رعاية الرسول صلى الله علية وسلم للضعفاء

رعاية الرسول  للضعفاء
الفقراء . الخدم . العبيد . المعاقين . المسنين


محمد مسعد ياقوت


مخطط البحث :
المبحث الأول : رحمته للفقراء
المبحث الثاني : رحمته للعبيد والخدم
المبحث الثالث : رحمته لذوي الاحتياجات الخاصة
المبحث الرابع : رحمته للمسنين
المبحث الخامس : رحمته للأموات
فهذا هو جهدنا المتواضع ..
وأسال الله أن يتقبله، وأن يهدي وينفع به،..وأن يجعله في ميزان حسنات كل من ساهم في نشره
محمد مسعد ياقوت، مصر
باحث وداعية إسلامي من مصر
المشرف العام على موقع نبي الرحمة

المبحث الأول
رحمته للفقراء
المطلب الأول : فضل محمد على الفقراء :
كان النبي  رحمة حقيقة للفقراء ..
رحمة لهم كمشّرع، رحمة لهم كحاكم، ورحمة لهم كغني ، ورحمة لهم كنبي قبل كل شيء!
يقول المستشرق الإسباني جان ليك:
" وقد برهن [] بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل ضعيف ، ولكل محتاج إلى المساعدة ، كان محمد [] رحمة حقيقة لليتامى والفقراء وابن السبيل والمنكوبين والضعفاء والعمال وأصحاب الكد والعناء" .
وكان - كما تقول كوبولد -: "كريمًا بارًا كأنه الريح السارية، لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه، وما لديه كان في أكثر الأحايين قليلاً لا يكاد يكفيه" .
"ومن يجهل أنه [] لم يعدل، إلى آخر عمره، عما يفرضه فقر البادية على سكانها من طراز حياة وشظف عيش؟ وهو لم ينتحل أوضاع الأمراء قط مع ما ناله من غنى وجاه عريض.. وكان [] حليمًا معتدلاً، وكان يأتي بالفقراء إلى بيته ليقاسمهم طعامه" .
وذات مرة " أوحى الله تعالى إلى النبي [] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوي النفوذ" .
ويلخص واشنجتون إيرفنج السلوك المالي للنبي  بقوله :
"كان الرسول [] ينفق ما يحصل من جزية أو ما يقع في يديه من غنائم في سبيل انتصار الإسلام، وفي معاونة فقراء المسلمين، وكثيرًا ما كان ينفق في سبيل ذلك آخر درهم في بيت المال.. وهو لم يخلف وراءه دينارًا أو درهمًا أو رقيقًا.. وقد خيره الله بين مفاتيح كنوز الأرض في الدنيا وبين الآخرة فاختار الآخرة !" .
وفي يوم ازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه فقال : "أيها الناس، ردوا علي ردائي ! فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً " .
ورد على هوازن سباياهم وكانت ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله!
وحُملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير !! فقام إليها يقسمها، فمارد سائلاً حتى فرغ منها !.
وأعطى صفوان بن أمية غنماً ملأت وادياً بين جبلين فقال صفوان: أرى محمداً  يعطى عطاء من لا يخشى الفقر !
وفي ذلك؛ نرى في شخص رسول الله  نموذج الحاكم المسلم العفيف، الذي يتعفف عن المغانم والأموال في سبيل سد أبواب الفقر في المجتمع الإسلامي، كما أنه  بهذا المسلك يكون قدوة وأسوة للأغنياء، فيكون محفزاً لهم على البذل والإنفاق فوق الزكاة المفروضة..

المطلب الثاني : نظام الزكاة – نموذجًا:
وفي نظام الزكاة رحمة عملية للفقراء ..
فالحكومة الإسلامية تحّصل زكاة المال من الأغنياء لتردها إلى فقراء الشعب..
فلما بَعث النبيُ  معاذَ بن جبل إلى اليمن ، أوصاه الرسول  قائلاً : " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ..
وتعرف الزكاة بأنها الجزء المخصص للفقير والمحتاج من أموال الغنى . وتحسب الزكاة كنسبة 2.5% من المدخرات السنوية إذا تعدت قيمة معينة تعرف بالنصاب .
والزكاة مشتقة في اللغة العربية من زكا والتى تعنى النماء والطهارة والبركة. فإخراج الزكاة طهرة لأموال المسلم وقربة إلى الله تعالى يزداد بها ومجتمعه بركة وصلاحًا .
إذ ينظر الإسلام إلى مال المسلم الغني كأمانة استأمنه الله عليها ينبغي عليه أن يؤدى حقها ويستعملها فيما يرضى الله تعالى .

والزكاة في الإسلام هى أول نظام عرفته البشرية لتحقيق الرعاية للمحتاجين والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع حيث يعاد توزيع جزء من ثروات الأغنياء على الطبقات الفقيرة والمحتاجين .
وخول "الفقراء حق أخذها إذا امتنع الأغنياء من دفعها طوعاً"، كما بين "ليورودتن" .

وتؤدى الزكاة إلى زيادة تماسك المجتمع وتكافل أفراده والقضاء على الفقر وما يرتبط به من مشاكل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية إذا أحسن استغلال أموال الزكاة وصرفها لمستحقيها .
وفي الزكاة يقول "ول ديورانت" :
".. لسنا نجد في التاريخ كله مصلحًا فرض على الأغنياء من (الضرائب) ما فرضه عليهم محمد [] لإعانة الفقراء.." .
ويفصِّل "جاك ريسلر" القول في فضائل الزكاة فيقول :
"كانت الزكاة قبل كل شيء عملاً تعاونيًا حرًا وإداريًا ينظر إليه على أنه فضيلة كبرى. "وفي تنظيم جماعة (المدينة) اعتد النبي [] هذا العمل الخير كضريبة شرعية إجبارية لصالح الفقراء والمعوزين. وسيتحول فيما بعد هذا النظام وسيتولد عنه هيئة من موظفين وبيت مال.. لكن إذا كانت الدولة قد صنعت هذا العمل الخيّر مصدرًا لمواردها، فإن مبدأ الزكاة ظل – بفضل القرآن – فضيلة مارسها المسلمون تلقائيًا بوصفه واجبًا دينيًا. وينبغي أن نزجي الثناء لمحمد [] فقد كان أول من شرع ضريبة تجبى من الأغنياء للفقراء، هكذا أوجد القرآن الرحمة الإجبارية !" .
وما أجمل ما قاله بنكمرت في وصفه لنظام الزكاة، حين قال : "لم أجد دينًا وضع للزكاة تشريعًا شاملاً كالإسلام. والمجتمع الإسلامي الذي يحرص على إخراج الزكاة يخلو من الفقر والحرمان والتشرد.. إنني أتصور لو أن العالم كله اهتدى إلى الإسلام لما بقي على ظهر الأرض جائع أو محروم ! ! والمجتمع المسلم الذي يلتزم بأحكام الإسلام وآدابه مجتمع نظيف سعيد تنعدم فيه الجرائم بكافة ألوانها."
من ناحية أخرى ، فقد حذر سيدنا محمد من مغبة منع الزكاة وتوعد مانع الزكاة بالعذاب الشنيع يوم القيامة، فقال 
"من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع [ نوع من الثعابين ] له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ( يعني شدقيه ) ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ".. ثم تلا النبي [] ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة  [آل عمران : الآية 180] " .
وقال مرغبلاً في فريضة الزكاة :"من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره" .
وقال  "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان : من عبد الله وحده، وعلم أن لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره" .
وقال: "من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله غرمة من غرمات ربنا . لايحل لآل محمد منها شيء" .

المطلب الثالث: دوره  في مكافحة البطالة :
أولاً : ترسيخ قيم العمل والانتاج :
لقد رسخ سيدنا محمد  في المجتمع بتعاليمه الغزيرة قيمًا اجتماعية وتنموية جليلة كالانتاجية والعمل.
فكرس في نفوس المسلمين بغض العطلة، وحب التكسب من عرق الجبين..
فكان رسول الله  يمقت أن يرى الرجل لا شغل له، وقد فضل  ثواب العامل من أجل لقمة العيش على العابد العاكف في المسجد، بل عد الساعي على إطعام بطنه وبطون أهله من الحلال كالخارج في سبيل الله . ونراه في أكثر من موضع يحبذ لكل مسلم فقير أن يحفظ ماء وجهه من سؤال الناس والأفضل له أن يخرج يتكسب من أي وسيلة مشروعة، ولو في جمع الحطب ..
فقال  - مشجعاً على العمل منفرًا من البطالة ـ :"لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره؛ فيبيعها فيكف بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه" .
قال العلامة القرضاوي :
"فبين الحديث أن مهنة الاحتطاب على ما فيها من مشقة، وما يحوطها من نظرات الازدراء، وما يرجى منها من ربح ضئيل، خير من البطالة وتكفف الناس" .
ثانيًا : قضاء حوائج العاطلين :
تجده  يفكر ويخطط لشاب فقير بحيث يوفر له فرصة عمل يتكسب منها ..
فعن أنس بن مالك: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي يسأله (الصدقة)، فقال " أما في بيتك شىء ؟ " قال: بلى ، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه ، وقعب نشرب فيه من الماء . قال " ائتني بهما " قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله  بيده وقال " من يشتري هذين " ؟ قال: رجل أنا آخذهما بدرهم. قال :" من يزيد على درهم ؟ " مرتين أو ثلاثا . قال رجل :" أنا آخذهما بدرهمين ". فأعطاهما إياه ، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري. وقال " اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوما فأتني به " فأتاه به. فشد فيه رسول الله عودًا بيده ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا " . فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا . فقال رسول الله : " هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة . إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع [ الفقر الشديد ] أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع " .
فانظر كيف خطط النبي لهذا الشاب ، بحيث يوفر له النبي فرصة عمل يتكسب منها.
ثالثًا: تحريمه البطالة :
هذا، ولقد حارب سيدنا محمد  كل مظاهر البطالة، والإخفاق عن التكسب، بشتى الطرق، ليسد كل باب أمام انتشار الفقر في المجتمع ..
فقلد حرم النبي  البطالة مع القدرة على العمل، والحاجة إلى الكسب لقوته وقوت من يعوله، وفي هذا يقول النبي  : "إن الله يكره الرجل البطال"، " والبطالة تقسي القلب" .
رابعًا: ترغيبه في الزراعة :
ونراه يرغب في الزراعة في أحاديث مباركة ، مثل قوله :
"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَزْرَعُ زَرْعًا أَوْ يَغْرِسُ غَرْسًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" .
خامسًا: ترغيبه في الصناعة :
ويرغب في الصناعة، فيقول:
" مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ- عَلَيْهِ السَّلَام -كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" .
سادسًا: ترغيبه في التجارة :
ويرغب في التجارة، قائلاً:
" التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ" .
وقد صنف الإمام البخاري باباً، تحت عنوان : بَاب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى" فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ " .

المبحث الثاني
رحمته للعبيد والخدم
تتمثل رحمته للعبيد في عدة جوانب، أهمها أنه ساهم بشكل كبير تحرير العبيد، فضيق مصادر الاسترقاق ووسع منافذ التحرير، كما جعل للعبيد حقوقًا وواجبات وأمر بالرفق بهم وبالخدم، فهم على أقل الأحوال إخوننا في الإنسانية .

المطلب الأول : تحرير العبيد
لقد كانت دعوة النبي  دعوة لحرية الإنسان ، والقضاء على العبودية ، فقرر الحرية الإنسانية وجعلها من دلائل تكريم الخالق للإنسان، ولذا رأيناه يول عناية خاصة لتحرير الأرقاء ، عن طريق إلغاء مصادر الرق أولاً ، و تشجيع المسلمين على تحرير عبيدهم، انطلاقاً من قاعدة أن من أعتق عبداً أعتق الله له بكل عضو عضواً من أعضائه من عذاب النار .
ومن ثم نظم الإسلام أحكام الرق، بحيث تضيق في أسباب حدوث الرق، وتوسع في أساليب العتق، ولذلك - كما يقول إميل درمنغم : - "عُدّ فك الرقاب من الحسنات ومكفرًا لبعض السيئات" .
ويذكر آدم متز أهم أساليب العتق في الإسلام – مبيناً أن العتق يعد مبدأ من مبادىء الإسلام - ، فيقول : "كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أن الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حريته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحق في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده.. وكذلك كان من البر والعادات المحمودة أن يوصي الإنسان قبل مماته بعتق بعض العبيد الذين يملكهم" .
وكان الرسول في مجتمعه الإسلامي إماماً في إقرار مبدأ تحرير العبيد ، حتى أن أسرى الحرب لم يعتبرهم عبيدًا ، وسمح لهم بدفع الفدية أو تعليم أبناء المسلمين لفك أسرهم .
فلم يبق [] أيما عبد على عبوديته . فما إن يؤول إليه عبد رقيق، حتى يسارع إلى إعتاقه .
بل رفع  من شأن العبيد حتى جعل النبي -كما يقول نظمي لوقا - "العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش !" .
ومن هنا وقفت قيادات قريش الأرستقراطية في وجه الدعوة التي ترنو إلى تحرير العبيد وتنادي بالمساواة التامة بينهم وبين السادة، ولقد كانت قيادات مكة تساوم قائد الدعوة على طرد هؤلاء العبيد مقابل إقرار قيادات مكة بالإسلام، ومن ثَم نزل القرآن الكريم محذرًا رسول الله أن يترك العبيد أو أن يطردهم، وهم الذي بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الدعوة، ويدعون ربهم الواحد الأحد صباحًا ومساءً، يريدون ببذلهم وجه الله تعالى، لا يبتغون منصبًا أو جاهًا كما يبتغي غالبية السادة.. فقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]، إن هؤلاء العبيد -في الشرع الإسلامي السمح- هم أعظم قيمة وأكثر بركة وأرق أفئدة وأطهر نفسًا، من هؤلاء السادة الذين يستعبدون الناس، ويتجبرون في الأرض بغير الحق.. هؤلاء العبيد نزل من أجلهم الأمر من السماء إلى رائد الدعوة بأن يضعهم في عينيه! بل نزل التحذير من الله لرسوله من أن يلتفت عن العبيد إلى زينة الكبراء، أو أن يتلهى عن العبد ويطيع السيد المارق.
أما العبيد فقد وجدوا الكرامة والحرية، في تعاليم الإسلام الإصلاحية، وفك رقابهم من طوق الفقر والذل، وخلصهم من عبادة الحجارة وسياط السادة. بل جعل منهم سادات المسلمين، حتى أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقًا على حادثة شراء أبو بكر لبلال بن رباح رضي الله عنهما ليعتقه من الرق فقال: "سيدنا وأعتق سيدنا!".
المطلب الثاني : فرية سن الإسترقاق:
ورغم جهود محمد  في تحرير العبيد إلا أن بعض الحاقدين زعموا أن محمداً  سن الاسترقاق!
ونحن نترك العلامة" لايتنر" يرد على هذه الفرية، فيقول:
".. إنا نرى الأغبياء من النصارى يؤاخذون دين الإسلام كأنه هو الذي قد سنّ الاسترقاق، مع أن محمدًا [] قد حضّ على عتق الرقاب، وهذه أسمى واسطة لإبطاله حقيقة" ..
كذلك يتحدث الكاتب الفرنسي "فانسان مونتييه" ، مستنكراً هذه الشبيهة على أصحابها، فيقول:
" إنهم يتهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إن كثيراً من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هو تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقرباً وطاعة لله" ..
ويتحدث كويليام عن هذه الرويات التي اختلقها الحاقدون، وزعموا أن محمداً، سن الإسترقاق والخناسة .. فيقول :
"إن روايات كهذه مجردة بالمرة عن الحقيقة، لا يمكن تصديقها وتصور وقوعها" .. ويدلل على حقيقة أن محمداً  له الفضل في القضاء على النخاسة في الجزيرة العربية، فيضرب مثالاً بمناطق شرق ووسط أفريقيا، التي تفشت فيها مظاهر النخاسة والاسترقاق، ويبين أن السبب في تفشي هذه المظاهر في هذه المناطق هو "لأن الإسلام لم يدخل فيها ! ! وبرهان ذلك أن الإسلام من خصائصه إبطال النخاسة إبطالاً دائمًاً" ..
رغم أن تجار النخاسة والرق – كما يقول ادوار بروي – كانوا "من الأوربيين" .. ومن ثم.. "توقفت حركة التطور في البلدان [الأفريقية] على أثر العبث الذريع الذي أحدثه في تلك الأرجاء تجار النخاسة والرق من الأوربيين " .
وإذا قيل: إن الإسلام لم يلغِ الرق والاتجار بالبشر إلغاءً كاملاً رغم عظم مجهودات نبي الإنسانية  في مكافحة الاسترقاق.. فجواب ذلك أن الدولة الإسلامية وحدها لا تستطيع أن تقضي تمامًا على عادة الاسترقاق والاتجار بالبشر، وذلك لعدة أساب وجيهة ومنطقية..
السبب الأول: أن مظاهر الاسترقاق والاتجار بالبشر كانت متأصلة ومنتشرة في المجتمعات الإنسانية، العربية وغير العربية، منذ قديم الزمن، فكان على الشرع الإسلامي -كعادته- أن يستخدم التدرج في القضاء على المنكرات والأعراف الفاسدة، فضيّق منافذ الاسترقاق ووسع أبواب العتق.
السبب الثاني: أن هذه العادات كانت قبل ظهور الإسلام بمثابة الأعراف الدولية، فقد كانت جميع الدول والإمبراطوريات -دون استثناء- تمارس الاسترقاق والاتجار بالبشر، ومن ثَم فإن القضاء على الرق يحتاج إلى اتفاق دولي عام، يلزم الجميع بمنع الاسترقاق أو الاتجار بالبشر.. ومعلوم أن الدولة الإسلامية أيام النبي  لم تكن من القوة والانتشار بالقدر الذي يسمح لها بمنع هذه العادات.
السبب الثالث: أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وإذا أصدرت الدولة قرارًا بمنع الرق؛ فسوف يقع حرج شديد على هؤلاء الناس الذين أصبحت تجاراتهم وأعمالهم تقوم على كاهل هؤلاء العبيد.. فكان على النظام الإسلامي أن يأخذ بمبدأ التدرج في منع الاسترقاق والاتجار بالبشر.
السبب الرابع: أن الدولة الإسلامية لم تكن تمتلك من الإمكانيات الاقتصادية والمالية بحيث تتمكن من كفالة هؤلاء العبيد بعد تحريرهم، أو حتى توفير فرص عمل لهم جميعًا، فمن المعروف أن العبيد كانوا في كفالة أسيادهم، يطعمون من مال السادة، ويحترفون لهم في مهنهم..
المطلب الثالث : نماذج رحمته للعبيد :
إن المتأمل في التوجيهات النبوية يجدها تشي بالجهد الجهيد الذي بذله نبي الإنسانية في سبيل تحسين أوضاع العبيد والإماء ويعرف بحق كيف كانت مكرمة العبيد في الإسلام. وهذه بعض التوجيهات النبوية التي نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر.
أولاً : وصيته  بالعبيد والإماء :
كان آخر كلمات النبي  وهو يجود بروحه الشريفة، وقد حضره الموت، الوصية بالعبيد والإماء.. فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله : "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" !
إنه يوصي بالعبيد، وهو في سكرات الموت! فهو الذي احتضنهم حيًّا، وأوصى بهم بعد مماته خيرًا، فكان خير معلم لهم وخير أب وخير محرر .
ثانيًا: تحذيره  من إيذاء العبيد والإماء:
فكان يغضب أشد الغضب من ضرب العبيد أو إيذائهم، فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: كنت أضرب غلامًا لي؛ فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا: "اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ.. لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"! فالتفتُ فإذا هو النبي! فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله تعالى. قَالَ: "أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ النَّارُ أَوْلَمَسَّتْكَ النَّارُ" .
كذا كان رسول الله يربي تلاميذه، ويفقه شعبه، على احترام آدمية الناس، وخاصة الضعفاء منهم والعبيد والخدم والأجراء.
ويمتد هذا النداء الأبوي إلى حكام المسلمين في كل زمان ومكان؛ فيلزمهم بحماية العبيد من التعذيب أو الاضطهاد، فضلاً عن السعي الجاد لتحريرهم.
ثالثًا: أمره  بالإحسان إلى العبيد
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألطف الناس بالعبيد، وأرفق الناس بالإماء، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله من أشد الناس لطفًا! والله ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد ولا من أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء فيغسل وجهه وذراعيه!! وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه أذنه فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد بيده إلا ناوله إياها فلم ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه .
وعن المعرور قال : لقيت أبا ذر بالربدة، وعليه حلة وعلى غلامه حله [يعني من نفس الثوب ]فسألته عن ذلك . فقال : إني ساببت رجلاً، فعيرته بأمه[قال لبلال : يابن السوداء ]فقال لي النبي : "يا أبا ذر ! أعيرته بأمه ! ؟ إنك امروء فيك جاهلية ! إخوانكم خولكم [العبيد والإماء والخدم والأسرى هم إخوانكم في الدين والإنسانية]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده: فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم " .

فحرم السخرية من العبيد أو الاستهزاء بألوانهم أو أنسابهم، كما حرم إجهاد العبد في الخدمة، وأوجب مساعدته إذا كُلّف ما يغلبه.. وحذر الفقهاء من استعمال العبيد على الدوام ليل نهار، فقالوا: إذا استعمل السيدُ العبدَ نهارًا أراحه ليلاً، وكذا بالعكس، وقالوا: يريحه بالصّيف في وقت القيلولة، ويمنحه قسطه من النّوم، وفرصة للصّلاة المفروضة. وإذا سافر به يجب عليه أن يحمله معه على الدابة أو يتعاقبان على البعير ونحوه.
بل قالوا: "إن كان العبد ذمّيًّا فقد ذكر بعض الفقهاء أنه لا يمنع من إتيان الكنيسة، أو شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك دينه، نقله البنانيّ عن قول مالكٍ في المدوّنة"
وتأمل معي قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن عيّر العبد: "إنك امرؤ فيك جاهلية".. دلالة على أن صفة من يهينون العبيد ويؤذونهم بالقول أو الفعل، فوصفهم بالجهل، وربطهم بعصور الجاهلية، وعهود التخلف.
رابعًا: التعاون في تحرير العبيد :
شغل الرقُ سلمانَ الفارسي حينًا من الزمن .. فقد كان مولى عند أحد الوجهاء، حتي فات سلمان عدد من المشاهد مع الرسول الكريم ، منها بدر وأحد.
فذهب إلى النبي 
فأشار عليه النبي  أن يكاتب سيده، فكاتبه علي ثلاثمائة نخلة يغرسها له وأربعين أوقية من ذهب.
وشارك المسلمون في أداء هذا الدين عن سلمان، فأحضروا له النخل وحفروا معه أماكنها وقدم رسول الله  ووضعه بيده الشريفة وعُتق سلمان.
وكانت أول مشاهده غزوة الأحزاب، وكان هو صاحب فكرة إنشاء خندق عظيم حول المدينة لتحصينها من الغزاة .. ولما نجحت الفكرة، زاد تقدير الناس لسلمان نظرًا لرجاحة عقله، وجهده في خدمة دولة الإسلام بفكرة الخندق، فقال الأنصار : سلمان منا ! وقال المهاجرون: سلمان منا !
فقال النبي  : "سلمان منا أهل البيت !!" .
وهكذا ارتفع شأن العبيد في دولة الإسلام بجهدهم وخدمتهم للمجتمع، ولم تكن عبوديتهم أيما يوم من الأيام تشينهم بين إخوانهم المسلمين.وفي ذلك أيضًا النموذج العملي الذي حشد فيه النبي  جهود شعبه من أجل تحرير عبد. وهو بذلك يلزم المجتمع بضرورة تضافر الجهود الشعبية لفك الإنسان من الرق .

خامسًا: سن قاعدة : "كفارة ضرب العبد عتقه":
شرع الإسلام منفذًا لتحرير العبيد عن طريق سن قاعدة "كفارة ضرب العبد عتقه" والذي لم يكن موجودًا أيام الجاهلية، فمنح حق الحرية للعبد إذا ضربه سيده.
فعن أبي صالح ذَكْوَانَ عن زَاذَانَ قال: أتيتُ ابن عمر، وقد أعتق مملوكًا له، فأخذ من الأرض عودًا أو شيئًا، فقال: مالي فيه من الأجر مَا يَسْوَى هذا.. سمعتُ رسول الله  يقول: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أو ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ" .
سادسًا: كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أو المريض:
فلقد كان لِزِنْبَاعٍ أبو روح رضي الله عنه -أحد الصحابة- عَبْدٌ يُسَمَّى سَنْدَرَ بْنَ سَنْدَرٍ، فوجده يقبل جارية له، فقطع ذَكَرَهُ وَجَدَعَ أَنْفَهُ، فأَتَى الْعَبْدُ النبي  فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزنباع: "مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت؟" قَالَ: فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فذكر له ما فعل بالجارية!.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعبد: "اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ" فقال العبد: يا رسول الله فمولى من أنا؟ فقال: "مولى الله ورسوله".. فأوصى به المسلمين؛ فلما قُبض جاء العبد إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: وصية رسول الله  ، فقال: نعم، تجري عليك النفقة وعلى عيالك، فأجراها عليه حتى قبض.. فلما استخلف عمر رضي الله عنه جاءه فقال: وصية رسول الله  قال: نعم، أين تريد؟ قال: مصر، قال: فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضًا يأكل منها" .
فالدولة -في الشرع الإسلامي- تكفل أصحاب الإعاقات من العبيد، -كما رأيت- كالمواطنين الأحرار، وقرر لهم الراتب المالي الدوري الذي يغنيهم عن التسول أو سؤال الناس.
المطلب الرابع: تحريم الاتجار بالبشر
ومن دلائل مكافحة الاسترقاق في الشرع الإسلامي، تحريمه لكافة صور ومظاهر الاتجار بالبشر، وخاصة النساء والأطفال الأحرار.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: "قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ"
فجعل الاتجار بالبشر من أبواب الخيانة والغدر والظلم، والله عز وجل خصم لجميع الغادرين إلا أنه أراد التشديد على هذه الأصناف الثلاثة، فقد ارتكبوا جرمًا شنيعًا يتعلق بحقوق الإنسان، فأحدهم غدر بأخيه الإنسان، فعاهده عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه، والثاني باع أخاه الإنسان الحر، والثالث أكل مال أخيه الإنسان الأجير، وهو داخل في إثم المتاجرة بالبشر كالثاني؛ لأنه استخدمه بغير حق، وخالف الأمر النبوي: "أَعْطِ الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ"
وجريمة الاتجار بالبشر -التي حرمها الشرع الإسلامي الفضيل- تتسربل بصور عديدة مارستها المجتمعات الجاهلية في القديم والحديث.. فمارستها قبائل العرب ودول الفرس والرومان قبل بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقطعون الطرق على الأحرار، فيسرقون أموالهم ويبيعونهم في أسواق النخاسة على أنهم عبيد.. وفي العصر الحديث مارس الأمريكان هذا السلوك الجاهلي مع الزنوج، فخصصوا الهيئات التي تبيع وتشتري فيهم، وهم أحرار، ومارسوا أبشع صور التمييز العنصري في حقهم. إضافة إلى ظهور جماعات المتاجرة بالأطفال والنساء؛ لغرض الاستغلال الجنسي التجاري، ناهيك عن استغلال هذه الجماعات للكوارث الطبيعية والحروب لممارسة نشاطها، وخير شاهد ما حدث في كارثة تسونامي وما أعلنته الصحف عن أرقام مفزعة للنساء والأطفال الذين تم الاتجار بهم في ظل هذه الكارثية الإنسانية، الأمر نفسه حدث مع ضحايا الشعب المسلم في البوسنة والهرسك بعد ما أعمل فيه الجيش الصربي الذبح، فتم بيع آلاف الفتيات والأطفال على مرأى ومسمع من العالم (المتحضر).. وتحولت البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز كبرى للاتجار بالبشر من جانب العصابات المنظمة التي تحصد سنويًّا ما بين 8 و10 مليارات دولار من الاتجار بالأطفال والنساء، وذلك وفقًا لإحصائيات وزارة العدل الأمريكية... بيد أن الشرع الإسلامي الكريم حرّم بيع الأحرار، وناهض تجارة البشر بالبشر، وحرم إكراه الفتيات على ممارسة البغاء فقال الشارع الحكيم: "وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33].
إلى جانب أن جريمة الاتجار بالبشر تنتهك حق الإنسان في الحرية، وتنتهك حقوق الأطفال والنساء في العيش في بيئة آمنة صالحة، فهي تنزعهم من أسرهم ومن بين آبائهم وأمهاتهم إلى جحيم الاستغلال الجنسي والسخرة والتعذيب النفسي والجسدي.. وكلها مظاهر حرمها الإسلام وحاربها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.
هكذا كان المنهج النبوي في التعامل مع مظاهر الاسترقاق والاتجار بالبشر؛ ليسجل أمام الله تعالى ثم التاريخ أن النظام الإسلامي هو أول نظام في تاريخ البشرية ناهض الاسترقاق وحارب المتاجرة بالبشر
المطلب الخامس – رفقه وعطفه على الخدم
أولاً: سلوكه  مع خادمه :
خادمه أنس  يحدثنا عن رحمته وشفقته  بالخدم..
وإن شهادة الخادم عن سيده لصادقة، وخاصة من رجل كأنس الذي خدمه تسع سنين، ونقل عنه إلى الأُمة آلاف الأحاديث، وكان معه كظله..
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ أَحْسَنَ النّاسِ خُلُقاً. فَأَرْسَلَنِي يَوْماً لِحَاجَةٍ.
فَقُلْتُ: وَاللّهِ لاَ أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيّ اللّهِ ، فَخَرَجْتُ حَتّىَ أَمُرّ عَلَىَ صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ  قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ:" يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟" قُلْتُ: نَعَمْ ! أَنَا أَذْهَب يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلاّ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا ..
وإذا لام أحدٌ الخادم لتقصيره في خدمة سيدنا محمد ، قال  : "دعوه ! فلو قُدر أن يكون كان!" .
ثانيًا: حثه على العفو عن الخادم :
كان سيدنا محمد  يوصي أصحابه بالعفو عن الخدم ..فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت. فلما كان في الثالثة قال: "اعفوا عنه في كلِّ يومٍ سبعين مرَّةً " .
ثالثًا: توبيخه مَنْ ضرب الخادم:
كان لدى بني مقرّن خادمة، فلطمها أحدهم، فجاءت تشتكي إلى رسول الله باكية، فاستدعى الرسول مالكها قائلاً له: "أَعتِقوها"، فقالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال: "فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها، فليخلّوا سبيلها .
وعن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما ولا امرأة قط
رابعًا: ترغيبه في إطعام الخادم :
فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ" .
خامسًا: نهيه عن الدعاء على الخادم :
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ" .

المبحث الثالث
رحمته بذوي الاحتياجات الخاصة

أخيرًا ًًالتفت العالم المتحضر في هذا القرن إلى ذوي الاحتياجات الخاصة !! بعدما نحى جانبًا نظريات عنصرية، فاسدة، تدعو إلى إهمالهم ، بزعم أن هؤلاء – أمثال الصم والبكم والعمي والمعاقين ذهنيًا– لا فائدة منهم ترتجى للمجتمع .. ولقد قدرت منظمة العمل الدولية في تقرير لها عام (2000م ) عدد ذوي الاحتياجات الخاصة بأكثر من (610) مليون نسمة ، منهم (400) مليون نسمة في الدول النامية، وفي تقرير للبنك الدولي، تمثل هذه الفئة 15 % تقريبًا من نسبة السكان في كل دولة من دول العالم .

المطلب الأول : الفئات الخاصة في المجتمعات الجاهلية:
وإذا نظرنا – سريعًا- إلى تاريخ الغرب مع ذوي الاحتياجات الخاصة، نجد مجتمعات أوربا القديمة، كروما وإسبرطا شهدت إهمالاً وإضهادًا صارخًا لهذه الفئة من البشر، فلقد كانت هذه المجتمعات – حكامًا وشعوبًا – تقضي بإهمال أصحاب الإعاقات، وإعدام الأطفال المعاقين عقب ولادتهم، أو تركهم في الصحراء طعاماً للسباع والطيور..
وكانت المعتقدات الخاطئة والخرافات هي السبب الرئيسي في هذه الانتكاسة، فكانوا يعتقدون أن المعاقين عقليًّا هم أفراد تقمصتهم الشياطين والأرواح الشــريرة. وتبنّى الفلاسفة والعلماء الغربيون هذه الخرافات، فكانت قوانين (ليكورجوس) الإسبرطي و(سولون) الأثيني تسمح بالتخلص ممن بهم إعاقة تمنعه عن العمل والحرب، وجاء الفيلسوف الشهير (أفلاطون) وأعلن أن ذوي الاحتياجات الخاصة فئة خبيثة وتشكل عبئًا على المجتمع، وتضر بفكرة الجمهورية.. أما (هيربرت سبنسر) فقد طالب المجتمع بمنع شتى صور المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، بزعم أن هذه الفئة تثقل كاهل المجتمع بكثير من الأعباء دون فائدة.
بيد أن العرب -وإن كانوا يقتلون البنات خشية العار- كانوا أخف وطأة وأكثر شفقة على أهل البلوى والزمنى، وإن كانوا يتعففون عن مؤاكلة ذوي الاحتياجات الخاصة أو الجلوس معهم على مائدة طعام.
وفي الوقت الذي تخبط فيه العالم بين نظريات نادت بإعدام المتخلفين عقليًّا وأخرى نادت باستعمالهم في أعمال السخرة اهتدى الشرق والغرب أخيرًا إلى "فكرة" الرعاية المتكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة.. في ظل هذا كله نرى رسولنا المربي المعلم صلى الله عليه وسلم كيف كانت رحمته لهذه الفئة من بني البشر، وهذا غيض من فيض رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.

المطلب الثاني : رعاية النبي  لذوي الاحتياجات الخاصة:
فعن أنس أن امرأة كان في عقلها شيىء ، فقالت : يا رسول الله إن لي إليك حاجة ! فَقَالَ: فَقَالَ: " يَا أُمّ فُلاَنٍ! انظري أَيّ السّكَكِ شِئْتِ، حَتّىَ أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ " فَخَلاَ مَعَهَا فِي بَعْضِ الطّرُقِ، حَتّىَ فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا .
وهذا من حلمه وتواضعه  وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة ..
وفي هذا أيضاً : " بيان بروزه  للناس وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدي بها وهكذا ينبغي لولاة الأمور وفيها صبره  على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين واجابته من سأله حاجة" .

وفي هذا دلالة شرعية على وجوب تكفل الحاكم برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، صحيًا واجتماعيًا، واقتصاديًا، ونفسيًا، والعمل على قضاء حوائجهم، وسد احتياجاتهم .
ومن صور هذه الرعاية لذوي الاحتياجات الخاصة :
-توفير الحياة الكريمة لهم
- العلاج والكشف الدوري لهم
- تأهيلهم وتعليمهم بالقدر الذي تسمح به قدراتهم ومستوياتهم
- توظيف مَن يقوم على رعايتهم وخدمتهم .
ولقد استجاب الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز – رضي الله عنه – ، لهذا المنهج النبوي السمح، فأصدر قرارًا إلى الولايات:
"أن ارفعوا إلىَّ كُلَّ أعمى في الديوان أو مُقعَد أو مَن به فالج أو مَن به زمانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة. فرفعوا إليه " وأمر لكل كفيف بموظف يقوده ويرعاه ، وأمر لكل اثنين من الزمنى – من ذوي الاحتياجات – بخادمٍ يخدمه ويرعاه .
وعلى نفس الدرب سار الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك – رحمه الله تعالى -، فهو صاحب فكرة إنشاء معاهد أو مراكز رعاية – لذوي الاحتياجات الخاصة ، فأنشأ [عام 707م- 88 هـ]مؤسسة متخصصة في رعايتهم، وظّف فيها الأطباء والخدام وأجرى لهم الرواتب، ومنح راتبًا دوريًا لذوي الاحتياجات الخاصة ، وقال لهم : " لا تسألوا الناس " ، وبذلك أغناهم عن سؤال الناس ، وعين موظفًا لخدمة كل مقعد أو كسيح أو ضرير .

المطلب الثالث: الأولوية لهم في الرعاية وقضاء احتياجاتهم:

وإذا كان الإسلام قد قرر الرعاية الكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على قضاء حوائجهم، فقد قرر أيضًا أولوية هذه الفئة في التمتع بكافة هذه الحقوق، فقضاء حوائجهم مقدم على قضاء حوائج الأصحاء، ورعايتهم مقدمة على رعاية الإكفاء ، ففي حادثة مشهورة أن سيدنا محمد  عبس في وجه رجل أعمى – هو الصحابي الفاضل عبد الله ابن أم مكتوم - جاءه يسأله عن أمرٍ من أمور الشرع، وكان يجلس إلى رجالٍ من الوجهاء وعلية القوم، يستميلهم إلى الإسلام، و رغم أن الأعمى لم ير عبوسه، ولم يفطن إليه، إلا أن المولى تبارك وتعالى أبى إلا أن يضع الأمور في نصابها، والأولويات في محلها، فأنزل - سبحانه آيات بينات تعاتب النبي الرحيم عتاباً شديداً:
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ] [عبس: الآيات 1-12]
يقول الباحث الإنجليزي "لايتنر " معلقًا على هذا الحادث :
".. مرة، أوحى الله تعالى إلى النبي [] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلاً غنيًا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان [] كما يقول أغبياء النصارى بحقه [] لما كان لذاك الوحي من وجود !" .
وقد كان النبي  يقابل هذا الرجل الأعمى، فيهش له ويبش، ويبسط له الفراش، ويقول له:
" مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي " !
ففي هذه القصة، نرى علة المعاتبة، لكونه انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس .
وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.

المطلب الرابع: عفوه  عن سفهائهم وجهلائهم :
وتجلت رحمة الحبيب  بذوي الاحتياجات الخاصة، في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم ، ففي معركة أحد[ شوال 3هـ- أبريل624 م]، لما توجه الرسول  بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسب النبي وينال منه ، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال – في وقاحة - للنبي: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها ! حَتَّى هم أصحاب النبي بقتل هذا الأعمى المجرم، فأبي عليهم -نبي الرحمة- وقال:
" دعوه ! فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر " .

ولم ينتهز رسول الله  ضعف هذا الضرير، فلم يأمر بقتله أو حتى بأذيته، رغم أن الجيش الإسلامي في طريقه لقتال، والوضع متأزم، والأعصاب متوترة، ومع ذلك لما وقف هذا الضرير المنافق في طريق الجيش، وقال ما قال، وفعل وما فعل، أبى رسول الله إلا العفو عنه، والصفح له، فليس من شيم المقاتلين المسلمين الاعتداء على أصحاب العاهات أو النيل من أصحاب الإعاقات، بل كانت سنته معهم؛ الرفق بهم، والاتعاظ بحالهم، وسؤال الله أن يشفيهم ويعافينا مما ابتلاهم .
المطلب الخامس : تكريمه وموساته  لهم :
فعن عائشة أنها قالت : سمعت رسول الله  يقول : " إن الله عز وجل أوحى إلى أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة... " .
وعن العرباض بن سارية ، عن النبي  ، عن رب العزة - قال : " إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين ، لم أرض له ثوابًا دون الجنة، إذا حمدني عليهما"
ويقول النبي لكل أصحاب الإصابات والإعاقات : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ"
ففي مثل هذه النصوص النبوية والأحاديث القدسية، مواساة وبشارة لكل صاحب إعائقة؛ أن إذا صبر على مصيبته، راضيًا لله ببلوته، واحتسب على الله إعاقته، فلا جزاء له عند الله إلا الجنة .
وقد كان النبي  يقول عن عمرو بن الجموح ، تكريمًا وتشريفًا له: " سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح "وكان أعرج ، وقد قال له النبي  ذات يوم: " كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة "، وكان – رضي الله عنه - يولم على رسول الله  إذا تزوج .
و عن أنس بن مالك : أن رسول الله  استخلف بن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى .
وعن عائشة أن ابن أم مكتوم كان مؤذنا لرسول الله  وهو أعمى .
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا .
وعن الحسن بن محمد قال: دخلت على أبي زيد الأنصاري فأذن وأقام وهو جالس قال: وتقدم رجل فصلى بنا، وكان أعرج أصيب رجله في سبيل الله تعالى .
وهكذا كان المجتمع النبوي، يتضافر في مواساة ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتعاون في تكريمهم، ويتحد في تشريفهم، وكل ذلك اقتضاءً بمنهج نبي الرحمة  مع ذوي الاحتياجات الخاصة . .
المطلب السادس : زيارته لهم
وشرع الإسلام عيادة المرضى عامة، وأصحاب الإعاقات خاصة، وذلك للتخفيف من معاناتهم .. فالشخص المعاق أقرب إلى الإنطواء والعزلة والنظرة التشائمية، وأقرب من الأمراض النفسية مقارنة بالصحيح، ومن الخطأ إهمال المعاقين في المناسابات الاجتماعية، كالزيارات والزواج ..
وقد كان رسول الله  يعود المرضى، فيدعو لهم ، ويطيب خاطرهم، ويبث في نفوسهم الثقة، وينشر على قلوبهم الفرح، ويرسم على وجوهه البهجة، وتجده ذات مرة يذهب إلى أحدهم في أطراف المدينة، خصيصًا، ليقضي له حاجة بسيطة، أو أن يصلي ركعات في بيت المتبتلى تلبية لرغبته .. فهذا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ- وكان رجلاً كفيفًا من الأنصار- يقول للنبي : إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر، وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم؛ لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددتُ يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.
فوعده  بزيارة وصلاة في بيته قائًلا : "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" ..
قال عتبان فغدا رسول الله  وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله  فأذنتُ له فلم يجلس حتى دخل البيت ، ثم قال : "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ"، فأشرتُ له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله  ،فكبر فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم .
المطلب السابع: الدعاء لهم :
وتتجلى – أيضًا - رحمة نبي الإسلام  بالفئات الخاصة - من ذوي الاحتياجات- عندما شرع الدعاء لهم، تثبيتًا لهم، وتحميسًا لهم على تحمل البلاء .. ليصنع الإرادة في نفوسهم، ويبني العزم في وجدانهم .. فذات مرة ، جاء رجل ضرير البصرِ إلى حضرة النبي .. فقَالَ الضرير: ادعُ اللَّهَ أنْ يُعافيني..
قَالَ : "إنْ شِئتَ دَعوتُ، وإنْ شِئتَ صبرتَ فهوَ خيرٌ لك".
قَالَ: فادعُهْ.
فأمرَهُ أنْ يتوضَّأ فيُحسنَ وُضُوءَهُ ويدعو بهَذَا الدُّعاءِ:
" الَّلهُمَّ إنِّي أسألكَ وأتوجَّهُ إليكَ بنبيِّكَ مُحَمَّد نبيِّ الرَّحمةِ إنِّي توجَّهتُ بكَ إِلى رَبِّي في حاجتي هذِهِ لتُقْضَى لي، الَّلهُمَّ فَشَفِّعْهُ فيَّ " .
وعن عطاء بن أبي رباح، قال لِي ابْنُ عَبَّاس: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ : بَلَى .
قَالَ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ .. أَتَتْ النَّبِيَّ  فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي !
فقَال النبيَ :" إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ".
فَقَالَتْ :أَصْبِرُ . فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا .
هذا، وقد كان رسول الله يدعو للمرضى والزمنى عامة، فعن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضا أو أتي به قال : " أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"
وهكذا المجتمع الإسلامي؛ يدعو -عن بكرة أبيه- لأصحاب الإعاقات والعاهات وما رأينا مجتمعًا على وجه الأرض يدعو بالشفاء والرحمة لأصحاب الاحتياجات الخاصة، غير مجتمع المسلمين، ممن تربوا على منهج نبي الإسلام!.
المطلب الثامن : تحريم السخرية منهم
كان ذوو الاحتياجات الخاصة، في المجتمعات الأوربية الجاهلية، مادة للسخرية، والتسلية والفكاهة، فيجد المعاق نفسه بين نارين، نار الإقصاء والإبعاد، ونار السخرية والشماتة، ومن ثم يتحول المجتمع - في وجدان أصحاب الإعاقات- إلى دار غربة، واضهاد وفرقة .. فجاء الشرع الإسلامي السمح، ليحرّم السخرية من الناس عامة، ومن أصحاب البلوى خاصة، ورفع شعار " لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك " . وأنزل الله تعالى آيات بينات توكد تحريم هذه الخصلة الجاهلية، والتي نبتت في من نتن العصبية، والنعرات القبائلية، فقال عز من قائل :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }[الحجرات:11]
كما ثبت عن النبي  أنه قال: "الكِبْر بطر الحق وغَمْص الناس" ،"وغمط الناس" : احتقارهم والاستخفاف بهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المبتلى أعظم قدرًا عند الله، أو أكبر فضلاً على الناس، علمًا وجهادًا، وتقوى وعفة وأدبًا .. نهيك عن القاعدة النبوية العامة، الفاصلة :" فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ"
ولقد حذر النبي  أشد التحذير، من تضليل الكفيف عن طريقه، أو إيذاءه، عبسًا وسخرية، فقال :
"مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ "
وقال : " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ كَمَّهَ أَعْمَى عَنْ السَّبِيلِ "
فهذا وعيد شديد، لمن اتخذ العيوب الخلقية سببًا للتندر أو التلهي أو السخرية، أوالتقليل من شأن أصحابها، فصحاب الإعاقة هو أخ أو أب أو إبن امتحنه الله، ليكون فينًا واعظًا، وشاهدًا على قدرة الله، لا أن نجعله مادة للتلهي أو التسلي.
المطلب التاسع : رفع العزلة والمقاطعة عنهم:
فقد كان المجتمع الجاهلي في القديم- سواءً في الجزيرة العربية أو أوربا الرومانية أوأسيا الفارسية - يقاطع ذوي الاحتياجات الخاصة، ويعزلهم ويمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، كحقهم في الزواج، والاختلاط بالناس، وزيارتهم والأكل والشرب معهم..
فقد كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبيّ  لا يخالطهم في طعامهم أعرج ولاأعمى ولا مريض، وكان الناس يظنون بههم التقذّر والتقزّز. فأنزل الله تعالى:
{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون }[النور: 61 ] .
أي ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج، فهؤلاء بشر مثلكم، لهم كافة الحقوق مثلكم، فلا تقاطعوهم ولا تعزلوهم ولا تهجروهم، فأكرمكم عند الله أتقاكم، "والله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم " .
وهكذا نزل القرآن، رحمة لذوي الاحتياجات الخاصة، يواسيهم، ويساندهم نفسًيا، ويخفف عنهم . ويتقذهم من أخطر الأمراض النفسية التي تصيب المعاقين، جراء عزلتهم أو فصلهم عن الحياة الاجتماعية .
وبعكس ما فعلت الأمم الجاهلية، فلقد أحل الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة الزواج، فهم – والله – أصحاب قلوب مرهفة، ومشاعير جياشة، وأحاسيس نبيلة، فأقر لهم الحق في الزواج، ما داموا قادرين، وجعل لهم حقوقًا، وعليهم واجبات، ولم يستغل المسلمون ضعف ذوي الاحتياجات، فلم يأكلوا لهم حقًا، ولم يمنعوا عنهم مالاً، فعن عمر بن الخطاب أنه قال :
" أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا..." .
المطلب العاشر: التيسير على ذوي الاحتياجات الخاصة :
ومن الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة مراعاة الشريعة لهم في كثيرٍ من الأحكام التكليفية، والتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، فعن زيد بن ثابت أن رسول الله أملى عليه: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله". قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها "علي" – رضي الله عنه - (لتدوينها)، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، قال زيد بن ثابت: فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله  ، وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي [من ثقل الوحي]، ثم سري عنه- فأنزل الله عز وجل: ‏غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ .
وقال تعالى – مخففًا عن ذوي الاحتياجات الخاصة - : {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً }[الفتح:17 ].
فرفع عنهم فريضة الجهاد في ساح القتال، فلم يكلفهم بحمل سلاح أو الخروج إلى نفير في سبيل الله، إلا إن كان تطوعًا .. ومثال ذلك، قصة عمرو بن الجموح – رضي الله عنه – في معركة أحد [ شوال 3هـ/إبريل624 م]، فقد كان – رضوان الله عليه - رجلا أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله  المشاهد فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا : له إن الله عز وجل قد عذرك ! فأتى رسول الله  فقال:إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه . فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ! فقال نبي الرحمة  : "أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك "، ثم قال لبنيه : "ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة" فخرج مع الجيش فقتل يوم أحد .
بيد أن هذا التخفيف، الذي يتمتع به المعاق في الشرع الإسلامي، يتسم بالتوازن والاعتدال، فخفف عن كل صاحب إعاقة قدر إعاقته، وكلفه قدر استطاعته، يقول القرطبي :
"إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الاعرج فيما يشترط في التكليف به من المشى، وما يتعذر من الافعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك." ومثال ذلك الكفيف والمجنون، فالأول مكلف بجل التكاليف الشرعية باستثناء بعض الواجبات والفرائض كالجهاد .. أما الثاني فقد رفع عنه الشارع السمح كل التكاليف، فعن عائشة أن رسول الله  قال :" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ " .
فمهما أخطأ المجنون أو ارتكب من الجرائم، فلا حد ولا حكم عليه، فعن ابن عباس قال: أتي عمر – رضي الله عنه - بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسًا فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها على علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- فقال: ما شأن هذه؟
قالوا : مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم .
فقال: ارجعوا بها !
ثم أتاه، فقال : يا أمير المؤمنين ! أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة ، عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل ؟ قال : بلى. قال: فما بال هذه ترجم ؟ !قال لا شيء. قال علي: فَأَرْسِلْهَا. فَأَرْسَلَهَا . فجعل عمر يُكَبِّرُ .
هكذا كان المنهج النبوي في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، في وقت لم تعرف فيه الشعوب ولا الأنظمة حقًا لهذه الفئة، فقرر – الشرع الإسلامي- الرعاية الكاملة والشاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، وجعلهم في سلم أولويات المجتمع الإسلامي، وشرع العفو عن سفيههم وجاهلهم . وتكريم أصحاب البلاء منهم، لاسيما من كانت له موهبة أو حرفة نافعة أو تجربة ناجحة، وحث على عيادتهم وزيارتهم ، ورغب في الدعاء لهم، وحرّم السخرية منهم، ورفع العزلة والمقاطعة عنهم، ويسر عليهم في الأحكام ورفع عنهم الحرج. فالله الله في شريعة الإسلام ونبي الإسلام !
المبحث الرابع
رحمته للمسنين
يشهد العالم في السنوات الأخيرة اهتمامًا ملحوظًا بالمسنين، وقد شهد المجتمع الدولي أكثر من فعالية دولية، من مؤتمرات وندوات عالمية، لتناول قضايا المسنين، وشهد عام 1982 أول إشارة من العالم المتحضر لرعاية المسنين، حيث أعلنت الأمم المتحدة، في اجتماع لمندوبي 124 دولة، أن العقد التاسع من القرن العشرين عقد المسنين، ورفعت منظمة الصحة العالمية عام 1983 شعار "فلنضف الحياة إلى سنين العمر"، وقد تبنى مؤتمر الأمم المتحدة الذي انعقد في مدريد عام 2002م خطة عمل لمعالجة مشاكل المسنين في مختلف بلدان العالم ..
والحق أن هذه المؤتمرات كانت شبيهه بالملتقيات الفكرية النظرية، فلم يطبق لها قراراً، ولم تُفعل لها خطة !
وكان الأولى لهذه الفعاليات والمؤتمرات أن تقرأ في منهج نبي الإسلام ، وكيف رسم المنهج العملي في رعاية المسنين .
لقد كان نبي الرحمة سباقًا في هذا الميدان، ومرجعًا مهمًا – ينبغي أن يُأخذ به - لكل فعالية أو نشاط يهدف إلى رعاية المسنين .
وينطلق منهج رعاية المسنين – في الإسلام – من منطلق إنساني سامق، بعيدًا عن التمييز بين فئات المسنين على أساس الجنس أو اللون أو الدين . فالإسلام لا يقرر قواعد الرعاية للمسنين من منطلق عنصري أو عرقي كما هو الحال في العالم " المتحضر " في هذا الوقت الراهن .
فالمسن الفرنسي ذو البشرة البيضاء له الرعاية الشاملة والحقوق الكاملة، أما المسن الأسود والذي يحمل نفس الجنسية لا يتمتع بمعشار ما يتمتع به المسن الأبيض، رغم أنهم أصحاب وطن واحد ودين واحد ولغة واحدة.. !
فياليت هذا العالم " المتحضر" ينظر إلى منهج نبي الإسلام مع المسنين، كل المسنين، البيض والسود، العرب وغير العرب، المسلمين وغير المسلمين .
وإليكم بعض تعاليمه  في رعاية المسنين ..
المطلب الأول : حثه على إكرام المسنين والرفق بهم:
أولاً: مناشدة الشباب لإكرام المسنين :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ" .
وهكذا أوصى شباب المجتمع بشيوخه، وشباب اليوم هم شيوخ الغد، وتبقى الوصية المحمدية متواصلة ومتلاحقة مع حقب الزمن، توصي الأجيال بعضها ببعض، وفيه بشارة بطول العمر وبالقرين الصالح الذي يكرم من أكرم شيخًا، والجزاء من جنس العمل .
وانظر إلى هذا التعميم : " مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ" .. أي شيخ مسن، مهما كان لونه، ومهما كان دينه، فالمسلم مطالب بإكرام المسن دون النظر إلى عقيدته أو بلده أو لونه ...

كما في حديث أنس بن مالك ، أن رسول الله  قال: "والذي نفسي بيده ، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم" ، قالوا : يا رسول الله ، كلنا يرحم ، قال :" ليس برحمة أحدكم صاحبه .. يرحم الناس كافة " . فيرحم الناس كافة، والأطفال كافة، والمسنين كافة، بعجرهم وبجرهم، مسلمهم وغير مسلمهم .
ثانيًا: إكرام المسن من إجلال الله :
فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أن رَسُولُ اللَّهِ  قال "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ" .
فجعل إكرام المسنين من إجلال الله . . وربط بين توقير الخالق وتوقير المخلوق ، وإجلال القوي سبحانه وإجلال المسن الضعيف، وذكر علامة، يُكرم بها صاحبها، هي الشيب، فكان حقًا على كل من رأي هذه العلامة في إنسان إن يكرمه ويجله .
ثم انظر كيف جمع بين المسن وحامل القرآن والسلطان، وقدم المسن، كأنه يقول لك وقرْ المسن كما توقر السلطان والرئيس والحاكم، وعظم المسن كما تعظم حامل القرآن الحاذق.
وتحت لفظ " إكرام ذي الشيبة المسلم "، تأتي كل صور الرعاية والإكرام للمسنين، كالرعاية الصحية، والرعاية النفسية، والرعاية الاجتماعية والاقتصادية، ومحو الأمية، والتعليم التثقيف، وغيرها من صور العناية التي ينادي بها المجتمع الدولي الآن .
ثالثًا: ليس من المسلمين من لا يوقر الكبير :
فعن عبد الله بن عمرو : أن رَسُولُ اللَّهِ  قال : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا " .
فجعل من الذين لا يوقرون الكبراء والمسنين عناصر شاذة في مجتمع المسلمين، بل وتبرأ منهم ! إذ ليس من المسلمين من لا يحترم كبيرهم، وليس من المجتمع من لم يوقر مشايخه وأكابره من المسنين . وتأمل – هداك الله – لفظة النبي " يوقر كبيرنا " – هكذا بضمير الجمع ، تعظيمًا للكبير والمسن - ، ولم يقل " يوقر الكبير"، ليقرر أن الاعتداء على الكبير أو المسن بالقول أو الفعل أو الإشارة هو اعتداء على جناب رسول الله ، الذي نسب المسن إليه وانتسب إليه، بقوله .." كبيرنا" .
رابعًا: تسليم الصغير على الكبير :
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنْ النَّبِيِّ قَالَ: " يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ" .

فقرر النماذج العملية البسيطة ، فيما يتعلق بجوانب الذوقيات الاجتماعية العامة، وبدأ بأهم هذه المظاهر الأخلاقية والذوقية، وهو مظهر توقير الكبير واحترام المسن، فهو البند الأول في " الإتيكيت الإسلامي ".. ولما كان الصغير هو المبادر في مثل هذه الأحوال، كان عليه فيما دون ذلك ، فيبدأ بالمساعدة، ويبدأ بالملاطفة، ويبدأ بالزيارة، ويبدأ بالنصيحة، ويبدأ بالاتصال .. الخ
خامسًا : تقديم المسن في وجوه الإكرام عامة:
قال النبي  : " أمرني جبريل أن أقدم الأكابر " .
وهذه قاعدة عامة في تقديم الكبير والمسن في وجوه الإكرام والتشريف عامة ..
وقد أمر النبي  أن يُبدأ الكبير بتقديم الشراب ونحوه للأكابر..فقال : "أبدؤا بالكبراء - أو قال – بالأكابر" .
ولقد مارس هذا الخلق عمليًا، فتقول عائشة : " كان  يستن وعنده رجلان، فأُوحي إليه : أن أعط السواك أكبرهما ! " .
وعن عبدالله بن كعب :"كان  إذا استن أعطى السواك الأكبر، و إذا شرب أعطى الذي عن يمينه" .
قال ابن بطال : فيه تقديم ذي السن في السواك ، و يلتحق به الطعام والشراب و المشي والكلام . ومن ثم كل وجوه الإكرام .
كما أمر  بتقديم المسن في الإمامة :
ففي الصحيح من حديث مالك بْنِ الْحُوَيْرِثِ أن النَّبِيِّ قال :" .. فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ " .
وهو لا يتعارض مع تصريح النبي  بتقديم الأحفظ لكتاب الله.
وجد جمع بينهما في حديث أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ حين قَال رَسُولُ اللَّهِ : " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَة،ً فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا ..." .
كما أن الكبير – في الهدي النبوي – أحق بالمبداءة في الكلام، والحوار، فعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْل،ِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ  فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِم،ْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ :
"كَبِّرْ الْكُبْرَ " ..
قَالَ يَحْيَى يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ .. الحديث
سادسًا : التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية :
فالأحكام الشرعية في الإسلام دائما تأخذ في الاعتبار مبدأ التخفيف عن صاحب الحرج، كالمسن .. نرى ذلك بوضوح في جل التشريعات الإسلامية .. فقد خفف الشرع عن المسن في الكفارات والفرائض والواجبات..
أما التخفيف عن المسن في الكفارات، فقصة المجادلة (خولة بنت ثعلبة) في القرآن خير دليل، عندما وقع زوجها (أوس بن الصامت) – وهو الشيخ المسن – في جريمة الظهار، ونزل الحكم الشرعي العام : " وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)" [ المجادلة ]..
وقال رسول الله  لخولة المجادلة: "مُريه فليعتق رقبة"، فسألت التخفيف عن زوجها .فقال: "فليصم شهرين متتابعين". فقالت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تَمر". فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده ! فقال نبي الرحمة : "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر" ! ولم ينس الرسول الجليل والأب الرحيم أن يوصي المرأة الشابة بزوجها الشيخ فقال:"استوصي بابن عمك خيرًا".
وفي الفرائض : أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان - ويطعم - إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه القيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه الجلوس .. وهكذا..
ولقد عنّف الرسول  معاذ بن جبل، ذات يوم، لما صلى إمامًا فأطال فشق على المأموم، قائلا :
"يَا مُعَاذُ ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ ! [ ثَلَاثَ مِرَارٍ] ! فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ !"
ورخص للمسن أن يرسل من يحج عنه إن لم يستطع أن يمتطى وسيلة النقل . فعَنْ الْفَضْلِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ لها النَّبِيُّ  :" فَحُجِّي عَنْهُ". .
المطلب الثاني : نماذج رحمته  للمسنين :
أولاً: إنصاته لعتبة وتلطفه معه :
جاء عتبة بن ربيعة - أحد شيوخ المشركين في مكة- يتحدث إلى النبي ، بحديث طويل يريد أن يثنيه عن دعوته، وكان من بين ما قال:
أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت النبي، تأدبًا وإعراضًا عن الجاهلين !
فواصل عتبة قائلاً : إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك، لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى .. فلما عاين عتبةُ هذا الأدب الجم من رسول الله، خفف من حدة الحديث، وقال : يا بن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيًا [ يعني جنون أو مس ] تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه.
و لا زال عتبة يتحدث إلى النبي، بهذا الحديث الذي لا يخلوا من التعريض أو من التجريح، ورسول الله  في أنصات واستماع بكل احترام للشيخ ..
حتى إذا فرغ عتبة، قال له النبي - في أدب ورفق -: " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " قال: نعم.
قال: "اسمع منى".
قال: أفعل.
فقرأ عليه النبي أول سورة فصلت .
ثانيًا: سعيه لفك أسر شيخ كبير:
فلما أُسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، في معركة بدر، ووقع أسيرا في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقيل لأبي سفيان: افد عمرًا ابنك ! قال: أيجمع علي دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم.
فبينًا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله  إذ خرج شيخ كبير مسلم إلى مكة لأداء العمرة، وكان اسمه سعد بن النعمان بن أكال - أخو بني عمرو بن عوف- فخرج معتمرًا، رغم أن الظروف السياسية عصيبة لاسيما بعد بدر .. ولم يظن أنه يحبس بمكة، وقد كان عهد أن قريشًا لا يعرضون لأحد جاء حاجًا أو معتمرًا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو ..
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله  فأخبروا خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان، فيفكوا به الشيخ، ففعل رسول الله  ، وأفرج عن ابن أبي سفيان على الفور، دون فداء، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل الشيخ .
ثالثًا:رفقه بأبي قحافة وتوقيره له :
لما دخل رسول الله  مكة فاتحًا (في رمضان 8هـ/ يناير 630 م)، ودخل المسجد الحرام، أتى أبو بكر بأبيه يقوده إلى حضرة النبي ، ليتعرف عليه، لعله أن يسلم . فلما رآه رسول الله  قال:
" هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ ! " .
قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه! !
فأجلسه النبي  بين يديه، وأكرمه، ثم مسح على صدره، ثم قال:" أسلم"
فأسلم.
ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة بياضًا من شدة الشيب.
فقال رسول الله - في تلطف جم وذوق رفيع -: " غيروا هذا من شعره ! " .
وأخيرًا، يمكن أن نلخص الهدي النبوي في التعامل مع المسنين في عدة نقاط هي :
1-مسؤولية المجتمع بكامله – خاصة الشباب - عن شويخه ومسنيه، علمًا بأن رعاية المسنين واجب عيني على الأنظمة والحكومات والشعوب . ويمتد الواجب إلى حشد الجهود الفردية والجماعية والرسمية وغير الرسمية لرعاية المسنين .
2- الرعاية الكاملة والشاملة للمسن، صحيًا نفسيًا وعقليًا واجتماعيًا، وغيرها من صور العناية وقد جمعها اللفظ النبوي في جملة " إكرام ذي الشيبة " ..
3-توقير المسنين في المعاملات الاجتماعية اليومية المختلفة .
4-تقديم المسنين في وجوه الإكرام عامة، كالإمامة والطعام والشراب .
5-التخفيف عن المسنين في الأحكام الشرعية، ومراعاة الفتوى الشرعية لهم .


الكاتب في سطور
محمد مسعد ياقوت – كاتب وداعية إسلامي مقيم في مصر .
المشرف العام على موقع نبي الرحمة

- باحث متفرغ لإعداد مشروع علمي في مؤسسة أحمد بهاء الدين الثقافية.
- يكتب في العديد من المجلات العربية والإسلامية كمجلة المجتمع الكويتية، ومجلة البيان اللندنية، ومجلة المعرفة السعودية، ومجلة الرسالة المصرية، ومجلة آراء حول الخليج الإماراتية، ويكتب في شبكة إسلام أون لاين . نت.
- قدم سلسلة حلقات عن الثقافة العلمية وأزمة البحث العلمي، في القناة السادسة المصرية
- أعد سلسلة حلقات عن أخلاقيات الحرب في الإسلام. في قناة الأمة الفضائية .
- له موقع شخصي متخصص في شؤون البحث العلمي وواقع البحث العلمي ومناهج البحث العلمي
- يمارس الخطابة الدينية في مساجد مصر .
- ألقى العديد من المحاضرات الفكرية والثقافية في العديد من المحافل.
المؤلفات :
- الاختلاط وأثره على التحصيل العلمي والابتكار- رؤية شرعية - ، البحث الفائز بجائزة موقع المرأة " لها أون لاين" للثقافة و الإبداع ، عام 2004
- حوار الحضارات : الموجود والمفقود والمنشود، بحث مقدم إلى منظمة الكتاب الأفريقيين والأسيويين ، أغسطس 2005م ـ .
- هروب النخب العلمية ، بين واقع النزيف وسبل العلاج : بحث مقدم إلى المؤتمر العالمي العاشر للندوة العالمية للشباب الإسلامي، " الشباب وبناء المستقبل" .
- صفات رجل البر، تحت الطبع.
-عناية الكتاب والسنة بالمسجد الأقصى المبارك ، لم يطبع بعد .
- حق النصرة للشعب الفلسطيني ماديًا ومعنويًا، لم يطبع بعد .
- التجديد والمجددون في الإسلام، لم يطبع بعد .
- غزوات الرسول .. دروس وعبر في آداب الحروب .
- الرقائق والخواطر ، تحت الإعداد
- قيم حضارية في السيرة النبوية، كتاب إلكتروني.
- قصص قصيرة منشورة في المجلات المواقع [ بار أحرنوت – سجين رأي – المسكن الشعبي – على الطريقة الفيدرالية –السجينة – طوابير النهضة – ملحمة شاعر ]
-صنائع المعروف، ثلاثون بابًا من أبواب الخير، القاهرة ، دار النشر للجامعات، 2007
- أزمة البحث العلمي في مصر والوطن العربي، القاهرة : دار النشر للجامعات، الطبعة الأولى، يناير 2007م

تواريخ في سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم

تواريخ في سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم

الحدث التاريخ
مولد رسول الله محمد  وذلك لأول عام من حادثة الفيل ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنو شروان. الاثنين 9 ربيع الأول لأول عام من عام الفيل.
يوافق 20 أو 22 من ابريل 571 م
رضاعته صلى الله عليه وسلم في بني سعد من حليمة السعدية وبقائه في بني سعد. حتى 4 أو 5 سنوات من مولده صلى الله علية وسلم.
رد محمد صلى الله عليه وسلم الى أمه آمنة بنت وهب. عند 6 سنوات من مولده.
موت آمنة بنت وهب. عند 6 سنوات وشهرا من مولده.
موت جده عبد المطلب بمكة. عند 8 سنوات وشهرين وعشرة أيام من مولده .
رحلة الشام مع عمه أبو طالب و نبوءة الراهب بحيرا (جرجيس) بشأن الغلام محمد (صلى الله عليه وسلم). عند 12 سنة وشهرين وعشرة أيام من مولدة.
حرب الفجار بين قريش و من معهم من كنانة وبين قيس عيلان وحضرها وكان يجهز لعمومته النبل للرمي عند 15 سنة من عمره صلى الله عليه وسلم.
خروج محمد إلى الشام للتجارة من مال خديجة (رضي الله عنها) مع غلام لها اسمه ميسرة. عند 25 سنة من مولده صلى الله عليه وسلم.
تزوج محمد من خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) وكان سنها 40 سنة ورزق منها بجميع أولاده عند 25 سنة وأشهر من مولده صلى الله عليه وسلم.
سوى إبراهيم من مارية القبطية.
قامت قريش بتجديد بناء الكعبة بعد أن جرفها سيل عارم وقام محمد بوضع الحجر الأسود في مكانه. عند 35 سنة من مولده صلى الله عليه وسلم.
كان يذهب يتعبد بغار حراء بجبل النور و خاصة في شهر رمضان و قبل الرسالة بـ 6 شهور كان يرى الرؤية التي تجيء عند 37 سنة .
كفلق الصبح.
نزول الوحي عليه  وكان عمره 40 سنه قمرية و6 أشهر و12 يوم(نحو39عام ميلادىو3شهور و12يوم) الاثنين 21 رمضان. (النبوة) 10 أغسطس 610 ميلادية.
الدعوة السرية لرسالته صلى الله عليه وسلم بمكة. لمدة 3 سنوات من نزول الوحي.
الدعوة خارج مكة. من أواخر السنة العاشرة من نزول الوحي وحتى الهجرة.
اجتماع المسلمون سرا في الشعاب هربا من الكفار. السنة 4 للنبوة.
اتخاذ دار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومي مركز لدعوة النبي محمد  السنة 5 للنبوة.
هجرة أول فوج من الصحابة إلى الحبشة(12رجل+4 نساء) . رجب السنة 5 للنبوة.
خروج محمدا  إلى الحرم وتلاوته سورة النجم حتى وصل إلى (فاسجدوا لله واعبدوا) فخر الكفار سجودا رمضان السنة 5 للنبوة.
رجوع مهاجري الحبشة عندما وصلهم خطأ أن قريش أسلمت. شوال السنة 5 للنبوة.
وفادتين من قريش لأبى طالب لتسليم ابن أخيه إليهم. أواسط السنة 6 للنبوة.
إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه و إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه (بعد حمزة ب 3 أيام) ذو الحجة السنة 6 للنبوة.
ميثاق قريش بعدم معاملة بنو هاشم و بنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم(عدا أبو لهب )وذلك بسبب منعتهم لمحمد  أول محرم السنة 7 للنبوة.
نقض الصحيفة وفك ميثاق قريش بمقاطعة بنو هاشم والمطلب . المحرم السنة 10 للنبوة.
وفاة أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم. رجب السنة 10 للنبوة.
وفاة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عن 65 سنة. رمضان السنة 10 للنبوة.
زواج النبي  بسودة بنت زمعة وهى كانت قد هاجرت الهجرة الثانية للحبشة وزوجها السكران بن عمرو مات فيها شوال السنة 10 للنبوة أواخر مايو أو أوائل يونيو 619م.
خروج النبي صلى الله عليه وسلم للدعوة للإسلام خارج مكة بالطائف لمدة 10أيام (60ميل عن مكة).
عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة ليستأنف عرض الإسلام على القبائل و الأفراد مع اقتراب موسم الحج ذو القعدة سنة 10 من النبوة.
أواخر يونيو أو أوائل يوليو 619م .
إسلام سويد بن صامت(كان شاعرا لبيبا) و إياس بن معاذ و أبو ذر الغفاري وطفيل بن عمرو الدوسى و ضماد الازدي. خلال سنة 11 من النبوة.
زواج النبي  من السيدة عائشة رضي الله عنها وهى بنت 6 سنوات و بنى بها فى شوال من السنة الأولى شوال السنة 11 من النبوة.
من الهجرة وهى بنت 9 سنوات.
إسلام وفد الخزرج (6 أشخاص) الذين وفدوا من يثرب للحج. ذو الحجة السنة 11 للنبوة. يوليو 620م.
الإسراء والمعراج. فى رمضان السنة 12 للنبوة أو المحرم السنة 13 للنبوة
أو ربيع الأول السنة 13 للنبوة ويرجح انه بين بيعة العقبة
الأولى و الثانية.
بيعة العقبة الأولى(12 رجلا) من يثرب. ذو الحجة السنة 12 للنبوة. يوليو 621م.
بيعة العقبة الثانية(73رجلا وامرأتين) من يثرب. ذي الحجة السنة 13 للنبوة. يونيو 622م.
عقد برلمان قريش(دار الندوة)بمكة لتدارس خطة القضاء على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. الخميس 26 صفر السنة 14 للنبوة.
الموافق12 سبتمبر 622ميلادية.
مغادرة النبي صلى الله علية وسلم بيته للهجرة. في 27 صفر السنة 14 للنبوة.
الموافق 13/12 سبتمبر 622م.
جاء عبد الله بن أريقط الليثي كدليل لرسول الله وأبى بكر الصديق براحلتين للهجرة إلى يثرب (وكان من كفار قريش) ليلة الاثنين غرة ربيع الأول سنة 1 هجرية.
الموافق 16 سبتمبر 622 ميلادية.
نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء وكان عمره 53 سنة. الاثنين 8 ربيع أول 1 هجرية.
الموافق 23 سبتمبر 622 ميلادية.
نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة(يثرب) فى بني النجار ثم انتقل الى دار أبي أيوب الأنصاري الجمعة 12 ربيع أول سنة 1 هـ/27 سبتمبر 622 م.
سرية سيف البحر لاعتراض عيرا لقريش آتية من الشام ولم يتم القتال لأن مجدي بن عمرو الجهنى كان حليفا للفريقين. رمضان 1 هجرية./ مارس 623م.
سرية رابغ بين المسلمين والكفار وترامى الفريقان بالنبال فقط. شوال 1 هجرية. / ابريل 623 م.
سرية الخرار . ذو القعدة 1 هجرية. / مايو 623م.
غزوة الأبواء(ودان): وفيها عقد الرسول معاهدة مع سيد بنى ضمرة (عمرو بن مخشي الضمري) وكان قد خرج لاعتراض صفر 2 هجرية. / أغسطس 623م.
عيرا لقريش وهى أول غزوة غزاها رسول الله 
غزوة بواط و غزوة سفوان. ربيع الأول 2هجرية. / سبتمبر 623م.
غزوة ذي العشيرة. جمادى 1 وجمادى الآخرة 2هـ نوفمبر/ديسمبر 623م.
سرية نخلة. رجب 2 هجرية./ يناير 624م.
فرض القتال على المسلمين بعد سرية نخلة / تحويل القبلة من المسجد الأقصى الى المسجد الحرام. شعبان 2 هجرية. / فبراير 624م.
غزوة بدر الكبرى / فرض صيام رمضان / فرض زكاة الفطر. الجمعة 17 رمضان 2هجرية. / مارس 624م.
غزوة بنى سليم بالكدر. شوال 2هجرية.
غزوة بنى قنيقاع. السبت 15شوال 2هجرية.
غزوة السويق. ذو الحجة 2 هجرية.
غزوة ذي أمر. المحرم 3هجرية.
قتل كعب بن الأشرف (وهو من أشد اليهود حنقا على الإسلام) وقتل محمد بن مسلمة و أبو نائلة. يوم 14 من ربيع الاول3هجرية.
غزوة بحران. ربيع الآخر 3هجرية.
سرية زيد بن حارثة. جمادى الآخرة 3 هجرية.
غزوة أحد. السبت 7شوال 3هجرية.
غزوة حمراء الأسد. الأحد 8 شوال 3 هجرية.
سرية أبى مسلمة. غرة المحرم 4 هجرية.
بعث عبد الله بن انس وذلك لحرب خالد بن سفيان الهذلي. فى 5 من المحرم 4 هجرية.
بعث الرجيع. صفر 4 هجرية.
مأساة بئر معونة (قتل فيها 70 من خيرة الصحابة). صفر 4 هجرية.
غزوة بنى النضير . ربيع الأول 4هجرية. / أغسطس 635 م.
غزوة نجد (ضد الأعراب). ربيع الثاني أو جمادى الأول 4 هجرية.
غزوة بدر الثانية(بدر الموعد/ بدر الآخرة /بدر الصغرى). شعبان 4هجرية. / يناير 636م.
غزوة دومة الجندل(ضد القبائل قريبا من الشام) فى 25ربيع الأول 5 هجرية.
غزوة الأحزاب. شوال 5 هجرية.
غزوة بنى قريظة. ذو القعدة 5 هجرية.
سرية مقتل سلام بن أبى الحقيق(أبو رافع) من أكبر مجرمي اليهود .قتلته سرية يقودها عبد الله بن عتيك (من الخزرج) . ذو القعدة أو ذو الحجة 5 هجرية.
سرية محمد بن مسلمة (للقبائل و الأعراب حول المدينة). فى 10من المحرم 6 هجرية.
غزوة بنى لحيان . ربيع الأول أو جمادى الأولى 6 هجرية.
سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر. ربيع الأول أو الآخر 6 هجرية.
سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة. ربيع الأول أو الآخر 6 هجرية.
سرية ابي عبيدة ابن الجراح إلى ذي القصة. ربيع الآخر 6هجرية.
سرية زيد بن حارثة إلى الجموم. ربيع الآخر 6هجرية.
سرية زيد بن حارثة إلى العيص. جمادى الأولى 6هجرية.
سرية زيد بن حارثة إلى الطرف أو الطرق. جمادى الآخرة 6هجرية.
سرية زيد بن حارثة إلى العيص. رجب 6 هجرية.
سرية الخبط. رجب 6 هجرية.
غزوة بنى المصطلق أو المريسيع / زواج النبي  من السيدة جويرية بنت الحارث / حديث الإفك. شعبان 6 هجرية.
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بنى كلب بدومة الجندل / سرية على بن أبى طالب الى بنى سعد بن بكر.
سرية أبى بكر الصديق إلى وادي القرى. رمضان 6 هجرية.
سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين. شوال 6 هجرية.
صلح الحديبية مع قريش. / بيعة الرضوان. ذو القعدة 6 هجرية.
مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم الى الملوك لدعوتهم للإسلام. / غزوة خيبر. أواخر ذي الحجة 6هجرية وأوائل محرم 7 هجرية.
زواج النبي صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيى بعد قتل زوجها كنانة بن أبى الحقيق لغدره. المحرم 7 هجرية.
فتح فدك بعد المصالحة . / فتح وادي القرى. / فتح تيماء بعد المصالحة.
إسلام خالد بن الوليد / إسلام عمرو بن العاص / إسلام عثمان بن طلحة. أوائل سنة 7 هجرية.
رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد معارك خيبر. أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول 7 هجرية.
سرية أبان بن سعد إلى الأعراب (بينما النبي بمعارك خيبر) . صفر 7 هجرية.
غزوة ذات الرقاع . ربيع الأول 7 هجرية.
سرية غالب بن عبد الله الليثى إلى بنى الملوح بقديد. صفر أو ربيع الأول 7 هجرية.
سرية حسمي بقيادة زيد بن ثابت. جمادى الآخرة 7 هجرية.
سرية عمر بن الخطاب إلى تربة / سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بنى مرة. شعبان 7 هجرية.
سرية غالب بن عبد الله الليثى إلى بنى عوال و بنى ثعلبة. رمضان 7 هجرية.
سرية عبد الله بن رواحه لخيبر/ سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار/ سرية أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة. شوال 7 هجرية.
عمرة القضاء. / زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة بنت الحارث . ذو القعدة 7 هجرية.
سرية بن أبى العوجاء إلى بنى سليم. ذو الحجة 7 هجرية.
سرية غالب بن عبد الله الى فدك. صفر 8 هجرية.
سرية ذات أطح إلى بنى قضاعة. / سرية ذات عرق إلى بنى هوازن. ربيع الأول 8 هجرية .
معركة مؤتة و بعدها جنحت قبائل بنو سليم وأشجع وغطفان و ذبيان وفزارة إلى الاسلام. جمادى الأولى 8 هجرية/ أغسطس أو سبتمبر 629م
سرية ذات السلاسل. جمادى الآخرة 8 هجرية.
سرية أبي قتادة ضد بنى غطفان. شعبان 8 هجرية.
فتح مكة. الثلاثاء 17 رمضان 8 هجرية.
بعث خالد بن الوليد لهدم صنم قريش العزى التي كانت بنخلة. فى 24 رمضان سنة 8 هجرية.
بعث عمرو بن العاص لهدم الصنم سواع وهو صنم لهذيل برهاط. رمضان 8 هجرية.
بعث سعد بن زيد الأشهلى الى الصنم مناه وكانت بالمشلل عند قديد. رمضان 8 هجرية.
سرية خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة داعيا أهلها للإسلام. شعبان 8 هجرية.
مغادرة النبي صلى الله علية وسلم مكة إلى حنين لقتال قبائل المشركين. السبت 6 شوال 8 هجرية.
غزوة حنين. الثلاثاء 10 شوال 8 هجرية.
غزوة الطائف (لمحاربة فلول هوازن و ثقيف بعد غزوة حنين). شوال 8 هجرية.
رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد فتح مكة. فى 24 ذي القعدة سنة 8 هجرية.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم العمال والدعاة إلى القبائل (المصدقون) وعددهم 16 مصدق للدعوة للإسلام. المحرم 9 هجرية.
سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بنى تميم بسبب منعهم أداء الجزية. المحرم 9 هجرية.
سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تباله. صفر 9 هجرية.
سرية الضحاك بن سيف الكلابى إلى بنى كلاب. ربيع الأول 9 هجرية.
سرية علقمة بن مجزر المدلجي إلى سواحل جدة. ربيع الآخر 9 هجرية.
سرية على بن أبي طالب إلى صنم لطئ اسمه القلس ليهدمه. ربيع الأول 9 هجرية.
غزوة تبوك ضد الرومان. رجب 9 هجرية.
توفى ملك الحبشة النجاشي أصحمة وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب عليه. خلال سنة 9 هجرية.
توفيت أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم .
مات رأس المنافقين عبد الله بن أبى بن سلول بعد رجوع الرسول من تبوك.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبوبكر الصديق رضي الله عنة أميرا على الحج
وبعث من ينادى فى الناس ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
الناس يدخلون فى دين الله أفواجا. خلال سنة 9 هجرية و 10 هجرية وأوائل سنة 11 هجرية.
بعد فتح مكة أقبلت الوفود تقصد المدينة المنورة للقاء النبي  للدخول فى دين الله وعدد هذه الوفود يزيد عن 70 وفدا.
حجة الوداع للنبي صلى الله عليه وسلم . ذو الحجة 10 هجرية .
خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى أحد وصلاته على الشهداء كالمودع لهم. أوائل صفر 11 هجرية.
تجهيز النبي  لجيش كبير بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة لحرب الروم وهو آخر جيش يجهزه النبي قبل وفاته. صفر 11 هجرية.
بداية مرض النبي صلى الله عليه وسلم بصداع وحمى شديدة. الاثنين 29 صفر 11 هجرية.
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ببيت عائشة رضي الله عنها. الاثنين 12 ربيع الأول 11 هجرية ودفن ليلة الأربعاء.
زوجات النبي صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهن :-
خديجة بنت خويلد . تزوج بها قبل بعثته صلى الله عليه وسلم بـ 15 سنة.
سودة بنت زمعة. شوال سنة 10 من النبوة.
عائشة بنت أبي بكر . شوال سنة 11 من النبوة .
حفصة بنت عمر بن الخطاب . سنة 3 من الهجرة .
زينب بنت خزيمة(من بنى هلال بن عامر بن صعصعة) ماتت بعد الزواج بـ2 أو3 شهر. سنة 4 من الهجرة.
أم سلمة هند بنت أبي أمية. شوال سنة 4 من الهجرة.
زينب بنت جحش بن رباب (من بنى أسد بن خزيمة) وهى بنت عمة النبي ذو القعدة سنة 5 من الهجرة.
جويرية بنت الحارث سيد بنى المصطلق (من خزاعة). شعبان سنة 6 من الهجرة .
أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان . المحرم سنة 7 من الهجرة.
صفية بنت حيى بن أخطب (من بنى إسرائيل) . بعد فتح خيبر سنة 7 من الهجرة.
ميمونة بنت الحارث (أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث). ذو القعدة سنة 7 من الهجرة.
سرارى النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن :-
مارية القبطية (أهداها المقوقس للنبي صلى الله عليه وسلم) ولدت إبراهيم. مات إبراهيم فى28 أو29 من شهر شوال سنة 10 هـ
الموافق 27 يناير 632ميلادية.
ريحانة بنت زيد النضرية أو القرظية . وقيل هي من أزواجه  واعتقها فتزوجها .
هذه التواريخ فى سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تم جمعها وترتيبها من كتاب الرحيق المختوم لفضيلة الشيخ /صفى الدين المباركفورىرحمه الله.
ونأمل أن تفيد من وصلت إليه وأن ينقلها عبر البريد الالكتروني الى أصدقائه و معارفه لعلها تكون لنا ولكم ذخرا فى الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته
أخوكم/احمد على(أبو إسلام)


أبوبكر الصديق افضل الصحابة واحقهم بالخلافة




أفضَلُ الصَّحَابة، وَأحقّهم بالخِلافة


بَحثُ لخَّصَهُ ورَتَّبَهُ
محمد بن عَبد الرحمن بن محمد بن قاسِم
رَحِمَه الله تَعَالى

من
منهاج السُّنّة النبويّة لشيخ الإسلام ابن تيمية
قدّس اللهُ رُوحَه



بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله الملك الوهاب، هو أعلم حيث يجعل رسالته ويختار لكل نبي حواريين وأصحاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يشوبها شرك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسله المصطفى، وخليله المجتبى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى، ومصابيح الدجى.
أما بعد فهذا ملخص مرتب موثق بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة في بيان أفضلية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله  دفعني إليه ما يلي:
1- امتثال أمر رسول الله  حيث قال: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه؛ فإنه لم يسؤني قط»( ).
2- أن معرفة فضائله من أسباب محبته، وقد قال النبي : «المرء مع من أحب»( ).
3- أنه روي عن بعض السلف: أن حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة فروى الإمام أحمد عن مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة، ومسروق من أجل تابعي أهل الكوفة، وكذا قال شقيق بن عبد الله وهو من التابعين، وقال طاوس: مثل ذلك. وقد روى عن ابن مسعود رضي الله عنه، وروي بالسند عن الحسن البصري رحمه الله: قيل للحسن: حب أبي بكر وعمر من السنة قال: لا ... فريضة.
4- أن السلف كانوا يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن ( ). وأنا أود أن يكون هذا الكتاب أو مثله في بيت كل مسلم: تكميلاً لمحبتنا وتحصينًا لذريتنا.
5- أنه يتأكد بيان علم الصحابة ودينهم وفضائلهم وتقديمهم الصديق والفاروق إذا جهل ذلك.
6- أنه إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وإبطال حجته بعلم وعدل.
7- أنه قد يتوصل بالطعن فيهم إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، ويسلط الكفار والمنافقين، ويورث الشبهة والضعف عند كثير من المؤمنين، كما قال مالك وغيره من أهل العلم: هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله  فلم يمكنهم ذلك، فطعنوا في أصحابه؛ ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين ( ).
8- أن أبا بكر هو أولهم وهو أفضلهم، فإذا ثبتت أفضليته واندفع الطعن فيها انسد باب الطعن في خليفته عمر، وفي جعل عمر الخلافة في الستة الذين توفي رسول الله  وهو عنهم راضٍ.
9- أن هذا البحث -فضائل الصديق وأحقيته بالخلافة- مفرق في ثنايا المنهاج لا يحصل عليه كاملاً إلا بمطالعة الكتاب كله وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى وقت، لأن ابن تيمية -رحمه الله- لم يؤلف الكتاب في فضائل أبي بكر؛ وإنما ألفه ردًا على الرافضي متمشيًا مع عباراته واعتراضاته.
10- أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد اعتمد في ذكر فضائل الصديق وخصائصه على الآيات الكريمات، وصحاح الأحاديث النبوية، والآثار السلفية، ووضح الاستدلال منها؛ ولم يعتمد على كتب التأريخ التي غالبها المراسيل، أو التي يخلط الغث منها بالسمين.
لهذا اخترت هذا الموضوع «أفضلية الصديق وأحقيته بالخلافة» ولخصته مـن كتابه «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة
والقدرية».
11- لم أتعرض لبعض الفرق التي أشار إليها الشيخ هنا؛ لأن قصدي الأول أن يكون عند المسلم إلمام كامل بأفضلية الصديق وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله .
12- مع أن هذا الملخص في فضائل أبي بكر وميزاته إلا أنه في مواضع يستعرض فضائل الصحابة عمومًا، وينبه على مراتب الخلفاء الثلاثة وغيرهم.
13- خرجت الأحاديث التي ذكرها الشيخ -رحمه الله- ولم أتتبع كل من خرجها خصوصًا إذا كانت في الصحيحين أو أحدهما.
14- وضعت لهذه الأبحاث عناوينات تقربها، وأرقامًا لبعض الأوجه والأحاديث، وعلقت على بعض ما قد يعتبر من الغريب أو يحتاج إلى زيادة إيضاح.
اعتذار
1- لم أستوف حياة الصديق وسيرته من حين أسلم إلى أن توفي، وإنما اعتنيت بالمهم منها: وهو فضائله، وأحقيته، ونفعه العام للإسلام والمسلمين.
2- جل ما في هذا الملخص من كتاب المنهاج، كما تقدم، لأن مؤلفه إمام جليل وعباراته سهلة رصينة واضحة، وقد أضفت إليه نقولاً قليلة جدًا، أشرت إليها وإلى مصدرها عند ذكرها.
3- إذا لم أجد البحث كاملاً إلا في موضعين أو أكثر جمعته، وقد اضطر إلى دمج بعض عبارته في بعض بدون إخلال، وأشير إلى ذلك بذكر المجلد والصحيفة أو المجلدات والصفحات، وقد اعتمدت طبعة مكتبة الرياض الحديثة في الجزئين الأول والثاني، والأميرية في الثالث والرابع (طبع 1322هـ).
4- قد يكون في النقل تقديم أو تأخير أو من آخر الكتاب قبل ما في أوله لأجل التلخيص والتقريب وترتيب المواضيع والعبارات.
يحسن قبل الشروع في ذكر فضائل الصديق أن أذكر لمحة موجزة -مما في المنهاج- في فضائل الصحابة عمومًا والخلفاء الثلاثة خصوصًا ومراتبهم حتى لا يظن بهم الظنون، أو يظن بنا التحيز أو التنقيص من فضائل بعضهم. والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تم جمعه وترتيبه وتعليقه في عام ثمانية وأربعمائة وألف هجرية بخط جامعه.. محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.



الصحابة والخلفاء الراشدون

وأما الخلفاء الراشدون والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم والمعارف والعبادات ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصارهم على الكفار وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلغوا الدين وجاهدوا في سبيل الله.
وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه الفضل إلى يوم القيامة، وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدنيا والدين من سائر الصحابة، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، رواه غير واحد منهم ابن بطة عن قتادة( ).
فقول عبد الله بن مسعود: كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ببر القلوب، وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف.
فالصحابة أكمل هذه الأمة عقلاً وعلمًا وفقهًا ودينًا، ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في قوله: «هم فوقنا في كل فقه وعلم ودين وهدى، وفي كل سبب ينال به علم وهدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» أو كلامًا هذا معناه.
ومن أراد أن يعرف فضائل الصحابة ومنازلهم عند النبي  فليتدبر الأحاديث الصحيحة التي صححها أهل العلم بالحديث الذين كلمت خبرتهم بحال النبي ، ومحبتهم له، وصدقهم في التبليغ عنه، وصار هواهم تبعًا لما جاء به. فليس لهم غرض إلا في معرفة ما قاله، وتمييز عما يخلط بذلك من كذب الكاذبين، وغلط الغالطين.
وأهل السنة عندهم، أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين عائشة وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء، وكذلك أهل بيعة الرضوان.
وقد أثنى الله عليهم هو ورسوله ورضي عنهم وأعد لهم الحسنى كقوله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ( ) الآية، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ( )، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي  أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»( )، وفي الصحيحين «أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد كلام، فقال: يا خالد لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»( ). قال ذلك لخالد بالنسبة إلى السابقين الأولين.
وثبت عنه في الصحيح من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»( ). وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل أولهم على من بعدهم من القرون( ).



فضل بعض الخلفاء
على بعض

الخلفاء الأربعة كل منهم له سعي مشكور، وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء؛ فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون. الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
والله سبحانه كما فضل بعض النبيين على بعض فضل بعض الخلفاء على بعض، فكل منهم له رتبته ودرجته. والصديق أكمل القوم وأسبقهم إلى الخيرات. وهذا أمر لا يشك فيه إلا من كان جاهلاً بحالهم مع رسول الله ، أو كان صاحب هوى صده اتباع هواه عن معرفة الحق فصار ينقص بعضهم عن رتبته أو عن درجته أو يفتري عليه في ذلك.
وأهل السنة لا ينازعون في كمال علي وأنه في الدرجة العليا من الكمال، وإنما النزاع في كونه أكمل من الثلاثة وأحق بالخلافة منهم ( ).


أبو بكر الصديق أفضل الصحابة

نسبه
هو عبد الله، بن عثمان، بن عامر، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب. يجتمع مع النبي  في مرة بن كعب، كنيته أبو بكر. وعثمان هو اسم أبي قحافة. وأم أبي بكر سلمى. وتكنى أم الخير، بنت صخر بن عامر، ابنة عم أبيه، أسلمت وهاجرت.
ولد أبو بكر بعد الفيل بسنتين وستة أشهر ( ).

عمله

كان أبو بكر تاجرًا: تارة يسافر في تجارته، وتارة لا يسافر. وقد سافر إلى الشام في تجارته في الإسلام. والتجارة كانت أشرف مكاسب قريش، وكان خيار أهل الأموال منهم أهل التجارة، وكانت العرب تعرفهم بالتجارة، ولما ولي أراد أن يتجر لعياله فمنعه المسلمون، وقالوا: هذا يشغلك عن مصالح المسلمين ( ) وفرضوا له درهمين كل يوم ( ).

منزلته قبل الإسلام
كان معظمًا في قريش، محببًا، مؤلفًا، خبيرًا بأنساب العرب وأيامهم( )، وكانوا يألفونه لمقاصد التجارة ولعلمه وإحسانه، وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد ( ) لقيه ابن الدغنة ( ) أمير من أمراء العرب سيد القارة ( ) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي».
قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، وقال لهم: «إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟» الحديث( ). ويأتي بتمامه.
فقد وصفه ابن الدغنة بحضرة أشراف قريش بمثل ما وصفت به خديجة النبي  لما نزل عليه الوحي.
ولم يعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين. ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله ( ).
وصفه بالصديق
ثبت له هذا الاسم بالدلائل الكثيرة، وبالتواتر الضروري عند الخاص والعام، ووصفه به النبي  في الحديث الذي في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صعد رسول الله  أحدًا( ) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم( ) فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»( ).
وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ»( ) أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخالف؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه»( )( ).
الصديق أبلغ من الصادق
الوصف بالصديق أكمل من الوصف بالصادق، فكل صديق صادق، وليس كل صادق صديقًا. وأبو بكر ليست فضيلته في مجرد كونه صادقًا ليس غيره أكثر تحريًا للصدق منه؛ بل في أنه علم ما أخبر به النبي  جملة وتفصيلاً، وصدق ذلك تصديقًا كاملاً في العلم والقصد والقول والعمل.
وهذا القدر لم يحصل لأبي ذر ( ) ولا غيره؛ لأنه لم يعلم ما أخبر به الرسول  كما علمه أبو بكر، ولا حصل له من التصديق المفصل ما حصل لأبي بكر، ولا حصل له من التصديق المفصل ما حصل لأبي بكر، فإن أبا بكر أعرف منه، وأعظم حبًا لله ورسوله منه، وأعظم نصرًا لله ولرسوله منه، وأعظم جهادًا بنفسه وماله منه، إلى غير ذلك من الصفات التي هي كمال الصديقية.
وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون( ) ومن كان أكمل في ذلك فهو أفضل ( ).
أبو بكر أسبق الصحابة إلى الخيرات
هو أول من أسلم
أول من آمن بالرسول باتفاق أهل الأرض أربعة: أول من آمن به من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة. وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «كنت جالسًا عند النبي  إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي : أما صاحبكم فقد غامر( ) فسلم، وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي  فسلم عليه فجعل وجه رسول الله  يتمعر( ) حتى أشفق أبو بكر ( ) فجثى على ركبتيه فقال يا رسول الله: والله إنا كنت أظلم مرتين ( ) فقال النبي : «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله( ) فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها»( ).
وفي رواية: «كانت بين أبي بكر وعمر محاورة ( ) فأغضبه أبو بكر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه. قال: وغضب النبي » وفيه «إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت»( ).
فهذا يبين فيه أنه لم يكذبه قط، وأنه صدقه حين كذبه الناس طرًا، وهذا ظاهر في أنه صدقه قبل أن يصدقه أحد من الناس الذين بلغهم الرسالة.
والناس متنازعون في أول من أسلم فقيل: أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق إسلامًا من علي، وقيل: إن عليًا أسلم قبله، لكن علي كان صغيرًا، وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء.
ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع؛ فيكون هو أكمل سبقًا بالاتفاق، وأسبق على الإطلاق على القول الآخر.
وقال الشيخ في موضع آخر: وأما خديجة وعلي وزيد فهؤلاء كانوا من عيال النبي  وفي بيته. وخديجة عرض عليها أمره لما فاجأه الوحي وصدقته ابتداء قبل أن يؤمر بالتبليغ، وذلك قبل أن يجب الإيمان به، فإنه إنما يجب إذا بلغ الرسالة.
وعلي يمكن أنه آمن به لما سمعه يخبر خديجة وإن كان علي لم يبلغه. وقوله في حديث عمرو بن عبسة: «قلت يا رسول الله: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به»( ) موافق لهذا. أي: اتبعه من المكلفين المدعوين ( ).
وأول من أوذي في الله
أول من أوذي في الله بعد الرسول  أبو بكر -آذاه الكفار على إيمانه حتى خرج من مكة مهاجرًا إلى أرض الحبشة- روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله  طرفي النهار بكرة وعشية( )» فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أما بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبنائنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدأ لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد تجاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل. الحديث ( ).
ولما هاجر رسول الله  وأبو بكر جعلوا في كل واحد منهما ديته لمن قتله أو أسره ( ).
وحثوا التراب على رأس أبي بكر، قال ابن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، قال: لقي أبا بكر سفيه من سفهاء قريش حين خرج من جوار ابن الدغنة وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابًا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل، فقال له أبو بكر: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول: أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك( ).
وأول من دافع عن رسول الله 
لما أراد المشركون أن يضربوا رسول الله  أو يقتلوه بمكة دافع عنه الصديق فضربوه، عن عروة بن الزبير قال سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي  وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ( ) وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك. قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا رجع معه ( )( ).
وأول من دعا إلى الله
أبو بكر أول من دعا إلى الله، وكان له قدر عند قريش لما فيه من المحاسن، فجعل يدعو الناس إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه أكابر أهل الشورى: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وهذا أفضل عمل. وكان يخرج مع النبي  يدعو معه الكفار إلى الإسلام في المواسم ويعاونه معاونة عظيمة في الدعوة، بخلاف غيره. كان يجاهد الكفار مع الرسول  قبل الأمر بالقتال بالحجة والبيان والدعوة، كما قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا وهذه السورة -سورة الفرقان- مكية نزلت قبل أن يهاجر النبي  وقبل أن يؤمر بالقتال. فكان أبو بكر أسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال، فإنه جاهد قبل الأمر بالقتال وبعد الأمر بالقتال، منتصبًا للدعوة إلى الإيمان بمكة والمدينة يدعو المشركين ويناظرهم، ولهذا قال النبي  في الحديث الصحيح: «إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر»( ) فالصحبة بالنفس، وذات اليد هو المال. فأخبر النبي  أنه أمن الناس عليه في النفس، والمال ( ).

وأول من بذل ماله لنصرة الإسلام
روى الإمام أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي  قال: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر. فبكى أبو بكر، وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله»( ) وهذا صريح في اختصاصه بهذه الفضيلة لم يشركه فيها علي ولا غيره.
«وكان يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه»( ).
وإنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي  في طعامه وكسوته فإن الله أغنى نبيه عن مال الخلق أجمعين؛ بل كان معونة له على إقامة الإيمان. وكان إنفاقه في أول الإسلام لتخليص من آمن والكفار يؤذونه أو يريدون قتله مثل اشترائه سبعة كانوا يعذبون في الله، منهم بلال، حتى قال عمر رضي الله عنه: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالاً( )، وإنفاقه على المحتاجين من أهل الإيمان في نصر الإسلام حيث كان أهل الأرض قاطبة أعداء الإسلام، وتلك النفقة ما بقي يمكن مثلها، ولهذا قال النبي  في الحديث المتفق على صحته -لما كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد كلام-: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد
أحدهم ولا نصيفه»( ). فإن إطعام الجائع من جنس الصدقة المطلقة التي يمكن كل واحد فعلها إلى يوم القيامة. وقال يعقوب بن سليمان في تأريخه: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم، فأنفقها في سبيل الله؛ أعتق بلالاً، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس ( ). وقال أبو قحافة له: يا بني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو اعتقت قومًا يمنعونك. فقال: إني أريد ما أريد ( ).
ولما هاجر استصحب ماله فجاء أبو قحافة، وقال لأهله: ذهب أبو بكر بنفسه فهل ترك ماله عندكم أو أخذه؟ قالت أسماء: فقلت: بل تركه، ووضعت في الكوة شيئًا وقلت هذا هو المال لتطيب نفسه أنه ترك ذلك لعياله، ولم يطلب أبو قحافة منه شيئًا. وهذا يدل على غناه. وأصحاب الصفة كانوا فقراء فحث النبي  على طعمتهم فذهب بثلاثة، وانطلق نبي الله بعشرة ( ) وكان الصديق ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابة بعيدة، وكان ممن يتكلم في الإفك، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله: وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ) فقال أبو بكر: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فأعاد عليه النفقة. والحديث بذلك ثابت في الصحيحين ( )( ).
الفضل بالسبق إلى الإنفاق والقتال وهو أسبقهم إليهما
وكل آية نزلت في مدح المنفقين في سبيل الله فهو أول المرادين بها من الأمة، مثل قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا( ) فالذين سبقوا إلى الإنفاق والقتال قبل الحديبية أفضل ممن بعدهم. وأبو بكر أفضل من هؤلاء كلهم، فإنه من حين آمن بالرسول  ينفق ماله ويجاهد بحسب الإمكان.
وليس كل من سبق إلى الإسلام كان أفضل من غيره، ولهذا كان عمر ممن أسلم بعد تسعة وثلاثين وهو أفضل من أكثرهم بالنصوص الصحيحة. وكذلك قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ( ) ( ).
سبقه عمر في الإنفاق
وفي الترمذي وسنن أبي داود عن عمر رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله  أن نتصدق فوافق ذلك مني مالاً، فقال النبي : ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت لا أسابقه إلى شيء أبدًا» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح( )( ).
أبو بكر صاحب النبي  المطلق
الصحبة، وفضلها، ومقاصدها وتبريزه فيها
الصحبة: اسم جنس تعم قليل الصحبة وكثيرها فيقال: صحبه ساعة، ويومًا، وجمعة، وشهرًا، وسنة، وصحبه عمره كله.
فضل صحبة النبي :
ثبت في الصحيح عن النبي  أنه قال: «يأتي زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب النبي ؟»، وفي لفظ: «هل فيكم من رأى رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من صحب من صحب رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم تغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله» وفي لفظ: «من صحب من صحب من صحب رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم»، وفي لفظ: «فيذكر الطبقة الرابعة كذلك( ). فقد علق النبي  الحكم بصحبته وعلق برؤيته وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به. وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه ».
تبريز أبي بكر فيها:
والصديق في ذروة سنام الصحبة وأعلا مراتبها؛ فإنه صحبه من حين بعثه الله إلى أن مات؛ فإنه لو أحصى الزمان الذي كان يجتمع فيه أبو بكر بالنبي  لوجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص به واحد منهم. وأما المشترك فلا يختص به واحد.
وأما كمال معرفته ومحبته للنبي  وتصديقه له فهو مبرز في ذلك على سائرهم تبريزًا باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له معرفة بأحوال القوم. وأما من لا معرفة له فلا تقبل شهادته. وأما نفعه للنبي  ومعاونته له على الدين فكذلك.
فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها ويستحق الصحابة أن يفضلوا بها على غيرهم لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيها أحد، ويدل على ذلك حديث أبي الدرداء «وواساني بنفسه وماله»( ).
صاحبه في سفر الهجرة
دلالة آية إِلا تَنْصُرُوهُ على أفضلية من سبعة أوجه
لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، قال الله تعالى: إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا الآية ( ).
ففي الآية الكريمة من فضائل الصديق:
1- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول  ثَانِيَ اثْنَيْنِ فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع، فإن الكفار أخرجوا المهاجرين كلهم كما قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا( )، وقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ( ) وذلك أنهم منعوهم أن يقيموا بمكة مع الإيمان، وهم لا يمكنهم ترك الإيمان، فقد أخرجوهم إذ كانوا مؤمنين ( ).
2- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو بكر، وكان ثاني اثنين الله ثالثهما. قوله: ثَانِيَ اثْنَيْنِ يدل على قلة العدد، فإن الواحد أقل ما يوجد، فإذا لم يصحبه إلا واحد دل على أنه في غاية القلة.
وأيضًا ففي المواضع التي لا يكون مع النبي  من أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد: مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبو بكر. وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ( ).
3- صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: «نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»( ). وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه ( ).
4- أنه صاحبه المطلق:
قوله: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا يختص بمصاحبته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي كمل في الصحبة كمالاً لم يشركه فيه غيره - فصار مختصًا بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي  وأصحابه، كما في الحديث الذي رواه البخاري، عن أبي الدرداء، عن النبي  وفيه: «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟» فقد تبين أن النبي  خصه دون غيره مع أنه جعل غيره من أصحابه أيضًا؛ لكنه خصه بكمال الصحبة، ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره ( ).
5- أنه المشفق عليه:
قوله: لا تَحْزَنْ يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محبًا له ناصرًا له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه. وكان حزنه على النبي لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي  عن ذلك، فقال: «أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك» رواه أحمد في كتاب مناقب الصحابة، فقال: حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: «لما هاجر النبي  خرج معه أبو بكر فأخذ طريق ثور، قال: فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي  ما لك؟ قال: يا رسول الله أخاف أن تؤتى من خلفك فأتأخر، وأخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله كما أنت حتى أيمه» قال نافع حدثني رجل عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر رأى جحرًا في الغار فألقمها قدمه، وقال يا رسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي» فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله  وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك ( ).
6- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: إِنَّ اللهَ مَعَنَا صريح في مشاركة الصديق للنبي في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم فيكون النبي  قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة، كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا آمنوا في الحياة الدنيا( ). وهذا غاية المدح لأبي بكر، إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالإيمان المقتضى نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر( ) وقال من أنكر صحبته فهو كافر؛ لأنه كذب القرآن. وقالت طائفة كأبي القاسم السهيلي وغيره: هذه المعية الخاصة لم تثبت لغير أبي بكر، وكذلك قوله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» بل ظهر اختصاصهما في اللفظ كما ظهر في المعنى؛ فكان يقال للنبي: محمد رسول الله، فلما تولى أبو بكر بعده صاروا يقولون: خليفة رسول الله. فيضيفون الخليفة إلى رسول الله المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف إلى الله مضاف إلى الله، وتحقيقًا لقوله: إِنَّ اللهَ مَعَنَا «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فلما تولى عمر بعده صاروا يقولون: أمير المؤمنين، فانقطع الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر على سائر الصحابة ( ).
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال الله تعالى: فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا( ) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها، وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم إنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه المذكور فيها أعظم مما لسائر الناس، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه( ).
قصة سفره مع النبي  في الهجرة
روى البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرًا ( ) فقال له النبي : على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على النبي  ولصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله  مقبلاً متقنعًا ( ) في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فدًا له أبي وأمي، والله إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر، فجاء النبي فاستأذن فأذن له فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك. قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: نعم. قال: فإني قد أذن لي في الخروج. قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: نعم. قال فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال النبي  بالثمن» الحديث( ).
قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله  الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ( ). وفي رواية للبخاري: «فركبا فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور فتواريا فيه» الحديث ( ). وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رحلاً ( ) بثلاثة عشر درهمًا. فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل إلي رحلي. فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله  حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم. قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا -أو سرينا- ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانًا ينام فيه النبي  في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك ( )، وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال لرجل من قريش سماه فعرفته، فقلت له: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن. قال ومعي إداوة أرتوي فيها لرسول الله  يشرب منها ويتوضأ ( ). قال: فأتيت النبي  وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافيته قد استيقظ، فصببت على اللبن الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى. فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جلد من الأرض، فقلت يا رسول الله: أتينا. فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا عليه رسول الله  فارتطمت فرسه إلى بطنها. فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما علي، فادعوا الله لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجا، فرجع لا يلقى أحدًا إلا قال: قد كفيتم من هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده. قال: ووفا لنا. إلى أن قال: قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدجلي وهو ابن أخي سراقة قال: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله  وأبي بكر دية كل منهما لمن قتله أول أسره ( ).
ففي الليلة التي خرج فيها عرفوا في صبيحتها أنه خرج وانتشر ذلك وأرسلوا إلى أهل الطرق يبذلون الدية فيه وفي أبي بكر. وكون المشركين بذلوا الدية لمن يأتي بأبي بكر دليل على أنهم يعلمون موالاته لرسول الله  وأنه كان عدوهم ( ).

أبو بكر أتقى الأمة
الصديق أتقى الأمة بالكتاب والسنة، قال تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى( ) وذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في قصة أبي بكر فذكر ابن جرير في تفسيره بإسناده عن عبد الله بن الزبير وغيره: أنها نزلت في أبي بكر. وكذلك ذكر ابن أبي حاتم والثعلبي أنها نزلت في أبي بكر عن عبد الله وعن سعيد بن المسيب. وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أعتق أبو بكر سبعة كلهم يعذب في الله: بلالاً، وعامر بن فهيرة، والنهدية، وابنتها، وزنيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال سفيان: فأما زنيرة فكانت رومية وكانت بني عبد الدار، فلما أسلمت عميت، فقالوا أعمتها اللات والعزى، قالت: فهي كافرة باللات والعزى. فرد الله إليها بصرها، وأما بلال فاشتراه وهو مدفون في الحجارة، فقالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه فقال أبو بكر: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته. قال: وفيه نزلت وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى إلى آخر السورة ( ).
وإذا قدر أن هذه الآية دخل فيها من دخل من الصحابة فأبو بكر أحق الأمة بالدخول فيها، فيكون هو الأتقى من هذه الأمة، فيكون هو أفضلهم، وذلك أن الله وصف الأتقى بصفات أبو بكر أكمل فيها من جميع الأمة، وهو قوله: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وقوله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى. أما إيتاء المال فقد ثبت في الصحاح عن النبي : أن إنفاق أبي بكر أفضل من إنفاق غيره، وأن معاونته له بنفسه وماله أكمل من معاونة غيره ففي الصحيح عن النبي أنه قال: «ما نفعني مال قط كمال أبي بكر»( ). فقد نفى عن جميع مال الأمة أن ينفعه كنفع مال أبي بكر فكيف تكون تلك الأموال المفضولة دخلت في الآية والمال الذي هو أنفع الأموال له لم يدخل فيها؟! ولم يكن يأكل من أحد صدقة ولا صلة ولا نذرًا؛ بل كان يتجر ويأكل من كسبه، ولما ولي الناس واشتغل عن التجارة بعمل المسلمين أكل من مال الله ورسوله الذي جعله الله له؛ لم يأكل من مال مخلوق. ولم يكن النبي  يعطيه شيئًا من الدنيا يخصه به؛ بل كان في المغازي كواحد من المسلمين؛ بل يأخذ من ماله ما ينفقه على المسلمين. وقد استعمله النبي  وما عرف له أنه أعطاه عمالة. ولم يطلب من النبي  مالاً قط ولا حاجة دنيوية، وإنما كان يطلب منه العلم. وفي صلح الحديبية لما قال لعروة بن مسعود: امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه؟! قال لأبي بكر: لولا يد لك عندي لما أجزك بها لأجبتك. وفي المسند لأحمد: «أنا أبا بكر رضي الله عنه كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا»( ). فكان أبعد الناس عن النعمة التي تجزي، وأولاهم بالنعمة التي لا تجزى فهو أحق الناس بالدخول في هذه الآية.
وأما إخلاصه في ابتغاء وجه ربه الأعلى فهو أكمل الأمة في ذلك؛ لأنه لم يكن بينه وبين النبي  سبب يواليه لأجله ويخرج ماله إلا الإيمان. ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل القرابة، وكان عمله كاملاً في إخلاصه لله تعالى ( ).
وأرجح الأمة إيمانًا
اليقين والإيمان الذي في قلبه لا يساويه فيه أحد، قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه. ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح؛ كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي  قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فقال رجل أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر، وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان - فاستاء لها رسول الله  فقال: «خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء»( )( ).
شهادة الرسول له ولعمر بكمال الإيمان
في الصحيحين عن النبي  أنه قال: «بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكن إنما خلقت للحرث. فقال الناس: سبحان الله تعجبًا، وفزعًا بقرة تتكلم؟ فقال رسول الله : بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري. فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله : فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم»( )( )( ).
هو أعلم الصحابة والأمة وأذكاهم
كان رضي الله عنه يقضي ويفتي بحضرة النبي  ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره ففي الصحيح أن أبا بكر قال يوم حنين: «لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسد من أسود الله ورسوله يقاتل عن الله عز وجل وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال النبي : صدق فأعطه إياه فأعطاه» الحديث ( ). وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان أبو بكر أعلمنا بالنبي ( ).
وقد ذكر غير واحد مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني ( ) وغيره إجماع أهل العلم على أن الصديق أعلم الأمة. وهذا بين؛ فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان عامة الحجج التي تزيل النزاع يأتي بها الصديق ابتداء، وقليل من ذلك يقوله عمر أو غيره فيقره أبو بكر( )، وكان إذا أمرهم أطاعوه. كما بين لهم موت النبي ( ) وتثبيتهم على الإيمان( ) ثم بين لهم موضع دفنه( ) وبين لهم ميراثه( ) وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر( ) وبين لهم أن الخلافة في قريش( ) وتجهيز جيش أسامة( ) وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة( ). واستعمله النبي  على أول حجة حجت من مدينة النبي  وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، ونادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وأردفه بعلي فقال: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. فأمَّر أبا بكر على علي فكان ممن أمره النبي  أن يسمع ويطيع لأبي بكر رضي الله عنهما. وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه. ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة. وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله  أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها ( )، وعليه اعتمد الفقهاء، وغيره في كتابه ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة. ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم. وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة من الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة كما بسط في موضعه ( ). وتنازعت الصحابة بعده في مسائل مثل الجد والإخوة، ومثل العمريتين، ومثل العول وغير ذلك من مسائل الفرائض. وتنازعوا في مسألة الحرام، والطلاق الثلاث بكلمة واحدة، والخلية، والبرية، وألبتة، وغير ذلك من مسائل الطلاق. وكذلك تنازعوا في مسائل صارت مسائل نزاع بين الأمة إلى اليوم. ثم الأقوال التي خولف فيها الصديق بعد موته قوله فيها أرجح من قول من خالفه بعد موته، وطرد ذلك الجد والإخوة... وجواز فسخ الحج إلى العمرة بالتمتع، وثبت عن ابن عباس أنه كان يفتي بكتاب الله، فإن لم يجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر، وعمر مقدمًا لهما على قول غيرهما. وثبت عن النبي  أنه قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»( )(4). )
سبب قلة النقل عنه وعن أكابر الصحابة
الخلفاء الأربعة لهم في تبليغ كليات الدين ونشر أصوله وأخذ الناس ذلك عنهم ما ليس لغيرهم كجمع أبي بكر وعمر القرآن في الصحف، ثم جمع عثمان له في المصاحف التي أرسلها إلى أهل الأمصار. فكان الاهتمام بجمع القرآن وتبليغه أهم مما سواه. وكذلك تبليغ شرائع الإسلام إلى أهل الأمصار. ومقاتلتهم على ذلك، واستنابتهم في ذلك الأمراء والعلماء، وتصديقهم لهم فيما بلغوه عن الرسول، فبلغ من أقاموه من أهل العلم حتى صار الدين منقولاً نقلاً متواترًا ظاهرًا معلومًا قامت به الحجة ووضحت به المحجة، وتبين به أن هؤلاء خلفاؤه المهديون الراشدون الذين خلفوه في أمته علمًا وعملاً. كما أن الذين تأخرت حياتهم من الصحابة واحتاج الناس إلى علمهم نقلوا عن النبي  أحاديث كثيرة لم ينقلها الخلفاء الأربعة ولا أكابر الصحابة، لأن أولئك كانوا مستغنين عن نقلها؛ لأن الذين عندهم قد علموها كما علموها. ولهذا يروى لابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأنس، وجابر، وأبي سعيد ونحوهم من الصحابة من الحديث ما لا يروى لعلي، ولا لعمر، وعمر وعلي أعمل من هؤلاء كلهم.
ثم قد يكون عند المفضول علم قضية معينة لم يعلمها الأفضل فيستفيدها منه ولا يوجب ذلك أن يكون هذا أعلم مطلقًا. ولهذا كان الخلفاء يستفيدون من بعض الصحابة علمًا لم يكن عندهم، كما استفاد أبو بكر علم ميراث الجد من محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، واستفاد عمر دية الجنين والاستئذان وتوريث المرأة من دية زوجها وغير ذلك من غيره، واستفاد عثمان حديث مقام المتوفى عنها في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله من غيره، واستفاد علي حديث صلاة التوبة من غيره( ).
وهو من كتاب الوحي
كان رضي الله عنه من كتاب الوحي، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعاوية، وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم أجمعين ( ).
أزهد الصحابة
أهل العلم يقولون: أزهد الناس بعد رسول الله  الزهد الشرعي أبو بكر، وعمر؛ وذلك أن أبا بكر كان له مال يكسبه فأنفقه كله في سبيل الله. وتولى الخلافة فذهب إلى السوق يبيع ويكتسب، فلقيه عمر وعلى يديه أبراد، فقال له: أين تذهب؟ قال: أظننت أني تركت المعيشة لعيالي. فأخبر بذلك أبا عبيدة والمهاجرين ففرضوا له شيئًا، فاستحلف عمر وأبا عبيدة فحلفا له أنه يباح له أخذ درهمين كل يوم. ثم ترك ماله في بيت المال. ثم لما حضرته الوفاة أمر عائشة أن ترد إلى بيت المال ما كان قد دخل في ماله من مال المسلمين، فوجدت جرد قطيفة لا يساوي خمسة دراهم، وحبشية ترضع ابنه، وعبدًا حبشيًا، وناضحًا، فأرسلت بذلك إلى عمر فقال: عبد الرحمن بن عوف له : أتسب هذا عيال أبي بكر؟ فقال: كلا ورب الكعبة لا يتأثم منه أبو بكر في حياته وأتحمله أنا بعد موته. وقال: يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك( )( ).
أشجع الناس بعد الرسول 
الشجاعة تفسر بشيئين. أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف. والثاني: شدة القتال بالبدن بأن يقتل كثيرًا ويقتل قتلاً عظيمًا.
والقتال يحتاج إلى التدبير والرأي، ويحتاج إلى شجاعة القلب وإلى القتال باليد. وهو إلى الرأي والشجاعة في القلب في الرأس المطاع أحوج منه إلى قوة البدن.. والشجاعة إنما فضلها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله. وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد سبيل الله كانت إما وبالاً عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله.
وأبو بكر رضي الله عنه كان أشجع الناس، لم يكن بعد رسول الله  أشجع منه، هو أشجع من عمر، وعمر أشجع من عثمان، وعلي وطلحة والزبير. وهذا يعرفه من يعرف سيرهم وأخبارهم؛ فإن أبا بكر باشر الأهوال التي كان يباشرها رسول الله  من أول الإسلام إلى آخره، ولم يجبن ولم يحرج، ولم يفشل. وكان يقدم في المخاوف يقي النبي  بنفسه، ويجاهد المشركين تارة بيده، وتارة بلسانه، وتارة بماله، وهو في ذلك كله مقدم.
وكان يوم بدر مع النبي  في العريش ( ). مع علمه بأن العدو يقصدون مكان رسول الله ، وهو ثابت القلب، رابط الجأش، يظاهر النبي  ويعاونه ويذب عنه، ويخبره بأنا واثقون بنصر الله. والنظر إلى جهة العدو، وهل قاتلوا المسلمين أو لا؟ والنظر إلى صفوف المسلمين لئلا تختل، وتبليغ المسلمين ما يأمر به النبي  في هذه الحال ( ). وفي الصحيح: «أن رسول الله  لما كان يوم بدر في العريش معه الصديق أخذت رسول الله  نعسة من النوم، ثم استيقظ مبتسمًا، فقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع»، وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله  : أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، وهذا جبريل آخذ بعناه فرسه يقوده على ثناياه النقع» يعني الغبار( ).
ثم إن النبي  هو وأبو بكر خرجا بعد ذلك من العريش، ورماهم النبي  الرمية التي قال فيها: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى( ). والصديق قاتلهم حتى قال له ابنه عبد الرحمن: قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك، فقال: ولكني لو رأيتك لقتلتك.
والمسلمون كانت لهم هزيمتان يوم أحد ويوم حنين، والمذكور في السير والمغازي أن أبا بكر، وعمر ثبتا مع النبي  يوم أحد ويوم حنين لهم ينهزما مع من انهزم ( ).
ولما مات النبي  ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم حتى أوهنت العقول فهذا ينكر موته، وهذا قد أقعد، وهذا قد دهش فلا يعرف من يمر عليه ومن يسلم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، وقد وقعوا في نسخة القيامة، وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلت كماته، فقام الصديق رضي الله عنه بقلب ثابت وفؤاد شجاع فلم يجزع ولم ينكل، وقد جمع الله له بين الصبر واليقين؛ فأخبرهم بموت النبي  وأن الله قد اختار له ما عنده، وقال لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ( ) ثم خطبهم فثبتهم وشجعهم، قال أنس: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه وكنا كالثعالب، فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود. وأخذ في تجهيز جيش أسامة مع إشارتهم عليه ( ). وأخذ في قتال المرتدين مع إشارتهم عليه بالتمهل والتربص، وأخذ يقاتل حتى مانعي الزكاة(2) حتى كان عمر مع قوته وشجاعته يقول له: يا خليفة رسول الله تألف الناس. فيقول: علام أتألفهم، أعلى دين مفترى، أم علي شعر مفتعل؟
قلت: ومن شجاعته مدافعته عن الرسول  لما خنقة عقبة بن أبي معيط كما تقدم. وسبقت الإشارة إلى موقفه حين خرج مع رسول الله  مهاجرين ونام الرسول تحت الصخرة ونهض أبو بكر يحرسه. اهـ
وقد روى أنه لما قيل له: لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاظها وبالبحار لغاظها وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار؛ فإن النبي  لما رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر؛ فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام ( ).
فكان له رضي الله عنه مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية، وقوة يقينية في الله عز وجل، وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين. وهذه الشجاعة لا تحصل إلا لمن كان قوي القلب، لكن هذه تزيد بزيادة الإيمان واليقين، وتنقص بنقص ذلك فمن تيقن أنه يغلب عدوه كان إقدامه عليه، بخلاف من لم يكن كذلك، وهذا من أعظم شجاعة المسلمين وإقدامهم على عدوهم.
ثم قد علم كل من علم السيرة أن أبا بكر أقوى قلبًا من جميع الصحابة لا يقاربه في ذلك أحد منهم؛ فإنه من حين بعث الله نبيه إلى أن مات أبو بكر لم يزل مجاهدًا مقدامًا شجاعًا لم يعرف قط أنه جبن عن قتال عدوه، بل لما مات رسول الله  ضعفت قلوب أكثر الصحابة وكان هو الذي ثبتهم (كما تقدم) ولما دخل النبي  مكة يوم الفتح كان أبو بكر رأس المهاجرين عن يمينه، وأسيد بن حضير رأس الأنصار عن يساره( ).
أحب الخلق إلى رسول الله 
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: «أن النبي  بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. فقلت ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب فعد رجالاً»( ).
وفي أحاديث المخالة التي هي متواترة كما في الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خطب النبي  فقال: «إن الله سبحانه خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر. فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله  هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال: يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي
لاتخذت أبا بكر خليلاً( )، ولكن أخوة الإسلام ومودته، ولا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر»( ) وروى البخاري من حديث ابن عباس، قال: «خرج النبي  في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» وفي رواية: «ولكن أخي وصاحبي»( ).
قلت: وذكر الشيخ رحمه الله بقية الأحاديث والروايات في المخالة ثم قال: فهذه النصوص كلها مما تبين اختصاص أبي بكر من فضائل الصحبة، ومناقبها والقيام بحقوقها بما لم يشركه فيه أحد، حتى استوجب أن يكون خليله دون الخلق لو كانت المخالة ممكنة، والخلة هي كمال الحب وهذا لا يصلح إلا لله.
وهذه النصوص صريحة بأنه أحب الخلق إليه وأفضلهم عنده ( ).
انتصار النبي له
الثابت من الأحاديث الصحيحة يدل على أن النبي  كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته، روى البخاري عن أبي الدرداء رضي لله عنه قال: كنت جالسًا عند النبي  فذكر الحديث ( ) وفيه «إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فما أوذي بعدها» ( ).
لم يسؤ النبي قط
لا يعرف أن الله عاتب أبا بكر في القرآن؛ بل ولا أنه ساء رسول الله  ؛ بل روى عنه عليه السلام أنه قال في خطبته: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه؛ فإنه لم يسؤني قط»( )( ).
وابنته أحب النساء إليه
تزوج النبي  ابنته، وكانت أحب أزواجه إليه، وهذا أمر لم يشركه فيه أحد من الصحابة إلا عمر، ولكن لم تكن حفصة ابنته بمنزلة عائشة؛ بل حفصة طلقها ثم راجعها. وعائشة كان يقسم لها ليلتين لما وهبتها سودة بإذنه ( )، فمصاهرة أبي بكر للنبي  كانت على وجه لا يشاركه فيها أحد. وقد صح عن الصادق المصدوق أنه قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»( ). وفي الصحيح عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي النساء أحب إليك؟ «قال: عائشة»( ) وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة؛ فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت من العلم والسنن ما لم يبلغه غيرها( ).
وأهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها، وأن نساءه أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين، وقد ثبت في الصحيح: «أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة( ) لما يعلمون من محبته إياها، حتى إن نساءه غرن من ذلك وأرسلن إليه فاطمة رضي الله عنها تقول له: نساؤك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. فقال لفاطمة: أي بنية! أما تحبين ما أحب قالت: بلى. قال: فأحبي هذه» الحديث في الصحيحين( )، وفي الصحيحين أيضًا أن النبي  قال: «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى»( )، وكان في مرضه الذين مات فيه يقول: «أين أنا اليوم» استبطاء ليوم عائشة( )، ثم استأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها فمرض فيه، وفي بيتها توفي بين سحرها ونحرها وفي حجرها وجمع بين ريقها وريقه( )، وكانت رضي الله عنها مباركة على أمته حتى قال أسيد بن حضير لما أنزل الله آية التيمم بسببها: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما نزل بك قط أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين بركة»( )، وقد كانت نزلت آية براءة قبل ذلك لما رماها أهل الإفك فبرأها الله من فوق سبع سموات، وجعلها من الصينات( ).
إيمان قرابته كلهم من خصائصه
أبوه آمن بالنبي  باتفاق الناس، وكذلك أمه آمنت بالنبي  وأولاده، وأولاد أولاده أبو قحافة كان بمكة شيخًا كبيرًا أسلم عام الفتح أتى به أبو بكر إلى النبي  ورأسه ولحيته كالثغامة. فقال النبي : «لو أقررت الشيخ مكانه لأتيناه» إكرامًا لأبي بكر ( ).
وليس في الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده وأدركوا النبي  وأدركه أيضًا بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء فمحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة هؤلاء الأربعة كانوا في زمن النبي  مؤمنين، وعبد الله بن الزبير بن أسماء بنت أبي بكر كلهم أيضًا آمنوا بالنبي  وصحبوه، وأم الخير آمنت بالنبي  فهم أهل بيت إيمان ليس فيهم منافق، ولا يعرف هذا لغير بيت أبي بكر، وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق بيوت. فبيوت أبي بكر من بيت الإيمان، وبنو النجار من بيوت الإيمان من الأنصار ( )( ).

رعايته لقرابة رسول الله 
كان رضي الله عنه من أعظم المسلمين رعاية لحق قرابة رسول الله  وأهل بيته، فإن كمال محبته للنبي  أوجب سراية الحب لأهل بيته، إذ كانت رعاية أهل بيته مما أمر الله ورسوله به، وفي الصحيح أنه خطب أصحابه بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال: «اذكركم الله في أهل بيتي»( ). وفي السنن أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» ( ). وكان الصديق رضي الله عنه يقول: ارقبوا محمدًا في أهل بيته»( ). رواه البخاري وقال: «والله لقرابة رسول الله  أحب إلي أن أصل من قرابتي»( ). وكذلك عمر رضي الله عنه فإنهما رضي الله عنهما مدة خلافتهما ما زالا مكرمين لعلي وسائر بني هاشم يقدمانهم على سائر الناس.
أما قوله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى( ). ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عنها، فقلت: أن لا تؤذوا محمدًا في قرابته. فقال ابن عباس: عجلت، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله  فيهم قرابة. فقال: لا أسألكم عليه أجرًا؛ لكن أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم ( )، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولاً أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه؛ لم يقل إلا المودة للقربى ولا الموالاة. ولا ريب أن محبة أهل البيت واجبة؛ لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية؛ بل بما تقدم من الحديثين( ).
فدك أزال الخلاف فيها بالنص
روى البخاري عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة رضي الله عنها والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من فدك وسهمه من خيبر. فقال أبو بكر: «سمعت رسول الله  يقول: لا نورث ما تركنا صدقة»( ). وكون النبي : لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص... ولهذا لم يصر أحد من أزواج النبي  على طلب الميراث، ولا أصرًا العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئًا وأخبر بقول النبي  رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي فلم يغير شيئًا من ذلك، ولا قسم له تركة، وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا ما تركت بعد مؤنة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة»( ). وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي  قال: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» أخرجه البخاري عن جماعة منهم أبو هريرة ( )، ورواه مسلم عنه وعن غيره( ) فإن الله صان الأنبياء عن أن يورثوا دنيًا؛ لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم. وأولئك القوم قد أعطاهم أبو بكر، وعمر من مال الله بقدر ما خلفه النبي  أضعافًا مضاعفة، ولو قدر أنها كانت ميراثًا -مع أن هذا باطل- فإنما أخذ منهم قرية ليست كبيرة ولا قرية عظيمة. والمال الذي خلفه الرسول لم ينتفع أبو بكر ولا عمر منه بشيء؛ بل سلمه عمر إلى علي والعباس رضي الله عنهم يليانه ويفعلان ما كان النبي  يفعله، وهذا مما يوجب انتفاء التهم عنهما؛ فإن أبا بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجبًا، أو فعلا محرمًا أصلاً ( ).
المقدم في الشورى وأبو بكر
كان أبو بكر يسمر عند النبي  بعد العشاء ويتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه ( ).
وأيضًا فكان النبي  إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده في الأمور العظيمة، فإذا خالفه غيره اتباع رأيه دون رأي من يخالفه.
فالأول: أنه استشار أصحابه في أسارى بدر، فتكلم أبو بكر أولاً، فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: «لما أسر الأسارى يوم بدر قال رسول الله  لأبي بكر، وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تقبل منهم الفدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله  ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، ويمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه. وأشار ابن رواحة بتحريقهم. فاختلف أصحابه فمنهم من يقول الرأي ما رأى أبو بكر، ومنهم من يقول: الرأي ما رأى عمر، ومنهم من يقول: الرأي ما رأى ابن رواحة. قال: فهوى رسول الله  ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وذكر تمام الحديث»( ).
وأما الثاني: ففي يوم الحديبية لما جاءه جاسوسه الخزاعي وأخبره أن قريشًا قد جمعوا له الأحابيش -وهم الجماعة المستعجمة من قبائل، والتحبش التجمع- وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت استشار أصحابه أهل المشورة مطلقًا هل يميل إلى ذراري الأحابيش، أو ينطلق إلى مكة؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال النبي : «فروحوا إذن» والحديث معلوم عند أهل العلم أهل التفسير والمغازي والسير والفقه، والحديث. رواه البخاري ( )، ورواه أحمد في مسنده ( ).
ثم إنه لما تكلم عروة بن مسعود الثقفي وهو من سادات ثقيف وحلفاء قريش مع النبي  وأخذ يقول عن أصحابه، «إنهم أشواب» أي أخلاط. وفي المسند «أوباش يفرون ويدعوك» قال له الصديق: امصص بظر اللات، أنحن نفر، وندعه؟!
ثم لما صالح النبي  قريشًا كان ظاهر الصلح فيه غضاضة وضيم على المسلمين، وفعله النبي  طاعة لله وثقة بوعده له وأن الله سينصره عليهم، واغتاض من ذلك جمهور الناس وعز عليهم حتى على مثل عمر، وعلي، وسهل بن حنيف... ففي الصحيحين عن أبي وائل قال: «قام سهل بن حنيف يوم صفين، فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، وفي لفظ: اتهموا رأيكم على دينكم، لقد كنا مع رسول الله  يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله  وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم، فقال: يا ابن الخطاب: إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا. قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل القرآن على رسول الله  بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفس عمر ورجع( ).
وتاب الله على الذين عارضوا ذلك رضي الله عنهم.
وهذا من أبين الأمور دلالة على موافقته للنبي  ومناسبته له واختصاصه به قولاً وعملاً وعلمًا وحالاً إذ كان قوله من جنس قوله، وعمله من جنس عمله، وفي المواطن التي ظهر فيها تقدمه على غيره في ذلك( ).
مشاورة النبي  لأبي بكر،
وعمر فيما لم يكن فيه وحي خاص
الأمور العامة الكلية التي تعم المسلمين إذا لم يكن فيها وحي خاص كان يشاور فيها أبا بكر وعمر وإن دخل غيرهما في الشورى؛ لكن هما الأصل في الشورى. وكان عمر تارة ينزل القرآن بموافقته فيما يراه، وتارة يتبين له الحق في خلاف ما رآه فيرجع عنه. وأما أبو بكر فلم يعرف أنه أنكر عليه شيئًا، ولا كان أيضًا يتقدم في شيء اللهم إلا تنازع هو وعمر فيم يولي من بني تميم ( ).

وشبه كلا منهما بنبيين
لما استشار أبا بكر وأشار بالفداء، واستشار عمر فأشار بالقتل ( ). قال : «سأخبركم عن صاحبيكم: مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ) ومثل عيسى إذ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ). ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا( ). أو مثل موسى إذ قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ( ) ولم يعب واحدًا منهما بما أشار عليه به؛ بل مدحه وشبهه بالأنبياء؛ فشبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى في لينه في الله، وشبه عمر بنوح وموسى في شدته في الله ( )( ).
أبو بكر من أفصح الناس وأخطبهم
ليست الفصاحة التشدق بالكلام، ولا سجع الكلام، ولا كان في خطباء العرب من الصحابة وغيرهم تكلف الأسجاع، ولا تكلف التحسين الذي يعود إلى مجرد اللفظ الذي سمي «علم البديع» كما يفعله المتأخرون من أصحاب الخطب والرسائل والشعر، وإنما البلاغة المأمور بها في مثل قوله تعالى: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا( ) هي «علم المعاني والبيان» فيجمع صاحبها بين تكميل المعاني المقصود وبين تبيينها بأحسن وجه ( ).
وأكثر الخطب التي ينقلها صاحب «نهج البلاغة» كذب على عليّ، وعلي أجل وأعلا قدرًا من أن يتكلم بذلك الكلام؛ ولكن هؤلاء وضعوا أكاذيب وظنوا أنها مدح، فلا هي صدق، ولا هي مدح.
لا ريب أن عليًا كان من أخطب الناس، وكان أبو بكر خطيبًا، وعمر خطيبًا، وكان ثابت بن قيس بن شماس خطيبًا معروفًا بأنه خطيب رسول الله  ... كما كان حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة شعراءه.
ولكن كان أبو بكر رضي الله عنه يخطب عن النبي  في حضوره وغيبته -فكان النبي  إذا خرج في المواسم- يدعو الناس إلى متابعة النبي  ونبي الله ساكت يقره على ما يقول، وكان كلامه تمهيدًا وتوطئة لما يبلغه الرسول، ومعونة له، لا تقدمًا بين يدي الله ورسوله، ولما قدم رسول الله  هو وأبو بكر مهاجرين إلى المدينة قعد رسول الله  وقام أبو بكر يخاطب الناس عنه حتى ظن من لم يعرفهما أنه رسول الله إلى أن عرف بعد أن رسول الله  هو القاعد. وكان يخرج مع النبي  إلى الوفود فيخاطب الوفود، وكان يخاطبهم في مغيبه. ولما توفي رسول الله  كان هو الذي خطب الناس ( ).
خطبته بعد وفاة الرسول 
كان عمر رضي الله عنه من أخطب الناس، وأبو بكر أخطب منه يعرف له عمر بذلك، وهو الذي خطب المسلمين وكشف لهم عن موت النبي ، وثبت الإيمان في قلوب المسلمين حتى لا يضطرب الناس لعظيم المصيبة التي حلت بهم - ففي الصحيحين عن ابن عباس: «أنا أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس. فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ( ) قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فنقلها الناس كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها، فأخبرني المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن رسول الله  قد مات»( )( ).
خطبته يوم السقيفة
وخطب يوم السقيفة خطبة بليغة انتفع بها الحاضرون كلهم، حتى قال عمر: كنت زورت في نفسي مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر وكان أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها( ).
خطبته بعد البيعة ( )
قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، حدثني أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر إلى أن قال: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله». وهذا إسناد صحيح ( ).
خطبته لما حصلت الردة
روى ابن عساكر من طريقين، عن شبابة بن سوار، حدثنا عيسى بن يزيد المدني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى؛ إن الله بعث محمدًا  العلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشر عندهم، قد غيروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا، وأضلهم دينًا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب فختمهم الله بمحمد، وجعله الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه ، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ( ). إن من حولكم من العرب منعوا شتاهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم يكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم ، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي وجده ضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا الآية( )، والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده، ويقتل من يقتل منا شهيدًا إلى الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ الآية ( ) ثم نزل ( ).

خطبته لما جمع الجموع لغزو
أهل الكتاب بالشام

لما اجتمع عند الصديق من الجيوش لغزو الشام ما أراد قام في الناس خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد، فقال: ألا لكل أمر جوامع فمن بلغها فهو حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لمن لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله كما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي النجاة التي دل الله عليها إذ نجا بها من الخزي وألحق بها الكرامة( ).

أفضل الأمة بعد النبي  أبو بكر
فضل الله على النبيين بعضهم على بعض، وفضل الرسل على غيرهم، وأولو العزم أفضل من سائر الرسل، وكذلك فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على غيرهم، وكلهم أولياء الله، وكلهم في الجنة، وقد رفع الله درجات بعضهم على بعض.
وأمهات الفضائل: العلم والدين والشجاعة، والكرم. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم. ورأس الفضائل العلم، قال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ( ).
والأحاديث الصحيحة مع الدلائل الكثيرة المتعددة توجب علمًا ضروريًا لمن علمها أن أبا بكر كان أحب الصحابة إلى النبي ، وأفضل عنده من عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وكل من كان بسنة رسول الله  وأحواله أعلم كان بهذا أعرف، وإنما يستريب فيه من لا يعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة؛ فإما أن يصدق الكل، أو يتوقف في الكل فمن الأحاديث الصحيحة ما أخرج البخاري ومسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «كنا نقول ورسول الله  حي: أفضل أمة النبي  بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان»( ). وروى الترمذي وغيره مرفوعًا عن علي رضي الله عنه، عن النبي  أنه قال: «هذان سيدا كهول أهل الجنة ( ) من الأولين والآخرين لا تخبرهما يا علي»( ). وفي الصحيح: أن جنازة عمر لما وضعت جاء علي بن أبي طالب يتخلل الصفوف، ثم قال: إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، فإني كثيرًا ما كنت أسمع النبي  يقول: «دخلت أنا وأبو بكر، وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر، وعمر»( ). فهذا يبين ملازمتهما للنبي  في مدخله ومخرجه وذهابه. ولهذا قال مالك للرشيد لما قاله له: يا أبا عبد الله: أخبرني عن منزلة أبي بكر، وعمر من النبي  فقال: يا أمير المؤمنين منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته، قال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك.
وتواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا، وقد روى البخاري عنه في صحيحه من طريق الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعلي، حتى كان يقول:
لو كنت بوابًا على باب جنة
لقلت لهمدان ادخلي بسلام

رواه البخاري من طريق سفيان الثوري وهو همداني، عن منذر وهو همداني، عن محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: «أي الناس خير بعد رسول الله  ؟ قال: أبو بكر. قال: قلت ثم من؟ قال: ثم عمر»( ). وهذا يقوله لابنه بينه وبينه وليس هو مما يجوز أن يقوله تقية، ويرويه عن أبيه خاصة، وقاله على المنبر، وروى عنه أنه سمع ذلك من النبي  ولا ريب أن عليًا لا يقطع بذلك إلا عن علم، وهو الذي يليق بعلي رضي الله عنه، فإنه من أعلم الصحابة بحق أبي بكر، وعمر، وأعرف بمكانهما من الإسلام، وحسن تأثيرهما في الدين، حتى أنه تمنى أن يلقى الله بمثل عمل عمر رضي الله عنهم أجمعين، وقد سمى علي رضي الله عنه ابنيه: أبا بكر، وعمر.
وكان علي رضي الله عنه يقول: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري( ). وليس هذا من باب التواضع، بالمتواضع لا يجوز أن يتقدم بعقوبة من يفضله بقول الحق ولا يسميه مفتريًا.
والمتواتر عن ابن عباس أنه كان يفضل أبا بكر وعمر على علي،
وروى ابن بطة بسنده قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا. وقال شريك بن أبي نمر وقال له قائل: أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ قال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشيعي من يقول هذا، والله لقد رقى على هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وعمر. أفكنا نرد عليه قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابًا. وذكر القاضي عبد الجبار وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي ( ).
وقال الشيخ رحمه الله بعد أن ذكر آية لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ولكن ليس في هذا ما يدل على أن عليًا أو عثمان أو عمر أو غيرهم أفضل من أبي بكر، لأنهم لم يكنوا مع النبي  في هذه الحال. ولو كانوا معه لم يعلم أن حالهم سيكون أكمل من حال الصديق، بل معروف من حالهم دائمًا وحاله أنهم وقت المخاوف يكون الصديق أكمل منهم كلهم يقينًا وصبرًا، وعند وجود أسباب الريب يكون الصديق أعظم يقينًا وطمأنينة، وعندما يتأذى منه النبي  يكون الصديق أتبعهم لمرضاته وأبعدهم عما يؤذيه، هذا هو المعلوم لكن من استقرأ أحوالهم في محيا رسول الله  بعد وفاته ( ).
كل مدح وثناء في القرآن فهو أول داخل فيه
وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب (المؤمنين) و(المتقين) و(المحسنين) ومدحهم فهو أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة، فعلم أنه أفضل الأمة، كما استفاض عن النبي  من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي جئت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ( ).
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( ).
الأشهر عند أهل التفسير أن الذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به أبو بكر، وقال بهذا طائفة، وذكره الطبري بإسناده إلى علي( ). وفي هذا حكاية ذكرها بعضهم عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام أبي بكر الخلال: أن سائلاً سأله عن هذه الآية، فقال له أو بعض الحاضرين: نزلت في أبي بكر، فقال السائل: بل في علي، فقال أبو بكر بن جعفر: اقرأ ما بعدها أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ إلى قوله لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا الآية ( )، فبهت السائل ( ). ولفظ الآية مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعلي، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها، ولا ريب أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا أحق هذه الأمة بالدخول فيها؛ لكنها لا تختص بهم؛ فما فيها من مدح فهو يشتمل على الصحابة فإنهم جاءوا بالصدق وصدقوا به، وهم من أعظم أهل الأرض دخولاً في ذلك.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( ) وأبو بكر رضي الله عنه قد ثبت أنه صديق بالأدلة الكثيرة فيجب أن تتناوله الآية قطعًا، وأن نكون معه؛ بل تناولها له أولى من تناولها لغيره من الصحابة، وهذه الآية نزلت في كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك وصدق النبي  في أنه لم يكن له عذر، وتاب الله عليه ببركة الصدق ( ).

خصال اجتمعت فيه في يوم
ثبت في الصحيح أن النبي  قال لأصحابه: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ فقال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا. قال: هل فيكم من عاد مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: هل فيكم من تصدق بصدقة؟ فقال أبو بكر أنا. قال ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة»( ) وهذه الأربعة لم ينقل مثلها لعلي ولا غيره في يوم ( ).
وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة
روى أبو داود في سننه «أن النبي  قال لأبي بكر: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي»( )، وأهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين عائشة وغيرها، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء ( ).
ويدعى من أبوابها كلها
في الصحيحين أن النبي  قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله( ) دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، [ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان]( ) فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب كلها من ضرورة ( ) فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ( )؟ قال نعم. وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر ( ). ولم يذكر هذا لغير أبي بكر رضي الله عنه»( ).
ثناء عائشة على أبيها
كانت عائشة رضي الله عنها من أخطب الناس، حتى قال الأحنف بن قيس: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي فما سمعت الكلام من مخلوق أفحم ولا أحسن من عائشة.
قالت عائشة رضي الله عنها في خطبتها( ) أبي، وما أبي، والله لا تعطوه الأيدي( )، وذلك طود منيف( )، وفرع مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح إذ أكديتم ( )، وسبق إذ ونيتم ( ) سبق الجواد إذا استولى على الأمد ( )، فتى قريش ناشئًا، وكهفها كهلاً، يفك عانيها، ويريش مملقها ( )، ويرأب شعبها ( )، ويلم شعثها ( )، حتى حليته قلوبها. ثم استشرى في الله فما برحت شكيمته في ذات الله تعالى ( )، تشتد، حتى اتخذ بفنائه مسجدًا يحيي فيه ما أمات المبطلون. وكان رحمه الله غزير الدمعة، وقيذ الجوانح( )، شجى النشيج( )، فتتقصف عليه نساء مكة وولدانها( ) يسخرون منه ويستهزئون به اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت إليه قسيها، وفوقت لها سهامها، وأنثلوه غرضًا ( )، فما فلوا له صفاة ( )، ولا قصفوا له قناة( )، ومر على سيسائه( ) حتى إذا ضرب الدين بجرانه، وألقى بركه( )، ورست أوتاده، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ومن كل فرقة أرسالاً وأشتاتًا، اختار الله لنبيه ما عنده. فلما قبض الله نبيه نصب الشيطان روقه( )، ومد طنبه، ونصب حبائله ، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حاسرًا مشمرًا، فجمع حاشيته، ورفع فطرته( )، فرد نشر الإسلام على غره( )، ولم شعثه بطبه، وأقام أوده بثقافه( )، فوقذ النفاق بوطئته ( )، فانتاش الدين بنعشه ( )، فلما أراح الحق على أهله( )، وقرر الرؤوس على كواهلها( )، وحقن الدماء في أهبها( )، أتته منيته، فسد ثلمه بنظيره في المرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب، لله أم حفلت له ودرت عليه( ) لقد أوحدت به( )، فنفخ الكفرة وديخها( )، وشرد الشرك شذر مذر( )، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها، ولفظت خبيئها( ) ترأمه ويصد عنها( )، وتصدى له فيأباها، ثم ورع فيها وودعها كما صحبها، فأروني ما تريبون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وقد روى هذه القصة جعفر بن عون عن أبيه، عن عائشة، وهؤلاء رواة الصحيحين، وقد رواها أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، وبعضهم رواها عن هشام ولم يذكر فيه عن عروة ( ).

قول عمر: ليلة ويوم من أبي بكر خير من عمر وآل عمر
روى الطلمنكي من حديث ميمون بن مهران، قال: كان أبو موسى الأشعري إذا خطب بالبصرة يوم الجمعة وكان واليها صلى على النبي ، ثم ثنى بعمر بن الخطاب يدعو له. فقام ضبة بن محصن العنزي فقال: أين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه؟ - يعني أبا بكر رضي الله عنهما - ثم قعد. فلما فعل ذلك مرارًا أمحكه( ) أبو موسى فكتب أبو موسى إلى عمر رضي الله عنه: أن ضبة يطعن علينا ويفعل. فكتب عمر إلى ضبة: أن يخرج إليه، فبعث به أبو موسى، فلما قدم ضبة المدينة على عمر رضي الله عنه، فقال الحاجب: ضبة العنزي بالباب، فأذن له، فلما دخل عليه قال: لا مرحبًا بضبة، ولا أهلاً. قال ضبة: أما المرحب فمن الله. وأما الأهل فلا أهل ولا مال، فبم استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبت، ولا شيء أتيت؟ قال: ما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين - إنه كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ، ثم ثنى يدعو لك، فغاضبني ذلك منه وقلت: أين أنت من صاحبه تفضله عليه؟ فكتب إليك يشكوني. قال: فاندفع عمر رضي الله عنه باكيًا وهو يقول: أنت والله أوفق منه وأرشد منه، فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك؟ قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، ثم اندفع باكيًا يقول: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، وآل عمر، فهل لك أن أحدثك بيومه وليلته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال:
أما ليلته؛ فإن رسول الله  لما خرج من مكة هاربًا من المشركين، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرة أمامه، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره، فقال له رسول الله  : ما هذا يا أبا بكر، ما أعرف هذا من فعلك؟ فقال: يا رسول الله  أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك. فمضى النبي  على أطراف أطابعه حتى حفيت، فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه أنها حفيت حمله على عاتقه حتى أتى به فم الغار، فأنزله. ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فإن كان فيه شيء فبي، فدخل فلم ير شيئًا يستريبه فحمله فأدخله، فلما دخل وجد الصديق أجحار الأفاعي، فلما رأى أبو بكر ذلك ألقمه عقبة فجعلن يلسعنه ويضربنه، وجعلت دموعه تتحادر على خده من ألم ما يجد، ورسول الله  يقول: لا تحزن إن الله معنا؛ فأنزل الله سكينته وطمأنينته على أبي بكر فهذه ليلته.
وأما يومه: فلما توفي النبي  ارتدت العرب فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي، وقال بعضهم نزكي ولا نصلي. فأتيته ولا آلوه نصحًا. فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وأرفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام؟! قبض رسول الله  وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالاً كانوا يعطونه رسول الله  لقاتلتهم عليه. فكان والله رشيد الأمر، ثم كتب إلى أبي موسى يلومه. وحديث ضبة هذا من أشهر الأحاديث( )( ).

خلافة الصديق
الصديق خلف الرسول  وهو أحق بخلافته ( )

الخليفة:
الخليفة هو الذي يخلف غيره، وإن لم يستخلفه هذا هو المعروف في اللغة وقول الجمهور. وقد يكون بمعنى من استخلفه غيره.
والخليفة لا يصير خليفة إلا مع مغيب المستخلف أو موته. ولهذا لا يصلح أن يقال: إن الله يستخلف أحدًا عنه؛ فإنه حي قيوم، مدبر لعباده، منزه عن الموت والنوم والغيبة. والله يوصف بأنه يخلف العبد، كما قال النبي : «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل»( ). وقال في حديث الدجال: «والله خليفتي على كل مسلم»( ). وكل من وصفه الله بالخلافة في القرآن فهو خليفة عن مخلوق كان قبله، كقوله: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ( ). وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ( ).
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ( ). وكذلك قوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً( ). أي عن خلق كان في الأرض قبل ذلك: كما ذكره المفسرون وغيرهم. وأما ما يظنه طائفة من الاتحادية وغيرهم: أن الإنسان خليفة الله فهذا جهل وضلال، ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! قال: لست خليفة الله؛ بل خليفة رسول الله، وحسبي ذلك ( ).

خلافة الصديق حق وصواب بالنصوص والإجماع
خلافة الصديق: دلت النصوص الكثيرة على أنها حق وصواب، وهذا مما لم يختلف العلماء فيه. واختلفوا: هل انعقدت بالنص الذي هو العهد كخلافة عمر، أو بالإجماع والاختيار؟( ).
التحقيق في خلافة أبي بكر، وهو الذي يدل عليه كلام أحمد: أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له، وأن النبي  أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها، والرضا بها، وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه، وأنه دل الأمة وأرشدهم إلى بيعته. فهذه الوجوه الثلاثة -الخبر، والأمر، والإرشاد- ثابتة عن النبي .

وهذه الوجوه الثلاثة الثابتة بالسنة دل عليها القرآن ( )( ).
الوجه الأول: الخبر بوقوعها على سبيل
الحمد لها والرضا بها
1- قوله في الحديث الصحيح: «رأيت كأني أنزع على قليب فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف ( ) والله يغفر له؛ ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فرية حتى ضرب الناس بطعن»( ) فأخبر بأمور تستلزم صلاح الولاة، وهذه وقعت في خلافة أبي بكر وعمر ( ).
2- وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن النبي  قال: «من رأى منكم رؤيا. فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن عمر وأبي بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأيت الكراهية في وجه النبي »( ).
ورواه أيضًا من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جعدان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مثله. ولم يذكر الكراهية «فاستاء لها النبي » يعني فساءه ذلك فقال: «خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء»( ). فبين النبي  أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك، وليس فيه ذكر علي؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك ( ).
3- ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله  في مرضه: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»( ). فبين  أنه يريد أن يكتب كتابًا خوفًا، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه فترك ذلك، لعلمه بأن ظهور فضيلة أبي بكر واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد.
4- وفي صحيح البخاري: «أنَّ عائشة رضي الله عنها لما قالت: وا رأساه، قال رسول الله : بل أنا وا رأساه، لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون»( ).
وهذا الحديث الصحيح فيه همه بأن يكتب لأبي بكر كتابًا بالخلافة لئلا يقول قائل: أنا أولى. ثم قال: «يأبى الله ذلك والمؤمنون» فلما علم الرسول أن الله تعالى لا يختار إلا أبا بكر والمؤمنون لا يختارون إلا إياه اكتفى بذلك عن الكتاب، ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت، لأن أمته إذا ولته طوعًا بغير إلزام وكان هو الذي يرضاه الله ورسوله كان أفضل للأمة، ودل على علمها ودينها؛ فإنها لو ألزمت به لربما قيل إنها أكرهت على الحق وهي لا تختاره، كما كان يجري ذلك لبني إسرائيل، ويظن الظان أنه كان في الأمة بقايا جاهلية من التقديم بالأنساب، فكان ما اختاره الله لنبيه أفضل، ولهم أفضل، فالحمد لله الذي هدى هذه الأمة، وعلى أن جعلنا من أتباعهم، وأبعد الله من لا يختار ما اختاره الله ورسوله والمؤمنون ( ).
5- روى أبو داود أيضًا من حديث ابن شهاب، عن عمرو بن أبان، عن جابر أنه كان يحدث أن رسول الله  قال: «أري الليلة رجل صالح كأنا أبا بكر نيط برسول الله ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر» قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله  قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه  ( ).
6- وروى أيضًا من حديث حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سمرة بن جندب «أن رجلاً قال يا رسول الله إني رأيت كأن دلوًا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان، فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء»( ).
7- وعن سعيد بن جهمان، عن سفينة، قال: قال رسول الله : «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء، أو ملكه من يشاء»( ). قال سعيد: ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر، وخلافة عثمان اثنتي عشرة، وخلافة علي ست سنين. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليًا ليس بخليفة. فقال: كذبت إستاه بني الزرقاء -يعني: بني مروان-( ).
الوجه الثاني: الأمر بطاعته وتفويض الأمر إليه
1- في السنن عنه  أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر»( ).
فأمره بالاقتداء بعده بأبي بكر وعمر دليل على خلافتهما بعده، ولهذا كان أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد أن قولهما إذا اتفقا حجة لا يجوز العدول عنها. ولو كانا ظالمين لم يأمر بالاقتداء بهما، فإنه لا يأمر بالاقتداء بالظالم، فإن الظالم لا يكون قدوة يؤتم به بدليل قوله تعالى: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ( ) فلما أمر بالاقتداء بمن بعده والاقتداء هو الائتمام مع إخباره أنهما يكونان بعده دل على أنهما إمامان بعده، وهذا هو المطلوب. ومرتبة المقتدي به في أفعاله وفي سنته للمسلمين فوق مرتبة المتبع فيما سنه فقط. والفرق بينه وبين أصحابي كالنجوم مع أنه لا يصح، ليس فيه لفظ بعدي وليس فيه الأمر بالاقتداء بهم ( ).
2- «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»( )، فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وجعل خلافتهم إلى مدة معينة، فدل ذلك على أن المتولي في تلك المدة هم الخلفاء الراشدون، فإنهم خلفوه في ذلك، فانتفى عنهم بالهدى الضلال، وبالرشد الغي، وهذا هو الكمال في العلم والعمل.
فإن الضلال عدم العلم، والغي اتباع الهوى، ولهذا الأظهر أن اتفاق الخلفاء الأربعة حجة لا يجوز خلافه لأمر النبي  باتباع سنتهم ( ).
3- في الصحيحين عن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن امرأة سألت النبي  شيئًا فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - قال أبي: كأنها تعني الموت - قال فإن لم تجديني فأتي أبا بكر( ).
4- وحديث «إذا لم تجدوه أعطوها أبا بكر»( ) فأمره من يأتيه أن يأتي بعد موته شخصًا يقوم مقامه يدل على أنه خليفة بعده. وهذا وقع لأبي بكر ( ).
الوجه الثالث: دلالته الأمة وإرشادها إلى بيعته
1- في صحيح مسلم: أن أصحاب محمد  كانوا معه في سفر فذكر الحديث وفيه: «إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا»( ).
2- استخلافه في الصلاة، وهو متواتر ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه كما أخرج البخاري ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم من أهل الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال : « مرض النبي  فاشتد مرضه ، فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقوم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس. قال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فعادوت، فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف، فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي »( ) وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله  جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ( ) وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقالت له: فقال رسول الله : إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس»( ).
فصلى بهم مدة مرضه  من يوم الخميس إلى يوم الخميس إلى يوم الاثنين، فكان مدة مرضه فيما قيل اثني عشر يومًا، وكانت حجرته  إلى جانب المسجد. ففي هذا أنها راجعته، وأمرت حفصة بمراجعته، وأن النبي  لامهن على هذه المراودة، وجعلها من المراودة على الباطل، كمراودة صواحب يوسف ليوسف، فدل هذا على تقديم غير أبي بكر في الصلاة من الباطل الذي يذم من يراود عليه، هذا مع أن أبا بكر قد قال لعمر يصلي فلم يتقدم عمر، وقال: أنت أحق بذلك، فكان في هذا اعتراف عمر له أنه أحق بذلك منه، كما اعترف له أنه أحق بالخلافة منه ومن سائر الصحابة. وأنه أفضلهم ( ).
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد راجعت رسول الله  في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله  عن أبي بكر ( ).
وكشف الستارة يوم مات وهم يصلون خلف أبي بكر فسر بذلك ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله  في وجعه الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله  ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف( )، ثم تبسم رسول الله  ضاحكًا، قال فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله  خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله  بيده أن أتموا صلاتكم. ثم دخل رسول الله  فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله  من يومه ذلك( ).
وخرج النبي  مرة فصلى بهم جالسًا وبقي أبو بكر يصلي بأمره سائر الصلوات ففي الصحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «دخلت على عائشة، فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ؟ قالت: بلى، ثقل النبي  فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي الماء في المخضب( ) ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله  لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله  إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال: إن رسول الله  يأمرك أن تصلي بالناس. فقال: أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: يا عمر صل بالناس. قال فقال عمر: أنت أحق بذلك. قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله  وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي  أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي  قاعد. قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله  ؟ فقال: هات. فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي»( ).
فهذا حديث اتفقت فيه عائشة وابن عباس كلاهما يخبران بمرض النبي  واستخلاف أبي بكر في الصلاة، وأنه صلى بالناس قبل خروج النبي  أيامًا، وأنه لما خرج لصلاة الظهر أمره أن لا يتأخر بل يقيم مكانه وجلس النبي  إلى جنبه، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وأبي وبكر يصلي بصلاة النبي ، والعلماء كلهم متفقون على تصديق هذا الحديث وتلقيه بالقبول، وتفقهوا في مسائل فيه. وكان قد استخلفه في الصلاة قبل ذلك لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. ولم ينقل أن النبي  استخلف في غيبته على الصلاة في حال سفره وفي حال غيبته في مرضه إلا أبا بكر، ولكن عبد الرحمن بن عوف صلى بالمسلمين مرة صلاة الفجر في السفر عام تبوك؛ لأن النبي  قد ذهب ليقضي حاجته فتأخر ( )( ).
3- وفي الترمذي مرفوعًا: «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره»( ).
4- ومثل قوله في الحديث الصحيح على منبره: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر»( ).
والقائلون بالنص الجلي استدلوا على ذلك باتفاق الصحابة على تسميته خليفة رسول الله  ( ), قالوا: والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره، واعقدوا بأن الفعيل بمعنى المفعول فدل ذلك على أن رسول الله  استخلفه على أمته، وقالت طائفة: الخليفة يقال لمن استخلفه غيره ولمن خلف غيره فهي فعيل بمعنى فاعل. وهذان الوصفان لم يثبتا إلا لأبي بكر، فكان هو الخليفة.
قال الشيخ رحمه الله: وأهل السنة يقولون خلفه، وكان هو أحق بخلافته ( ).
دلالة القرآن على خلافة الصديق
وهذه الوجوه الثلاثة الثابتة بالسنة( ) دل عليها القرآن:
فالأول في قوله تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ الآية ( )، وقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ( ) وقوله: وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ( ).
والثاني قوله: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ الآية ( ).
والثالث قوله: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى( ) وقوله: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ( ) وقوله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ( ).
ونحو ذلك كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا الآية.
فلو كانت ولاية أبي بكر حرامًا منكرًا لوجب أن ينهوا عن ذلك، ولو كانت ولاية علي واجبة لكان ذلك من أعظم المعروف الذي يجب أن يأمروا به ... وإذا شهدوا أن أبا بكر أحق بالإمامة وجب أن يكونوا صادقين في هذه الشهادة.
فثبت صحة خلافته ووجوب طاعته بالكتاب والسنة والإجماع( ).

آثار استدل بها على خلافته
1- في صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وقد سئلت: من كان رسول الله  مستخلفًا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، قيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. قيل لها: ثم من بعد عمر. قالت: أبو عبيدة بن الجراح. ثم انتهت إلى هذا ( ).
2- روى ابن بطة بإسناده، قال: حدثنا الحسن بن أسلم الكاتب، حدثنا الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المبارك بن فضالة، أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن البصري فقال: هل كان رسول الله  استخلف أبا بكر؟ فقالت: أفي شك صاحبك؟! نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو أتقى من أن يتوثب عليها. قال ابن المبارك: استخلافه هو أمره أن يصلي بالناس. وكان هذا عند الحسن استخلافًا( ).
3- قال: وأنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد، حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن سليم، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا( ).
4- قال: وسمعت معاوية بن قرة يقول: إن رسول الله  استخلف أبا بكر( ).
5- وفي كتب الأنبياء التي أخرج الناس ما فيها من ذكر النبي  ذكروا أن في التابوت الذي كان عند المقوقس فيه صور الأنبياء صورة أبي بكر وعمر مع صورة النبي ، وأنه بهما يقوم أمره( ).
طرق أخرى لمن لا يعرف الأسانيد
1- التواتر: بأنه لم يطلب الخلافة، لا برغبة، ولا برهبة.
كثير من الخاصة فضلاً عن العامة يتعذر عليه معرفة التمييز في هذا الباب وغيره؛ وإنما يعرف ذلك علماء الحديث.
ولكن نذكر طريقًا آخر فنقول: نقدر أن الأخبار المتنازع فيها( ) لم توجد أو لم يعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم من التواتر وما يعلم من المعقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها؛ فنقول: من المعلوم والمتواتر عند الخاصة والعامة الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات والسير أن أبا بكر رضي الله عنه لم يطلب الخلافة لا برغبة ولا برهبة، لا بذل فيها ما يرغب الناس به، ولا شهر سيفًا يرهبهم به، ولا كانت له قبيلة ولا أموال تنصره وتقيمه في ذلك، كما جرى من عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم. ولا طلبها أيضًا بلسانه، ولا قال بايعوني، بل أمر بمبايعة عمر أو أبي عبيدة، ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه( )، ولا أكرهه على المبايعة، ولا منعه حقًا له، ولا حرك عليه ساكنًا. وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة.

والذين بايعوه هم الذين بايعوا النبي  تحت الشجرة، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد.
ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين ولم يقاتل مسلمين؛ بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة، وأخذ يزيد الإسلام فتوحًا، وشرع في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق. وخرج منها أزيد ما دخل فيها، ولم يستأثر عنهم بشيء، ولا أمر له قرابة.
ثم ولى عمر بن الخطاب؛ ففتح الأمصار، وقهر الكفار، وأعز أهل الإيمان، وأذل أهل النفاق والعدوان، ونشر الإسلام والدين وبسط العدل في العالمين، ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين، ومصر الأمصار للمسلمين، وخرج منها أزيد مما دخل فيها، لم يتلوث لهم بمال، ولا ولى أحدًا من أقاربه ولاية، فهذا أمر يعرفه كل أحد.
2- أن المسلمين اتبعوا الحق في بيعته لا الهوى وهذا من كمالهم فيقال: دواعي المسلمين بعد موت النبي  كانت متوجهة إلى اتباع الحق، وليس لهم ما يصرفهم عنه وهم قادرون على ذلك، وإذا حصل الداعي إلى الحق وانتفى الصارف مع القدرة وجب الفعل. فعلم أن المسلمين اتبعوا فيما فعلوه الحق، ذلك أنهم خير الأمم، وقد أكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، ولم يكن عند الصديق رضي الله عنه غرض دنيوي يقدمونه لأجله، بل لو فعلوا بموجب الطبع لقدموا عليًا، وكانت الأنصار لو اتبعت الهوى أن تتبع رجلاً من بني هاشم أحب إليها أن تتبع رجلاً من بني تيم، وكذلك عامة قبائل قريش لا سيما بنو عبد مناف وبنو مخزوم، فإن طاعتهم لمنافي كانت أحب إليهم من طاعة تيمي لو اتبعوا الهوى.
ولهذا لما مات رسول الله  وتولى أبو بكر قيل لأبي قحافة: مات رسول الله . فقال: حدث عظيم، فمن تولى بعده؟ قالوا: أبو بكر. قال: أو رضيت بنو عبد مناف وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم. قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، أو كما قال ( ).
ولهذا جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أرضيتم أن يكون هذا الأمر في بني تيم؟ فقال: يا أبا سفيان إن أمر الإسلام ليس كأمر الجاهلية، أو كما قال( ).
فعدولهم عن العباس وعلي وغيرهما إلى أبي بكر دليل على أن القوم وضعوا الحق في نصابه، وأقروه في إهابه، وأتوا الأمر الأرشد من بابه، وأنهم علموا أن الله ورسوله كانا يرضيان تقديم أبي بكر رضي الله عنه.
فالله هو ولاه شرعًا وقدرًا، وأمر المؤمنين بولايته، وهداهم إلى أن ولوه، من غير أن يكون طلب ذلك لنفسه( ).
3- استخلافه من كمال نبوة محمد  ورسالته، ومما يظهر أنه رسول الله حقًا، ليس ملكًا من الملوك، فإن عادة الملوك إيثار أقاربهم والموالاة بالولايات أكثر من غيرهم، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم( ).
فتولية أبي بكر وعمر بعد النبي  دون عمه العباس وبني عمه علي وعقيل، وربيعة بن الحارث وأبي سفيان وغيرهم، ودون سائر بني عبد مناف، كعثمان بن عفان، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد وغيرهم من بني عبد مناف الذين كانوا أجل قريش قدرًا وأقرب نسبًا إلى النبي  من أعظم الأدلة على أن محمدًا عبد الله ورسوله، وأنه ليس ملكًا حيث لم يقدم في خلافته أحدًا بقرب نسب منه ولا بشرف بيته؛ بل إنما قدم بالإيمان والتقوى.
ودل ذلك على أن محمدًا وأمته من بعده إنما يعبدون الله ويطيعون أمره؛ لا يريدون ما يريد غيرهم من العلو في الأرض، ولا يريدون أيضًا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك؛ فإن الله خير محمدًا بين أن يكون عبدًا رسولاً وبين أن يكون ملكًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً. فإنه لو أقام أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته. فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته ولا خلف لهم مالاً كان هذا ما يبين أنه كان أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال، وإن كان ذلك مباحًا، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء بل كان عبد الله ورسوله ( ).

4- تفضيل أئمة الإسلام
لأبي بكر وعمر، وتقديمهم لهما
وقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة من يعرف كل أحد ذكاءهم وذكاءهم ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسته ولا مال، وممن هم أعظم الناس نظرًا في العلم وكشف لحقائقه، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر، فكل من له لسان صدق في الأمة من علمائها وعبادها متفقون على تقديم أبي بكر، وعمر كما قال الشافعي رضي الله عنه فيما نقله عنه البيهقي بإسناده قال: لم يختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على جميع الصحابة.
وكذلك لم يختلف علماء الإسلام في ذلك كما هو قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وداود وأصحابه، والثوري وأصحابه، والليث وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، وإسحاق وأصحابه، وابن جرير وأصحابه، وأبي ثور وأصحابه. وكما هو قول سائر العلماء المشهورين إلا من لا يؤبه له ولا يلتفت إليه ... ومالك يحكي الإجماع عمن لقيه أنهم لم يختلفوا في تقديم أبي بكر، وعمر ... حتى كان الثوري يقول: من قدم عليًا على أبي بكر ما أرى أن يصعد له إلى الله عمل. رواه أبو داود في سننه ( ).
وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسعيد بن أبي عروبة، وأمثالهم من علماء البصرة، وسعيد بن عبد العزيز وغيره من علماء الشام، وعمرو بن الحارث، وابن وهب وغيرهم من علماء مصر. ومثل عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد. ومثل البخاري، وأبي داود، وإبراهيم الحربي، ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الدايراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد، وسهل بن عبد الله التستري، ومن لا يحصي عددهم إلا الله ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر، وعمر، كما يجزمون بإمامتهما، مع فرط اجتهادهم في متابعة النبي  وموالاته. فهل يوجب هذا إلا ما علموه من تقديمه هو لأبي بكر وعمر وتفضيله لهما بالمحبة والثناء والمشاورة وغير ذلك من أسباب التفضيل، ولما سئل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي  قال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه في مماته، فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك ( )( ).
5- وأعداء النبي يعلمون أفضلية
أبي بكر، وعمر ويخشونهما
تقديم النبي  وتفضيله له وتخصيصه بالتعظيم قد ظهر للخاص والعام - حتى أعداء النبي  من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين يعلمون أن لأبي بكر من الاختصاص ما ليس لغيره ويخافونه، فقد ثبت في الصحاح والمسانيد والسنن والمغازي واتفق عليه الناس: أنه لما كان يوم أحد وانهزم المسلمون صعد أبو سفيان إلى الجبل فقال: أفي القوم محمد؟ فقال النبي : لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي : لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي : لا تجيبوه. فقال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله، إن الذين ذكرت لأحياء، وقد بقي لك ما يسوءك( )( ). فهذا مقدم الكفار إذ ذاك لم يسأل إلا عن النبي  وأبي بكر وعمر لعلمه وعلم الخاص والعام أن هؤلاء الثلاثة هم رءوس هذا الأمر، وأن قيامه بهم. ودل ذلك على أنه كان ظاهرًا عند الكفار أن هذين وزيراه وبهما تمام أمره، وأنهما أخص الناس به، وأن لهما من السعي في إظهار الإسلام ما ليس لغيرهما. وهذا أمر معلوم للكافر فضلاً عن المسلمين. حتى إني أعلم طائفة من حذاق المنافقين ممن يقول: إن النبي  كان رجلاً عاقلاً أقام الرياسة بعقله وحذقه - يقولون إن أبا بكر كان مباطنًا له على ذلك يعلم أسراره؛ بخلاف عمر، وعثمان وعلي.
فقد ظهر لعامة الخلائق أن أبا بكر رضي الله عنه أخص الناس بمحمد ، فهذا النبي وهذا صديقه. فإذا كان محمد أفضل النبيين فصديقه أفضل الصديقين. فكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والإسلام والمحبة والمشاركة في العلم تقتضي أنهما أحق بالخلافة من غيرهما ( ).

والصحيح من الأحاديث لا يدل على أفضلية
علي، ولا عصمته، ولا أحقيته بالخلافة بعد النبي 
1- حديث الغدير:
لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، قال: «قام فينا رسول الله  خطيبًا بماء يدعى خما ( ) بين مكة والمدينة. فقال: أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ربي، وإني تارك فيكم ثقلين( ) أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»( ) هذا اللفظ يدل على أن الذي أمرنا بالتمسك به وجعل المستمسك به لا يضل هو كتاب الله. وهكذا جاء في غير هذا الحديث كما في صحيح مسلم عن جابر في حجة الوداع لما خطب يوم عرفة وقال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله»( ).
وتذكر الأمة لهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك: من إعطائهم حقوقهم، والامتناع عن ظلمهم. وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم.
فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر بشرع نزل إذ ذاك لا في حق علي ولا في حق غيره، لا بإمامة ولا بغيرها. وهذا الحديث مما انفرد به مسلم، ولم يروه البخاري.
وقد رواه الترمذي وزاد فيه «وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» وقد سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح.
والذين اعتقدوا صحة هذه الزيادة قالوا: إنما يدل على أن مجموع العترة الذين هم بنو هاشم لا يتفقون على ضلالة. والعترة لم تجتمع على إمامته( ) ولا أفضليته؛ بل أئمة العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر، وعمر. والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسين بن علي وولد الحسن وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر وكانوا يفضلونهما على علي.
وقد صنف الدارقطني كتاب «ثناء الصحابة على القرابة، وثناء القرابة على الصحابة» وأهل السنة لا ينازعون في كمال علي، وأنه في الدرجة العليا من الكمال، وإنما النزاع في كونه أكمل من الثلاثة وأحق بالخلافة منهم( ).
2- حديث المباهلة:
رواه مسلم، عن سعد بن أبي وقاص، قال في حديث طويل ولما نزلت هذه الآية: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ( ) دعا رسول الله  عليًا، وفاطمة ، وحسنًا، وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي»( ).
ولكن لا دلالة فيه على الإمام ولا على الأفضلية فقد شرك عليًا فيه فاطمة، والحسن، والحسين، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال ولا بالذكور ولا بالأئمة، بل شركه فيه المرأة والصبي؛ فإن الحسن والحسين كانا صغيرين وقت المباهلة. وإنما دعا هؤلاء لأنه أمر أن يدعو كل واحد الأقربين والأبناء والنساء والأنفس، فدعا الواحد من أولئك أبناءه ونساءه وأخص الرجال به نسبًا، وهؤلاء أقرب إلى النبي نسبًا، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به لما في جبلة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذي رحمه الأقربين إليه. وقوله وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ أي رجالنا ورجالكم، أي الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب، والرجال الذين هم من جنسكم. والمراد التجانس في القرابة فقط، وكون علي تعين للمباهلة؛ إذ ليس في الأقارب من يقوم مقامه ( ) لا يوجب أن يكون مساويًا للنبي  في شيء من الأشياء، بل لا يكون أفضل من سائر الصحابة مطلقًا؛ بل له بالمباهلة نوع فضيلة، وهي مشتركة بينه وبين فاطمة، وحسن وحسين ( ).

3- حديث الكساء:
روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «خرج رسول الله  غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( ). ولكن ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم.
وتحقيق ذلك في مقامين. أحدهما: أن قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا كقوله: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ( ) كقوله: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( ) كقوله: يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ الآيتين ( ). فإرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة. والدليل على ذلك أن النبي  بعد نزول هذه الآية قال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» وهذا دليل على أنه لم يخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك؛ لا يقتصر على مجرد الدعاء( ).
ومما يبين ذلك أن أزواج النبي  مذكورات في الآية والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه ووعد الثواب على فعله والعقاب على تركه، قال تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ إلى قوله تعالى: وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( ) فالخطاب كله لأزواج النبي ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره، ليس مختصًا بأزواجه؛ بل هو متناول لأهل البيت كلهم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين أخص من غيرهم بذلك؛ ولذلك خصهم النبي  بالدعاء لهم.
المقام الثاني: أن نقول: هب أن القرآن دل على طهارتهم وعلى إذهاب الرجس عنهم؛ لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ، والدليل عليه أن الله لم يرد بما أمر به أزواج النبي  ألا يصدر من واحدة منهن خطأ، فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن، والتطهير من الذنب: إما بألا يفعله العبد، وإما بأن يتوب منه كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا( ) فدعاء النبي  بأن يطهرهم تطهيرًا كدعائه بأن يزكيهم ويطيبهم ويجعلهم متقين ونحو ذلك. ومعلوم أن من استقر أمره على ذلك فهو داخل في هذا لا تكون الطهارة التي دعا بها لهم بأعظم مما دعا به لنفسه. وقد قال: «اللهم طهرني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد»( )، فمن وقع ذنبه مغفورًا أو مكفرًا فقد طهره الله منه تطهيرًا. ولكن من مات متوسخًا بذنوبه فإنه لم يطهر منها في حياته.
وبالجملة: فالتطهير الذي أراده الله والذي دعا به النبي  ليس هو العصمة.
وقال الشيخ في موضع آخر: والله لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب عنهم الرجس؛ فإن هذا كذب على الله. كيف ونحن نعلم أن من بني هاشم من ليس بمطهر. ولأنه قال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وقد تقدم أن هذا مثل قوله: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ونحو ذلك مما فيه بيان أن الله يحب ذلك لكم ويرضاه لكم ويأمركم به، فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب، ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك ( ).
4- حديث: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»:
روى البخاري بسنده، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله  خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي، والحديث ثابت في الصحيحين( )، لكن لا يدل على الخلافة بعد الموت.
1- لم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون؛ لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده، وأما استخلاف النبي  فجميع العسكر كان معه، ولم يتخلف بالمدينة غير النساء والصبيان إلا معذور أو عاص، فهو إنما خص عليًا لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، ومن استخلفه سوى علي لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصًا لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام.
2- أن هذا كما شبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى من الشدة في الله واللين في الله - لم يمتنع أن يكون في أمته من يشبه إبراهيم وعيسى ونوح، وموسى - فالاختصاص بالكمال لا يمنع المشاركة في أصل التشبيه، وهؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبهه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي. وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون.
3- أنه لو كان بمنزلة هارون مطلقًا لم يستخلف عليه أحدًا، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها، كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد.
4- أن الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بد منه لكل ولي أمر، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأمة يصلح أن يستخلف بعد الموت.
5- أن ذلك عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي  بعث أبا بكر أميرًا على الموسم، وأردفه بعلي. فقال: أمير، أم مأمور ( )؟ فكان أبو بكر أميرًا عليه، وعلي ومن معه كالمأمور مع أميره يصلي خلفه وينادي مع الناس بالموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أردفه به لينبذ العهد إلى العرب، فإنه كان من عاداتهم ألا يعقد العقود وينبذها إلا السيد المطاع أو رجل من أهل بيته.
6- أنه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطابًا بينهما يناجيه به، ولا كان أخره حتى يجيء علي ويشتكي.
وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائصه، ولا تدل على الأفضلية، ولا على الإمامة؛ بل قد استخلف عددًا غيره ( ).
5- حديث: «أقضاكم علي»:
لم يروه أحد من أهل الكتب الستة ولا أهل المسانيد المشهورة لا أحمد ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف. ولكن قال عمر رضي الله عنه: أُبي أقرأنا، وعلي أقضانا( ). وهذا قاله بعد موت أُبي. والحديث الذي فيه ذكر علي مع ضعفه فيه أن معاذ بن جبل أعلم بالحلال والحرام، وزيد بن ثابت أعلم بالفرائض، فلو قدر صحة هذا الحديث لكان الأعلم بالحلال والحرام أوسع علمًا من الأعلم بالقضاء... وقول عمر: علي أقضانا. إنما هو في فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون في الباطن بخلافه... وعلم الحلال والحرام يتناول الباطن والظاهر ( ).
الأحاديث المكذوبة منها
1- تصدق علي بالخاتم في الصلاة. وأن آية إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ نزلت فيه:

حديث تصدق علي بالخاتم في الصلاة كذب باتفاق أهل المعرفة( ).
الوجه الثاني عشر: أن هذه الآية: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( ). نزلت في النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين لما كان بعض المنافقين كعبد الله بن أبي يوالي اليهود ويقول إني أخاف الدوائر، فقال عبادة بن الصامت: إني أتولى الله ورسوله، وأبرأ إلى الله ورسوله من هؤلاء الكفار وموالاتهم. ونقل ابن عباس: أنها نزلت في أبي بكر. والآية عامة في جميع المؤمنين المتصفين بجميع هذه الصفات ولا تختص بواحد بعينه لا أبو بكر ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم؛ لكن هؤلاء أحق الأمة بالدخول فيها.
الوجه السادس عشر: أن الفرق بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر معروف، والولاية ضد العداوة، وهي المذكورة في هذه النصوص؛ ليست هي الولاية بالكسر التي هي الإمارة ( ).
2- حديث: «من ناصب عليًا الخلافة فهو كافر»( ):
هذه الأحاديث مما يعلم بالاضطرار أنها كذب على
رسول الله ، وأنها مناقضة لدين الإسلام، وأنها تستلزم تكفير علي وتكفير من خالفه، وأنه لم يقلها من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ بل إضافتها إلى رسول الله  من أعظم القدح والطعن فيه.
3- حديث: إنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني»:
كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وقد تقدم كلام ابن حزم أن سائر هذه الأحاديث موضوعة، يعلم ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلها. وقد صدق في ذلك... لذلك لم يخرجه أحد من أهل الحديث في الكتب التي يحتج بما فيها ( ).
4- حديث: «إن الله عهد إلي عهدًا في علي، وأنه إمام الهدى، وإمام الأولياء، وهو الكلمة التي ألزمها للمتقين»:
كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث والعلم. ومجرد رواية صاحب «الحلية» ونحوه لا تفيد ولا تدل على الصحة. والآفة ممن فوقهم... وقوله في الحديث «هو كلمة التقوى» وتسميته كلمة مما يبين أن هذا كذب؛ فإن تسميته كلمة من جنس تسمية المسيح كلمة الله، والمسيح سمي بذلك لأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، فهو مخلوق بالكلمة. وأما علي فهو مخلوق كما خلق سائر الناس. وكلمة التقوى مثل لا إله إلا الله، والله أكبر ( ).
5- حديث النجم: «من أنقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي فطلبوا ذلك النجم فوجدوه في بيت علي بن أبي طالب، فقال أهل مكة: ضل محمد وغوى وهوى أهل بيته ومال إلى ابن عمه علي بن أبي طالب، فعند ذلك نزلت هذه السورة وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى»:
قال أبو الفرج: هذا حديث موضوع لا شك فيه، وما أبرد الذي وضعه، وما أبعد ما ذكر، وفي إسناده ظلمات.... قلت: وقد أجاب الشيخ عنه بثمانية أوجه ( ).
6- حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»:
هذا أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات والمكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبين أن سائر طرقه موضوعة.
والكذب يعرف من نفس متنه.. فإن النبي  إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد فسد أمر الإسلام( )...
الإجماع على إمامة أبي بكر
مبايعته في السقيفة
أجمع الصحابة على أفضلية الصديق، وأنه أحق بالخلافة، وولوه باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدًا منهم بسيف ولا عصى، ولا أعطى أحدًا ممن ولاه مالاً. وقال عمر رضي الله عنه بمحضر المهاجرين والأنصار: «أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله  »( ) ولم ينكر منهم منكر، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه.
ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: «ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر» رواه البخاري ومسلم( ). وبايعه من حضر من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في خطبة عمر رضي الله عنه التي خطب بها مرجعه من الحج في آخر عمره، وفيها قوله: «ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنما كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا»( ). وأنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه  أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالا عليه القوم، فقالا: أين تريدان يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن تقربوهم اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك( ) فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معاشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم( ) فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا( ) وأن يحضنونا من الأمر( ) فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني( ) أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد( ) فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها وأفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل( ) ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قاله غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلهما المحكك( ) وعذيقها المرجب( ) منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف( ) فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة ( )، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد( ).
ومعنى قول عمر: كانت مبايعة أبي بكر فلتة ولكن الله وقى شرها أن بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريث ولا انتظار لكونه كان متعينًا لهذا الأمر، كما قال عمر: ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وكان ظهور فضيلة أبي بكر على من سواه وتقديم رسول الله  له على سائر الصحابة أمرًا ظاهرًا معلومًا فكانت دلالة النصوص على تعيينه تغني عن مشاورة وانتظار وتريث، بخلاف غيره. وهو لم يسأل وقاية شرها بل أخبر أن الله وقى شر الفتنة بالإجماع، وما جرى يوم السقيفة لا يعد نزاعًا لأنهم ما انفضوا حتى اتفقوا ( ).
مبايعة العامة له على المنبر
في صحيح البخاري، عن أنس رضي الله عنه، أنه سمع خطبة عمر الأخيرة ( ) حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي رسول الله ، فتشهد أبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله  حتى يدبرنا -يريد بذلك أن يكون آخرهم- فإن يكن محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، به هدى الله محمدًا  وإن أبا بكر صاحب رسول الله  ثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوا قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر.
قال الزهري، عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: «اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناس عامة»( ).
وقد روي عنه أنه قال: أقيلوني ( )( ).
وتخلف سعد بن عبادة
والأنصار تكلم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، وغيرهما ممن هو أفضل من سعد نفسًا وبيتًا.
فإنه ثبت عن النبي  أنه قال: «خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو عبد الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير»( ) فالدور الثلاثة المفضلة لم يعرف عنهم من نازع في الإمامة. وإنما نازع سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر، وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصديق، إلا سعد بن عبادة لأنهم عينوه للإمارة فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، فلم يؤذه أبو بكر بكلمة، فضلاً عن فعل.
وما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك( ).
ولكن سعدًا مع ذلك لم يعارض ولم يدفع حقًا ولا أعان على باطل، بل روى الإمام أحمد رحمه الله في مسند الصديق، عن أبي معاوية، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري - فذكر حديث السقيفة- وفيه أن الصديق قال: لقد علمت يا سعد أن رسول الله  قال: وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. قال فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء» فهذا الحديث مرسل حسن. ولعل حميدًا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك. وفيه فائدة جليلة جدًا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين.
وسعد بن عبادة لم يقدح في الصديق، ولا أنه أفضل المهاجرين، ومات ولم يبايعه ولا بايع عمر، ومات في خلافة عمر. وسعد من السابقين الأولين من الأنصار من أهل الجنة كما قالت عائشة رضي الله عنها.
ومن نازع من الأنصار أولاً لم تكن منازعته للصديق، بل طلبوا أن يكون من قريش أمير ومنهم أمير، فلما تبين أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة ( ).

وتخلف علي رضي الله عنه
وبعض بني هاشم، ثم بايعوه
طائفة من بني هاشم قيل إنها تخلفت عن مبايعته، فقيل: بايعوه ثاني يوم، وقيل تأخروا عن بيعته ستة أشهر ثم بايعوه من غير رغبة ولا رهبة لم يزعجهم ولا ألزمهم بيعته، وهذا كله من ورعه عن أذى الأمة وكمال عدله وتقواه.
والرسالة التي يذكرها بعض الكتاب أنه أرسلها إلى علي كذب مختلق عند أهل العلم؛ بل علي أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا فذهب هو إليهم، فاعتذر علي إليه وبايعه.
ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسلت فاطمة إلى أبي بكر رضي الله عنهما تسأله ميراثها من رسول الله  ( ) مما أفاء الله عليه في المدينة و(فدك)( ) وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن رسول الله  قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»( ) وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله  عن حالها التي كانت عليها في عهده، وإني لست تاركًا شيئًا كان رسول الله  يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله  ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتينا معك أحد، كراهية محضر عمر بن الخطاب. فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، والله لآتينهم، فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي؛ ثم قال: إنا قد عرفنا فضيلتك يا أبا بكر وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت بالأمر علينا، وكنا نرى أن لنا فيه حقًا لقرابتنا من رسول الله ، فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله  أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل عن الحق، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله  يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره الذي اعتذر به، ثم استغفر. وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا. فسر بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر المعروف( )( ).
قلت: وتقدم قول الشيخ: أن أهل السنة لا ينازعون في كمال علي وأنه في الدرجة العليا من الكمال؛ وإنما النزاع في كونه أكمل من الثلاثة وأحق بالخلافة منهم.

الإجماع المعتبر في الإمامة
لا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة؛ فإنه لو اعتبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع على إمامة، فإن الإمامة أمر معين فقد يتخلف الرجل لهوى لا يعلم... بخلاف الإجماع على الأحكام العامة كالإيجاب والتحريم والإباحة؛ فإن هذا لو خالف فيه الواحد أو الاثنان، ففيه قولان للعلماء. أحدهما: لا يعتد بخلافه، والثاني: يعتد به، وهو قول الأكثرين. والفرق بينه وبين الإمامة أن الحكم عام يتناول هذا وهذا؛ فإن القائل بوجوب الشيء يوجبه على نفسه وعلى غيره فالمنازع فيه ليس متهمًا. والخلافة لا يشترط فيها إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذي يقام بهم الأمر؛ بحيث يمكن أن يقام بهم مقصود الإمامة... ولهذا قال النبي : «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة»( ) وقال: «إن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد»( ) وقال: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، والذئب إنما يأخذ القاصية»( ) وقال: «عليكم بالسواد الأعظم، ومن شذ شذ في النار»( )( ).
حتى ولو لم يثبت الإجماع
على خلافة الصديق
الكلام في خلافة الصديق: إما أن يكون في وجودها، وإما أن يكون في استحقاقه لها.
أما الأول: فمعلوم بالتواتر واتفاق الناس بأنه تولى الأمر، وقام مقام الرسول ، وخلفه في أمته، وأقام الحدود، واستوفى الحقوق، وقاتل الكفار والمرتدين، وولى الأعمال، وقسم الأموال، وفعل جميع ما فعل الإمام؛ بل هو أول من باشر الإمامة في الأمة.
وأما إن أريد بإمامته: كونه مستحقًا لذلك؛ فهذا عليه أدلة كثيرة غير الإجماع. وحينئذ فالإجماع لا يحتاج إليه في الأولى ولا في الثانية وإن كان الإجماع أمرًا حاصلاً ( ).
انعقدت خلافة الصديق
بالكتاب والحديد
الدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( ).
فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده. وأبو بكر ثبت بالكتاب والسنة أن الله أمر بمبايعته، والذين بايعوه كانوا أهل السيف المطيعين لله في ذلك. فانعقدت خلافة النبوة في حقه بالكتاب والحديد ( ).

أعمال أبي بكر بعد الاستخلاف
وهي من فضائله رضي الله عنه
قام رضي الله عنه مقام رسول الله ، ولم يخل بشيء، كما قال عن نفسه: إني لست تاركًا شيئًا كان رسول الله  يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ ( ).
وعلى وجه التفصيل قام من الأعمال الجليلة بالأعمال الآتية:
1- ثبت المسلمين وقواهم:
أهل مدينة رسول الله  أسلموا طوعًا المهاجرون منهم والأنصار، وهم قاتلوا الناس على الإسلام، ولهذا لم يرتد من أهل المدينة أحد، بل ضعف أغلبهم بموت النبي ، وذلت أنفسهم عن الجهاد على دينه حتى ثبتهم الله وقواهم بأبي بكر رضي الله عنه، والذي أيد الله به الإسلام في حياة رسوله، وحفظه به بعد مماته، فالله يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. قال أنس: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود ( ).
2- قاتل المرتدين:
الذين ارتدوا بعد موت النبي  إنما كانوا ممن أسلموا بالسيف كأصحاب مسيلمة وأهل نجد.
وتواتر عند الناس أن الذي قاتل أهل الردة هو أبو بكر الصديق وأصحابه قاتل مسيلمة الكذاب المدعي للنبوة وأتباعه بني حنيفة، وأهل اليمامة. وقد قيل: إنهم مائة ألف أو أكثر. وقاتل طليحة الأسدي وكان قد ادعى النبوة بنجد واتبعه من أسد وغطفان ما شاء الله، وادعى النبوة سجاح -امرأة تزوجها مسيلمة الكذاب- فتزوج الكذاب بالكذابة. وأيضًا فكان من العرب من ارتد عن الإسلام لم يتبع متنبئًا كذابًا، وقد ذكر أئمة التفسير أن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ( ) أنهم أبو بكر وعمر ومن تبعهما من أهل اليمن وغيرهم.
فمن أعظم فضائل الصديق عند الأمة أولهم وآخرهم أنه قاتل المرتدين. وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة؛ بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب ( ).
3- قاتل مانعي الزكاة:
وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون امتنعوا من أدائها بالكلية فقاتلهم على هذا، لم يقاتلهم ليؤدوها إليه. وقد حصل لعمر أولاً شبهة في قتالهم حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه، والقصة في ذلك مشهورة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله  «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» قال أبو بكر: ألم يقل «إلا بحقها» فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله  لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي  فبين له الصديق أن قوله «بحقها» يتناول الزكاة، فإنها حق المال.
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»( ) فهذا اللفظ الثاني الذي قاله الرسول  بين فقه أبي بكر وهو صريح في القتال على أداء الزكاة، وهو مطابق للقرآن، قال الله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ( ) فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وأقر أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها ( ).
4- راسل أهل الردة:
لما ركب الصديق في الجيوش شاهرًا سيفه مسلولاً من المدينة إلى ذي القصة ( ) وعقد أحد عشر لواءً، ودفعها إلى الأمراء، كتب معهم كتابًا وهذه نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم
من أبي بكر خليفة رسول الله  إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على إسلامه أو رجع عنه.
سلام على من اتبع الهدى
فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده.
أما بعد، فإن رسول الله أرسل بالحق من عنده بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله  من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعًا أو كرهًا.
ثم توفى الله رسوله وقد نفذ لأمر الله ونصح لأمته وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ( )، وقال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ( )، وقال للمؤمنين: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ( ) فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ الأمر منتقم من عدوه.
وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله؛ فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالاً، قال الله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا( ) ولن يقبل له عمل حتى يقر به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل.
وقد بغلني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارًا بالله وجهلاً بأمره وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً( )، وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ( ).
وإني بعثت إليكم في جيشي من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان, وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله عز وجل، فإن أجاب وأقر وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه، وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله، ثم لا يبقي لأحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن تبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله.
وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم. والداعية الأذان، فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليه، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم ما ينبغي لهم» رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ( )( ).
5- أنقذ جيش أسامة:
جهر رسول الله  جيش أسامة قبل أن يمرض -وأمره على جيش عامهم المهاجرون- وروي أن عمر كان ممن انتدب معه، لا أن النبي  عين عمر ولا غير عمر للخروج معه. ولم يكن أبو بكر في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، بل كان النبي  استخلفه من حين مرض إلى أن مات. كان ذلك الجيش ثلاثة آلاف، وأمره أن يغير على أهل مؤتة وجانب فلسطين حيث أصيب أبوه وجعفر وابن رواحة، فتجهز أسامة للغزو، فدعا رسول الله  أسامة فقال: اغد على بركة الله والنصر والعافية، ثم أغر حيث أمرتك أن تغير. قال أسامة: يا رسول الله قد أصحبت ضعيفًا، وأرجو أن يكون الله قد عافاك، فأذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس. فسكت عنه رسول الله ، وتوفي رسول الله  بعد ذلك بأيام.
فلما جلس أبو بكر للخلافة أنفذه مع ذلك الجيش، غير أنه استأذنه في أن يأذن لعمر بن الخطاب في الإقامة، لأنه ذو رأي ناصح للإسلام فأذن له. وسار أسامة لوجهه الذي أمر رسول الله  فأصاب في ذلك العدو مصيبة عظيمة، وغنم هو وأصحابه وقتل قاتل أبيه، وردهم الله سالمين إلى المدينة. وأشار عليه غير واحد أن يرد الجيش خوفًا عليهم؛ فإنهم خافوا أن يطمع الناس في الجيش بعد موت رسول الله  فامتنع أبو بكر من رد الجيش، وأمر بإنفاذه، وقال: لا أحل راية عقدها رسول الله  فلما رآهم الناس يغزون بعد موت رسول الله  كان ذلك مما أيد الله به الدين، وشد به قلوب المؤمنين، وأذل به الكفار والمنافقين، وكان ذلك من كمال معرفة أبي بكر وإيمانه ويقينه وتدبيره ورأيه رضي الله عنه ( ).
6- شرع في قتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا، أو يعطوا الجزية:
بعد غزو النبي لهم في مؤتة، وبعد فراغ النبي من قتال العرب.
شرع رضي الله عنه في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق، وهو ممن دعوا إلى قتالهم قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ( ) وأظهر الأقوال في الآية: أن المراد ستدعون إلى قتال أولي بأس شديد أعظم من العرب - وهؤلاء هم الروم والفرس- لأن آية الجزية لم تنزل إلا بعد فراغ النبي  من قتال العرب. وأول الدعوة إلى قتال الروم عام مؤتة، وأول قتال كان معهم في غزوة مؤتة عام ثمان قبل تبوك، فقتل فيها أمراء المسلمين زيد وجعفر وابن رواحة، ورجع المسلمون كالمنهزمين. وفي السنة التاسعة غزا النبي  النصارى (بني الأصفر) عام تبوك، وأكد القرآن الأمر في عام تبوك، وذم المتخلفين عن الجهاد ذمًا عظيمًا؛ لكنهم لم يقاتلوا النبي  ولم يسلموا، فلما نزلت (براءة) وأمره فيها بنبذ العهد إلى الكفار، وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لم يكن له حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب قبل نزولها. ولما أمره الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، أخذا لجزية من المجوس وصالح نصارى نجران على الجزية، وإذا أمرهم أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فغيرهم أولى أن يقاتلوا ولا يعاهدوا.
... لكن في زمن الصديق والفاروق كان لا بد من أحد الأمرين: إما الإسلام وإما القتال، وبعد القتال أدوا الجزية، لم يؤدوا الجزية بغير قتال؛ لأنه أولو بأس شديد ولا يجوز مهادنتهم. ومعلوم أن أبا بكر وعمر بل وعثمان في خلافتهم قوتل هؤلاء فضربت الجزية على أهل الشام والعراق والمغرب، فهذه صفة الخلفاء الراشدين الثلاثة، فيمتنع أن تكون الآية مختصة بغزوة مؤتة ولا يدخل فيها قتال المسلمين في فتوح الشام والعراق والمغرب وخراسان وهي الغزوات التي أظهر الله فيها الإسلام، وظهر الهدى ودين الحق في مشارق الأرض ومغاربها. وإذا قيل: أنه دخل فيها قتال المرتدين؛ لأنهم يقاتلون أو يسلمون كان أوجه من أن يقال قتال مكة وأهل حنين.
وأبو بكر دعاهم إلى قتال المرتدين، ثم قتال فارس والروم، وكذلك عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وعثمان دعاهم إلى قتال البربر ونحوهم ( ) . وقد حصل الاستخلاف في الأرض في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وتمكن الدين والأمن بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقية، قال الله تعالى:
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( )( ).
7- أمره بجمع القرآن:
وفي سنة اثنتي عشرة أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللخف والعسب وصدور الرجال، وذلك عندما استحر القتل في القراء يوم اليمامة، كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: «أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن استحر القتل بالقراء. بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ...» الحديث ( )( )( )( ).
8- استخلافه عمر بعده:
لما علم أبو بكر رضي الله عنه أنه ليس في الأمة مثل عمر، وخاف أن لا يولوه إذا لم يستخلفه لشدته في الله فولاه هو كان ذلك هو المصلحة للأمة، فما فعله صديق الأمة هو اللائق به، فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر ذلك الرأي الميمون على المسلمين؛ فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليًا أو طلحة، أو الزبير، أو سعدًا، أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في الاستخلاف كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب مدين حيث قال: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ( ) وامرأة العزيز حيث قالت: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا( ) وأبو بكر حيث استخلف عمر( ). ولما استخلف عمر كره خلافته طائفة حتى قال له طلحة: ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظًا غليظًا. فقال: أبالله تخوفوني؟! أقول: وليت عليهم خير أهلك. وقد رجع طلحة عن ذلك رضي الله عنه ( )( ).
قلت ويأتي بيان ما جعل الله فيه من الرحمة بعد الولاية.
كمال سياسة الصديق
مما يدل على كمال سياسة الصديق وأنه أفضل من كل من ولي الأمة، بل وممن ولي غيرها من الأمم بعد الأنبياء، وإنه معلوم أن رسول الله  أفضل الأولين والآخرين، أفضل من جميع الخلق من جميع العالمين. وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا. قال: فوا ببيعة الأول فالأول»( )، ومن المعلوم أن من تولى بعد الفاضل إذا كان فيه نقص كثير عن سياسة الأول ظهر لك النقص ظهورًا بينًا، وهذا معلوم من حال الولاة إذا تولى ملك بعد ملك أو قاض بعد قاض أو شيخ بعد شيخ أو غير ذلك فإن الثاني إذا كان ناقص الولاية نقصًا بينًا ظهر ذلك فيه، وتغيرت الأمور التي كان الأول قد نظمها وألفها.
ثم الصديق تولى بعد أكمل الخلق سياسة فلم يظهر في الإسلام نقص بوجه من الوجوه؛ بل قاتل المرتدين حتى عاد الأمر إلى ما كان عليه، وأدخل الناس في الباب الذي خرجوا منه، ثم شرع في قتال الكفار من أهل الكتاب، وعلم الأمة ما خفي عليهم، وقواهم لما ضعفوا، وشجعهم لما جبنوا، وسار فيهم سيرة توجب صلاح دينهم، وكان ذلك مما حفظ الله به على الأمة دينها. وهذا مما يحقق أنه أحق الناس بخلافة رسول الله ، ولم تعظم الأمة بعد نبيها أحدًا كما عظمت الصديق، ولا أطاعت أحدًا كما أطاعته من غير رغبة أعطاها ولا رهبة أخافهم بها. وهذه من خصائصه ( ).
من كمال الصديق استعانته بالشديد
ومن كمال عمر استعانته باللين
كان نبينا  مبعوثًا بأعدل الأمور وأكملها - فهو الضحوك، القتال، وهو نبي الرحمة، ونبي الملحمة، بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ( ) وقوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ( ) فكان النبي  يجمع بين شدة هذا ولين هذا، فيأمر بما هو العدل وهما يطيعان فتكون أفعالهما على تمام الاستقامة. فلما قبض الله نبيه وكان كل منهما خليفة على المسلمين خلافة نبوة، كان من كمال أبي بكر أن يولي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشدة باللين - فإن مجرد اللين يفسد، ومجرد الشدة يفسد - ويكون قد قام مقام النبي ، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله ؛ ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره، فجعل الله فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك...
وأما عمر رضي الله عنه فكان شديدًا في نفسه، فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره - فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيد الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله. وقد جعل الله في عمر من الرأفة ما لم يكن فيه قبل ذلك، تكميلاً له، حتى صار أمير المؤمنين ( ).
كمال الخلفاء الراشدين
وعمر بن عبد العزيز
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ( ) قد فسر (أولي الأمر) بذوي القدرة كأمراء الحرب. وفسر بأهل العلم والدين، وكلاهما حق. وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين فإنهم كانوا كاملين في العلم والعدل، والسياسة والسلطان، وإن كان بعضهم أكمل في ذلك من بعض - فأبو بكر وعمر أكمل في ذلك من عثمان وعلي - وبعدهم لم يكمل أحد في هذه الأمور إلا عمر بن عبد العزيز ( ).
من يطعن على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة
أبو بكر، وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجبًا أو فعلاً محرمًا أصلاً ( ) ولا يطعن على أبي بكر وعمر إلا أحد رجلين: إما رجل منافق زنديق ملحد يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، وهذا حال المعلم الأول للرافضة -أول من ابتدع الرفض- وحال أئمة الباطنية، كما قال مالك وغيره من أهل العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين. وأما جاهل مفرط في الجهل والهوى، وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا مسلمين في الباطن.
عن جابر رضي الله عنه قال: قيل لعائشة: إن ناسًا ينالون أصحاب رسول الله ، حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر ( )، وعن عروة قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله  فسبوهم» أخرجه مسلم ( ).
وقال الشيخ رحمه الله: أصحاب رسول الله  جميع ما يطعن به فيهم أكثره كذب، والصدق منه غايته أن يكون ذنبًا، أو خطأ. والخطأ مغفور لهم، والذنب لتكفيره أسباب متعددة، وكثير مما يطعن به على أحدهم يكون من محاسنه وفضائله ( ).
مدة خلافة أبي بكر
أقام رضي الله عنه في الخلافة سنتين وأربعة أشهر. ثم توفي لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشر، هذا قول أهل السير فيما حكاه ابن عبد البر، وجزم به ابن إسحاق، وابن زير، وابن قانع، وابن الجوزي، والذهبي. والصحيح أنه عاش ثلاثًا وستين سنة، وهو قول الأكثرين ( ).
قبره
أخرج ابن سعد والقاسم بن محمد: أن أبا بكر أوصى إلى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله ، فلما توفي حفر له وجعل رأسه عند كتف النبي ، وألصق اللحد بقبر رسول الله ( ).
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال: رأت عائشة كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس، فقال: إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثًا، فلما قبض رسول الله  قال: يا عائشة هذا خير أقمارك ( ).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين...
انتهيت من جمعه وترتيبه عام ثمانية وأربعمائة وألف هجرية

محمد بن عبد الرحمن
ابن محمد بن قاسم

الفهرس
الموضوع الصفحة
المقدمة 5
الدافع إلى جمع هذا البحث - اعتذار 8
فضل الصحابة والخلفاء الراشدون 10
فضل بعض الخلفاء على بعض 13
أبو بكر الصديق أفضل الصحابة 14
نسبه 14
عمله قبل الإسلام 14
منزلته قبل الإسلام 15
وصفه بالصديق في الأحاديث 16
الصديق أبلغ من الصادق 17
أبو بكر أسبق الصحابة إلى الخيرات: هو أول من أسلم 18
وأول من أوذي في الله 20
وأول من دافع عن رسول الله 23
وأول من دعا إلى الله 24
وأول من بذل ماله لنصرة الإسلام 25
الفضيل بالسبق إلى الإنفاق والقتال وهو أسبقهم إليهما 27
سبقه عمر في الإنفاق 27
أبو بكر صاحب النبي المطلق الصحبة، وفضلها، ومقاصدها وتبريزه فيها 28
صاحبه في سفر الهجرة دلالة آية إِلا تَنْصُرُوهُ على أفضلية من سبعة أوجه 29
قصة سفره مع النبي في الهجرة 34
أبو بكر أتقى الأمة 37
وأرجح الأمة إيمانًا 39
شهادة الرسول له ولعمر بكمال الإيمان 39
هو أعلم الصحابة والأمة وأذكاهم 40
سبب قلة النقل عنه وعن أكابر الصحابة 43
وهو من كتاب الوحي 44
أزهد الصحابة 44
أشجع الناس بعد الرسول 45
أحب الخلق إلى رسول الله 49
انتصار النبي له 50
لم يسؤ النبي قط 51
وابنته أحب النساء إليه وذكر بعض فضائلها رضي الله عنها 52
إيمان قرابته كلهم من خصائصه 54
رعايته لقرابة رسول الله  55
فدك أزال الخلاف فيها بالنص 56
المقدم في الشورى وأبو بكر 57
مشاورة النبي لأبي بكر، وعمر فيما لم يكن فيه وحي خاص 60
وشبه كلا منهما بنبيين 61
أبو بكر من أفصح الناس وأخطبهم 62
خطبته بعد وفاة الرسول 63
خطبة يوم السقيفة 64
خطبته بعد البيعة 64
خطبته لما حصلت الردة 65
خطبته لما جمع الجموع لغزو أهل الكتاب بالشام 66
أفضل الأمة بعد النبي أبو بكر 67
كل مدح وثناء في القرآن فهو أول داخل فيه 70
خصال اجتمعت فيه في يوم 72
وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة 72
ويدعى من أبوابها كلها 72
ثناء عائشة على أبيها 73
قول عمر: ليلة ويوم من أبي بكر خير من عمر وآل عمر 76
خلافة الصديق - الصديق خلف الرسول وهو أحق بخلافته 79
خلافة الصديق حق وصواب بالنصوص والإجماع 80
الوجه الأول: الخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضا بها 81
الوجه الثاني: الأمر بطاعته وتفويض الأمر إليه 84
الوجه الثالث: دلالته الأمة وإرشادها إلى بيعته 86
دلالة القرآن على خلافة الصديق 91
آثار استدل بها على خلافته 93
طرق أخرى لمن لا يعرف الأسانيد 94
4- تفضيل أئمة الإسلام لأبي بكر وعمر، وتقديمهم لهما 98
5- وأعداء النبي يعلمون أفضلية أبي بكر، وعمر ويخشونهما 99
والصحيح من الأحاديث لا يدل على أفضلية علي، ولا عصمته، ولا أحقيته بالخلافة بعد النبي منها 100
1- حديث الغدير 100
2- حديث المباهلة 102
3- حديث الكساء 103
4- حديث «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» 106
5- حديث «أقضاكم علي» إنما قاله عمر، ولا أفضلية فيه 108
الأحاديث المكذوبة منها 108
1- تصدق علي بالخاتم كذب، ولم تنزل الآية فيه 108
2- حديث «من ناصب عليًا الخلافة فهو كافر» حديث مفترى 109
3- حديث: أنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني» 109
4- حديث: «أن الله عهد إلي عهدًا في علي، وأنه إمام الهدى وإمام الأولياء» 110
5- حديث النجم: «من أنقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي... فوجوده في دار علي 110
6- حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» 111
الإجماع على إمامة أبي بكر - مبايعته في السقيفة 111
مبايعة العامة له على المنبر 115
وتخلف سعد بن عبادة 115
وتخلف علي رضي الله عنه وبعض بني هاشم، ثم بايعوه 117
الإجماع المعتبر في الإمامة 119
حتى ولو لم يثبت الإجماع على خلافة الصديق 120
انعقدت خلافة الصديق بالكتاب والحديد 121
أعمال أبي بكر بعد الاستخلاف وهي من فضائله رضي الله عنه 121
كمال سياسة الصديق 132

من كمال الصديق استعانته بالشديد ومن كمال عمر استعانته باللين 133
كمال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز 134
من يطعن على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة 134
مدة خلافة أبي بكر 135
قبر إلى جنب النبي  135
الفهرس 137