حركة الشيء المركب وما كان من الشجر والنبات ممتداً على وجه الأرض غير منتصب فهو لكثرة الأجزاء الأرضية فيه ولضعف الحرارة وما كان الشجر منتصباً وقد تشعبت منه نحو الأرض ويميناً وشمالاً فلأن حركة النار والأرض قد تركبتا فحدث منهما هذا الشكل المركب بين الانتصاب والارجحنان.
وما كان الشجر ممتداً كالقضيب إلى فوق كالسرو وما أشبهه فلأن أجزاءه الأرضية والرطوبة المائية فيه لطيفة والحرارة قوية فلم يمتنع من الحركة المستقيمة التي تحركها النار.
وإذا تأملت حق التأمل هذه الأمثلة لم يعسر عليك نقلها إلى الحيوان إن شاء الله.
مسألة لم صار اليقين إذا حدث وطرأ لا يثبت ولا يستقر والشك إذا عرض أرسى وربض يدلك على هذا أن الموقن بالشيء متى شككته نزا فؤاده وقلق به والشاك متى وقفت به وأرشدته وأهديت الحكمة إليه لا يزداد إلا جموحاً ولا ترى منه إلا عتواً ونفوراً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أظن السائل عن اليقين لم يعرف حقيقته وظن ان لفظة اليقين تدل على المعرفة المرسلة أو على الإقناع اليسير.
وليس الأمر كذلك فإن مرتبة اليقين أعلى مرتبة تكون في العلم وليس يجوز أن يطرأ عليه شك بعد أن صار يقيناً.
وكذلك من علم أن زوايا المثلث مساوية لقائمتين ليس يجوز أن يشك فيه.
وهذه سبيل العلوم المتيقنة بالبراهين وبالأوائل التي بها تعلم البراهين.
فأما ما دون اليقين فمراتبه كثيرة على ما بين في كتاب المنطق.
والشكوك تعترض كل مرتبة بحسب منزلتها من الإقناع.
وإذا كان الأمر كذلك فليس يرد قلب المتيقن - أبداً - شك ينزو منه فؤاده بل قار وادع لا تحرك منه الشكوك بتة.
فأما ما ذكرته من أن الشاك إذا أرشد وأهديت له الحكمة لا يزداد إلا جموحاً فإن ذلك يعترض لأحد شيئين: إما لأن المرشد لم يتأت للشاك ولم يدرجه إلى الحكمة فحمله ما لا يضطلع به وإما لأن الحكيم ربما نهى عن أشياء يميل إليها الطبع بالهوى.
وقد علمت بما بيناه فيما تقدم أن تقدم أن قوى الهوى أغلب وأقوى فينا من قوى العقل فيصير حاله حال من يجدنه حبلان أحدهما ضعيف والآخر قوى - لا محالة - يستجيب للأقوى إلى أن تقوى عزيمته على الأيام فيضعف القوى ويقوى الضعيف كما أشار به الحكماء وشرعه الأنبياء.
والمضحك إذا لم يضحك - أكثر من ضحكهم منه إذا ضحك وهذا عارض موجود في كل من ألهاك ولم يضحك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن من شأن المضحك أن يتطلب أموراً معدولة عن جهاتها ليستدعي بذلك تعجب السامع وضحكه.
وإذا لم يضحك هو إنما يدل من نفسه أنه متماسك غير مكترث للسبب الذي من شأنه أن يعجب منه ويضحك فيتضاد الحال بالتسامع حتى يقترن إلى السبب الأول السبب الثاني.
مسألة ما معنى قول العلماء على طبقاتهم النادر لا حكم له هكذا تجد الفقيه والمتكلم والنحوي والفلسفي.
فما سر هذا وما علمه وعلته ولم إذا ندر خلا من الحكم وإذا شذ عرى من التعليل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس الأمر على ما ظننته من أن جميع الطبقات من العلماء يستعملون هذه اللفظة.
وإنما يستعملها منهم من كانت طبقته في العلوم المأخوذة من التصفح والآراء المشهورة فإن هذه أوائل عند قوم في علومهم.
وأعني بقولي أوائل أي أنهم يجعلونها مبادىء مسلمة بمنزلة الأشياء الضرورية من مبادىء الحس والعقل فإذا فعلوا ذلك لم يخل من أن يرد عليهم ما يخالف أصولهم فيجعلونه نادراً وشاذاً مثال ذلك: أنه تصفح رجل منهم يوماً في السنة كيوم السبت من كانون أنه يجىء فيه مطر وبقي إلى ذلك سنين - حكم بأن هذا واجب لا بد منه.
فإن انتقض عليه ذلك زعم أنه شاذ نادر.
وكذلك من يتبرك بيوم في الشهر ويتشاءم بآخر كما تفعله الفرس بأول يوم من شهرهم المسمى هرمز وبآخر يوم المسمى بانيران فإنه لا يزال يحكم بأن هذا على الوتيرة فإن انتقض قالوا هذا شاذ ونادر.
وكذلك حال من حكم بحكم مأخوذ من أوائل غير طبيعية وغير ضرورية فإنه غير مستمر له استمرار العلوم المبرهنة المأخوذة الأوائل من الأمور الضرورية.
وأنت ترى ذلك عياناً ممن لا يعرف علل الأشياء ولا أسبابها من جمهور الناس فإن أحدهم إذا رأى أمراً حدث عند حضور أمر آخر نسبه إليه من غير أن يبحث هل هو علته أم لا.
وذلك أنه إذا رأى حالاً تسره عند حضور زيد زعم أن سبب ذلك الحال زيد.
فإن اتفق حضور زيد مرة أخرى واتفقت له حال أخرى سارة قوى ظنه وزادت بصيرته وكذلك تكون الحال في أكثر أمور هذا الصنف من الناس.
لا جرم أنه متى انتقض الأمر زعموا أنه شاذ.
ولهذه الحال عرض كثير وذلك أنه ربما مازج أسباباً صحيحة كما يحكم في الشتاء أنه يجيء مطر يوم كذا لأنه كذلك اتفق في العام الماضي.
فلأن الوقت شتاء ربما اتفق ذلك مراراً كثيرة ولكن ليس سبب المطر ذلك اليوم بل له أسباب أخر وإن اتفق فيه.
فأما الرجل الفلسفي فإنه إذا تشبه بغيره أو أخذ مقدماته من مثل تلك المواضع عرض له - لا محالة - ما عرض لغيره.
ولذلك وجب أن تنزل الأمور منازلها فما كان منها ذا برهان لم يتغير ولم ينتظر ورود ضد عليه ولا شك فيه.
وإذا كان غير ذي برهان إلا أن له دليلاً مستمراً صحيحاً سكن إليه وثق به.
فأما ما ينحط إلى الإقناعات الضعيفة فينبغي ألا يسكن إليه ولا يوثق به وانتظر أن ينقضه شيء طارىء عليه ولم يمتنع من الشكوك والاعتراضات عليه.
أنه لا يجوز أن يتفق أن يمس أهل محلة لحاهم في ساعة واحدة وفصل واحد وحال واحدة.
وإن جاز هذا فهل يجوز في جميع من في العالم وإن كان لا يجوز أن يتفق هذا فما علته فإن المتكلم سكت عند الأولى حين ذكر اليقين والضرورة.
ولعمري إن الغشاء حق ولكن العلة باقية.
وسيمر بيان ذلك على حقيقته في الشوامل إن شاء الله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الكلام على الواجب والممتنع والممكن قد استقصاه أصحاب المنطق وبلغ صاحب المنطق فيه الغاية.
والذي يليق بهذا الموضع هو أن يقال: إن الواجب من الأمور هو الذي يصدق فيه الإيجاب ويكذب فيه السلب أبداً.
والممتنع ما يكذب فيه الإيجاب ويصدق فيه السلب أبداً.
والممكن ما يصدق فيه الإيجاب أحياناً ويكذب فيه أحياناً ويكذب فيه السلب أحياناً ويصدق أحياناً.
فإذا كانت طبائع هذه الأمور مختلفة فمسألتك هذه من طبيعة الممكن.
فإن جوز فيه أن يكون جميع الناس يفعلونه في حال واحدة ضير من طبيعة الواجب.
وأيضاً فإن أرسططاليس قد تبين أن المقدمات الشخصية في المادة الممكنة والزمان المستقبل لا تصدق معاً ولا تكذب معاً ولا تقتسم الصدق والكذب مثال ذلك زيد يستحم غداً ليس يستحم زيد.
فإن هاتين المقدمتين ليس يجوز أن تصدقا معاً لئلا يكون شيء واحد بعينه موجوداً وغير موجود.
ولا يجوز أن تكذبا معا لئلا يكون شيء واحد موجوداً وغير موجود ولا يمكننا أن نقول إنهما تقتسمان الصدق والكذب لئلا يرفع بذلك الممكن.
وهذا قول محير فلذلك ألطف أرسططاليس فيه النظر فقال: إن الشيء الممكن إنما يصدق عليه الإيجاب أو السلب على غير تحصيل.
والشيء الواجب والممتنع يصدق عليهما الإيجاب والسلب على تحصيل.
أعني أنه إنما يقتسم الصدق والكذب المقدمات الممكنة بأن توجد على طبيعتها الإمكانية.
فأما الضرورية فإنها تقتسم الصدق والكذب على أنها ضرورية.
وهذا كلام بين واضح لمن ارتاض بالمنطق أدنى رياضة.
ومن أحب أن يستقصيه فليعد إليه في مواضعه يجده شافياً.
فقيل له: أيستمر القياس في جميع ما يذهب إليه من الألفاظ فقال: لا.
فقال السائل: فينكسر القياس في جميع ذلك فقال: لا.
فقيل له: فما السبب فقال: لا أدري ولكن القياس يفزع إليه في موضع ويفزع منه في موضع.
وعرضت هذه المسألة على فيلسوف فأفاد جواباً سيطلع عليك مع إشكاله إن شاء الله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قياس النحو فليس مبيناً على أوائل ضرورية فلذلك لا يستمر وإنما أجاب هذا الرجل العالم بالنحو عن القياس الذي يخص صناعته ولم يلزمه إلا ذلك.
فأما الفيلسوف فقياساته كلها مستمرة لا ينكسر منها شيء لا سيما ضرب من القياس وهو المسمى برهاناً.
وقد تقدم - في المسألة المتقدمة إن النادر لا حكم له كلام يصلح أن يجاب به ههنا فلتعد إليه إن شاء الله.
مسألة سأل سائل هل خلق الله - تعالى - العالم لعلة أو لغير علة
فإن كان لعلة فما هي وإن كان لغير علة فما الحجة الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس يجوز أن يقال: إن الله خلق العالم لعلة لما تقدم من قولنا إن العلة سابقة للمعلول بالطبع.
فإن كانت العلة أيضاً معلولة لزم أن تكون لها علة تتقدمها.
وهذا مار بغير نهاية وما لا نهاية له يصح وجوده.
فإذن لا بد من أن يقال أحد شيئين: إما أن العلة لا علة لها وإما أن العالم لا علة له غير ذات الباري - تعالى ذكره - فإن قيل: إن للعالم علة غير ذات الباري - تعالى - فإن تلك العلة لا علة لها.
فيجب من ذلك أن تكون العلة أزلية لأنها واجبة الوجود.
وإذا كانت كذلك لزم فيها جميع ما سلم في ذات الباري - تعالى - ولو كان كذلك أولاً لم يزل.
وقد قلنا في الباري - تعالى - ذلك بالبراهين التي تأدت إلى القول به.
وليس يجوز ان يكون شيئان لهما هذا الوصف أعني أن كل واحد منهما اول لم يزل.
وذلك أنه لا بد أن يتفقا في شيء صار كل واحد منهما أول وأن يختلفا في شيء به صار كل واحد منهما غيراً لصاحبه.
وذلك الشيء الذي اشتركا فيه والذي تباينا به لا بد أن يكون فصلاً مقوماً أو مقسماً فيصير فالجنس متقدم على النوع بالطبع.
والنوع الذي يلزمه فصل مقوم ليس بأول لأنه مركب من ذات وفصل مقوم.
والمركب متأخر عن بسيطه الذي تركب منه.
فهذه أحوال يناقض بعضها بعضا ولا يصح معها أن يدعى في شيئين أن كل واحد منها اول لم يزل.
وشرح هذا المعنى وإن طال فهو عائد إلى هذا النبذ الذي يكتفي به ذو القريحة الجيدة والذكاء التام.
مسألة لم يضيق الإنسان في الراحة إذا توالت عليه وفي النعمة إذا حالفته
وبهذا الضيق يخرج إلى المرح والنزوان وإلى البطر والطغيان وإلى التحكك بالشر والتمرس به حتى يقع في كل مهوى بعيد وفي كل امر شديد.
ثم يعض على أنامله غيظاً على نفسه بسوء اختياره وأسفاً على تركه محمود الرأى ومجانبته نصيحة الناصحين مع ما يجد من الألم في صدره من شماتة الشامتين.
أي أطفاه الشبع وأبطرته الكفاية وأترفته النعمة حتى بطر وأشر واضطرب وانتشر.
ومن أجل ذلك قال بعض السلف الصالح: العافية ملك خفي لا يصبر عليها إلا ولى ملهم أو نبي مرسل.
هذا والناس مع اختلافهم يحبون العافية ويميلون إلى الراحة ويعوذون من الشر ومما يورث منه ويستعقب عنه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: السبب في ذلك ان الراحة إنما تكون عن تعب تقدمها لا محالة.
وجميع اللذات يظهر فيها أنها راحات من آلام.
وإذا كانت الراحة إنما تكون عن تعب فهي إنما تستلذ وتستطاب ساعة يتخلص من الشيء المتعب.
فإذا اتصلت الراحة وذهب ألم التعب لم تكن الراحة موجودة بل بطلت وبطل معناها.
ومع بطلانها بطلان اللذة.
ومع بطلان اللذة غلط الإنسان في الشوق إلى اللذة التي يجهل حقيقتها.
أعني أنه يشتاق إلى معنى اللذة ويجهل أنها راحة من ألم.
وهذا المعنى إذا لاح للعالم به وتبينه لم يشتق إلى اللذة بتة وصار قصاراه إذا آلمه الجوع أن يداويه بالدواء الذي يسمى الشبع لا أنه يقصده اللذة نفسها بل يرى اللذة شيئاً تابعاً لغرضه لا أنها مقصودة الأول ولذلك يزهد العالم في الأشياء البدنية أعني الدنيوية وهي ما يتصل بالحواس وتسمى لذيذة.
فأما الجاهل فلأنه يعترض له ما ذكرناه بالضرورة صار يقع فيه دائماً فيحصل في هموم وآلام وامراض لا نهاية لها.
وعاقبه جميع ذلك الندم والأسف.
مسألة لم صار بعض الأشياء تمامه أن يكون غضاً طرياً ولا يستحسن
ولا يستطاب إلا كذلك وبعض الأشياء لا يختار ولا يستحسن إلا إذا كان عتيقاً قديماً قد مر عليه الزمان ولم لم تكن الأشياء كلها على وجه واحد عند الناس وما السبب في انقسامها على هذين الوجهين ففيه سر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت كمالات الأشياء المختلفة أعني ان بعضها تتم صورته التي هي كماله في زمان قصير وبعضها تتم صورته في زمان طويل - كان انتظار الإنسان للكمال منها وتفضيله إياها بحسبه.
ولما كان الشيء يبتدىء وينتهي إلى الكمال ثم ينحط حتى يتلاشى ويعود إلى ما منه بدأ - كان أفضل أحواله وقت انتهائه إلى الكمال.
فأما حين صعوده إليه أو انحطاطه عنه فحالان ناقصان وإن كانت الأولى أفضل من الثانية.
ولما كانت هذه القضية مستمرة فيما كان في عالمنا هذا أعني عالم الكون والفساد - وجب من ذلك أن تكون استطابة الناس واستحسانهم لصورة الكمال في واحد واحد من الأشياء المختلفة أيضاً مختلفاً لأجل ما ذكرناه.
مسألة لم صار الإنسان إذا صام أو صلى زائداً عن الفرض المشترك فيه
حقر غيره واشتط عليه وارتفع على مجلسه ووجد الخنزوانة في نفسه وطارت النعرة في أنفه حتى كأنه صاحب الوحي أو الواثق بالمغفرة والمنفرد بالجنة.
وهو مع ذلك يعلم أن العمل معرض للآفات وبها يحبط ثواب صاحبه ولهذا قال الله - تعالى - {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} ولما يعرض له من هذا العارض علة ستنكشف في جواب المسألة وكان بعض أصحابنا يضحك بنادرة في هذا الفصل قال: أسلم يهودى غداة يوم فما أمشى حتى ضرب مؤذناً وشتم آخر وغضب على آخر.
فقيل له: ما هذا أيها الرجل فقال: نحن معاشر القراء فينا حده!.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: كل من استشعر في نفسه فضيلة وكان هناك نقصان من وجه آخر وخشى أن تنكتم تلك الفضيلة أو لا يعرفها غيره منه - عرض له عارض الكبر لأن معنى الكبر هو هذا.
أي أن صاحبه يلتمس من غيره أن يذعن له بتلك الفضيلة ويعرفها له.
فإذا لم يعرفها تحرك ضروب الحركة المضطربة ولهذا صدق القائل: ما تكبر أحد إلا عن ذلة يجدها في نفسه.
وإنما السلامة من هذا العارض هو أن يلتمس الإنسان الفضيلة لنفسه لا لشيء آخر أكثر من أن يصير هو بنفسه فاضلاً لأن يعرف ذلك منه أو يكرم لأجله.
فإن اتفق له أن يعرف فشيء موضوع في موضعه وإن لم يعرف له ذلك لم يلتسمه من غيره ولم يكترث لجهل غيره به.
ولأجل محبة الكرامة تعرض قوم للمتالف وعرض لقوم الصلف ولآخرين الهرب من الناس إلى غير ذلك من المكار.
والذي يجب على العاقل هو أن يلتمس الفضائل في نفسه ليصير بها على هيئة كريمة ممدوحة في ذاته أكرم أم لم يكرم وعرف ذلك له أم لم يعرف.
ويجعل مثاله في ذلك الصحة فإن الصحة تطلب لذاتها ويحرص المرء عليها ليصير صحيحاً حسب لا ليعتقد فيه ذلك ولا ليكرم عليها.
وذلك إذا جعلت له صحة النفس بحصول الفضائل لا ينبغي أن يطلب من الناس أن يكرموه لها ولا أن يعتقدوا فيه ذلك.
ومتى خالف هذه الوصية وقع في ضروب من الجهالات التي أحدها الكبر والحالة التي وصفت.
مسألة حكى بعض أصحابنا
أن الرشيد قال لإسحاق الموصلي كيف حالك مع الفضل بن يحيى وجعفر بن يحيى فقال: يا أمير المؤمنين أما جعفر فإني لا أصل إليه إلا على عسر فإذا وصلت إليه قبلت يده فلا يلتفت إلى بطرف ولا ينعم لي بحرف.
واما الفضل فإني ما أغشى بابه إلا ويتلقاني ويهش لي ويخصني ويسألني عن دقيق أمري وجليله ويصحبني من بشره وطلاقة وجهه وتهلله ورقة نغمته - ما يغمرني ويعجزني عن الشكر وأبقى خجلاً في أمره وليس غير ذلك.
فقال الرشيد عند هذا الحديث: يا أبا إسحاق فأيهما عندك آثر وفعل أيهما من نفسك أوقع فقال: فعل الفضل.
هذا آخر الحكاية.
وموضع المسألة منها: ما السبب في تشريف إسحاق فعل الفضل دون فعل جعفر والفضل مبذولة عرض لا بقاء له ولا منفعة به.
ومبذول جعفر جوهر له بقاء والحاجة إليه ماسة والرغبات به منوطة والآمال إليه مصروفة.
الدليل على ذلك أنك لا تجد طالباً في الدنيا لبشر رجل ولا ضارباً في الأرض لبشاشة إنسان.
وأنت ترى البر والبحر مترعين بمنتجعي المال وأبناء السؤال وخدم الآمال عند الرجال.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الحكاية فأظنها مقلوبة.
وذلك أن الموصوف بالكبر هو الفضل وهو صاحب الشرف في العطاء وأما جعفر فهو إلا أن المتفق عليه أن إسحاق فضل صاحب الطلاقة - وإن كان في الأكثر خالياً من بره على صاحب البر والعطاء الجزيل لما قرنه بالكبر والتيه.
والناس على تفاوت عظيم في الموضع الذي سألت عنه وتعجبت منه.
وذلك أن منهم المحب للثروة واليسار ومنهم المحب للكرامة والجاه.
فأما محب الثروة فقد يحب الجاه والكرامة ولكن ليكتسب بهما مالاً.
وأما محب الجاه والكرامة فقد يحب المال والثروة ولكن ليكتسب جاهاً وينال كرامة.
وكل طائفة من هاتين الطائفتين تزعم أنها هي الكيسة وأن صاحبتها هي الغافلة البلهاء.
والصحيح من ذلك ان كل واحد منهما ينازع إلى أمر طبيعي وإن كان قد مال السرف بهما جميعاً إلى الإفراط وذاك أن المال ينبغي أن يعتدل في طلبه ويكتسب من وجهه ثم ينفق في موضعه.
فمتى قصر في أحد هذه الوجوه صار شرها وأورث ذلة وكسب بخلاً وإثماً.
وأما الكرامة فينبغي أن تكون في الإنسان فضيلة يستحق بها أن يكرم لا أن تطلب الكرامة بالعسف أو بالكبر الذي ذممناه فيما تقدم من المسائل آنفاً.
فإذا كان الأمر على ما ذكرناه وكانت الكرامة تابعة للفضيلة فالكرامة أشرف من المال تتبعه وبالجملة فإن المال ليس بمطلوب لذاته بل هو آلة يوصل به إلى المآرب والأشجان الكثيرة.
وإنما يحب لأنه بإزاء جميع المطلوبات أي به يتوصل إلى المحبوبات فأما في نفسه فهو حجر لا فرق بينه وبين غيره إذا نزعت عنه هذه الخصلة الواحدة.
فأما الكرامة فقد تطلب لذاتها إذا كان الطالب لها من جهة الاستحقاق بالفضيلة وذلك لما تحصل عليه النفس من الالتذاذ الروحاني والسرور النفساني.
وإن كانت من جهة النفس الغضبية فإن هذه النفس وإن كانت دون الناطقة فإنها فوق النفس البهيمية التي تلتذ اللذات البدنية التي تشارك فيها النبات والخسيس من الحيوانات.
فأما قولك: إنك تجد محبي المال أكثر من محبي الكرامة فكذا يجب أن يكون لأن أكثر الناس هم الذين يشبهون البهائم وإنما يتميز القليل منهم بالفضائل.
فكما أن المتميزين بفضائل النفس الناطقة من القليل فكذلك المتميزون بفضائل النفس الغضبية أقل من الجمهور.
مسألة ما بال خاصة الملك والدانين منه والمقربين إليه لا يجري من ذكر الملك على ألسنتهم مثل ما يجري على ألسنة الأباعد منه
مثل البوابين والشاكرية الساسة فإنك تجد هؤلاء على غاية التشيع بذكره ونهاية الدعوى في الإشارة إليه والتكذب عليه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لسببين: أحدهما أن الأقربين إلى الملوك هم المؤدبون المستصلحون لخدمتهم.
وفي جملة الآداب التي أخذوا بها ترك ذكر الملك فإن في ذكرهم إياه ابتذالاً له وانتهاكاً لهيبته وهتكاً لحرمته.
فأما أولئك الطبقة فلسوء آدابهم لا يميزون ولا يأبهون لما ذكرته فهم يجرون على طباع العامة اللائقة بهم في الافتخار بما لا أصل له وادعاء ما لا حقيقة له ولظنهم أنهم ينالون بذلك كرامة ومحلاً عند أمثالهم.
وأما السبب الآخر فخوف حاشية الملك من عقوبته فإن الملك يعاقب على هذا الذنب ويراه سياسة له لئلا يتعدى ذاكروه إلى إفشاء سر وإخراج حديث لا ينبغي إخراجه.
مسألة ما الشبهة التي عرضت لابن البصري فيما تفرد به من مقالته
حين زعم أن الله - تعالى - لم يزل ناظراً إلى الدنيا رائياً لها مدركاً فإن شغبه وشغب ناصريه وأصحابه قد كثر بين العلماء.
فما وجه باطله إن كان قد أبطل وما وجه الحق إن كان قد حقق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما شبهة صاحب هذه المقالة فمركبة وذلك أنه لحظ إدارك الحي منا فوجده بنوعين: أحدهما عقلي والآخر حسي.
والحسي منه وهمي ومنه بصري.
فأما الحسي البصري فإنما يدرك المبصر بآلة ذات طبقات ورطوبات وقصبة مجوفة ذاتية من بطن الدماغ ويحتاج إلى جرم مستشف يكون بينه وبين المبصر وإلى ضوء معتدل ومسافة معتدلة وألا يكون بينهما حاجز ولا مانع.
وأما الوهم فقد ذكرنا من أمره أنه يتبع الحس فلا يجوز أن يتوهم ما لا يدرك أو يدرك له نظير.
وأما الإدراك العقلي فليس يحتاج إلى شيء من الحواس بل للعقل نفسه قوة ذاتية بها يدرك الأشياء المعقولة.
والكلام على هذا الإدراك ألطف وأغمض من الكلام في الإدراك الحسي.
ولما اختلطت على صاحب المسألة هذه الإدراكات وعلم أن الباري - جلت عظمته - عالم بالأمور الكائنة سمي هذا العلم إدراكاً وظنه من جنس إدراكنا وعلومنا الوهمية فتركبت الشبهة له من الظنون الكاذبة.
وتحقيق هذه الإدراكات وتمييزها حتى يعلم ما يختص به الحي منا ذو العقل والحس وكيف تكون إدراكاته للأمور الموجودة وتنزيه الباري - جل اسمه - عن جميعها إذ كانت هذه كلها منا انفعالات أعني العلوم والمعارف كلها وأنه لا يجوز أن نعلم شيئاً محسوساً ولا معقولاً بغير انفعال وأن الله تقدس وتعالى ذكره - ليس بمنفعل وإنما يعلم الأشياء بنوع أعلى وأرفع مما نعلمه - أمر صعب يحتاج فيه إلى تقدمة علوم كثيرة.
وفيما ذكرناه كفاية في إيضاح وجه شبهة لهذا الرجل فيما ذهب إليه.
مسألة حدثني عن ولوع الشاعر بالطيف وتشبيبه به واستهتاره بذكره وهكذا تجد أصناف الناس
وهذا معروف عند من عبثت به الصبابة ولحقته الرقة وألفت عينه حلية شخص ومحاسنه وعلق فؤاده هواه وحبه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الطيف هو اسم لصورة المحبوب إذا حصلته النفس في قوتها المتخيلة حتى تكون تلك الصورة نصب عينه وتجاه وهمه كلما خلا بنفسه.
وهذه حال تلحق كل من لهج بشيء فإن صورته ترتسم في قوته هذه التي تسمى المتخيلة وتكون ببطن الدماغ المقدم.
فإذا تكررت هذه الصورة على المحبوب على هذه القوة انتقشت فيها ولزمها.
فإذا نام الإنسان أو استيقظ لم تخل من قيام تلك الصورة فيها ويجد المشتاق في النوم خاصة إنسانه لأن النوم يتخيل فيه أشياء مما في نفسه فربما رأى في النوم أنه قد وصل إليه الوصول الذي يهواه فيكون من ذلك الاحتلام واستفراغ المادة التي تحركه إلى الشوق والاجتماع مع المحبوب فيزول عنه أكثر ذلك العارض ويصير سبباً لبرء تام فيما بعد.
مسألة ما السبب في ترفع الإنسان عن التنبيه على نفسه بنشر فضله وعرض حاله
وإثبات اسمه وإشاعة نعته وليس بعذ هذا إلا إثبات الخمول.
والخمول عدم ما وهو إلى النقص ما هو لأن الخامل مجهول والمجهول نقيض المعدوم.
ولا تبارى في المعدوم ولا تمارى في الموجود.
وكان منشأ هذه المسألة عن حال هذا وصفها: عرض بعض مشايخنا كتاباً له صنفه علينا فلم نجده ذكر على ظهره: تأليف فلان ولا تصنيفه ولا ذكر اسمه من وجه الملك.
فقلنا له: ما هذا الرأى.
فقال: هو شيء يعجبني لسر فيه.
ثم أخرج لنا كتباً قد كتبها في الحداثة فيها اسمه وقال: هذا أثر أيام النقص.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الفضل ينبه على نفسه وليست حاجة إلى تنبيه الإنسان عليه من نفسه.
وذاك أن الفضائل التي هي بالحقيقة فضائل تشرق إشراق الشمس ولا سبيل إلى إخفائها لو رام صاحبها ذلك.
وأما الشيء الذي يظن أنه فضيلة وليس كذلك فهو الذي يخفى.
فإذا تعاطى الإنسان مدح نفسه وإظهار فضيلته بالدعوى تصفحت العقول دعواه فبان عواره وظهر الموضع الذي يغلط فيه من نفسه.
فإن اتفق أن يكون صادقاً وكانت فيه تلك الفضيلة فإنما يدل بتكلف إظهارها على أنه غير واثق بآراء الناس وتصفحهم أو هو واثق ولكنه يتبجح عليهم ويفخر.
فأما الإنسان الكبير الهمة فإنه يستقل لنفسه ما يكون فيه من الفضائل لسموه إلى ما هو أكثر منه ولأن المرتبة التي تحصل للإنسان من الفضل وإن كانت عالية فهي نزر يسير بالإضافة إلى ما هو أكثر منه.
وهو متعرض لطباع الإنسان مبذول له وإنما يمنعه العجز الموكل بطبيعة البشر عن استيعابه وبلوغ أقصاه أو يشغله عنه بنقائص تعوقه عن التماس الغاية القصوى من الفضائل البشرية.
مسألة سأل سائل عن النظم والنثر وعن مرتبة كل واحد منهما
ومزية أحدهما ونسبة هذا إلى هذا وعن طبقات الناس فيهما فقد قدم الأكثرون النظم على النثر ولم يحتجوا فيه بظاهر القول وأفادوا مع ذلك به وجانبوا خفيات الحقيقة فيه وقدم الأقلون النثر وحاولوا الحجاج فيه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النظم والنثر نوعان قسيمان تحت الكلام والكلام جنس لهما.
وإنما تصح القسمة هكذا: الكلام ينقسم إلى المنظوم وغير المنظوم.
وغير المنظوم ينقسم إلى المسجوع.
ومثال ذلك مما جرت به عادتك أن تقول: الكلام بما هو جنس يجري مجرى قولك الحي.
فكما أن الحي ينقسم إلى الناطق وغير الناطق.
ثم إن غير الناطق ينقسم إلى الطائر وغير الطائر.
ولا تزال تقسمه حتى ينتهي إلى آخر أنواعه.
ولما كان الناطق والطائر يشتركان في الحي الذي هو جنس لهما ثم ينفصل الناطق عن الطائر بفضل النطق - فكذلك النظم والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس لهما ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل الوزن الذي به صار المنظوم منظوماً.
ولما كان الوزن حلية زائدة وصورة فاضلة على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن.
فإن اعتبرت المعاني مشتركة بين النظم والنثر.
وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر بل يكون كل واحد منهما صدقاً مرة وكذباً مرة وصحيحاً مرة وسقيماً أخرى.
ومثال النظم من الكلام مثال اللحن من النظم فكما أن اللحن يكتسي منه النظم صورة زائدة على ما كان له كذلك صفة النظم الذي يكتسى منه الكلام صورة زائدة على ما كان له.
هي جوهر نثر فإن ألفته بالنظم صار قلائداً وعقوداً.
مسألة لم صار الحظر يثقل على الإنسان
وكذا الأمر إذا ورد أخذ بالمخنق وسد الكظم وقد علمت أن نظام العالم يقتضي الأمر والنهي ولا يتمان إلا بآمر وناه ومأمور ومنهي.
وهذه أركان ودعائم.
ولكن ههنا مكتومة بالإشراف عليها يكمل الإنسان فيعرف الملتبس من المتخلص.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأمر الذي أومأت إليه والحظر إنما يقعان في جنس الشهوات التي تجمح بالإنسان إلى القبائح وبلزوم الأعمال التي فيها مشقة وتؤدى إلى المصالح.
ولما كان الإنسان ميله بالطبع إلى تعجل الشهوات غير ناظر في أعقاب يومه وإلى الهويني والراحة في عاجل اليوم دون ما يكسب الراحة طول الدهر - ثقل عليه حظر شهواته والأمر الذي يرد عليه بالأعمال التي فيها مشقة.
وهذه حال لازمة للإنسان منذ الطفولة فإن أثقل الأشياء عليه منع والديه مأربه وأخذهما إياه بلف الأعمال النافعة ثم إذا كمل صار أثقل الناس عليه طبيبه ومعالجه ونصيحه في المشوره وسلطانه الذي يأخذه بمنافعه ومصالحه.
وهذه حال الناس المنقادين لشهواتهم المتبعين لأهوائهم.
وقد يقع فيهم الجيد الطبع الصحيح الروية القوى العزيمة فلا يأتي من الأمور إلا أجملها قامعاً لهواه متحملاً ثقل مئونة ذلك لما ينتظره من حسن العاقبة وإحمادها.
ومثل هذا قليل بل أقل من القليل وليس إلى أمثاله يوجه الخطاب بالأمر والنهى ولا إياه خوف بالوعد والوعيد وأنذر العذاب الأليم.
مسألة ما السبب في أن الخطيب على المنبر وبين السماطين وفي يوم المحفل
- يعتريه من الحصر والتتعتع والخجل في شيء قد حفظه وأتقنه ووثق بحسنه ونقائه أتراه ما الذي يستشعر حتى يضل ذهنه ويعصيه لسانه ويتحير باله ويملك عليه الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن انصراف النفس بالفكر إلى جهة من الجهات يعوقه عن التصرف في غيرها من الجهات ولذلك لا يقدر أحد أن يجمع بين الفكر في مسألة هندسية وأخرى نحوية أو شعرية.
بل لا يتمكن أحد من تدبير أمر دنيوي وآخر أخروي في حال واحدة.
ومن تعاطى ذلك فإنما يقطع لكل واحد جزءاً من الزمان وإن قل.
فأما أن يكون زمان هذا هو بعينه زمان هذا فلا.
وإنما عرض لنا هذا - معاشر الناس - لأجل التباسنا بالهيولى واستعمال النفس للمادة والآلة.
والأمر في ذلك واضح بين مشاهد بالضرورة.
ولما كان الفكر يوم الحفل منصرفاً إلى ما ينصرف إليه من الناس عيب إن وجدوا وتقصير إن حفظوا - اشتغل الإنسان بتخوف هذه الحال وأخذ الحذر منها فكان هذا عائقاً عن الأفعال التي تخص هذا المكان.
وهذا الاضطراب من النفس هو الذي يجعل الآلات مضطربة حتى تحدث فيها حركات مختلفة على غير نظام أعني التتعتع وما أشبهه وذلك أن مستعمل الآلة إذا اضطرب تبعه اضطراب آلته لا محالة.
خاصة إذا كان منه بسبب وضمهما نسب ورجعا إلى حال جامعة ومذهب مشترك وما الفاصل من المنظور إليه إلى الناظر وما الواصل من المتكلم إلى السامع حتى يغضي طرفه حياله ويسد أذنه.
هذا شيء قد شاهدته بل قد دفعت إليه.
وإنما التأمت المسألة بالحادثة لأن التعجب تمكن والاستطراف ثبت إلى أن وقف على السبب الجالب والأمر الغالب.
وعند ظهور العلة يثبت الحكم وبانكشاف الغطاء ينقطع ولوع المستكشف.
فسبحان من له هذه اللطائف المطوية وهذه الخبيئات الملوية عن العقول الزكية والأذهان الذكية.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينبغي أن نعيد ذكر السبب في الحياء والخجل ذكراً مجملاً فنقول: إن الحياء هو انحصار يلحق الناس خوفاً من قبيح.
فإذا كان هذا هو الحياء فإن الإنسان إذا كان بسبب من المتكلم لحق نفسه من العارض قريب مما يلحق المتكلم لأنه يخشي من وقوع أمر قبيح منه أو كلام يعاب عليه مثل ما يخشاه المتكلم.
وقد كنا أومأنا فيما سبق إلى أن النفس واحدة وإنما تتكثر بالمواد.
ولولا ذلك لما كان لأحد سبيل إلى أن ينقل ما في نفسه إلى نفس غيره بالإفهام وفيما مر من ذلك فيما مضى كفاية لأن ما يحتاج إليه ههنا هو أن يظهر أن القبيح الذي يختص بزيد يعم عمراً أيضاً من جهة وإن كان عمرو غريباً من زيد فكيف إذا ضمه وإياه سبب أو نسب.
وليس يحتاج أن ينفصل من المنظور إلى الناظر شيء لأن أفعال النفس وآثارها لا تكون على هذه الطريقة الحسية والجسمية لا سيما واستشعار كل واحد من المتكلم والسامع استشعار واحد في تخوف القبيح والحذر من الزلل والخطأ فإن هذا الاستشعار يعرض منه الحياء والخجل كما قلنا.
ومتى غلب على ظن السامع أن المتكلم يسيء ويزيغ صار خوفه وحذره يقيناً أو شبيهاً باليقين فعظم العارض له من الحياء حتى يلحقه ما ذكرت من الحركة المضطربة.
وكذلك حال المتكلم إذا لم يثق بنفسه أو لم تكن له عادة بالوقوف في ذلك المقام والكلام فيه فإن حذره يشتد وحياءه يكثر وبزيادة الحياء يزداد الاضطراب ويمتنع القدر من الكلام الذي تسمح به النفس عند توفر قوتها واجتماع بالها وسكون جأشها وهدوء حركاتها.
المسألة ما علة كراهية النفس الحديث المعاد وما سبب ثقل إعادة الحديث على المستعاد وليس فيه في الحال الثانية إلا ما فيه في الحالة الأولى فإن كان فارق بينهما فما هو.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس تأخذ من الأخبار المستطرفة والأحاديث الغريبة عندها شبيهاً بما يأخذه من أقواته وما حصلته النفس من المعارف والعلوم فإعادته عليها بمنزلة الغذاء من الجسم الذي اكتفى منه.
فإذا أعيد عليه غذاء هو الأول ثقل عليه واستعفى منه.
فكذلك حال النفس في المعارف.
وينبغي أن تؤخذ هذه الأمثلة التي أوردتها عن الأجسام على ما ليس بالجسم أخذاً لطيفاً لا يحصل منه ظل في تلك الأمور الشريفة فيفسد على الإنسان تخيله ويذهب وهمه منه مذهباً غير لائق بالمعنى المقصود.
وأرجو أن يكفي الناظر في المسائل ما حددته فإني إنما أجبت من له قدم في هذه العلوم وتحرم بها.
وينبغي لمن لم تكن له هذه الرتبة ان يرتاض أولاً بهذه العلوم ارتياضاً جيداً ثم ينظر في هذه الأجوبة إن شاء الله.
تعالى - بما يأباه العقل ويخالفه ويكرهه ولا يجيزه كذبح الحيوانات وكإيجاب الدية على العاقلة.
وقد جهزت المسألة إليك ووجهت أملي في الجواب عنها نحوك.
وأنت المدخر لغريب العلم ومكنون الحكمة.
فإن تفضلت بالجواب وإلا عرضت عليك ما قلت للسائل ورويت ما دار بيني وبين المجادل فإن كان سديداً عرفتنيه وإن كان ضعيفاً نصحتني فيه.
فالعلم بعيد الساحل عميق الغور شديد الموج.
ولولا فضل الله العظيم على هذا الخلق الضعيف لما وقف على شيء ولا نظر في شيء لكنه لطيف بعباده رءوف يبتدىء بالنعمة قبل المسألة وبالخير قبل التعرض.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ليس يجوز أن ترد الشريعة من قبل الله - تعالى - بما يأباه العقل ويخالفه ولكن الشاك في هذه المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه.
فهو - أبداً - يخلطه بالعادات ويظن أن تأبى الطباع من شيء هو مخالفة العقل.
وقد سمعت كثيراً من الناس يتشككون بهذه الشكوك وحضرت خصوماتهم وجدالهم فلم يتعدوا ما ذكرته.
وينبغي أن نوطىء للجواب توطئة من كلام نبين فيه الفرق بين ما يأباه العقل وبين ما يأباه الطبع ويتكرهه الإنسان بالعادة فنقول: إن العقل إذا أبى شيئاً فهو أبدى الإباء له لا يجوز أن يتغير في وقت ولا يصير بغير تلك الحال.
وهكذا جميع ما يستحسنه العقل أو يستقبحه.
وبالجملة فإن جميع قضايا العقل هي أبدية واجبة على حال واحدة أزلية لا يجوز أن يتغير عن حاله.
وهذا أمر مسلم غير مدفوع ولا مشكوك فيه.
فاما أمر الطبع والعادة فقد يتغير بتغير الأحوال والأسباب والزمان والعادات.
وأعني بقولي الطبع طبع الحيوان والإنسان لا الطبيعة المطلقة الأولى.
وذاك أن اسم الطبيعة مشترك.
فقد بينا ما أردنا بالطبع.
وإذا كان ذلك بيناً من الأمثلة والأحوال المقر فإنا نعود فنقول: إذا ذبح الحيوان ليس من الأشياء التي يأباها العقل وينكرها بل هو من القبيل الآخر أعني من الأشياء التي يأباها بعض الطباع بالعادة.
ونحن نشاهد من يأبى قتل الحيوان لأن عادته لم تجر به ومتى جرت به عادته هان عليه وسهل فعله وجرى مجرى سائر الأفعال عند أصحابه.
وأنت ترى القصاب والجزار بل مشاهدي الحروب يهون عليهم ما يصعب على غيرهم.
وأيضاً فإن الحيوان الذي يألم بمرض لا يعرف علاجه إذا أشفق عليه العاقل وكره مقاساته لما لا علاج له يأمر بذبحه ليكون خلاصة في الموت الوحي.
أفترى العقل الذي أمر بذبحه يستحسن ما كان مستقبحاً له أم تغير فعله الأبدي بطارىء طرأ وحادث حدث مع اعترافنا بأن العقل ليس من شأنه ذلك لأنه جوهر أبدي وجوهره هو حكمه ولذلك هو أبدي الحكم.
فإننا لا نظن بأن حكم العقل على العدد والهندسة وسائر البراهين الطبيعية تغير عما كان عليه منذ عشرة آلاف سنة أو يتغير إلى مثل هذا الزمان أو أكثر أو أقل بل نثق بأنه أبداً كان ويكون على وتيرة واحدة.
فأما الأمور التي تستقبح مرة وتستحسن أخرى وتتأبى تارة وتتقبل ثانية فإنما لها أسباب أخر غير العقل المجرد.
فإن السياسات أبداً يعترض فيها ذلك وأمراض الأبدان والأمور غير الأبدية كلها - أبداً - معرضة للتغير ويتغير الحكم بتغيرها بل لا يجوز أن تبقى لازمة بحال واحدة لأنها أبداً في السيلان والدثور للزوم الحركة إياها.
والحركة نفسها هي تغير الأشياء المتحركة إذ كلها متغيرة.
وكذلك الزمان وما تعلق به هو يتغير بتغيره.
وما يعرض للإنسان من كراهية ذبح الحيوان إنما هو لمشاركته إياه في الحيوانية ويخطر بباله عند مكروه ينال البهيمة أن مثل ذلك المكروه سيناله لمشاركته إياه في الحيوانية فيحدث له من النفور عند هذا الخاطر ما يحدث لكل حيوان إذا تصور مكروهاً حتى إذا أنس بذلك الفعل زال عنه ذلك النفور وصار الذبح والتقصيب يجري عنه مجرى برى القلم ونحت الخشب وكذلك حال من شاهد الحروب - وأنس بها عند العراء المستوحش منها.
وههنا حال أخرى أبين مما ذكرته وهي أن العقل قد حسن عند الإنسان إذا حصل في مكروه غليظ من الأعداء كمن يرى في أهله وولده ما لا يطيق مشاهدته - أن يبذل نفسه للقتل ويجتاز الموت الجميل على الحياة القبيحة.
وهذه الرخصة من العقل مستمرة في كل حال يقبح بالإنسان ان يعيش فيها.
أعني أن يختار الموت عليها.
فالجواب إذن عن أمثال هذه المسائل أن يقال: إن العقل لا يستحسن ولا يستقبح شيئاً منها إلا بقرائن وشرائط.
فأما هذا الفعل بعينه وحده فلا يتأباه ولا يتقبله أعني لا يحكم فيه بحكم أبدي أولى كأحكامه التي عرفناها وأحطنا بها.
وهكذا الحال في الأشياء التي تعرف بالخير والشر فإن كثيراً من الجهال يعتقد أن الأشياء كلها منقسمة إلى هذين.
وليس الأمر كذلك.
فإن اليسار والتمكن من الدنيا ليس بخير ولا شر حتى ينظر في ماذا يستعمله صاحبه: فإن استعمل يساره وماله في الأشياء التي هي خير فإن يساره خير وإن استعمله في الشر فهو شر.
وكذلك كل شيء كان صالحاً للشيء ولضده فليس يطلق عليه أنه واحد منهما بل الأولى أن يقال: إنه يصلح لهما جميعاً كالآلات التي يصلح بها ويفسد فإن الآلات لا توصف بأنها مصلحة ولا مفسدة ولا تسمى أيضاً بالصلاح والفساد إلا بعد أن تستعمل.
فهكذا يجب أن يقال في الأمور التي تستحسن أو تستقبح في أحوال وبحسب عادات إنها ليست حسنة عند العقل ولا قبيحة على الإطلاق حتى يتبين واضعها ومستعملها وزمانها فإن القصاص إذا وقع عليه هذا الاسم حس لما فيه من حياة الناس وإذا وقع عليه اسم القتل بغير هذا الاعتبار صار قبيحاً لما فيه من تلف الحيوان.
وقد خرجت في هذه المسألة عن عادتي في هذا الكتاب من الاختصار والإيماء إلى النكت لكثرة ما أسمعه من جهال المانوية ومن اغتر بأمثلتهم وجنح إلى أقاويلهم مصدقاً بالخديعة التي خلصوا بها إلى قلوب الأغمار من الناس حتى عدلوا بهم عن الشرائع الصحيحة.
ولو أن واحداً منهم سئل عن القبيح والحس مطلقاً أو مقيداً لما عرفه إلا على سبيل الاختلاط.
على انه لا يمتنع كل عاقل منهم إذا رأى حيواناً يضطرب ويطول ذماؤه في قروح خارجه به أو قولنج قد يئس من برئه أو مهواه تردى فيها فتكسر منها - أن يشير بذبحه وإن لم يتول ذلك بنفسه.
ولعل ضروباً من المكاره تلحق الحيوان إذا طال عمره ليست بدون ما ذكرناه خلاصه منها بالموت الوحي لو فطن له.
وإنما لا يتولى الذبح بنفسه ويشير على غيره به لأجل العادة والاستشعار الذي لزمه.
ولو أن هذا العاقل منهم بلى بسلطان يعذبه عذاباً يريد به ان يأتي على نفسه في زمان طويل ليذيقه العذاب لبادر إلى الحكم بما يأباه قبل وتناول سم ساعة أو سأل أن يراح من الحياة.
فكيف يكون المكروه مختاراً محبوباً والمستقبح مستحسناً من جهة العقل لولا ما ذكرناه.
فقد ظهر الجواب عن هذه المسألة وتبين أن كل ما كان قبيحاً في وقت دون وقت لا يجوز ان ينسب إلى العقل المجرد وإلى أحكامه الأولية الأزلية.
بل لا يقال فيه إنه قبيح ولا حسن على الإطلاق.
وإنما ينسب إلى الطباع والعادات ثم يقال قبيح بحسب كيت وكيت وحسن لكذا وكذا مقيداً غير مطلق ولا منسوب إلى العقل المجرد.
فأما الدية التي على العاقلة فقد تكلم الناس في وجه السياسة بها.
ووجه حسنها بين لا سيما والمسألة المتقدمة قد أوضحتها وبينت وجه الصواب في أمثالها من الشبه.
مسألة قال أحمد بن عبد الوهاب
في جواب أبي عثمان الجاحظ عن التربيع والتدوير: لا يقدر أحد أن يكذب كذباً لا صدق فيه من جهة من الجهات وهو يقدر أن يصدق صدقاً لا كذب فيه من جهة من الجهات.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن كان الصدق والكذب إنما يقعان في الخبر خاصة والخبر الذي يسميه المنطقيون: القول الجازم وهو الذي تقع فيه الفوائد.
وكانت أقسامه هي التي تكلم عليها أهل هذه الصناعة - فإن الخبر قد يكون كذباً محضاً كما يكون صدقاً محضاً.
وإن كان ذهب أحمد بن عبد الوهاب في الصدق والكذب إلى غير ما عرفه هؤلاء وتكلموا عليه فإني غير محصل له ولا متكلم عليه.
مسألة ذكرت في هذه المسألة مسألة ذكرها أبو زيد البلخي حاكياً
ومر أيضاً بجوابها راوياً قال أبو زيد الفلسفي البلخي: قيل لبعض الحكماء ما معنى سكون النفس الفاضلة إلى الصدق ونفورها عن الكذب فقال: العلة في ذلك كيت وكيت.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما تسكن النفس الفاضلة إلى ما كان من الخبر مقبولاً إما بوجوب مما اقتضاه دليل من برهان أو إقناع قوى وما لم يكن كذلك فإن النفس - لا محالة - ترده وتأباه.
وأظن صاحب المسألة إنما أراد من هذه المسألة: كيف صارت النفس تسكن إلى الحق بالقول المرسل فالجواب: أن النفس إنما تتحرك حركتها الخاصة بها - أعني إجالة الروية - طلباً للحق لتصيبه.
ولولا طلبها لما تحركت ولولا حركتها هذه لما كانت حية تفيد الجسم أيضاً الحياة.
فالنفس بهذه الحركة الدائمة الذاتية حية.
بل الحياة هي هذه الحركة من النفس وهي ذاتية لها كما قلنا.
وأنت تعرف ذلك قريباً من انك لا تقدر ان تعطلها من الروية والفكر لحظة واحدة لأنها - أبداً - إما مروية جائلة في المحسوس أو مروية جائلة في المعقول بلا فتور أبداً.
وكذلك هي دائمة الحركة.
وهذه الحركة إنما هي تلقاء أمر ما.
أعني به إصابة الحق فإذا أصابته سكنت من ذلك الوجه.
ولا تزال تتحرك حتى تصيب الحق من الوجوه التي تمكن إصابته منها.
فإذا أصابته سكنت لأن غاية كل متحرك أن يسكن عند بلوغه الغاية التي تحرك إليها.
ولعلك تقف من هذا الإيماء على غور بعيداً جداً.
أعانك الله - تعالى - عليه بلطفه.
لم صار الحيوان يتولد في النبات ولا يتولد النبات في الحيوان أي قد تتولد الدودة في الشجرة ولا تنبت شجرة في حيوان.
فلم لم يجب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الحيوان يحتاج في وجوده إلى وجود النبات والنبات لا يحتاج في وجود إلى وجود الحيوان.
والسبب في ذلك أن الحيوان أكثر تركيباً من النبات لأنه مركب منه ومن جواهر أخر أعني النفس الحيوانية ولذلك يكون الحيوان في أول تكونه نباتاً ثم تحصل من بعد حركة الحيوان.
وحصول أثر النفس في الإنسان إنما يكون بعد أن تستتم في الرحم صورة النبات.
ويكون استمداده الغذاء به هناك بعروق متصلة برحم أمه شبيهة بعروق النبات حتى إذا استكمل أيضاً صورة الحيوان وحصلت له النفس الحيوانية تقطعت تلك العروق وهو الطلق الذي يلحق الأم ويحرك الولد للخروج.
فإذا خرج وتنفس في الهواء فتح فمه واغتذى به.
ولا يزال تكمل فيه صورة الحيوان إلى أن يقبل أثر النفس الناطقة ثم يكمل بها ويصير إنساناً بقدرة الله - تعالى - ولطف حكمته - جل اسمه - فالنبات - كما ذكرنا - أبسط وأقدم أعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى وجود الحيوان.
فهو يكتفي بمادته من الأرض والهواء والماء والحرارة التي تأتيه من الشمس حتى يتم ويحصل وجوده.
فأما الحيوان فلا يكتفي بتلك الأشياء حتى تنضاف إليها مادة أخرى تغذوه إذ كان لا يكتفي بالبسائط من الماء والأرض والهواء ويحتاج إلى النبات حتى يغذوه ويكمل وجوده ويحفظ عليه قوامه.
فإذا كان وجوده وقوامه بالنبات جاز أن يتولد فيه.
ولما كان وجود النبات يتم بغيره ولا يحتاج إليه لم يتولد فيه.
ولو تولد النبات في الحيوان - مع أنه لا يغذوه ولا يحتاج إليه والطبيعة لا تفعل شيئاً باطلاً ولا لغواً - لأفسد الحيوان وفسد هو في ذاته: أما إفساده الحيوان فلحاجته إلى ما يصرف فيه عروقه التي يمتص بها مادته التي تحفظ عليه ذاته وتعوضه مما يتحلل منه ومتى ضروب عروقه في بدن الحيوان تفرق اتصاله وفي تفرق اتصال بدن الحي هلاكه.
وأما هلاكه في نفسه وفساده فلأنه لا يجد الماء البسيط والأرض البسيطة والهواء الذي منه قوامه ومادته فإن الحيوان لا توجد فيه هذه البسائط بالفعل.
مسألة ما سبب تساوي الناس في طلب الكيمياء
حتى إنك لتجد الغني في غناه والمتوسط في توسطه والفقير في فقره على شيمة واحدة وما هو أولاً وهل له حقيقة فقد طال خوض الخائضين فيه وكثر كلام الناس عليه واصطرع الحق والباطل والخطأ والصواب والإحالة فيه.
فكأن الذي يثبته غير متحقق به والذي يدفعه غير ساكن إلى دفعه وإبطاله.
هذا وقد تمت من الناس به حيل على الناس.
ومتى وقفت على هذه المسألة وقفت من الحقائق على غيب شريف ومعنى لطيف.
وهل ما يعزى إلى جابر بن حيان حق ولم يسند لخالد بن يزيد أصل وهل يسلم مثل هذا النوع في الموضوع المختلق والمفتعل المخترق وإذا اشتبه الأمر هذا الاشتباه كيف نخلص إلى ما يرفع الريب ويؤيد اليقين فقد رأيت ورأينا ناساً اختلفت بهم أحوال وتقلبت عليهم أمور بتصديق هذا الباب وتكذيبه.
وأطرف ما رأى فيه حلاوة الحديث وخلا به المتحدث بذكره وميل النفوس إليه حتى إن المكذب ليفرغ له باله ويصغي أذنه ويخلي ذهنه من غير أن يحلى بطائل أو يحظى بنائل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما سبب طلب الناس الكيمياء فظاهر بين وهو أنهم حريصون على جميع المتع والشهوات المختلفة في المأكل والمشرب والمنكح والنزه التي تقتسم بين الحواس.
ومحبة الاستكثار والاستبداد والنهم على الجمع والادخار شيء في الطبيعة.
وليس يوصل إلى جميع ذلك إلا بالذهب والفضة لأنهما بإزاء جميع المآرب على اختلافها.
وكل إنسان يعلم أنه متى حصلهما أو واحداً منهما فقد حصل جميع المآرب على كثرتها متى هم بها وأرادها.
ومع ذلك فهو يعدها ذخراً لولده ولأوقات شدته التي تلحقه من فجائع الدنيا ومحنها.
فبهذين الحجرين يتوصل إلى جميع ما ذكرناه ويدفع جميع الشر والمحن أيضاً بهما.
فهذا سبب طلب الناس لهما وحرصهم عليهما.
وليس يوصل إليهما إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال وتجشم الأعمال الصعبة وغير ذلك.
ثم هما معرضان للآفات والمتسلطين وأهل العيث وهما من هذه الجهة - إن صحت - أسهل شيء وأهونه.
وإذا بحثنا عن هل هو وجدنا الأمر فيه مشكلاً يحتاج فيه إلى أخذ مقدمات كثيرة طبيعية وصناعية.
وينبغي أن نورد شكوك الناس في تلك المقدمات واحتياج من يروم حلها من مثبتي الصناعة فقد أكثروا في ذلك.
ثم نروم نحن النظر فيها.
وقد اختلفت المتقدمون من الفلاسفة في ذلك والمتأخرون.
وآخر من تكلم على بطلان الكيمياء وإبطال دعاوي أصحابها يوسف بن إسحاق الكندي وكتابه مشهور في ذلك.
ورد عليه محمد بن زكريا الرزي وكتابه معروف.
ثم قد شاهدنا في أهل عصرنا جماعة يثبتون هذه الصناعة والأكثرون يبطلونها.
فأما المتكلمون وطبقاتهم من أصناف الناس فمجمعون على إبطالها لأنهم يزعمون أن في ذلك إبطال معجزات الأنبياء - صلوات الله عليهم - إذ كان ما يدعونه قلب الأعيان وهو لا يصح عندهم إلا على يد نبي حسب.
وإن الله - عز وجل - هو القادر على قلب الأعيان دون مخلوقية.
ولكل حجج وسننظر فيها نظراً شافياً ونورد أقاويل الجميع ويكون بحثنا عن ذلك بحث من قصده تعرف الحق دون الثمرة المرجوة من الكيمياء فإن هذا هو غاية من يتفلسف في نظره وبحثه ولا نبالي بعد ذلك صح أم بطل لئلا تدعونا محبة صحته ورجاؤنا إلى إثباته بخديعة النفس للهوى أو نفيه على طريق العصبية.
وفي هذا النظر طول لا يحتمله هذا الكتاب مع ما شرطنا فيه من الإيجاز ولكن سنفرد له مقالة كما فعلنا ذلك في مسألة العدل لما طال الكلام فيها أدنى طول.
وإذا فعلنا هذا في المقالة التي وعدنا بها نظرنا: فإن صحت لنا هليته أتبعناها بالنظر في المائية وإن بطل الأول بطل الثاني لا محالة.
مسألة قال أحمد بن عبد الوهاب في جواب التربيع والتدوير لأبي عثمان الجاحظ
ما الفرق بين المستبهم والمستغلق وهذا بين الجواب ولكني سقته ههنا لكيت وكيت.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: المستبهم من الأمور مرتبة زائدة على المستغلق يدلك على ذلك الاشتقاق فإن الاشتقاق ملائم للمعاني موافق لها لأن صاحبه إنما يشتق لكل وليس يظن هذا بالميز منا فكيف بواضع اللغة.
ولما كان الغلق إنما يكون للباب وما أغلق منه يرجى فتحه كذلك يكون حال ما شبه له واشتق له اسم منه أو تصريف.
وأما المستبهم فلا يقال في الباب أبهمته إلا إذا تجاوزت حد الغلق إلى السد وما يجري مجراه فالطمع فيه أقل.
فهذه حال المسائل والأمور المستغلقة المستبهمة تشبيهاً بالأبواب التي ذكرنا أحوالها.
مسألة حضرت مجلساً لبعض الرؤساء
فتدافع الحديث بأهله على جده وهزله فتحدى بعضهم الحاضرين وقال: والله ما أدري ما الذي سوغ للفقهاء أن يقول بعضهم في فرج واحد: هو حرام ويقول الآخر فيه بعينه: هو حلال.
والفرج فرج وكذلك المال مال.
نعم وكذلك في النفس وما بعدها: كلام: هذا يوجب قتل هذا وصاحبه يمنع من قتله.
ويختلفون هذا الاختلاف الموحش ويتحكمون التحكم القبيح ويتبعون الهوى والشهوة ويتسعون في طريق التأويل.
هذا وهم يزعمون أن الله - تعالى - قد بين الأحكام ونصب الأعلام وأفرد الخاص من العام ولم يترك رطباً ولا يابساً إلا أودع كتابه وضمن خطابه.
وهذه مسألة ليس يجب أن يكون مكانها في هذه الرسالة لأنها ترد على الفقهاء أو على المتكلمين الناصرين للدين.
لكني أحببت أن يكون في هذا الكتاب بعض ما يدل على أصول الشريعة.
وإن كان جل ما فيه منزوعاً من الطبيعة ومأخوذاً من علية الفلاسفة وأشياخ التجربة وذوى الفضل من كل جنس ونحلة.
وعلى الله - تعالى - بلوغ الإرادة والسلامة من طعن الحسدة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قول الفقهاء: إن الله - تعالى - بين الأحكام ونصب الأعلام ولم يترك رطباً ولا يابساً إلا في كتاب مبين - فكلام في غاية الصدق ونهاية الصحة.
وكيف لا يكون كذلك وأنت لا تقدر أن تأتي بحكم لا أصل له من القرآن من تأويل يرجع إليه أو نص ظاهر يقطع عليه ثم لا يخلو مع ذلك من إنباء بغيب وإخبار عما سلف من القرون ومثل لما نوعد به وإشارة إلى ما ننقلب إليه وتنبيه على ما نعمل به من سياسة دنيا ومصلحة فأما الذي سوغ للفقهاء أن يقولوا في شيء واحد إنه حلال وحرام فلأن ذلك الشيء ترك واجتهاد الناس فيه لمصلحة أخرى تتعلق على هذا الوجه بالناس وذاك أن الاجتهاد لا يكون في الأحكام متساوياً أعني أنه لا يؤدي إلى أمر واحد كما يكون ذلك في غير الأحكام من الأمور الواجبة.
وبيان هذا أن كل من اجتهد في إصابة الحق في أن الله - تعالى - واحد فطريقه واحد وهو - لا محالة - يجده إذا وفي النظر حقه فإن عدل عن النظر الصحيح ضل وتاه ولم يجد مطلوبه واستحق الإرشاد أو العقوبة إن عاند.
وليس كذلك الإجتهاد في الأحكام لأن بعض الأحكام يتغير بحسب الزمان وبحسب العادة وعلى قدر مصالح الناس لأن الأحكام موضوعة على العدل الوضعي.
وربما كانت المصلحة اليوم في شيء وغداً في شيء آخر وكانت لزيد مصلحة ولعمر مفسدة.
وعلى أن الاجتهاد الذي يجري مجرى التعبد واختيار الطاعة أو لعموم المصلحة في النظر والإجتهاد نفسه لا في الأمر المطلوب - ليس يضر فيه الخطأ بعد أن يقع فيه الإجتهاد موقعه مثال ذلك أن المراد من ضرب الكرة بالصولجان إنما هو الرياضة بالحركة فليس يضر أن يخطىء الكرة ولا ينفع أن يصيبها وإن كان الحكم قد أمر بالضرب والإصابة لأن غرضه كان في ذلك وكذلك إن دفن حكيم في برية دفيناً وقال الناس: اطلبوه فمن جده فله كذا.
وكان غرضه في ذلك أن يجتهد الناس مقادير اجتهادهم ليكون ذلك الطلب عائداً لهم بمنفعة أخرى غير وجود الدفين.
فإنه لا يضر أيضاً في ذلك أن يخطىء الدفين ولا ينفع أن يصيبه.
وإنما الفائدة في السعي والطلب وقد حصلت للطائفتين جميعاً.
أعني الذين وجدوه والذين لم يجدوه.
وأصناف الاجتهادات والنظر الذي يجري هذا المجرى كثيرة فمن ذلك كثير من مسائل العدد والهندسة وسائر الموضوعات ليس غرض الحكماء فيها وجود الغرض الأقصى من استخراج ثمرتها وإنما مرادهم أن ترتاض النفس بالنظر وتتعود الصبر على الروية والفكر إذا جريا على منهاج صحيح ولتصير النفس ذات ملكة وقنية للفكر الطويل ومفارقة الحواس والأمور الجسمية فإذا حصلت هذه الفائدة فقد وجد الغرض الأقصى من النظر.
فما كان من الشرع متروكاً غير مبين فهو ما جرى منه هذا المجرى وكان الغرض فيه والمصلحة منه حصول النظر والاجتهاد حسب.
ثم ما أدى إليه الاختلاف كله صواب وكله حكمة.
وليس ينبغي أن يتعجب الإنسان من الشيء الواحد أن يكون حلالاً بحسب النظر الشافعي وحراماً بحسب نظر مالك وأبي حنيفة فإن الحلال والحرام في الأحكام والأمور الشرعية ليس يجري مجرى الضدين أو المتناقضين في الأمور الطبيعية وما جرى مجراها لأن تلك لا يستحيل أن يكون الشيء الواحد منها حلالاً وحراماً بحسب حالين أو شخصين أو على ما ضربنا له المثل من ضرب الكرة بالصولجان ووجود دفين الحكيم على الوجه الذي اقتصصناه.
وإذا كان الأمر كذلك فينبغي للعاقل إذا نظر في شيء من أحكام الشرع وكان صاحب اجتهاد له أن ينظر - أعني أنه يكون عالماً بالقرآن وأحكامه وبالأخبار الصحيحة والسنن المروية والاجتماعات الصحيحة - أن يجتهد في النظر ثم يعمل بجسب اجتهاده ذلك.
ولغيره إذا كان في مثل مرتبته من المعرفة أن يجتهد ويعمل بما يؤديه إليه اجتهاده وإن كان مخالفاً للأول واثقاً بأن اجتهاده هو المطلوب منه ولا ضرر في الخلاف اللهم إلا أن يكون ذلك الأمر المنظور فيه من غير هذا الضرب الذي حكيناه وضربنا له الأمثال.
مثل الأصول التي غاية النظر فيها هو إصابة الحق لا غير فإن هذا مطلب آخر وله نظر لا بد أن يؤدي إليه.
وكما أن الرياضة المطلوبة بصرب الصولجان وإصابة الكرة إنما كانت لأجل الصحة ثم لم يضر بعد حصول الرياضة التي حصلت بها الصحة كيف جرى الأمر في الكرة: أصبناها أم أخطأناها فكذلك الحال في الوجه الآخر.
أعني الذي لا بد من إصابة الحق فيه بعينه فإن مثله مثل الفصد الذي لا بد في طلب الصحة من إصابته بعينه وإخراج الدم دون غيره ولا ينفع منه شيء غيره.
وإذا حصلت هذين الطريقين من النظر وأعطيتهما قسطهما من التمييز لم يعرض لك العجب فيما حكيته من مسألتك وخرج لك الجواب عنها صحيحاً إن شاء الله.
مسألة لم إذا عرفت العامة حال الملك في إيثار اللذة وانهماكه على الشهوة
واسترساله في هوى النفس استهانت به وإن كان سفاكاً للدماء قتالاً للنفوس ظلوماً للناس مزيلاً للنعم وإذا عرفت منه العقل والفضل والجد هابته وجمعت أطرافها منه ما شهادة الحال في هذه المسألة فإن جوابها يشرح علماً فوق قدر المسألة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الملك هو صناعة مقومة للمدنية حاملة للناس على مصالحهم من شرائعهم وسياساتهم بالإيثار وبالإكراه وحافظة لمراتب الناس ومعايشهم لتجري على أفضل ما يمكن أن تجري عليه.
وإذا كانت هذه الصناعة في هذه الرتبة من العلو فينبغي أن يكون صاحبها مقتنياً للفضائل كلها في نفسه فإن من لم يقوم نفسه لم يقوم غيره فإذا تهرب في نفسه بحصول الفضائل له أمكن أن يهذب غيره.
وحصول فضائل النفس يكون أولاً بالعفة التي هي تقويم القوة الشهوية حتى لا تنازع إلى ما لا ينبغي وتكون حركتها إلى ما يجب وكما يجب وعلى الحال التي تجب.
وثانياً تقويم القوة الغضبية حتى تعتدل هذه القوة أيضاً في حركتها فيستعملها كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الحال التي تنبغي ويعدلها في طلب الكرامة واحتمال الأذى والصبر على الهوان بوجه وجه والنزاع إلى الكرامة على القدر الذي ينبغي وعلى الشرائط التي وصفت في كتب الأخلاق.
وإذا اعتدلت هاتان القوتان في الإنسان فكانت حركتهما على ما يجب معتدلة من غير إفراط ولا تقصير - حصلت له العدالة التي هي ثمرة الفضائل كلها.
وبحصول هذه الفضائل تقوى النفس الناطقة وتستمر للإنسان الصورة الكمالية التي يستحق بها أن يكون سائس مدينة أو مدير بلد.
ومتى لم تحصل هذه له فينبغي أن يكون مسوساً بغيره مدبراً بمن يقومه ويعدله.
فأي شيء أقبح من عكس هذه الحال وإجرائها على غير وجهها وطباع الإنسانية تأبى الاعوجاج في الأمور فكيف الانتكاس وقلب الأشياء عن جهاتها فأما قولك: وإن كان الملك ذا بطش شديد وعسف كثير بسفك الدماء وانتهاك الحرم فهذه حال تنقصه من شروط الملك ولا تزيد فيه وهو بأن يسقط من عين رعيته أقرب إذ كانت شريطة الملك أن يستعمل هذه الأشياء على ما ينبغي وعلى جميع الشرائط التي قدمت.
وهل هذا إلا مثل طبيب يدعى أنه يبرى من جميع العلل ويتضمن بسلامة الأبدان على اختلاف أمزجتها وحفظها على اعتدالاتها ثم إذا نظر يوجد مسقاماً مختلف المزاج بسوء التدبير.
ولما سئل وتصفحت حاله جد من سوء البصيرة وفساد التدبير لنفسه بحيث لا ينتظر منه إصلاح مزاج بدنه فكيف لا يعرض من مثل هذا الضحك والاستهزاء وكيف لا يستهين به من ليس بطبيب ولا يدعى هذه الصناعة إلا أنه على سيرة جميلة في بدنه وسياسة صالحة لنفسه فإن اتفق لهذا المدعي أن يتغلب ويتسلط ويستدعي من الناس أن يتدبروا بتدبيره فكيف لا يزداد الناس من النفور عنه والضحك منه فهذا مثل صحيح مطابق للمثل به.
فينبغي أن ينظر فيه فإنه كاف فيما سألت عنه إن شاء الله.
ويحرك رأسه وربما قام وجال ورقص ونعر صرخ وربما عدا وهام.
وليس هكذا من يخاف فإنه يقشعر ويتقبض ويواري شخصه ويغيب أثره ويخفض صوته ويقل حديثه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة قد تقدم الجواب عنها كلامنا في سبب السرور والغم حيث قلنا: إن النفس عند السرور تبسط الدم في العروق إلى ظاهر البدن وإنها عند الغم تحصره وبانحصار الحرارة إلى عمق البدن وإلى منشئها من القلب ما يكثر هناك البخار الدخاني ويبرزه إلى ظاهر البدن واشتقاق اسم الغم يدل على معناه لأن القلب يلحقه ما يلحق الشيء الحار إذا غم فيمنع ذلك الحرارة من الانتشار والظهور إلى سطح البدن ولذلك يتنفس الإنسان عند الغم تنفساً شديداً كثيراً لحاجة القلب إلى هواء يخرج عنه الفضلة الدخانية التي فيه ويجلب له هواء آخر صافياً ينمي الحرارة ويروحها كالحال في النار التي من خارج.
وهاتان الحالتان متلازمتان أعني مزاج القلب وحركة النفس وذلك أنه عرض للنفس انقباض غارت الحرارة من أقطار البدن إلى عمقه.
وإن اتفق لمزاج البدن غؤور من الحرارة وانحصار إلى ناحية القلب انقبضت النفس لأن أحدهما ملازم للآخر تابع له ولهذا ظن قوم أن النفس مزاج ما وظن آخرون أنها حال تابعة لمزاج البدن.
والخمر وما يجري مجراها من الأشربة والأدوية التي تبسط الحرارة بلطفها وتنميها وتنشرها إلى ظاهر البدن - يعرض منها السرور والطرب والأدوية التي تبرد البدن وتقبض الحرارة يعرض منها ضد ذلك.
والمزاج السودوي معه - أبداً - الغم والمزاج الدموي معه - أبداً - السرور.
وكما أن الأدوية والأغذية يعرض منها للمزاج هذا العارض وتتبعه حركة النفس فكذلك الحديث والألحان وصوت الآلات من الأوتار والمزامير - تحرك النفس أيضاً ويتبع ذلك حركة مزاج البدن لإتصال المزاج بالنفس.
ولأنهما متلازمان يؤثر أحدهما في الآخر ويتبع فعل أحدهما فعل الآخر.
مسألة لم صار الكذاب يصدق كثيراً والصادق يذب نادراً وهل ينتقل إلف الصدق إلى الكذب
وهل يتحول إلف الكذب إلى الصدق أن يستحيل ذلك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الصدق والكذب يجريان من النفس مجرى الصحة والمرض لأن الصدق لها صحة ما والكذب مرض ما.
وأيضاً فإن الصدق من الخبر يجري مجرى الصحة والكذب منه يجري مجرى المرض.
فكما أن الصحة من الجسم أكثر من المرض لأن المرض إنما يكون في عضو أو عضوين أو ثلاثة فكذلك الصحة في النفس أكثر من المرض لأن المرض إنما يكون منها في قوة أو قوتين وفي خلق أو خلقين.
وكما أن الجسم لو كثرت أمراض أعضائه أو لو توالت أمراض كثيرة على عضو منه لأبطلته وأعدمته فكذلك النفس لو كثرت امراض قواها أو توالت أمراض كثيرة على قوة واحدة لأهلكتها.
وإنما الاعتدال الموضوع لكل واحد من الجسم والنفس هو الذي يحفظ عليه وجوده فإن طرق واحداً منهما مرض في بعض الأحوال حتى يخرجه عن اعتداله فإنما يكون ذلك في جزء من الأجزاء وقوة من القوى ثم يكون ذلك زماناً يسيراً ويرجع بعد ذلك إلى الاعتدال الموضوع له.
فأما إن توهم متوهم أن الأمراض تستولي على جميع أعضاء الجسم حتى لا يبقى منه جزء صحيح أو تتوالى أمراض كثيرة في زمان طويل متصل على عضو واحد فإن ذلك وهم باطل والدليل على ذلك أن القلب لما كان مبدأ الحياة الذي منه تسري الحياة في جميع البدن صار محفوظاً غاية الحفظ من الأمراض لأنه لو عرض له مرض لسرى ذلك المرض في جميع أجزاء البدن سريعاً وعرض منه التلف السريع والموت الوحي.
وهذه حال النفس في اعتدالها ومرضها.
ولما كان الكذب يعطيها صورة مشوهة أي صورة الشيء على خلاف ما هو به صار المعطي والمعطي مريضين به ولذلك لا يتكلف أحد ذلك ولا يتعمده إلا لضرورة داعية أو لأنه يظن بذلك الكذب أنه نافع له أيضاً كما ينفع السم الجسم في بعض الأحوال فيتجشم هذه السماجة على استكراه من نفسه وربما تكرر منه ذلك فصار عادة كما تصير سائر القبائح أخلاقاً وعادات وكما تصير المآكل الضارة عادة سيئة لقوم.
وأيضاً فإن المعتاد للكذب إنما يتم له الكذب إذا خاطه بالصدق وإذا سمع أيضاً منه الصدق وإلا لم يتم له الكذب أيضاً لأن الباطل لا قوام له إلا إذا امتزج بالحق.
فأما قولك: هل ينتقل من اعتاد الصدق على الكذب أو من ألف الكذب إلى الصدق فلولا ان ذلك ممكن ومشاهد في الناس لما وضعت السنن ولا قوم الأحداث ولا عني الناس بتأديب أولادهم ولا عاتب أحد أحداً ولكن هذه الأشياء شائعة في الناس ظاهرة فيهم.
مسألة ذكرت - أيدك الله - مسائل
لا تستحق الجواب من آراء العامة وجهالات وقعت لهم مثل قولهم: إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم يمرض وقولهم: دية نملة تمرة وإذا طنت أذن أحدهم قالوا كيت وكيت.
وهذه المسائل وأشباهها إنما ينبغي أن يهزأ بها ويتملح بإيرادها على طريق النادرة فأما أن تطلب لها أجوبة فما أظن عاقلاً يعترف بها فكيف نجيب عنها والله يغفر لك ويصلحك.
مسألة ما الفرق بين العرافة والكهانة والتنجيم والطرق والعيافة والزجر وهل تشارك العرب في هذه الأشياء أمة أخرى أم لا؟
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الفرق بين العرافة والكهانة فهو أن العراف يخبر عن الأمور الماضية والكاهن يخبر بالأمور المستقبلة.
وذلك أن العرافة معرفة الآثار والاستدلال منها على مؤثرها.
والكهانة هي قوة في النفس تطالع الأمور الكائنة بتخليها عن الحواس.
وقد تكلمنا عليها في كتابنا الذي سميناه الفوز عند ذكرنا الفرق بين النبي والمتنبي وفي القوة التي يكون بها الوحي وكيفية ذلك فخذه من هناك.
وأما الفرق بين التنجيم وما يجري مجرى الفأل فظاهر لأن التنجيم صناعة تتعرف بها حركات الأشخاص العالية وتأثيرها في الأشخاص السفلية.
وهي صناعة طبيعية وإن كان قد حمل أكثر من طاقتها أعني أن المنجم ربما تضمن العلم من جزيئات الأمور ودقائقها ما لا يوصل إليه بهذه الصناعة فيخبر بالكائنات على طريقة تأثير الشيء في مثله وذلك ان الشمس إذا تحركت في دورة واحدة من أدوارها أثرت فيها ضروباً من التأثير في هذا العالم وكذلك كل كوكب من الكواكب له أثر بحركته ودورته وشعاعه الذي يصل إلى عالمنا هذا.
فالمنجم إنما يقول مثلاً: إن السنة الآتية تجتمع فيها دلائل الشمس وزحل فتؤثر في عالمنا هذا أثراً مركباً من طبيعتي هاتين الحركتين فتكون حال الهواء كيت وكيت.
وكذلك حال الاستقصات الأربع.
ولما كان الحيوان والنبات مركبين من هذه الطبائع وجب أن يكون كل ما أثر في بسائطها يؤثر أيضاً في المركبات منها.
والمنجم يخبر بحسب ما يحسب من حركاتها وشعاعاتها الواصل إلينا آثارها حكماً طبيعياً وإن كان يغلط أحياناً بحسب دقة نظره وكثرت الحركات والمناسبات التي تجتمع من جملة الأفلاك والكواكب وقبول ما يقبل من أجزاء عالم الكون والفساد وتلك الآثار مع اختلافها.
فأما أصحاب الفأل وزجر الطير وطرق الحصى وما أشبه ذلك فإنها ظنون والصدق فيها يكون على طريق الاتفاق والنادر وليس تستند إلى أصل ولا يقوم عليها دليل لأنها ليست طبيعية ولا نفسانية ولا إلهية وإنما هي اختيارات بحسب الأوهام والظنون وهي تكذب كثيراً وتصدق قليلاً كما يعرض ذلك لمن أخبر أن غداً يجىء المطر أو يركب الأمير بغير دليل ولا إقناع بل تكلم بذلك وأرسل الحكم به إرسالاً فربما صح ووافق أن يطايق الحقيقة وفي الأكثر يبطل ولا يصح.
والأمم تشارك العرب في هذه الأشياء إلا أن العرب تختص من العرافة ومن زجر الطير بأكثر مما في الأمم الأخر.
مسألة لم صارت أبواب البحث عن كل شيء موجود أربعة
وهي: هل والثاني ما والثالث أي والرابع لم الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لأن هذه الأشياء الأربعة هي مبادىء جميع الموجودات وعللها الأول.
والشكوك إنما تعرض في هذه فإذا أحيط بها لم يبق وجه لدخول شك.
وذلك أن المبدأ الأول في وجود الشيء هو ثبات ذاته أعني هويته التي يبحث عنها بهل فإذا شك إنسان في هوية الشيء أي في وجود ذاته لم يبحث عن شيء آخر من أمره.
فإذا زال عنه الشك في وجوده وأثبت له ذاتاً وهوية جاز بعد ذلك أن يبحث عن المبدأ الثاني من وجوده وهو صورته أعني نوعه الذي قومه وصار به هو ما هو وهذا هو البحث بما لأن ما هي بحث عن النوع والصورة المقومة.
فإذا حصل الإنسان في الشيء المحجوب عنه هذين وهما: الوجود الأول والهوية التي بحث عنها بهل والوجود الثاني وهو النوعية أعني الصورة المقومة التي بحث عنها بما - جاز أم يبحث عن الشيء الذي يميزه من غيره أعني الفصل وهذا هو المبدأ الثالث لأن الذي يميزه من غيره هو الذي يبحث عنه بأي أعني الفصل الذاتي له.
فإذا حصل من الشيء المبحوث عنه هذه المبادىء الثلاثة لم يبق في أمره ما يعترضه شك وصح العلم به إلا حال كماله والشيء الذي من أجله وجد وهذه العلة الأخيرة التي تسمى وأرسططاليس هو أول من نبه عليها واستخرجها وذاك أن العلل الثلاث هي كلها خوادم وأسباب لهذه العلة الأخيرة وكأنها كلها إنما وجدت لها ولأجلها.
وهذه التي يبحث عنها بلم.
فإذا عرف لم وجد وما غرضه الأخير أعني الذي وجد من اجله - انقطع البحث وحصل العلم التام بالشيء وزالت الشكوك كلها في أمره ولم يبق وجه تتشوقه النفس بالروية فيه والشوق إلى معرفته لأن الإحاطة بجميع علله ومبادئه واقعة حاصلة وليس للشك وجه يتطرق إليه فلذلك صارت البحوث أربعة لا أقل ولا أكثر.
مسألة ما المعدوم وكيف البحث عنه
وما فائدة الاختلاف فيه وما الذي أطال المتكلمون الكلام في اسمه ومعناه وهل لقولهم محصول فإني ما رأيت مسألة لا تمكن من نفسها غيرها.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن المعدوم الذي يشير إليه المتكلمون خاصة هو موجود بوجه من الوجوه ولذلك صحت الإشارة إليه والكلام عليه.
وتلك الصورة له في الوهم هي وجود ماله.
وكذلك حال كل ما يتوهمونه معدوماً من جسم أو عرض أو حال لا معدومة بل ملحوظة.
والدليل على ذلك أنا لا نتوهم شيئاً معدوماً إلا نتصور له حالاً قد وجد فيها أو يوجد فيها وصورته تلك قائمة في وهمنا وهي وجود ما.
فأما المعدوم المطلق الذي لا يستند إلى شخص ما ولا إلى عرض فيه وحال له فإنه لا يضبط بوهم ولا يتكلم عليه ولا تصح مسألة أحد عنه لأنه لا شيء على الإطلاق.
وإنما تصح المسألة عن شيء ثم تعرض له أحوال إما حاضرة فيه أو منتظرة له ولذلك زعم أكثر المتكلمين أن المعدوم هو شيء وزعم بعضهم أنه لا شيء أعني أنهم لا يسمونه بشيء.
وإنما عرض لهم هذا الخلاف لأن منهم من لحظه من حيث الوهم ومنهم من لحظة من حيث الحس.
فمن لحظه في وهمه أثبته شيئاً ومن لحظه من حسه لم يثبته شيئاً.
والدليل على أن المعدوم الذي يشيرون إليه هو ما ذكرناه وعلى الحال التي وصفناها - أن القوم إذا تعاوروا مسألة المعدوم سألوا عن الجوهر: هل هو في العدم وعن السواد هل هو سواد العدم وكذلك جميع أمثلتهم إنما هي من أمور محسوسة إذا صارت غير محسوسة كيف تكون أحوالها ثم يكون جوابهم عن ذلك بما يتصور منه للنفس ويقوم في الوهم فيقولون في السواد الذي حقيقته أنه أثر في البصر من مؤثر يعرض منه القبض: إنه في العدم أيضاً كذلك.
كأنهم يتوهمون أنه يفعل بالبصر وهو معدوم ما يفعله وهو موجود.
وإنما عرض لهم هذا الوهم لأن القوة التي ترتقي إليها الحواس تقبل شبيهاً بالآثار التي تقبلها.
أي تحصل لها الصورة مجردة من المادة وهذا هو العلم الحسي.
لو أمكنهم إثبات صورة عقلية ونفيها لتكلموا على الموجود العقلي والمعدوم العقلي.
ولو أمكنهم ذلك لجاز أن يسألوا أيضاً عن العدم المطلق: هل يشار إليه أم لا يشار إليه ولكن هذه الأمور غابت عنهم.
وإنما سألت عن مذاهبهم وعما يسألون عنه وقد خرج الجواب ولاح لك بمشيئة الله.
مسألة سمعت شيخاً من الأطباء يقول
أنا أفرح ببرء العليل على تدبيري وأسر بذلك جداً.
قلت له: فما تعرف علة ذلك.
قال: لا.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما فرح الطبيب بنفسه وصحة علمه وذاك إنه إذا شاهد عليلاً احتاج أن يتعرف أولاً علته حتى يعملها على الصحة والحقيقة.
فإذا علمها قابلها بضدها من الأدوية والأغذية فيكون ذلك سبباً لبرء العليل.
فالطبيب حينئذ يكون قد أصاب في معرفة العلة ثم في مقابلتها بالدواء الذي هو ضدها.
وهذه الإصابة والمعرفة هي الحال التي يلتمسها بعلمه ويسعى لها طول زمان درسه ورويته.
ومن شان النفس إذا تحركت نحو مطلوب حركة قوية في زمان طويل بشوق شديد ثم ظفرت به فرحت له ولحقها انبساط وسرور عجيب.
مسألة ثم قلت - أيدك الله - سئل ابن العميد لم لم يتفق الناس في التعامل على المثامنة بالياقوت والجوهر أو بالنحاس والحديد والرصاص دون الفضة والذهب
وما الذي قصرهم عليهما مع إمكان غيرهما أن يقوم مقامها ويجري مجراهما.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن الإنسان لا تتم له الحياة بالتفرد لحاجته إلى المعاونات الكبيرة ممن يعد له الأغذية الموافقة والأدوية والكسوة والمنزل والكن وغير ذلك من سائر الأسباب التي بعضها ضرورية في المعيشة وبعضها نافعة في تحسين العيش وتفضيله حتى يكون لذيذاً أو جميلاً أو فاضلاً.
وليس يجرى الإنسان مجرى سائر الحيوانات التي أزيحت علتها في ضرورات عيشها وفيما تقوم به حياتها بالطبع.
فالاهتداء إلى الغذاء والرياش وغيرهما من حاجات بدنه ولذلك أمد بالعقل وأعين به ليستخدم به كل شيء ويتوصل بمكانه إلى كل أرب.
ولما كان التعاون واجباً بالضرورة والاجتماع الكثير طبيعياً في بقاء الواحد - وجب لذلك أن يتمدن الناس أي يجتمعوا ويتوزعوا الأعمال والمهن ليتم من الجميع هذا الشيء المطلوب أعني البقاء والحياة على أفضل ما يمكن.
ولما فرضنا أن الاجتماع قد وقع والتعاون قد حصل عرض أن النجار الذي يقطع الخشب ويهيئه للحداد والحداد الذي يقطع الحديد ويهيئه للحراث وكذلك كل واحد منهم إذا احتاج إلى صاحبه الذي عاونه قد يقع استغناء صاحبه عنه في ذلك الوقت فإن الحداد إذا احتاج إلى صناعته الحياكة وصاحب الثوب غير محتاج إلى صناعة الحداد وقف التعاون ولم تدر المعاملة وحصل كل واحد على عمله الذي لا يجدي عليه فيما يضطر إليه من حاجات بدنه التي من أجلها وقع التعاون واحتيج لذلك إلى قيم للجماعة ووكيل مشرف على أعمالهم ومهنهم موثوق بأمانته وعدالته ليقبل الجميع أمره ويصير حكمه جائزاً وأمره نافذاً مصدقاً وأمانته صحيحة ليأخذ من كل أحد ويستوفي عليه قدر ما عاون به ويعطيه من معاونة غيره بقسطه من غير حيف.
وإنما يتم له ذلك بأن يقوم عمل كل واحد منهم ويحصله ثم يعطيه بمقدار تعبه وعمله من عمل الآخر الذي يلتمس معاونته.
وهذا الفعل أيضاً لا يتم لهذا القيم المستوفي أعمال الناس إلا بأن يأتيه كل من عمل عملاً فيعرضه عليه ويأخذ منه علامة من طابع أو غيره يكون في يده متى عرضه قبل ولم ينس وعرفت صحة دعواه وأعطى به من تعب غيره بمقدار.
ثم لما نظر في هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون بهذه الصفة فلم يمكن أن يجعل من الأشياء الموجودة دائماً ومما يقدر كل أحد على تناوله ومد اليد إليه لئلا يحصله من لا يعمل عملاً ولا يعين أحداً بكده ويتوصل به إلى كد غيره وتعبه فيؤدي إلى خلاف ما دبر لإتمام المدنية والتعاون فوجب أن يكون هذا الطابع من جوهر عزيز الوجود ليمكن حفظه والاحتياط عليه ولا يصل إلا من جهة ذلك القيم إلى مستحقه الذي يعرض عمله وكده ووجب مع ذلك أن يكون مع عزة وجوده غير قابل للفساد من الماء والنار والهواء بنحو ما يمكن ذلك في عالمنا هذا فإنه كان شيئاً مما يبتل بالماء أو يحترق بالنار أو تفسد صورته بعض العناصر الأربع - لم يأمن صاحب التعب الكثير أن يحصله ثم يفسده عنده فيضيع عمله ولا يصدق فيما أعان به وكد فيه فوجب أن يكون هذا الطابع حافظاً لصورته خفيف المحمل مع ذلك مأموناً عليه الفساد مدة طويلة من الطبائع الأربع ومن الفساد الذي يكون بالمهنة أيضاً كالكسر والرض وغيرهما.
ولما تصفحت الموجودات لم يوجد شيء يجمع هذه الفضائل إلا الأشياء المعدنية ومن بين الأشياء المعدنية الجواهر التي تذوب بالنار وتجمد بالهواء.
ومن بين هذه الذهب وحده فإنه أبقاها وأعزها وأحفظها لصورته وأسلمها على النار والهواء والماء والأرض وهو مع ذلك سليم على الكسر والقطع والرض يعيد صورة نفسه بالذوب ويحفظها من جميع عوارض الفساد زماناً طويلاً جداً.
فجعل صورة مقوماً للصنائع وعلامة لهذا القيم ثم احتيط عليه بأن طبع بخاتمه وعلاماته.
كل ذلك خوفاً من توصل الأشرار إليه ممن يرتفق من عمل غيره ولا يرفق غيره فإن هذا الفعل هو الظلم الذي يرتفع به التعاون ويزول معه النظام ويبطل بسببه الاجتماع والتعايش.
ثم لما وجد هذا الجوهر جمع هذه الفضائل ويحيط عليه ضروب الاحتياطات من أن يصل إلى غير مستحقه - عرض فيه عارض آخر وهو أن الذي عاون الناس بمعاونة استحق بها شيئاً منه ربما احتاج إلى معاونة يسيرة لا تساوي تعبه الأول ولا تقرب منه ولا تقرب منه.
مثال أنه ربما تعب الإنسان أما ليحصل لغيره عمل الرحى بمئونة وكلفة وحكمة بليغة.
فإذا أعطى من هذا الجوهر قيمة عمله ثم احتاج إلى بقل أو خلال أو عرض يسير لا يستطيع أن يعطيه شيئاً من الجوهر الذي عنده ولا أقل القليل منه لأن الجزء اليسير جداً منه أكثر قيمة من العمل الذي يلتمسه من غيره.
فاحتيج لذلك إلى جوهر آخر تكون فضائله أنقص من الذهب ليصير خليفة له يعمل عمله وإن كان دونه فلم يوجد ما يجمع تلك الفضائل التي حكيناها في الذهب شيء غير الفضة فجعلت نائبة عنه ثم جعل كل واحد من الذهب يساوي عشرة أضعافه من الفضة لأن العشرة نهاية الآحاد فوجب لذلك أن تكون قيمة الواحد من ذلك الجوهر عشرة أمثاله من هذا الجوهر.
فاما التفاوت الذي وقع بين صرف الدينار والدرهم أعني أن صار منه الواحد بخمسة عشر درهماً ونحوها وهي المسألة التي جعلتها تالية لهذه المسألة - فإنما ذلك لأجل التفاوت في الوزن بين المثقال والدرهم ثم لأجل الغش الذي يكون في أحدهما.
والأمر محفوظ مع ذلك في أن الواحد من الذهب بإزاء عشرة من الفضة إذا كان كل واحد
مسألة متى تصل النفس بالبدن ومتى توجد فيه أفي حال ما يكون جنيناً أم قبلها أم بعدها
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن اتصال النفس بالبدن ووجودها فيه ألفاظ متسع فيها.
والأولى أن يقال: ظهور أثر النفس في البدن على قدر استعداد البدن وقبوله إياه.
وإنما تحرزنا من تلك الألفاظ لأنها توهم أن لها اتصالاً عرضياً أو جسمياً وكلا هذين غير مطلق على النفس.
والأشبه إذا عبرنا عن هذا المعنى أن تقول: إن النفس جوهر بسيط إذا حضر مزاج مستعد لأن يقبل له أثراً كان ظهورك ذلك الأثر على حسب ذلك الاستعداد لنسلم بهذه العبارة من ظن من زعم أن النفس تتقلب وتفعل أفعالها على سبيل القصد والاختيار أعني أنها تفعل في حال وتمنع في أخرى فإن هذا يجلب كثيراً من الشكوك التي لا تليق بخصائص النفس وأفعالها.
وإذ قد تحققت هذه العبارة فنقول: إن النطفة التي يكون منها الجنين إذا حصلت في الرحم الموافق كان أول ما يظهر فيه من أثر الطبيعة ما يظهر مثله في الأشياء المعدنية.
أعني أن الحرارة اللطيفة تنضجه وتمخضه وتعطيه - إذا امتزج بالماء الذي يوافقه من شهوة الأنثى - صورة مركبة كما يكون ذلك في اللبن إذا مزج بالإنفحة.
أعني أنه يثخن ويخثر ثم تلج عليه الحرارة حتى يصير ملوناً بالجمرة فيصير مضغة ثم يستعد بعد لقبول أثر آخر: أعني أن المضغة تستمد الغذاء وتتصل بها عروق كعروق الشجر والنبات فيأخذ من رحم أمه بتلك العروق ما تأخذه عروق الشجر من تربته فيظهر فيه أثر النفس النامية أعني النباتية ثم يقوى هذا الأثر فيه ويستحكم على الأيام حتى يكمل وينتهي بعد ذلك إلى أن يستعد لقبول الغذاء بغير العروق أعني أنه ينتقل بحركته لتناول غذائه فيظهر فيه أثر الحيوان أولاً أولاً.
فإذا كمل استعداده لقبول هذا الأثر فارق موضعه وقبل أثر النفس الحيوانية ثم لا يزال في مرتبة البهائم من الحيوان إلى أن يصير فيه استعداد لقبول أثر النطق.
أعني التمييز والروية.
فحينئذ يظهر فيه أثر العقل ثم لا يزال يقوى هذا الأثر فيه على قدر استعداده وقبوله حتى يبلغ نهاية درجته وكماله من الإنسانية ويشارف الدرجة التي تعلو درجة الإنسان فيستعد لقبول أثر الملك.
وهذا الكلام ليس يقتضي أن يقال فيه: متى تتصل وتنفصل بل من شأن القائل له أن يقال فيه: متى يستعد ويقبل.
وأما النفس فهي معطية للذات كل ما قبل أثرها بحسب قبوله واستعداده وتهيئه.
وقد تبين أنها تعطي البدن أحوالاً مختلفة وصوراً متباينة قبل أن يكون جنيناً وبعد أن تتم الصورة الإنسانية ليس ينقطع أثر النفس من البدن ألبتة على ضروب أحواله إلى أن يدور ضرب أدواره وينتهي إلى غاية كماله.
ولا ينبغي أن يقال إنه يخلو منها في حال من أحواله وإنما يقوى الأثر ويضعف بحسب قبوله.
والسلام.
مسألة سئل بعضهم إذا فارقت النفس الجسد هل تذكر من علومها شيئاً أم لا فأجاب بأنها تذكر المعقول كله ولا تذكر المحسوس
فزاد السائل بما يعرض للعليل من النسيان أي كيف تذكر النفس معقولها إذا فارقت البدن وهي لا تذكر شيئاً منه إذا اعتل البدن أو بعض أعضاء البدن فأجاب بما سيمر بك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يظهر أثر النفس في البدن بحسب حاجة البدن والتذكر إنما هو إحضار صور المحسوسات من قوة الذكر إلى قوة الخيال.
وهاتان القوتان جميعاً إنما تحصلان صور المحسوسات من الحواس أولاً في حواملها من الأجسام الطبيعية ثم تحصلانها بسيطاً في غير حامل جسمي بل في قوة النفس المسماة ذكراً.
وإنما احتيج إلى هذه القوة لأغراض البدن وحاجته إلى الشيء بعد الشيء.
فإذا استحال البدن وزالت الحاجة إلى الحواس سقطت الحاجة إلى الذكر أيضاً وصارت النفس مستغنية بذاتها وما فيها من صور العقل أعني التي تمسى أوائل لأن تلك هي ذات العقل غير محتاجة إلى مادة ولا إلى جسم توجد بوجوده أعني أن الأمور الموجودة في العقل هي العقل وهي التي نسميها الآن أوائل وليست في مادة ولا محتاجة إليها.
وجميع قوى النفس التي تتم بالبدن وبآلات جسمية فإنها تبطل ببطلان البدن أي تستغني عنها النفس بما هي نفس وجوهر بسيط.
وإنما احتاجت إليه لأجل حاجات البدن المشارك للنفس المستمد منها البقاء الملائم لها إذا كان نباتاً أو حيواناً أو إنساناً.
فأما النفس بما هي جوهر بسيط فغير محتاجة إلى شيء من هذه الآلات الجسمية.
وإنما عرضت لك هذه الحيرة لأنك سألت عن أمر بسيط مع توهمك إياه مركباً وحال المركب غير حال البسيط أعني أن الآلات البدنية كلها هي أيضاً مركبة نحو تمامات لها ليكمل بها أيضاً شيء مركب.
والحواس الخمس والقوى التي تناسبها من التخيل والوهم والفكر لا تتم إلا بآلات وأمزجة مناسبة تتم بها أفعال مركبة.
فإذا عادت الجواهر إلى بسائطها بطل الفعل المركب أيضاً ببطلان الآلات المركبة واستغني الجوهر البسيط القائم بذاته عن حاجات البدن وضروراته التي تم وجوده بها من حيث هو مركب لأجلها.
مسألة سأل عن الحكمة في كون الجبال
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن منافع الجبال ووضعها على بسيط من الأرض كثير جداً ولولاها ما وجد نبات ولا حيوان على بسيط الأرض وذلك أن سبب وجود النبات والحيوان وبقائهما بعد هو الماء العذب السائح على وجه الأرض.
وسبب الماء العذب السائح هو انعقاد البخار في الجو.
أعني السحاب وما يعرض له من الانحصار بالبرد حتى يعود منه إما مطر وإما ثلج وإما برد.
ولو أنك توهمت الجبال مرتفعة عن وجه الأرض وتخيلت الأرض كرة مستديرة لا نتوء ولا غور فيها لكان البخار المرتفع من هذه الكرة لا ينعقد في الجو ولا ينحصر ولا يعود منه ماء عذب.
بل كان غاية ذلك البخار أن يتحلل ويستحيل هواء قبل أن يتم منه ما هو سبب عمارة وجه الأرض وذلك لأجل أن البخار المرتفع من الأرض يحصل بين أعوار الأرض وبين الجبال التي تمنعه السيلان ومطاوعة حركة الفلك وأسباب الرجة التي هي حركة الهواء.
أعني أن قلل الجبال الشاهقة تحفظ الهواء المحتقن يين أغوارها من الحركة التي يوجبها الفلك بأسره والكواكب فيها وشعاعاتها المؤثرة الملطفة التي توجب لها السيلان.
فإذا حصل الهواء بين الجبال كذلك - كان البخار المرتفع فيه أيضاً محفوظاً من التبدد والحركة بتحرك الهواء ولحق هذا البخار من برد الجبال التي تحفظه في زمان الشتاء على أنفسها ما يجمده ويعقده ثم يعصره فيعود ماء مستحيلاً أو غيره مما يجري مجراه.
ولولا الجبال لكانت هذه المياه المدبرة بهذا التدبير مه ما ذكرناه لا تجري على وجه الأرض إلا ريثما يهدأ المطر ثم تنشفه الأرض فكان يعرض من ذلك أن يكون النبات والحيوان يعدمه في صميم الصيف وعند الحاجة الشديدة إليه في بقائهما حتى كان لا يوصل إليه إلا كما يوصل في البوادي البعيدة من الجبال أعني باحتفار الآبار التي يبلغ عمقها مائة ومائتين من الذرعان.
فأما الآن - مع وجود الجبال - فإن الأمطار والثلوج تبقى عليها فإذا نشفتها في الوقت أو بعد زمان نشأت من أسافلها العيون وسالتت منها الأنهار والأودية وساحت على وجه الأرض منصبة إلى البحار جارية من الشمال إلى الجنوب فإذا فنى ما استفادته من الأمطار في الصيف لحقتها نوبة الشتاء والأمطار فعادت الحال.
والدليل على أن العيون والأنهار والأودية كلها من الجبال أنك لا ترتقى في نهر ولا واد إلا أفضى بك إلى جبل.
فأما العيون فإنها لا توجد إلا بالقرب من الجبال البتة.
وكذلك ما يستنبط من القنى وما يجري مجراها.
فالجبال تجري من الأرض في إساحة الماء عليها من الأمطار مجرى إسفنجة أو صوفة تبل بالماء فتحمل منه شيئاً كثيراً ثم توضع على مكان يسيل منه الماء قليلاً قليلاً حتى إذا جفت أعيد بلها وسقيها من الماء لتدوم الرطوبة السائلة منها على وجه الأرض ويصير هذا التدبير سبباً لعمارة العالم ووجود النبات والحيوان فيه.
وللجبال منافع كثيرة إلا أن ما ذكرناه من أعظم منافعها فليقتصر عليه.
ولثابت مقالة في منافع الجبال من أحب أن يستقصي هذا الباب قرأه من تلك المقال إن شاء
مسألة لم صارت الأنفس ثلاثاً في العدد وهل يجوز أن تكون اثنتين أو هل يستحيل أن تكون أربع
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: النفس في الحقيقة واحدة وإنما يظهر أثرها - كما قلنا فيها فيما تقدم - بحسب قبول القابل.
وإنما قيل إنها ثلاث لأن من شأن الشيء الذي يبدأ أثره ضعيفاً ثم يقوى غاية القوة أن ينقسم ثلاثة أقسام أعني الابتداء والتوسط والنهاية.
ولما كان مبدأ أثر النفس في النبات أعني أنه يظهر فيه معنى يقبل الغذاء الموافق وينفض الفضلة وما ليس بموافق ويحفظ صورته بالنوع - سمي هذا الطرف الأول نفساً نباتية.
ثم لما قوى هذا الأمر حتى صار ينتقل لتناول غذائه وصارت له حواس وإرادة سميت هذه المرتبة: المتوسطة والحيوانية.
ولما قوى هذا الأثر حتى صار - مع هذه الأحوال - يرتئي ويفكر ويستعمل التمييز بتقديم المقدمات واستنتاج النتائج ثم يعمل أعماله بحسبها سمي ناطقاً وعاقلاً وما أشبه ذلك.
ولكل واحد من هذه المراتب لو قسمت - مراتب كثيرة.
إلا أن الأولى في كل ما جرى هذا المجرى أن يقسم إلى: المبدأ والوسط والنهاية كما فعل ذلك بقوى الطبيعة فإن الحرارة والبرودة وما جرى مجراها إنما تقسم إلى ثلاث مراتب أعني الابتداء والوسط والنهاية.
وإن كانت كل واحد من هذه المراتب تنقسم أيضاً.
وإذا ما تأملت جميع القوى وجدت الأمر فيها جارياً هذا المجرى.
فأما قولك: هل يجوز أن تكون اثنتين فهي إنما تكون واحدة أولاً ثم اثنتين ثم تستكمل فتصير ثلاثاً وقد شرح هذا.
مسألة لم صار البحر في جانب من الأرض
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه: لولا حكمة عظيمة اقتضت أن ينحسر الماء عن وجه الأرض لكان الأمر الطبيعي يوجب أن يكون لابساً وجه الأرض أجمعه حتى تصير الأرض في وسطه شبيهة بمح البيض والماء حولها شبيهاً بالبياض والهواء محيط بهما على ما هو موجود الآن والنار محيطة بالجميع ليكون الأثقل الأول بالمركز وهو الأرض في موضعه الخاص من المركز ويليه الماء الذي هو أخف من الأرض وأثقل من الهواء ويليه الهواء ثم النار على سوم الطباع.
ولكن لو تركت هذه الأشياء وسومها الطبيعي لم تكن على وجه الأرض عمارة من نبات وحيوان وبشر وبهيمة وطائر وبطلت هذه الحكمة العجيبة والنظام الحسن فلأجل ذلك خولف بين مركز الشمس ومركز الفلك الأعلى فتبع هذا أن صارت الشمس تدور على مركزها لعالم خاص بها غير الأرض.
أعني أن مركزها خارج من الأرض.
ولما دارت على مركزها قربت من ناحية من الأرض وبعدت من أخرى وصارت الناحية التي تقرب منها تحمي بها.
ومن شأن الماء إذا حمى أن ينجذب إلى الجهة التي يحمي فيها بالبخار.
وإذا انجذب إلى هناك انحسر عن وجه الأرض الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس.
وإذا انحسر عن وجه الأرض حدث من الجميع كرة واحدة.
أعني من الماء والأرض إلا أن شق الكرة الجنوبي الذي تقرب الشمس فيه من الأرض مكان الماء وهو البحر وشق الكرة الشمالي الذي تبعد عنه الشمس من الأرض يابس تظهر فيه الأرض.
ثم وجب بعد ذلك أن تنصب عليها الجبال لتستقيم الحكمة وينتظم أمر العالم على ما هو به عز مبدىء الجميع ومنشئه وناظمه ومقدره وتبارك اسمه وجل جلاله وتقدست اسماؤه وتعالى هما يقول الظالمون علواً كبيراً.
مسألة لم صارت مياه البحر ملحاً
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما ذلك لأجل قرب الشمس من سطح الماء وتمكنها من طبخه ومن طبيعة الماء إذا ألحت عليه الحرارة بالطبخ أن يتحلل لطيفه إلى البخار ويقبل الباقي أثراً من الملوحة فإن زادت الحرارة ودامت صار ذلك الماء شديد الملوحة ثم انتهى في آخر الأمر إلى المرارة.
وأصحاب الصنعة يدبرون ماء لهم بالنار ويدبرون حتى يكثر تردده على النار فيصير - بذلك - الماء حاراً يضرب إلى المرارة.
مسألة إذا كان المرئي لا يدرك إلا بآلة
وتلك هي الحس فما تقول فيما يراه النائم ألم يدركه من غير حس ولا انبثاث شعاع ولا أعمال آلة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد كنا بينا في مسألة الرويا وما أحببنا به عنها ما فيه غني عن تكلف الجواب عن هذه المسألة.
ولكنا نذكر جملة وهو أن الحواس كلها ترتقي إلى قوة يقال لها الحس المشترك.
وهذا الحس يقبل الآثار من الحواس ويحفظها عليها في قوة التي تعرف بالوهم.
فإذا غاب المحسوس أحضرت هذه القوة صورة ذلك المحسوس من الوهم: سواء كان مرئياً أو مسموعاً أو غيرهما من الصور المحسوسات.
وليس يمكن أن يحصل في هذه القوة شيء من الصور إلا ما قبلته وأخذته من الحواس.
وقد مر هذا الكلام في الموضع الذي أذكرنا به مستقصى مع الكلام في حد المرئي وما يتبعه.
مسألة لا نخلو في طلبنا لعلم شيء من أن نكون قد علمنا ذلك المطلوب أو لم نعلمه فإن كنا قد علمناه فلا وجه لطلبنا والدأب من ورائه
وإن كنا لا نعلمه فمحال أن نطلب ما لا نعمله.
وعاد أمرنا فيه مثل الذي أبق له عبد لا يعرفه وهو يطلبه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لو كان طلبنا للشيء إنما هو من وجه واحد وذلك الوجه المجهول لكان الأمر على ما ذكرت لكنا قد تقدمنا قبل فشرحنا أن كل مطلوب يمكن أن يبحث من أمره عن أربعة مطالب: أحدها إنيته وهذا البحث بهل ثم بما ثم بأي ثم بلم.
وهذه جهات لكل مطلوب.
فإذا عرفت جهة جهلت أخرى.
وليس يغني العلم بأحدها عن الأخرى.
مثال ذلك أنك إن بحثت عن جرم الفلك التاسع: هل له وجود فتبين هذا المطلب بقيت الجهة الأخرى وهي جهة ما هو لأنك قد عرفت جهة هل وجهلت جهة ما.
فإذا عرفت هذه الجهة بقيت الجهة الثالثة وهي جهة أي.
وقد شرحنا هذه الجهات فيما مضى فإذا حصلت هذه بقيت جهة العلة القصوى أعني لم.
وهي البحث عن الشيء الذي من أجله وجد على ما وجد عليه من المائية والكيفية.
فإذا عرفت هذه الجهة لم يبق من أمره شيء مجهول إلا جزئيات الأمور التي لا نهاية لها.
وليس يبحث عن تلك لقلة الفائدة فيها.
أعني أن تطلب مساحتها ومبلغ عدد الأجزاء التي تمسحها ونسبة كل جزء إلى غيره ووضعه وهذه المطالب هي بحث مطلب كيف وغيره من المقولات في أنواعها وأشخاصها.
وإذا عرفت الجنس العالي لم تطلب أجزاءه لحصول الجهة العليا.
فقد صح أن المطلوب إنما هو الجهة المجهولة لا الجهة المعلومة وأن الشيء الواحد قد يعلم من جهة ويجهل من جهة أخرى وزال موضع الشك إن شاء الله.
مسألة لم لا يجيء الثلج في الصيف
كما قد يجيء المطر فيه الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الفرق بين حالي الثلج والمطر أن البخار إذا ارتفع من الأرض حمل معه جزءاً أرضياً.
وقد يكون مقدار هذا الجزء الأرضي ما يخف مع البخار ويتحرك معه ويصعد بصعوده كالهباءة التي تراها أبداً في الهواء.
فإن ذلك القدر من أجزاء الأرض لخفته يتحرك بحركة الهواء ويصعد مع بخار الماء.
فإذا اتفق وقت صعود هذا البخار أن يصيبه في الهواء برد شديد حتى يجمد - جمد معه الجزء الأرضي وثقل بما يكتسبه من انضمام البعض إلى البعض بالبرد فارجحن إلى أسفل وهو الثلج.
وإن اتفق أن يكون البرد الذي يلحقه يسيراً لا يبلغ أن يجمده عصر البخار عصراً فخرج منه الماء الذي يقطر وهو المطر.
والدليل على أن في الثلج جزءاً أرضياً القبض الذي فيه الثلج وسلامة المطر منه.
وأيضاً فإن الثلج جزم البخار بعينه.
أعني الحالة التي ليست ماء ولا هواء.
فإذا جمدت تلك الحالة ردت طبيعة البخار.
فأما المطر فلا طبيعة للبخار فيه وهو ماء بعينه.
وكذلك يصيب آكل الثلج من النفخ والأسباب العارضة من البخار ما لا يصيب شارب ماء المطر.
وإذ قد وضح الفرق بين المطر والثلج فإنا نقول في جواب مسألتك: إن الشتاء يشتد فيه برد الهواء حتى يجمد البخار الصاعد إليه من الأرض فيرد ثلجاً.
فأما الصيف فليس يشتد فيه برد الهواء ولكن بما عرض فيه من البرد بقدر ما ينعقد البخار ثم ينعصر فيجيء منه مطر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الكتاب والسنة فمملوءان من ذكر الملائكة وأنها خلق شريف لله - تعالى - ولها مراتب متفاضلة.
وأما العقل فإنه يوجب وجودها من طريق أن العقل إذا قسم شيئاً وجد لا محالة إلا أن يمنع منه محال.
وذلك أن قسمة العقل هي الوجود الأول والحق المحض الذي لا يعترضه مانع ولا تعوق عنه مادة.
فإذا قسم فقد وجد الوجود العقلي وإذا حصل هذا الوجود تبعه الوجود النفساني والوجود الطبيعي لأن هذين متشبهان بالفعل مقتديان به تابعان له غير مقصرين ولا وانيين.
ولكن الطبيعة تحتاج في هذا الاقتداء إلى حركة لقصورها عن الإيجاد التام ولذلك قيل في حد الطبيعة إنها مبدأ حركة.
ولأن العقل إذا قسم الجوهر إلى الحي - قسم الحي منه إلى الناطق وغير الناطق وقسم الناطق منه إلى المائت وغير المائت فيحصل من القسمة أربعة هي: حي ناطق مائت.
وحي غير ناطق غير مائت.
وحي ناطق غير مائت.
والقسم الثالث هم المسمون ملائكة.
وهي مشتركة في أنها غير مائتة ومتفاضلة في النطق.
وبهذا التفاضل صار بعضها أقرب إلى الله - تعالى - من بعض وبه أيضاً صرنا - نحن معاشر البشر - متفاضلين في التقرب إلى الله - تعالى - والبعد منه ولأجله قيل: فلان شبيه بملك وفلان شبيه بشيطان وبسببه قيل: فلان عدو الله وبسببه قيل: فلان ولي الله وفي السب يقال: أبعد الله فلاناً ولعنه.
وقرب الله فلاناً وأدناه.
وقد يمكن أن يثبت وجود الملائكة من طريق آثارها وأفعالها الظاهرة في هذا العالم.
ولكني لما احتجت في ذلك إلى مقدمات كثيرة وبسط للكلام أخرج به عن الشرط الذي شرطته في أول هذه المسائل اقتصرت على ما ذكرته.
وهو كاف إن شاء الله.
مسألة وسألت - أيدك الله - عن آلام الأطفال ومن لا عقل له من الحيوان
وعن وجه الحكمة فيه الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما هذه المسألة فإنها تتوجه إلى من أثبت جميع الأفعال التي ليست للناس منسوبة إلى الله - تعالى - ولم يعترف بأفعال الطبيعة ولا أفعال الأشياء التي هي وسائط بيننا وبين الله - تعالى - فإن المتكلمين كالمجمعين على أن الحرارة و الإحراق وسائر أفعال الطبائع وما ننسبه نحن إلى الوسائط التي فوض الله إليها تدبير عالمنا من الأفلاك والكواكب كلها أفعال الله - تعالى - بلا واسطة يتولاها بذاته.
وفي مناقضة هؤلاء القوم طول فإن أحببت أن أفرد له مقالة أو كتاباً فعلت.
فأما من زعم أن النار إذا جاوزت النفط ألهبته وإذا جاوزت الماء أسخنته وكذلك كل عنصر وركن وكل شعاع وأثر ممتد من العلو إلى أسفل فإنه يؤثر في جميع ما يقابله آثاراً مختلفة: إما لاختلاف الفواعل وإما لاختلاف القوابل - فإن هذه المسألة غير لازمة له.
وإنما ينبغي أن يسأل من وجه آخر لم تسأل عنه فلذلك لم أتكلف جوابه.
وقد ظهر من مقدار ما أومأت إليه جواب مسألتك إن شاء الله.
مسألة لم كان صوت الرعد إلى آذاننا أبطأ وأبعد
من رؤية البرق إلى أبصارنا ولما كان الهواء سريع القبول للضوء بل يستضىء في غير زمان وذاك أن الشمس حين تطلع من المشرق يضيء منها الهواء في المغرب بلا زمان وكذلك الحال في كل مضىء كالنار وما أشبهها إذا قابل الهواء قبل منه الإضاءة بلا زمان - وكان الهواء متصلاً بأبصارنا لا واسطة بيننا وبينه - وجب أن يكون إدراكنا أيضاً بلا زمان ولذلك صرنا أيضاً ساعة نفتح أبصارنا ندرك زحل وسائر الكواكب الثابتة المضيئة إذا لم يعترض في الهواء عارض يستر أو يحجب.
فأما الرعد فلما كان أثره في الهواء بطريق الحركة والتموج لا بطريق الاستحالة - وجب أن يكون وصوله إلى أسماعنا بحسب حركته في السرعة والابطاء وذاك أن الصوت الذي هو اقتراع في الهواء يموج ما يليه من الهواء كما يموج الحجر الجزء الذي يليه من الماء إذا صك به ثم يتبع ذلك أن يموج أيضاً بعض الماء بعضاً وبعض الهواء بعضاً على طريق المدافعة بين الأجزاء إذا كانت متصلة.
فكما أن جانب الغدير إذا تموج حرك ما يليه في زمان ثم ما يلي ما يليه إلى أن ينتهي إلى الجانب الأقصى منه حتى تصير بينهما مدة وزمان على قدر اتساع سطح الماء فكذلك حال الهواء إذا اقترع فيه الجسم الصلب حرك ما يليه من الهواء وتموج به ثم حرك هذا الجزء ما يليه في زمان بعد زمان حتى ينتهي إلى الجزء الذي يلي آذاننا فنحس به ولذلك صار صوت وقع وكذلك حالنا إذا رأينا القصار من بعيد على طرف واد فإنا نرى حركة يده وإلاحته بالثوب حين رفعه وضربه الحجر قبل أن نسمع صوت ذلك الوقع بزمان.
فهذه بعينها حال البرق والرعد لأن السحاب يصطك بعضه ببعض فينقدح من ذلك الاصطكاك ما ينقدح من كل جسمين إذا اصطكا بقوة شديدة ويخرج أيضاً من بينهما صوت.
وهما جميعاً - أعني البرق والرعد - يحدثان معاً في حال واحدة إذ كان سببهما جميعاً الصك والقرع أعني حركة الجسم الصلب وقرع بعضه ببعض كحال المقدحة والحجر إلا أن البرق يضيء منه الهواء بالاستحالة التي تكون بلا زمان فنحسه في الوقت.
فأما الرعد فيتموج منه الهواء الذي يلي السحاب المصطك ثم يتموج أيضاً ما يليه ويسري في الجزء بعد الجزء إلى أن ينتهي إلى الهواء الذي يلي أسماعنا في زمان فنحس به حينئذ.
مسألة إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب
ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح له حق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لو كانت الإقناعات ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما أنكرت ما ذكرته ولكني وجدت مراتب الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة: فمنها ما يسمى يقيناً ومنها ما يسمى دليلاً وقياساً إقناعياً بحسب مقدمات ذلك القياس ومنها ما يسمى ظناً وتخيلاً وما أشبه ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في الآراء مع تفاوت القياسات الموضوعة فيها.
فمن ذلك أن القياس إذا كان برهانياً وهو أن تكون مقدماته مأخوذة من أمور ضرورية وكان تركيبها صحيحاً - حدثت منه نتيجة بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه خطأ.
وكذلك.
وقد سلكت في الجواب عن جميعها المسلك الذي اخترته واقترحته من الاختصار والإيماء إلى النكت والإحالة - فيما يحتاج إلى شرح - إلى مظانه من الكتب.
نفعك الله بها وعلمك ما فيه خير الدارين بمنه ولطفه.
الحمد لله رب العالمين وصلواته على رسوله محمد وآله أجمعين.