9 السيرة النبوية

ما قاله ابن الزبعرى يوم أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال عبدالله بن الزبعرى في يوم أحد يبكي القتلى ‏‏:‏‏

ألا ذرفت من مقلتيك دموع * وقد بان من حبل الشباب قطوع

وشط بمن تهوى المزار وفرقت * نوى الحي دار بالحبيب فجوع

وليس لما ولى على ذي حرارة * وإن طال تذراف الدموع رجوع

فذر ذا ولكن هل أتى أم مالك * أحاديث قومي والحديث يشيع

ومجنبنا جردا إلى أهل يثرب * عناجيج منها متلد ونزيع

عشية سرنا في لهام يقودنا * ضرور الأعادي للصديق نفوع

نشدُّ علينا كل زعف كأنها * غدير بضوج الواديين نقيع

فلما رأونا خالطتهم مهابة * وعاينهم أمر هناك فظيع

وودوا لو أن الأرض ينشق ظهرها * بهم وصبور القوم ثم جزوع

وقد عريت بيض كان وميضها * حريق ترقى في الأباء سريع

بأيماننا نعلوا بها كل هامة * ومنها سمام للعدوِّ ذريع

فغادرن قتلى الأوس غاصبة بهم * ضباع وطير يعتفين وقوع

وجمع بني النجار في كل تلعة * بأبدانهم من وقعهن نجيع ‏

ولولا علو الشعب غادرن أحمدا * ولكن علا والسمهري شروع

كما غادرت في الكر حمزة ثاويا * وفي صدره ماضي الشباة وقيع

ونعمان قد غادرن تحت لوائه * على لحمه طير يجفن وقوع

بأحد وأرماح الكماة يردنهم * كما غال أشطان الدلاء نزوع

ما أجابه حسَّان

فأجابه حسَّان بن ثابت فقال

أشاقك من أم الوليد ربوع *بلاقع ما من أهلن جميع

عفاهن صيفي الرياح وواكف * من الدلو رجاف السحاب هموع

فلم يبق إلا موقد النار حوله * رواكد أمثال الحمام كنوع

فدع ذكر دار بددت بين أهلها * نوى لمتينات الحبال قطوع ‏‏

وقل إن يكن يوم بأحد يعدُّه * سفيه فإن الحق سوف يشيع ‏‏

فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم * وكان لهم ذكر هناك رفيع ‏‏

وحامي بنو النجار فيه وصابروا * وما كان منهم في اللقاء جزوع ‏‏

أمام رسول الله لا يخذلونه * لهم ناصر من ربهم وشفيع ‏‏

وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم * ولا يستوي عبد وفيٌّ ومضيع ‏‏

بأيديهم بيض إذا حمِش الوغى * فلا بد أن يردى لهن صريع ‏‏

كما غادرت في النقع عتبة ثاويا * وسعدا صريعا والوشيج شروع

وقد غادرت تحت العجاجة مسندا * أبيا وقد بل القميص نجيع ‏‏

بكف رسول الله حيث تنصبت * على القوم مما قد يثرن نقوع ‏‏

أولئك قوم ساده من فروعكم * وفي كل قوم سادة وفروع ‏‏

بهن نعُّز الله حتى يُعزّنا * وإن كان أمر يا سخين فظيع ‏‏

فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم * قتيل ثوى لله وهو مطيع ‏‏

فإن جنان الخلد منزلة له * وأمر الذي يقضي الأمور سريع ‏‏

وقتلاكم في النار أفضل رزقهم * حميم معا في جوفها وضريع ‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسَّان وابن الزبعرى ‏‏.‏‏ وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏ ماضي الشباة ، وطير يجفن ‏‏ عن غير ابن إسحاق

شعر عمرو بن العاصي في يوم أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال عمرو بن العاصي في يوم أحد ‏‏:‏‏

خرجنا من الفيفا عليهم كأننا * مع الصبح من رضوى الحبيك المنطق

تمنت بنو النجار جهلا لقاءنا * لدى جنب سلع والأماني تصدق

فما راعهم بالشر إلا فجاءة * كراديس خيل في الأزقة تمرق

أرادوا لكيما يستبيحوا قبابنا * ودون القباب اليوم ضرب محرق

وكانت قبابا أومنت قبل ما ترى * إذ رامها قوم أبيحوا وأحنقوا

كأن رءوس الخزرجيين غدوة * وأيمانهم بالمشرفية بروق

رد كعب بن مالك عليه

فأجابه كعب بن مالك فيما ذكر ابن هشام فقال ‏

ألا أبلغا فهرا على نأي دارها * وعندهم من علمنا اليوم مصدق

بأنا غداة السفح من بطن يثرب * صبرنا ورايات المنية تخفق

صبرنا لهم والصبر منا سجية * إذا طارت الأبرام نسمو ونرتق

على عادة تلكم جرينا بصبرنا * وقدما لدى الغايات نجري فنسبق

لنا حومة لا تستطاع يقودها * نبي أتى بالحق عف مصدق

ألا هل أتى أفناء فهر بن مالك * مقطع أطراف وهام مفلق

شعر ضرار بن الخطاب في يوم أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال ضرار بن الخطاب ‏‏:‏‏

إني وجدّك لولا مُقدمى فرسي * إذا جالت الخيل بين الجزع والقاع

ما زال منكم بجنب الحزع من أحد * أصوات هام تزاقي أمرها شاعي

وفارس قد أصاب السيف مفرقة * أفلاق هامته كفروة الراعي

إني وجدك لا أنفك منتطقا * بصارم مثل لون الملح قطاع

على رحالة ملواح مثابرة * نحو الصريخ إذا ما ثوَّب الداعي

وما انتميت إلى خور ولا كشف * ولا لئامٍ غداة البأس أوراع

بل ضاربين حبيبك البيض إذ لحقوا * شم العرانين عند الموت لذاع

شم بهاليل مسترخ حمائلهم * يسعون للموت سعيا غير دعداع ‏

وقال ضرار بن الخطاب أيضاً

لما أتت من بني كعب مزينة * والخزرجية فيها البيض تأتلق

وجردوا مشرفيات مهندة * وراية كجناح النسر تختفق

فقلت يوم بأيام ومعركة * تنسى لما خلفها ما هزهز الورق

قد عودوا كل يوم أن تكون لهم * ريح القتال وأسلاب الذين لقوا

خيرت نفسي على ما كان من وجل * منها وأيقنت أن المجد مستبق

أكرهت مهري حتى خاض غمرتهم * وبله من نجيع عانك علق

فظل مهري وسربال جسيدوهما * نفخ العروق رشاش الطعن والورق

أيقنت أني مقيم في ديارهم * حتى يفارق ما في جوفه الحدق

لا تجزعوا يا بني مخزوم إنّ لكم * مثل المغيرة فيكم ما به زهق

صبراً فدىً لكم أمي وما ولدت * تعاوروا الضرب حتى يدبر الشفق ‏‏.‏‏

ما قاله عمرو بن العاصي في يوم أحد

وقال عمرو بن العاصي

لما رأيت الحرب ينزو *شرها بالرضف نزوا

وتناولت شهباء تلحو * الناس بالضراء لحوا

أيقنت أن الموت حق * والحياة تكون لغوا

حملت أثوابي على * عتد يبذ الخيل رهوا

سلس إذا نكبن في البيداء * يعلو الطرف علوا ‏

وإذا تنزل ماؤه من * عطفه يزداد زهوا

زبد كيعفور الصريمة * راعه الرامون دحوا

شنج نساه ضابط * للخيل إرخاء وعدوا

ففدى لهم أمي غداة * الروع إذ يمشون قطوا

سيرا إلى كبس الكتيبة * إذ جلته الشمس جلوا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لعمرو ‏‏.‏‏

ما رد به كعب بن مالك

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأجابهما كعب بن مالك ، فقال ‏‏:‏‏

أبلغ قريشاً وخير القول أصدقه * والصدق عند ذوي الألباب مقبول

أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم * أهل اللواء ففيما يكثر القيل

ويوم بدر لقيناكم لنا مدد * فيه مع النصر ميكال وجبريل

إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا * والقتل في الحق عند الله تفضيل

وإن تروا أمرنا في رأيكم سفها * فرأي من خالف الإسلام تضليل

فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا * إن أخا الحرب اصدى اللون مشغول

إن لكم عندنا ضربا تراح له * عرج الضباع له خذم رعابيل

إنا بنو الحرب نمريها وننتجها * وعندنا لذوي الأضغان تنكيل

إن ينج منها ابن حرب بعد ما بلغت * منه التراقي وأمر الله مفعول

فقد أفادت له حلما وموعظة * لمن يكون له لب ومعقول

ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم * ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل

تلقاكم عصب حول النبي لهم * مما يعدون للهيجا سرابيل

من جذم غسان مسترخ حمائلهم * لا جبناء ولا ميل معازيل

يمشون تحت عمايات القتال كما * تمشي المصاعبة الأدم المراسيل

أو مثل مشي أسود الظل ألثقها * يوم زذاذ من الجوزاء مشمول

في كل سابغة كالنهي محكمة * قيامها فلج كالسيف بهلول

ترد حد قرام النبل خاسئة * ويرجع السيف عنها وهو مفلول

ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم * وللحياة ودفع الموت تأجيل

ما زال في القوم وتر منكم أبدا * تعفو السلام عليه وهو مطلول

عبد وحر كريم موثق قنصا * شطر المدينة مأسور ومقتول

كنا نؤمل أخراكم فأعجلكم * منا فوارس لا عزل ولا ميل

إذا جنى فيهم الجاني فقد علموا * حقاً بأن الذي قد جرَّ محمول

ما نحن لا نحن من إثم مجاهرة * ولا ملوم ولا في الغرم مخذول

شعر حسَّان يذكر عدة أصحاب اللواء

وقال حسَّان بن ثابت يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أحد

- قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هذه أحسن ما قيل -

منع النوم بالعشاء الهموم * وخيال إذا تغور النجوم

من حبيب أضاف قلبك منه * سقم فهو داخل مكتوم

يا لقومي هل يقتل المرء مثلي * واهن البطش والعظام سؤوم

لو يدب الحوَّلى من ولد الذر * عليها لأندبتها الكلوم

شأنها العطر والفراش ويعلوها * لجين ولؤلؤ منظوم

لم نفتها شمس النهار بشيءٍ * غير أن الشباب ليس يدوم

إن خالى خطيب جابيه الجو * لان عند النعمان حين يقوم

وأنا الصقر عند باب ابن سلمى * يوم نعمان في الكبول سقيم

وأبيٌّ وواقد أطلقا لي * يوم راحا وكبلهم مخطوم

ورهنت اليدين عنهم جميعا * كل كفّ جزء لها مقسوم

وسطت نسبتي الذوائب منهم * كل دار فيهما أب لي عظيم

وأبي في سميحة القائل الفأصل * يوم التقت عليه الخصوم

تلك أفعالنا وفعل الزبعرى * خامل في صديقه مذموم

رب حلم أضاعه عدم المال * وجهل غطا عليه النعيم

لا تسبنني فلست بسبي * إن سبي من الرجال الكريم

ما أبالي أنبَّ بالحزن تيس * أم لحاني بظهر غيب لئيم ‏

ولي البأس منكم إذ رحلتم * أسرة من بني قصي صميم

تسعة تحمل اللواء وطارت * في رعاع من القنا مخزوم

وأقاموا حتى أبيحوا جمعيا * في مقام وكلهم مذموم

بدم عانك وكان حفاظا * أن يقيموا إن الكريم كريم

وأقاموا حتى أزيروا شعوبا * والقنا في نحورهم محطوم

وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم

لم تطق حملة العواتق منهم * إنما يحمل اللواء النجوم

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قال حسَّان هذه القصيدة ‏‏:‏‏ ‏‏ منع النوم بالعشاء الهموم ‏‏

ليلاً ، فدعا قومه ، فقال لهم ‏‏:‏‏ خشيت أن يدركني أجلي قبل أن أصبح ، فلا ترووها عني

ما قاله الحجاج بن علاط

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن علاط السلمي يمدح أبا الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة بن عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار صاحب ؛ لواء المشتركين يوم أحد ‏‏:‏‏

لله أي مذبب عن حرمة * أعني ابن فاطمة المعمَّ المخولا ‏

سبقتْ يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدّلا

وشددتَ شدة باسل فكشفتهم * بالجر إذ يهوون أخول أخولا

حسَّان يبكي حمزة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت يبكي حمزة بن عبدالمطلب ومن أصيب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ‏‏:‏‏

يا ميَّ قومي فاندبن * بسحيرة شجو النوائح

كالحاملات الوقر بالثقل * الملحات الدوالح

المعولات الخامشات * وجوه حرات صحائح

وكأن سيل دموعها الأنصاب * تخضب بالذبائح

بنقضن أشعرا لهن * هناك بادية المسائح

وكأنها أذناب خيل * بالضحى شمس روامح ‏

من بين مشزور ومجزور * يذعذع بالبوارح

يبكين شجوا مسلبات * كدحتهن الكوادح

ولقد أصاب قلوبها * مجل له جلب قوارح

إذ أقصد الحدثان من * كنا نرجي إذ نشائح

أصحاب أحد غالهم * دهر ألم له جوارح

من كان فارسنا وحامينا * إذا بعث المسالح

يا حمزة لا والله لا * أنساك ما صر اللقائح

لمناخ أيتام وأضيــ * ــاف وأرملة تلامح

ولما ينوب الدهر في * حرب لحرب وهي لاقح

يا فارساً يا مدرها * يا حمز قد كنت المصامح

عنَّا شديدات الخطوب * إذا ينوب لهن فادح

ذكرتني أسد الرسول * وذاك مدرهنا المنافح

عنا وكان يعد إذ * عد الشريفون الجحاجح

يعلو القماقم جهرة * سبط اليدين أغر واضح

لا طائش رعش ولا * ذو علة بالحمل آنح ‏

بحر فليس يغيب جاراً * منه سيب أو منادح

أودي شباب أولي الحفائظ * والثقيلون المراجح

المطعمون إذا المشاتي * ما يصففهن ناضح

لحم الجلاد وفوقه * من شحمه شطب شرائح

ليدافعوا عن جارهم * ما رام ذو الضغن المكاشح

لهفي لشبان رزئناهم * كأنهم المصابح

شم بطارقة غطارفة * خضارمة مسامح

المشترون الحمد بالأموال * إن الحمد رابح

والجامزون بلجمهم * يوما إذا ما صاح صائح

من كان يرمي بالنواقر * من زمان غير صالح

ما إن تزال ركابه * يرسمن في غبر صحاصح

راحت تبارى وهو في * ركب صدورهم رواشح

حتى تئوب له المعالي * ليس من فوز السفائح

يا حمزة قد أوحدتني * كالعود شذَّ به الكوافح

أشكو إليك وفوقك الترب * المكور والصفائح

من جندل نلقيه فوقكم * إذ أجاد الضرح ضارح

في واسع يحشونه * بالترب سوَّته المماسح

فغزاؤنا أنا نقول * وقولنا برح بوارح

من كان أمسى وهو عما * أوقع الحدثان جانح

فليأتنا فلتبك عيناه * لهلكانا النوافح

القائلين الفاعلين * ذوي السماحة والممادح

من لا يزال ندى يديه له * طوال الدهر مائح

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان ، وبيته ‏‏:‏‏ ‏‏المطعمون إذا المشاتي ‏‏ وبيته ‏‏:‏‏ ‏‏ الجامزون بلجمهم ‏‏ وبيته ‏‏:‏‏ ‏‏من كان يرمى بالنواقر ‏‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏:

شعر حسَّان أيضاً في بكاء حمزة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً يبكي حمزة بن عبدالمطلب ‏‏:‏‏

أتعرف الدار عفا رسمها * بعدك صوب المسبل الهاطل

بين السراديح فأدمانة * فمدفع الروحاء في حائل ‏

ساءلتها عن ذاك فاستعجمت * لم تدر ما مرجوعة السائل

دع عنك داراً قد عفا رسمها * وابك على حمزة ذي النائل

المالئ الشيزي إذا أعصفت * غبراء في ذي الشَّبم الماحل

والتارك القرن لدى لبدةٍ * يعثر في ذي الخروص الذابل

واللابس الخيل إذ اجحمت * كالليث في غابته الباسل

أبيض في الذروة من هاشم * لم يمر دون الحق بالباطل

مال شهيدا بين أسيافكم * شلت يدا وحشي من قاتل

أي امرىء غادر في أله * مطرورة مارنة العامل

أظلمت الأرض لفقدانه * واسود نور القمر الناصل

صلى عليه الله في جنة * عالية مكرمة الداخل

كنا نرى حمزة حرزا لنا * في كل أمر نابنا نازل

وكان في الإسلام ذا تدرأ * يكفيك فقد القاعد الخاذل

لا تفرحي يا هند واستجلبي * دمعا وأذري عبرة الثاكل

وابكي على عتبة إذ قطه * بالسيف تحت الرهج الجائل

إذا خر في مشيخة منكم * من كل عات قلته جاهل

أرداهم حمزة في أسرة * يمشون تحت الحلق الفاضل

غداة جبريل وزير له * نعم وزير الفارس الحامل

ما قاله كعب بن مالك في رثاء لحمزة

وقال كعب بن مالك يبكي حمزة بن عبدالمطلب ‏‏:‏‏

طرقت همومك فالرقاد مَسَهَّدُ * وجزعت أن سُلخ الشباب الأغيد

ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غوري وصحوك منجد

فدع التمادى في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند

ولقد أنى لك أن تناهى طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد

ولقد هددت لفقد حمزة هدة *ظلت بنات الجوف منها ترعد

ولو أنه فجعت حراء بمثله * لرأيت راسي صخرها يتبدد

قرم تمكَّنَ في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسودد

والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد

والتارك القرن الكمي مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد

وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذو لبدة شئن البراثن أربد

عم النبي محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد

وأتى المنية معلماً في أسرة * نصروا النبي ومنهم المستشهد

ولقد أخال بذاك هندا بشرت * لتميت داخل غصة لا تبرد

مما صبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الأسعد ‏

وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد

حتى رأيت لدى النبي سراتهم * قسمين يقتل من نشاء ويطرد

فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون ‏‏:‏‏ عتبة منهم والأسود

وابن المغيرة قد ضربنا ضربة *فوق الوريد لها رشاش مزبد

وأمية الجمحي قوَّم ميله * عضب بأيدي المؤمنين مهند

فأتاك فلُّ المشركين كأنهم * والخيل تثفنهم نعام شرد

شتَّان من هو في جهنَّم ثاويا * أبدا ومن هو في الجنان مخلَّد

وقال كعب أيضاً يبكي حمزة

صفية قومي ولا تعجزي * وبكي النساء على حمزة

ولا تسأمي أن تطيلي البكا * على أسد الله في الهزة

فقد كان عزاً لأيتامنا * وليث الملاحم في البزّة

يريد بذاك رضا أحمدٍ * ورضوان ذي العرش والعزة

ما قاله كعب في غزوة أحد

وقال كعب أيضاً في أحد ‏‏:‏‏

إنك عمر أبيك الكريم * أن تسألي عنكك من يجتدينا

فإن تسألي ثم لا تُكذبي * يخبرك من قد سألت اليقينا

بأنا ليالي ذات العظام * كنا ثمالا لمن يعترينا

تلوذ البجود بأذرائنا * من الضر في أزمات السنينا

بجدوى فضول أولى وجدنا * وبالصبر والبذل في المعدمينا

وأبقت لنا جلمات الحروب * ممن نوازي لدن أن برينا

معاطن تهوى إليها الحقوق * يحسبها من رآها الفتينا

تخيَّس فيها عتاقُ الجمال * صحما دواجن حمرا وجونا

ودفَّاع رجلٍ كموج الفرات * يقدم جأواء جولا طحونا

ترى لونها مثل لون النجوم * رجراجة تبرق الناظرينا

فإن كنت عن شأننا جأهلا * فسل عنه ذا العلم ممن يلينا

بنا كيف نفعل إن قلَّصت * عوانا ضروسا عضوضا حجونا

ألسنا نشد عليها العصاب * حتى تدر وحتى تلينا

ويوم له رهج دائم * شديد التهاول حامي الأرينا

طويل شديد أوار القتال * تنفي قواحزه المقرفينا

تخال الكماة بأعراضه * ثمالاً على لذَّةٍ منزفينا

تعاور أيمانهم بينهم * كئوس المنايا بحد الظبينا

شهدنا ككنا أولي بأسه * وتحت العماية والمعلمينا

بخرس الحسيس حسَّان رواء * وبصريَّة قد أجمن الجفونا

فما ينفللن وما ينحنين * وما ينتهين إذا ما نهينا

كبرق الخريف بأيدي الكماة * يفجعن بالظل هاما سكونا

وعلمنا الضرب آباؤنا * وسوف نعلم أيضاً بنينا

جلاد الكماة وبذل التلاد * عن جل أحسابنا ما بقينا

إذا مر قرن كفى نسله * وأورثه بعده آخرينا

نشبّ وتهلك آباؤنا * وبينا نربي بنينا فنينا

سألت بك ابن الزبعرى فلم * أنبأك في القوم إلا هجينا‏

خبيثا تطيف بك المنديات * مقيما على اللؤم حينا فحينا

تبجست تهجو رسول المليك * قاتلك الله جلفا لعينا

بقول الخنا ثم ترمى به * نقي الثياب تقيا أمينا

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدني بيته‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ بنا كيف نفعل ‏‏"‏‏ والبيت الذي يليه ، والبيت الثالث منه ، وصدر الرابع منه ، وقوله ‏‏"‏‏نشبُّ وتهلك أباؤنا‏‏"‏‏ والبيت الذي يلييه والبيت الثالث منه ، أبو زيد الأنصاري

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال كعب بن مالك أيضاً في يوم أحد

سائل قريشا غداة السفح من أحد * ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب

كنا الأسود وكانوا النمر إذ زحفوا * ما إن نراقب من آل ولا نسب

فكم تركنا بها من سيد بطل * حامي الذمار كريم الجد والحسب

فينا الرسول شهاب ثم يتبعه * نور مضىء له فضل على الشهب

الحق منطقة والعدل سيرته * فمن يجبه إليه ينج من تبب

نجد المقدم ماضي الهم معتزم * حين القلوب على رجف من الرعب

يمضي ويذمرنا عن غير معصية * كأنه البدر لم يطبع على الكذب

بدا لنا فاتبعناه نصدقه * وكذبوه فكنا أسعد العرب

جالوا وجلنا فما فاءوا * ونحن نثفنهم لم نأل في الطلب

ليسا سواء وشتى بين أمرهما * حزب الإله وأهل الشرك والنصب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدني من قوله يمضي ويذمرنا إلى آخرها أبو زيد الأنصاري ‏‏.‏‏

شعر ابن رواحة في رثاء حمزة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال عبدالله ابن رواحة يبكي حمزة بن عبدالمطلب ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك ‏‏.‏‏

بكت عيني وحق لها بكاها * وما يعني البكاء ولا العويل

على أسد الإله غداة قالوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل

أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول

أبا يعلى لك الأركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول

عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول

ألا يا هاشم الأخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل

رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول

ألا من مبلغ عني لؤيا * فبعد اليوم دائلة تدول

وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يشفي الغليل

نسيتم ضربنا بقليب بدر * غداة اتاكم الموت العجيل

غداة ثوى أبو جهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول

وعتبة ابنه خرا جميعا * وشيبة عضه السيف الصقيل

ومتركنا أمية مجلعبا * وفي حيزومه لدن نبيل

وهام بنى ربيعة سائلوها * ففي أسيافنا منها فلول

ألا يا هند فابكي لا تملي * فانت الواله العبرى الهبول

ألا يا هند لا تبدي شماتا * بحمزة إن عزكم ذليل

ما قاله كعب بن مالك في أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال كعب بن مالك

أبلغ قريشا على نأيها * أتفخر منا بما لم تلي ‏

فخرتم بقتلي أصابتهم * فواضل من نعم المفضل

فحلوا جنانا وأبقوا لكم * أسودا تحامي عن الأشبل

تقاتل عن دينها ، وسطها * نبي عن الحق لم ينكل

رمته معدٌّ بعور الكلام * ونبل العداوة لا تأتلي

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدني ‏‏:‏‏ قوله ‏‏"‏‏لم تلي ‏‏"‏‏ وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏من نعم المفضل ‏‏"‏‏ أبو زيد الأنصاري ‏‏.‏‏

ما قاله ضرار بن الخطاب من الشعر في غزوة أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال ضرار بن الخطاب في يوم أحد ‏‏:‏‏

ما بال عينك قد أزرى بها السهد * كأنما جال في أجفانها الرمد

أمن فراق حبيب كنت تألفه * قد حال من دونه الأعداء والبعد

أم ذاك من شغب قوم لا جداء بهم * إذ الحروب تلظت نارها تقد

ما ينتهون عن الغي الذي ركبوا * وما لهم من لؤي ويحهم عضد

وقد نشدناهم بالله قاطبة * فما تردهم الأرحام والنشد

حتى إذا ما أبوا إلا محاربة * واستحصدت بيننا الأضعان والحقد

سرنا إليهم بجيش في جوانبه * قوانس البيض والمحبوكة السرد

والجرد ترفل بالأبطال شازبة * كأنها حدا في سيرها تؤد

جيش يقودهم صخر ويرأسهم * كأنه ليث غاب هاصر حرد

فأبرز الحين قوما من منازلهم * فكان منا ومنهم ملتقي أحد

فغودرت منهم قتلى مجدلة * كالمعز أصرده بالصردح البرد

قتلى كرام بنو النجار وسطهم * ومصعب من قنانا حوله قصد

وحمزة القرم مصروع تطيف به * ثكلى وقد حز منه الأنف والكبد

كأنه حين يكبو في جديته * تحت العجاج وفيه ثعلب جسد

حوار ناب وقد ولى صحابته * كما تولى النعام الهارب الشرد

مجلحين ولا يلوون قد ملئوا * رعبا ، فنجتهم العوصاء والكؤد

تبكي عليه نساء لا بعول لها * من كل سالبة اثوابها قدد

وقد تركناهم للطير ملحمة * وللضباع الى أجسادهم تفد

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار ‏‏.‏‏

ما ارتجز به أبو زعنة يوم أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال أبو زعنة بن عبدالله بن عمرو بن عتبة ؛ أخو بني جشم بن الخزرج ، يوم أحد ‏‏:‏‏

انا أبو زعنة يعدو بي الهزم * لم تمنع المخزاة إلا بالألم

يحمي الذمار خزرجي من جشم*

ما نسب لعلي رضي الله عنه من الرجز يوم أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال علي بن أبي طالب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قالها رجل من المسلمين يوم أحد غير علي ، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر ، ولم أر أحدًا منهم يعرفها لعلي

لاهم إن الحارث بن الصمة * كان وفيا وبنا ذا ذمة

أقبل في مهامة مهمة * كليلة ظلماء مدلهمة

بين سيوف ورماح جمة * يبغي رسول الله فيما ثمة

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قوله ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏كليلة ‏‏"‏‏ عن غير ابن إسحاق

ما قاله عكرمة يوم أحد

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال عكرمة بن أبي جهل في يوم أحد

كلهم يزجره أرحب هلا * ولن يروه اليوم إلا مقبلا

يحمل رمحا ورئيسا جحفلا

ما قاله أعشى بن زرارة التميمي يبكي قتلى أحد من بني عبدالدار

وقال الأعشى بن زرارة بن النباش التميمي - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ثم أحد بني أسد بن عمرو بن تميم - يبكي قتلى بني عبدالدار يوم أحد ‏‏:‏‏

حيي من حيّ علي نأيهم * بنو أبي طلحة لا تصرف

يمر ساقيهم عليهم بها * وكل ساق لهم يعرف

لا جارهم يشكو ولاضيفهم * من دونه باب لهم يصرف

ما قاله ابن الزبعرى يوم أحد

وقال عبدالله بن الزبعرى يوم أحد ‏‏:‏‏

قتلنا ابن جحش فاغتبطنا بقتله * وحمزة في فرسانه وابن قوقل

وأفلتنا منهم رجال فأسرعوا * فليتهم عاجوا ولم نتعجل

أقاموا لنا حتى تعض سيوفنا * سراتهم وكلنا غير عزل

وحتى يكون القتل فينا وفيهم * ويلقوا صبوحا شره غير منجلي

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وقوله ‏‏"‏‏ وكلنا ‏‏"‏‏ قوله ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ويلقوا صبوحا ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏.‏‏

ما رثت به صفية أخاها حمزة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقالت صفية بنت عبدالمطلب تبكي أخاها حمزة بن عبدالمطلب ‏‏:‏‏

أسائلة أصحاب أحد مخافة * بنات أبي من أعجم وخبير

فقال الخبير إن حمزة قد ثوى * وزير رسول الله خير وزير

دعاه إله الحق ذو العرش دعوة * إلى جنة يحيا بها وسرور

فذلك ما كنا نرجِّي ونرتجي * لحمزة يوم الحشر خير مصير

فوالله لا أنساك ما هبت الصبا * بكاء وحزنا محضري ومسيري

على أسد الله الذي كان مدرها * يذود عن الإسلام كل كفور

فيا ليت شلوي عند ذاك وأعظمي * لدى أضبع تعتادني ونسور

أقول وقد أعلى النعي عشيرتي * جزى الله خيرا من أخ ونصير

بكاء وحزنا محضري ومسيري *

ما بكت به نعم زوجها شماسا

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقالت نعم ، امرأة شماس بن عثمان ، تبكي شماسا ، وقد أصيب يوم أحد ‏‏:‏‏

يا عين جودي بفيض غير إبساس * على كريم من الفتيان أبَّاس

صعب البديهة ميمون نقيبته * حمَّال ألوية ركَّاب أفراس

أقول لما أتى الناعي له جزعا * أودي الجواد وأودى المطعم الكاسي

وقلت لما خلت منه مجالسه * لا يبعد الله عنا قرب شماس

ما قاله أبو الحكم أخو نعم يعزيها

فأجابها أخوها ، وهو أبو الحكم بن سعيد بن يربوع ، يعزيها ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏

إقنى حياءك في ستر وفي كرم * فإنما كان شماس من الناس

لا تقتلي النفس إذ حانت منيته * في طاعة الله يوم الروع والباس

قد كان حمزة ليث الله فاصطبري * فذاق يومئذ من كأس شماس

ما قالته هند بنت عتبة بعد رجوعها من أحد

وقالت هند بنت عتبة ، حين انصرف المشركون عن أحد ‏‏:‏‏

رجعت وفي نفسي بلابل جمة * وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي

من أصحاب بدر من قريش وغيرهم * بني هاشم منهم ومن أهل يثرب

ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن * كما كنت أرجو في مسيري ومركبي

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر قولها ‏‏:‏‏

‏‏"‏‏ وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي ‏‏"‏‏

وبعضهم ينكرها لهند ، والله أعلم ‏‏.

ذكر يوم الرجيع في سنة ثلاث

مقتل خبيب وأصحابه

قال ‏‏:‏‏ حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال ‏‏:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال ‏‏:‏‏ حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة ، قال ‏‏:‏‏ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عَضَل والقارة ‏‏.‏‏

نسب عضل والقارة

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عضل والقارة ، من الهون بن خزيمة بن مدركة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏.‏‏ الهُون ، بضم الهاء ‏‏.‏‏

النفر من المسلمن الذين ذهبوا لتعليمهم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فقالوا ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ، ويعلموننا شرائع الإسلام ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرا ستة من أصحابه ، وهم ‏‏:‏‏ مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، حليف حمزة بن عبدالمطلب ؛ وخالد بن البكير الليثي ، حليف بني عدي بن كعب ، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، أخو بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ؛ وخبيب بن عدي ، أخو بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة بن معاوية ، أخو بني بياضة بن عمرو بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غصب بن جشم بن الخزرج ؛ وعبدالله بن طارق ، حليف بني ظفر بن الخزرج بن عمرو بن ملاك بن الأوس ‏‏.‏‏

غدر عضل والقارة بمن أرسلهم الرسول

وأمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، فخرج مع القوم ، حتى إذا كانوا على الرجيع ، ماء لهذيل بناحية الحجاز ، على صدور الهدأة غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم ، وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم ، فقالوا لهم ‏‏:‏‏ إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم ‏‏.‏‏

من قتل منهم

فأما مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، فقالوا ‏‏:‏‏ والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ؛ فقال عاصم بن ثابت ‏‏:‏‏

ما علتي وأنا جلد ونابل * والقوس فيها وتر عنابل

تزل عن صفحتها المعابل * الموت حق والحياة باطل

وكل ما حم الإله نازل * بالمرء والمرء إليه آئل

إن لم أقاتلكم فأمي هابل



وقال عاصم بن ثابت أيضاً ‏‏:‏‏

أبو سليمان وريش المقعد * وضالة مثل الجحيم الموقد

إذا النواجي افترشت لم أرعد * ومجنأ من جلد ثور أجرد

ومؤمن بما على محمد *

وقال عاصم بن ثابت أيضاً ‏‏:‏‏

أبو سليمان ومثلي رامى * وكان قومي معشرا كراما

وكان عاصم بن ثابت يكنى ‏‏:‏‏ أبا سليمان ‏‏.‏‏ ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه ‏‏.‏‏

حماية الدبر عاصما

فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ، ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد ‏‏:‏‏ لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر ، فمنعه الدبر ، فلما حالت بينه وبينهم ، قالوا ‏‏:‏‏ دعوه يمسي فتذهب عنه ‏‏.‏‏ فنأخذه فبعث الله الوادي ، فاحتمل عاصما ، فذهب به ‏‏.‏‏ وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ، ولا يمس مشركا أبدا ، تنجسا ؛ فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ‏‏:‏‏ حين بلغه أن الدبر منعته ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ يحفظ الله العبد المؤمن ‏‏"‏‏ كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ، ولا يمس مشركا أبدا في حياته ، فمنعه الله بعد وفاته ، كما امتنع منه في حياته ‏‏.‏‏ ‏

بيع خبيب وابن الدثنة وقتل عبدالله بن طارق

وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي ، وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة ، فأعطوا بأيديهم فأسروهم ، ثم خرجوا إلى مكة ، ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من القران ، ثم أخذ سيفه ، واستأخر عنه القوم ، فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره ، رحمه الله ، بالظهران ؛ وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فابتاع خبيبا حُجير بن أبي إهاب التميمي ، حليف بني نوفل ، لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه لقتله بأبيه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الحارث بن عامر ، خال أبي إهاب ، وأبو إهاب أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم ؛ ويقال ‏‏:‏‏ أحد بني عدس بن زيد بن عبدالله بن دارم ، من بني تميم ‏‏.‏‏

من قوة إيمان ابن الدثنة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه ، أمية بن خلف ، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له ، يقال له نسطاس ، إلى التنعيم ، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه ‏‏.‏‏ واجتمع رهط من قريش ، فيهم أبو سفيان بن حرب ؛ فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل ‏‏:‏‏ أنشدك الله يا زيد ، أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه ، وأنك في أهلك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ ‏والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ، وأني جالس في أهلي ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ يقول أبو سفيان ‏‏:‏‏ ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمدٍ محمدا ؛ ثم قتله نِسطاس ، يرحمه الله ‏‏.‏‏

دعوة خبيب ومقتله

وأما خبيب بن عدي ، فحدثني عبدالله بن أبي نجيح ، أنه حُدّث عن ماوية ، مولاة حجير بن أبي إهاب ، وكانت قد أسلمت ، قالت ‏‏:‏‏ كان خبيب عندي ، حبس في بيتي ، فلقد اطلعت عليه يوما ، وإن في يده لقطفا من عنب ، مثل رأس الرجل يأكل منه ، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي نجيح جميعا أنها قالت ‏‏:‏‏ قال لي حين حضَره القتل ‏‏:‏‏ ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل ؛ قالت ‏‏:‏‏ فأعطيت غلاما من الحي الموسى ؛ فقلت ‏‏:‏‏ ادخل بها على هذا الرجل البيت ؛ قالت ‏‏:‏‏ فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه ؛ فقلت ‏‏:‏‏ ماذا صنعت ، أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام ، فيكون رجلا برجل ، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال ‏‏:‏‏ لعمرك ، ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي ، ثم خلى سبيله ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ إن الغلام ابنها ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ قال عاصم ‏‏:‏‏ ثم خرجوا بخبيب ، حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه ، قال لهم ‏‏:‏‏ إن رأيتم ان تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا ، قالوا ‏‏:‏‏ دونك فاركع ، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال ‏‏:‏‏أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ ثم رفعوه على خشبة ، فلما أوثقوه ، قال ‏‏:‏‏ اللهم إنّا قد بلغنا رسالة رسولك ، فبلغه الغداة ما يصنع بنا ، ثم قال ‏‏:‏‏ اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم احدا ‏‏.‏‏ ثم قتلوه رحمه الله ‏‏.‏‏

فكان معاوية بن أبي سفيان يقول ‏‏:‏‏ حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان ، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب ، وكانوا يقولون ‏‏:‏‏ إن الرجل إذا دعي عليه ، فاضطجع لجنبه زالت عنه ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، عن عقبة بن الحارث ، قال سمعته يقول ‏‏:‏‏ ما أنا والله قتلت خبيبا ، لأني كنت أصغر من ذلك ، ولكن أبا ميسرة ، أخا بن عبدالدار ، أخذ الحربة فجعلها في يدي ، ثم أخذ بيدي وبالحربة ، ثم طعنه بها حتى قتله ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أصحابنا ، قال ‏‏:‏‏ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام ، فكانت تصيبه غشية ، وهو بين ظهري القوم ، فذكر ذلك لعمر ابن الخطاب ، وقيل ‏‏:‏‏ إن الرجل مصاب ، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه ، فقال ‏‏:‏‏ يا سعيد ، ما هذا الذي يصيبك ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس ، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل ، وسمعت دعوته ، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي ، فزادته عند عمر خيرا ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الأشهر الحرم ، ثم قتلوه ‏‏.‏‏

ما نزل في سرية الرجيع من القرآن

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان مما نزل من القرآن في تلك السرية ، كما حدثني مولى لآل زيد ابن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ قال ابن عباس ‏‏:‏‏ لما أُصيبت السرية التي كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع ، قال رجال من المنافقين ‏‏:‏‏ يا ويح هؤلاء المقتولين الذي هلكوا ، لا هم قعدوا في أهليهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المنافقين ، وما أصاب أولئك النفر من الخير بالذي أصابهم ، فقال سبحانه ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ‏‏"‏‏‏‏:‏‏ أي لما يُظهر من الإسلام بلسانه ، ‏‏"‏‏ ويشهد الله على ما في قلبه ‏‏"‏‏ وهو مخالف لما يقول بلسانه ، ‏‏"‏‏ وهو ألد الخصام ‏‏"‏‏ أي ‏‏:‏‏ ذو جدال إذا كلمك واجعك ‏‏.‏‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ الألد ‏‏:‏‏ الذي يشغب ، فتشتد خصومته ، وجمعه ‏‏:‏‏ لُدّ ‏‏.‏‏ وفي كتاب الله عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ وتنذر به قوما لدا ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ وقال المهلهل‏ بن ربيعة التغلبي ‏‏:‏‏ واسمه امرؤ القيس ، ويقال ‏‏:‏‏ عدي بن ربيعة ‏‏:‏‏

إن تحت الأحجار حدا ولينا * وخصيما ألد ذا معلاق

ويروي ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ذا مغلاق ‏‏"‏‏ فيما قال ابن هشام ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ؛ وهو الألندد ‏‏.‏‏

قال الطرماح بن حكيم الطائي يصف الحرباء ‏‏:‏‏

يوفي على جذم الجذول كأنه خصم أبر على الخصوم ألندد

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ قال تعالى ‏‏"‏‏ وإذا تولى ‏‏"‏‏‏‏:‏‏ أي خرج من عندك ‏‏"‏‏ سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد ‏‏"‏‏ أي ‏‏:‏‏ لا يحب عمله ولا يرضاه ‏‏"‏‏ وإذ قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ‏‏.‏‏ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد ‏‏"‏‏‏‏:‏‏ أي قد شروا أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله ، والقيام بحقه ، حتى هلكوا على ذلك ، يعني تلك السرية ‏‏.‏‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ يشري نفسه ‏‏:‏‏ يبيع نفسه ، وشروا ‏‏:‏‏ باعوا ‏‏.‏‏ قال يزيد ابن ربيعة بن مفرغ الحميري ‏‏:‏‏

وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامة

برد ‏‏:‏‏ غلام له باعه ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ وشرى أيضاً ‏‏:‏‏ اشترى ‏‏.‏‏

قال الشاعر ‏‏:‏‏

فقلت لها لا تجزعي أم مالك * على ابنيك إن عبد لئيم شراهما

شعر خبيب قبل صلبه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان مما قيل في ذلك من الشعر ، قول خبيب بن عدي ، حين بلغه أن القوم قد اجتمعوا لصلبه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له ‏‏.‏‏

لقد جمّع الأحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وكلهم مبدي العداوة جاهد * علي لأني في وثاق بمضيع

وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم * وقُربت من جذع طويل ممنع

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي * وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي

فذا العرش ، صبرني على ما يراد بي * فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد خيروني الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناي من غير مجزع

وما بي حذار الموت إني لميت * ولكن حذاري جحم نار ملفع

فوالله ما أرجو إذا مت مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي

فلست بمبدٍ للعدو تخشعا * ولا جزعا إني إلى الله مرجعي ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

حسَّان يرثي خبيبا

وقال حسَّان بن ثابت يبكي خبيبا ‏‏:‏‏

ما بال عينك لا ترقا مدامعها * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق

على خبيب فتى الفتيان قد علموا * لا فشل حين تلقاه ولا نزق

فاذهب خبيب جزاك الله طيّبة * وجنة الخلد عند الحور في الرفق

ماذا تقولون إن قال النبي لكم * حين الملائكة الأبرار في الأفق

فيم قتلتم شهيد الله في رجل * طاغ قد أوعث في البلدان والرفق

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويروى ‏‏"‏‏ الطرق ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ وتركنا ما بقي منها ، لأنه أقذع فيها

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً يبكي خبيبا ‏‏:‏‏

يا عين جودي بدمع منك منسكب * وابكي خبيبا مع الفتيان لم يؤب

صقرا توسط في الأنصار منصبه * سمح السجية محضا غير مؤتشب

قد هاج عين على علات عبرتها * إذ قيل نص إلى جذع من الخشب

يا أيها الراكب الغادي لطيته * أبلغ لديك وعيدا ليس بالكذب

بني كهيبة أن الحرب قد لقحت * محلو بها الصاب إذ تمري لمحتلب

فيها أسود بني النجار تقدمهم * شهب الأسنة في معصوصب لجب

فكان معاوية بن أبي سفيان يقول ‏‏:‏‏ حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان ، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب ، وكانوا يقولون ‏‏:‏‏ إن الرجل إذا دعي عليه ، فاضطجع لجنبه زالت عنه ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وهذه القصيدة مثل التي قبلها ، وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسَّان ، وقد تركنا أشياء قالها حسَّان في أمر خبيب لما ذكرت ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أصحابنا ، قال ‏‏:‏‏ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام ، فكانت تصيبه غشية ، وهو بين ظهري القوم ، فذكر ذلك لعمر ابن الخطاب ، وقيل ‏‏:‏‏ إن الرجل مصاب ، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه ، فقال ‏‏:‏‏ يا سعيد ، ما هذا الذي يصيبك ‏‏؟‏‏ فقال ‏‏:‏‏ والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس ، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين‏ قتل ، وسمعت دعوته ، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي ، فزادته عند عمر خيرا ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً ‏‏:‏‏

لو كان في الدار قرم ماجد بطل * ألوى من القوم صقر خاله أنس

إذن وجدت خبيبا مجلسا فسحا * ولم يشد عليك السجن والحرس

ولم تسقك إلى التنعيم زعنفة * من القبائل منهم من نفت عدس

دلوك غدرا وهم فيها أولو خلف * وأنت ضيم لها في الدار محتبس

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنس الأصم السلمي ‏‏:‏‏خال مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ‏‏.‏‏ وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏من نفت عدس ‏‏"‏‏ يعني حجير بن أبي إهاب ؛ ويقال ‏‏:‏‏ الأعشى بن زرارة بن النباش الأسدي ، وكان حليفا لبني نوفل بن عبد مناف ‏‏.‏‏

من اجتمعوا لقتل خبيب

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله حين قتل من قريش ، عكرمة بن أبي جهل ،وسعيد بن عبدالله بن أبي قيس بن عبد ود ،والأخنس بن شريق الثقفي ،حليف بني زهرة ، وعبيدة بن حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي ، حليف بني أمية بن عبد شمس ، وأمية بن أبي عتبة ، وبنو الحضرمي ‏‏.‏‏

حسَّان يهجو هذيل لقتلهم خبيبا

وقال حسَّان أيضاً يهجو هذيلا فيما صنعوا بخيب بن عدي ‏‏:‏‏

أبلغ بني عمرو بأن أخاهم * شراه امرؤ قد كان للغدر لازما

شراه زهير بن الأغر وجامع * وكانا جميعا يركبان المحارما

أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم * وكنتم بأكتاف الرجيع لهاذما

فليت خبيبا لم تخنه أمانة * وليت خبيبا كان بالقوم عالما

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ زهير بن الأغر ،وجامع ‏‏:‏‏ الهذليان اللذان باعا خبيباً

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً ‏‏:‏‏

إن سرَّك الغدر صرفا لا مزاج له * فأت الرجيع فسل عن دار لحيان

قوم تواصوا بأكل الجار بينهم * فالكلب والقرد والأنسان مثلان

لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وأنشدني أبو زيد الأنصاري قوله

لو ينطق التيس يوما قال يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً يهجو هذيلا ‏‏:‏‏

لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم

أحاديث لحيان صلو بقبيحها * ولحيان جرَّامون شر الجرائم

أناس هم من قومهم في صميمهم * بمنزلة الزمعان دبر القوادم

هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم

رسول رسول الله غدراً ولم تكن * هذيل توقَّى منكرات المحرم

فسوف يرون النصر يوماًعليهم *بقتل الذي تحميه دون الحرائم

أبابيل دبر شمس دون لحمه * حمت لحم شهاد عظام الملاحم

لعل هزيلاً أن يروا بمصابة * مصارع قتلى أو مقاماً لماتم

ونوقع فيهم وقعة ذات صولة * يوافي بها الركبان أهل المواسم

بأمر رسول الله إن رسوله * رأى رأى ذي حزم بلحيان عالم

قبيلة ليس الوفاء يهمهم * وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم

إذا الناس حلوا بالقضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم

محلهم دار البوار ورأيهم * إذا نابهم أمر كرأي البهائم

وقال حسَّان بن ثابت يهجو هذيلا

لحى الله لحيانا فليست دماؤهم * لنا من قتيلى غدرة بوفاء

همو قتلوا يوم الرجيع ابن حرة * أخا ثقة في وده وصفاء

فلو قتلوا يوم الرجيع بأسرهم * بذي الدبر ما كانوا له بكفاء

قتيل حمته الدبر بين بيوتهم * لدى أهل كفر ظاهر وجفاء

فقد قتلت لحيان أكرم منهم * وباعوا خبيبا ويلهم بلفاء

فأف للحيان على كل حالة * على ذكرهم في الذكر كل عفاء

قبيلة باللؤم والغدر تغتري * فلم تمس يخفى لؤمها بخفاء

فلو قتلوا لم توف منه دماؤهم * بلى إن قتل القاتليه شفائي

فإلا أمت أذعر هذيلا بغارة * كغادي الجهام المغتدي بإفاء

بأمر رسول الله والأمر أمره * يبيت للحيان الخنا بفناء

يصبح قوما بالرجيع كأنهم * جداء شتاء بتن غير دفاء ‏‏.‏‏

وقال حسَّان بن ثابت أيضاً يهجو هذيلا

فلا والله ما تدرى هذيل أصاف ماء زمزم أم مشوب



ولكن الرجيع لهم محل * به اللؤم المبين والعيوب

كأنهم لدى الكنَّات أصلاً * تيوس بالحجاز لها نبيب

هم غروا بذمتهم خبيبا * فبئس العهد عهدهم الكذوب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ آخرها بيتا عن أبي زيد الأنصاري

حسَّان يرثي خبيباً وأصحابه

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت يبكي خبيبًا وأصحابه ‏‏:‏‏

صلى الإله على الذين تتابعوا * يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا

رأس السرية مرثد وأميرهم * وابن البكير إمامهم وخبيب

وابن لطارق وابن دثنة منهم * وافاة ثم حمامه المكتوب

والعاصم المقتول عند رجيعهم * كسب المعالي إنه لكسوب

منع المقادة أن ينالوا ظهره * حتى يجالد إنه لنجيب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويروى ‏‏:‏‏ حتى يجدل إنه لنجيب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان



حديث بئر معونة في صفر سنة أربع

بعث بئر معونة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة - وولي تلك الحجة المشركون والمحرم - ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة في صفر ، على رأس أربعة أشهر من أحد ‏‏.‏‏

سبب إرسال بعث معونة

وكان من حديثهم ، كما حدثني أبي إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم ، قالوا ‏‏:‏‏ قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام ، وقال ‏‏:‏‏ يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد ؛ فدعوهم إلى أمرك ، رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ إني أخشى عليهم أهل نجد ، قال أبو براء ‏‏:‏‏ أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك ‏‏.‏‏

من رجال البعث

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو ، أخا بني ساعدة ، المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه ، من خيار المسلمين ، منهم الحارث بن الصمة ، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار ، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ، ونافع ابن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فهيرة ؛ مولى أبي بكر الصديق ، في رجال مسمَّين من خيار المسلمين ‏‏.‏‏ فساروا حتى نزلوا ببئر معونة ،وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم ، كلا البلدين منها قريب ، وهي إلى حرة بني سليم أقرب ‏‏.‏‏

غدر عامر بالبعث

فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ؛ فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ، ثم استصرخ عليهم بني عامر ، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا ‏‏:‏‏ لن نخفر أبا براء ، وقد عقد لهم عقدا وجوارا ، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عصية ورعل وذكوان ، فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ، ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند أخرهم ، يرحمهم الله ، إلا كعب بن زيد ، أخا بني دينار بن النجار ، فإنهم تركوه وبه رمق الموت ، فارتث من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا ، رحمه الله ‏‏.‏‏

ابن أمية و المنذر و موقفهما من القوم بعد علمهما بمقتل أصحابهما

وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ، ورجل من الأنصار ، أحد بني عمرو بن عوف ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر ، فقالا ‏‏:‏‏ والله إن لهذه الطير لشأنا ‏‏:‏‏ فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ‏‏.‏‏ فقال الأنصاري ‏‏:‏‏ لعمرو بن أمية ‏‏:‏‏ ما ترى ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر ، فقال الأنصاري ‏‏:‏‏ لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وماكنت لتخبرني عنه الرجال ؛ ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا ، فلما أخبرهم أنه من مضر ، أطلقه عامر بن الطفيل ، وجز ناصيته ، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه ‏‏.‏‏

ثأر عمرو بن أمية من العامريين

فخرج عمرو بن أمية ، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة ، أقبل رجلان من بني عامر ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ثم من بني كلاب ، وذكر أبو عمرو المدني ، أنهما من بني سليم ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حتى نزلا معه في ظل هو فيه ‏‏.‏‏ وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار ،لم يعلم به عمرو بن أمية ،وقد سألهم حين نزلا ،ممن انتما ‏‏؟‏‏ فقالا ‏‏:‏‏ من بني عامر فأمهلهما ، حتى إذا ناما ، عدا عليهما فقتلهما ، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر ، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره الخبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ لقد قتلت قتيلين لأدينهما ‏‏.‏‏‏

حزن الرسول من عمل أبي براء

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ هذا عمل أبي براء ، قد كنت لهذا كارها متخوفا ، فبلغ أبا براء ، فشق عليه إخفار عامر إياه ، وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم بسببه وجواره ؛ وكان فيمن أصيب عامر أبن فهيرة ‏‏.‏‏

أمر ابن فهيرة بعد مقتله

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني هشام بن عروة عن أبيه أن عمر ابن الطفيل كان يقول من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة ‏‏"‏‏

سبب إسلام جبار بن سلمى

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقد حدثني بعض بني جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ، قال ‏‏:‏‏ وكان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ، ثم أسلم قال ‏‏:‏‏ فكان يقول ‏‏:‏‏ إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول ‏‏:‏‏ فزت والله فقلت في نفسي ‏‏:‏‏ ما فاز ألست قد قتلت الرجل ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ حتى سألت بعد ذلك عن قوله ، فقالوا ‏‏:‏‏ للشهادة ؛ فقلت ‏‏:‏‏ فاز لعمر الله ‏‏.‏‏

شعر حسَّان في تحريض بني براء على عامر بن الطفيل

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال حسَّان بن ثابت يحرض بني براء على عامر ابن الطفيل ‏‏:‏‏

بني أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد

تهكم عامر بأبي براء * ليخفره وما خطأ كعمد ‏‏"‏‏

ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * فما أحدثت في الحدثان بعدي

أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد

نسب حكم و أم البنين

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ حكم بن سعد من القين بن جسر ؛ وأم البنين بنت عمرو بن ربيعة بن عامر بن صعصة ، وهي أم أبي براء ‏‏.‏‏

طعن ربيعة عامر

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل ، فطعنه بالرمح فوقع في فخذه ، فأشواه ووقع عن فرسه ، فقال ‏‏:‏‏ هذا عمل أبي براء ، إن أمت فدمي لعمي ، فلا يتبعن به ، وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلي ‏‏.‏‏

وقال أنس بن عباس السلمي ‏‏:‏‏ وكان خال طعيمة بن عدي بن نوفل ، وقتل يومئذ نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي‏‏:‏‏

تركت ابن ورقاء الخزاعي ثاويا * بمعترك تسفي عليه الأعاصر

ذكرت أبا الريان لما رأيته * وأيقنت أني عند ذلك ثائر

وأبو الريان ‏‏:‏‏ طعيمة بن عدي

عبدالله بن رواحة يرثي نافع بن بديل

وقال عبدالله بن رواحة يبكي نافع بن بديل بن ورقاء ‏‏:‏‏

رحم الله نافع بن بديل * رحمه المبتغي ثواب الجهاد

صابر صادق وفيّ إذا ما * أكثر القوم قال قول السداد ‏‏.‏‏

رثاء حسَّان قتلى بئر معونة

وقال حسَّان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة ويخص المنذر بن عمرو ‏‏:‏‏

على قتلي معونة فاستهلي * بدمع العين سحا غير نزر

على خيل الرسول غداة لاقوا * مناياهم ولاقتهم بقدر

أصابهم الفناء بعقد قوم * تخون عقد حبلهم بغدر

فيا لهفي لمنذر أذ تولى * وأعنق في منيته بصبر

وكائن قد أصيب غداة ذاكم* من أبيض ماجد من سر عمرو

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدني آخرها بيتاً أبو زيد الأنصاري ‏‏.‏‏

شعر كعب بن مالك في يوم بئر معونة

وأنشدني لكعب بن مالك في يوم بئر معونة يعِّير بني جعفر بن كلاب ‏‏:‏‏

تركتم جاركم لبني سليم * مخافة حربهم عجزا وهونا

فلوا حبلاً تناول من عقيل * لمد بحبلها حبلا متينا

أو القرطاء ما إن أسلموه * وقدما ما وفوا إذا لا تفونا ‏‏.‏‏

نسب القرطاء

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ القرطاء قبيلة من هوازن ، فيروى ‏‏"‏‏من نفيل ‏‏"‏‏ مكان ‏‏"‏‏من عقيل ‏‏"‏‏ ، وهو الصحيح ؛ لأن القرطاء من نفيل قريب ‏‏.‏‏

أمر إجلاء بني النضير في سنة أربع

محاولتهم الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر ، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما ، كما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف ‏‏.‏‏ فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين ، قالوا ‏‏:‏‏ نعم ، يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه ‏‏.‏‏ ثم خلا بعضهم ببعض ، فقالوا ‏‏:‏‏ إنكم ‏لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه ‏‏؟‏‏ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب ، أحدهم ، فقال ‏‏:‏‏ أنا لذلك ، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي ، رضوان الله عليهم ‏‏.‏‏

علمه صلى الله عليه وسلم بغدرهم واستعداده لحربهم

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ؛ بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة ، فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ، فسألوه عنه ، فقال ‏‏:‏‏ رأيته داخلا المدينة ‏‏.‏‏ فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم ، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم ، والسير إليهم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم سار بالناس حتى نزل بهم ‏‏.‏‏

تاريخ غزو بين النضير

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وذلك في شهر ربيع الأول فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر ‏‏.‏‏

حصار الرسول لهم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها ، فنادوه ‏‏:‏‏ أن يا محمد ، قد كنت تنهي عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها ‏‏؟‏‏ ‏

الرهط الذي شجع بني النضير ثم طلبهم الصلح وهجرتهم

وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج ، منهم عدو الله عبدالله بن أبي سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل ، وسويد وداعس ، قد بعثوا إلى بني النضير ‏‏:‏‏ أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أَّن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ‏‏.‏‏ ففعل ‏‏.‏‏ فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ،فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام ‏‏.‏‏

من هاجر منهم إلى خيبر

فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر ‏‏:‏‏ سلام من أبي الحقيق ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب ‏‏.‏‏ فلما نزلوها دان لهم أهلها ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث ‏‏:‏‏ أنهم استقلوا بالنساء والأموال ، معهم الدفوف والمزامير ، والقيان يعزفن خلفهم ، وإن فيهم لأم عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسي ، التي ابتاعوا منه ، ‏وكانت إحدى نساء بني غفار ، بزهاء وفخر وما رئي مثله من حي من الناس في زمانهم ‏‏.‏‏

الرسول يقسم أموال بني النضير بين المهاجرين

وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، يضعها حيث يشاء ، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار ، إلا أن سهل ابن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا ، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏

من أسلم من بني النضير

ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان يامين بن عمير ، أبو كعب بن عمرو بن جحاش ؛ وأبو سعد بن وهب ، أسلما على أموالهما فأحرزاها ‏‏.‏‏

تحريض يامين على قتل ابن جحاش

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ - وقد حدثني بعض آل يامين ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين ‏‏:‏‏ ألم تر ما لقيت من ابن عمك ، وما هم به من شأني ‏‏؟‏‏ فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش ، فقلته فيما يزعمون ‏‏.‏‏

ما نزل في بني النضير من القرآن

ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها ، يذكر فهيا ما أصابهم الله به من نقمته ، وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما عمل به فيهم ، فقال تعالى ‏‏"‏‏ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ‏‏"‏‏ ، وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ فاعتبروا يا أولي الأبصار ، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ‏‏"‏‏ وكان لهم من الله نقمة ، ‏‏"‏‏ لعذبهم في الدنيا ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ أي بالسيف ، ‏‏"‏‏ ولهم في الآخرة عذاب النار‏‏"‏‏ مع ذلك ‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ‏‏"‏‏‏‏.‏‏ واللينة ‏‏:‏‏ ما خالف العجوة من النخل ‏‏"‏‏ فبإذن الله ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ أي فبأمر الله قطعت ، لم يكن فسادا ، ولكن كان نقمة من الله ‏‏"‏‏ وليخزي الفاسقين ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ اللينة ‏‏:‏‏ من الألوان ، وهي ما لم تكن برنية ولا عجوة من النخل ، فيما حدثنا أبو عبيدة ‏‏.‏‏ قال ذو الرمة ‏‏:‏‏

كأن قتودي فوقها عش طائر * على لينة سوقاء تهفو جنوبها

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

‏‏"‏‏ وما أفاء الله على رسوله منهم ‏‏"‏‏ - قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ يعني من بني النضير ‏‏"‏‏ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ، والله على كل شيء قدير ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ أي له خاصة ‏‏.‏‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أوجفتم ‏‏:‏‏ حركتم وأتعبتم في السير ‏‏.‏‏ قال تميم بن أبي بن مقبل أحد بني عامر بن صعصعة ‏‏:‏‏

مذاويد بالبيض الحديث صقالها * عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا ‏‏.‏‏

وهذا البيت في قصيدة له ، وهو الوجيف ‏‏.‏‏ وقال أبو زيد الطائي ، واسمه حرملة بن المنذر ‏‏:‏‏

مسنفات كأنهن قنا الهند * لطول الوجيف جدب المرود

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ السناف ‏‏:‏‏ البطان ‏‏.‏‏ والوجيف ‏‏:‏‏ وجيف القلب والكبد ، وهو الضربان ‏‏.‏‏

قال قيس بن الخطيم الظفري ‏‏:‏‏

إنا وإن قدموا التي علموا * أكبادنا من ورائهم تجف

وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏ ‏

‏‏"‏‏ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ‏‏"‏‏ - قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب ، وفتح بالحرب عنوة فلِلّه وللرسول - ‏‏"‏‏ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ، وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏ يقول ‏‏:‏‏ هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين ، على ما وضعه الله عليه ‏‏.‏‏

ثم قال تعالى ‏‏"‏‏ ألم تر إلى الذين نافقوا ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ يعني عبدالله بن أبي وأصحابه ، ومن كان على مثل أمرهم ، ‏‏"‏‏ يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ يعني بني النضير ، إلى قوله ‏‏"‏‏ كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ، ولهم عذاب أليم ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ يعني بني قينقاع ‏‏.‏‏ ثم القصة إلى قوله ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برىء منك ، إني أخاف الله رب العالمين ، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها ، وذلك جزاء الظالمين ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏

ما قاله ابن لقيم العبسي من شعر في بني النضير

وكان مما قيل في بني النضير من الشعر قول ابن لقيم العبسي ، ويقال ‏‏:‏‏ قاله قيس بن بحر بن طريف ‏‏.‏‏ قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قيس بن بحر الأشجعي ، فقال ‏‏:‏‏

أهلي فداء لامرىء غير هالك * أحل اليهود بالحسي المزنم ‏

يقيلون في جمر الغضاة وبدلوا * أهيضب عودي بالودي المكمم

فإن يك ظني صادقا بمحمد * تروا خيله بين الصلا ويرمرم

يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم * عدو وما حي صديق كمجرم

عليهن أبطال مساعير في الوغى * يهزون أطراف الوشيج المقوم

وكل رقيق الشفرتين مهند * توورثن من أزمان عاد وجرهم

فمن مبلغ عني قريشا رسالة * فهل بعدهم في المجد من متكرم

بأن أخاكم فاعلمن محمدا * تليد الندى بين الحجون وزمزم

فدينوا له بالحق تجسم أموركم * وتسموا من الدنيا إلى كل معظم

نبي تلاقته من الله رحمة * ولا تسألوه أمر غيب مرجم

فقد كان في بدر لعمري عبرة * لكم يا قريشا والقلب الملمم

غداة أتى في الخزرجية عامدا * إليكم مطيعا للعظيم المكرم

معانا بروح القدس ينكى عدوه * رسولا من الرحمن حقا بمعلم

رسولا من الرحمن يتلو كتابه * فلما أنار الحق لم يتلعثم

أرى أمره يزداد في كل موطن * علوا لأمر حمه الله محكم ‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ عمرو بن بهثة ، من غطفان ‏‏.‏‏ وقوله ‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ بالحسي المزنم ‏‏"‏‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏.‏‏

ما ينسب من الشعر لعلي في قصة بني النضير

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال علي بن أبي طالب ‏‏:‏‏ يذكر إجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ قالها رجل من المسلمين غير علي بن أبي طالب ، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر ، ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلي ‏‏:‏‏

عرفت ومن يعتدل يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف

عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذي الرأفة الأرأف

رسائل تدرس في المؤمنين * بهن أصطفى أحمد المصطفى

فأصبح أحمد فينا عزيزا * عزيز المقامة والموقف

فيأيها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف

ألستم تخافون أدنى العذاب * وما آمن الله كالأخواف

وأن تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبي الأشرف

غداة رأى الله طغيانه * وأعرض كالجمل الأجنف

فأنزل جبريل في قتله * بوحي إلى عبده ملطف

فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذي هبة مرهف

فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف

وقلن لأحمد ذرنا قليلا * فإنا من النوح لم نشتف ‏

فخلاهم ثم قال اظعنوا * دحورا على رغم الآنف

وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوي زخرف

إلى أذرعات ردافى وهم * على كل ذي دبر أعجف



ما أجابه به سماك اليهودي

فأجابه سماك اليهودي ، فقال ‏:‏

إن تفخروا فهو فخر لكم * بمقتل كعب أبي الأشرف

غداة غدوتم على حتفه * ولم يأت غدرا ولم يخلف

فعلَّ الليالي وصرف الدهور * يدين من العادل المنصف

بقتل النضير وأحلافها * وعقر النخيل ولم تقطف

فإن لا أمت نأتكم بالقنا * وكل حسام معا مرهف

بكف كمي به يحتمي * متى يلق قرنا له يتلف

مع القوم صخر وأشياعه * إذا غاور القوم لم يضعف

كليث بترج حمى غيله * أخي غابة هاصر أجوف

كعب بن مالك يقول شعرا في إجلاء بني النضير ومقتل كعب بن الأشرف

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقال كعب بن مالك يذكر اجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف ‏:‏

لقد خزيت بغدرتها الحبور * كذلك الدهر ذو صرف يدور

وذلك أنهم كفروا برب * عزيز أمره أمر كبير

وقد أوتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير

نذير صادق أدى كتابا * وآيات مبينة تنير

فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير

فقال بلى لقد أديت حقا * يصدقني به الفهم الخبير

فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يجز الكفور

فلما أشربوا غدرا وكفرا * وحاد بهم عن الحق النفور

أرى الله النبي برأي صدق * وكان الله يحكم لا يجور

فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره نعم النصير

فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير

على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور

بأمر محمد إذا دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير

فماكره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور

فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير

غداة أتاهم في الزحف رهوا * رسول الله وهو بهم بصير

وغسان الحماة موازره * على الأعداء وهو لهم وزير

فقال السلم ويحكم فصدوا * وحالف أمرهم كذب وزور

فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير

وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور

سماك اليهودي يرد على كعب بن مالك

فأجابه سماك اليهودي ، فقال ‏:‏

أرقت وضافني هم كبير * بليل غيره ليل قصير

أرى الأحبار تنكره جميعا * وكلهم له علم خبير

وكانوا الدارسين لكل علم * به التوراة تنطق والزبور

قتلتم سيد الأحبار كعبا * وقدما كان يأمن من يجير

تدلى نحو محمود أخيه * ومحمود سريرته الفجور

فغادره كأن دما نجيعا * يسيل على مدارعه عبير

فقد وأبيكم وأبي جميعا * أصيبت إذ أصيب به النضير

فإن نسلم لكم نترك رجالا * بكعب حولهم طير تدور

كأنهم عتائر يوم عيد * تذبح وهي ليس لها نكير

ببيض لا تليق لهن عظما * صوافي الحدي أكثرها ذكور

كما لاقيتم من بأس صخر * بأحد حيث ليس لكم نصير

عباس بن مرداس يمدح رجال بني النضير

وقال عباس بني مرداس أخو بن سليم يمتدح رجال بني النضير ‏:‏

لو أن أهل الدار لم يتصدعوا * رأيت خلال الدار ملهى وملعبا

فإنك عمري هل أريك ظعائنا * سلكن على ركن الشطاة فتيأبا

عليهن عين من ظباء تبالة * أوانس يصبين الحليم المجربا

إذا جاء باغي الخير قلن فجاءة * له بوجوه كالدنانير مرحبا

وأهلا فلا ممنوع خير طلبته * ولا أنت تخشى عندنا أن تؤنبا

فلا تحسبن كنت مولى ابن مشكم * سلام ولا مولى حيي بن أخطبا

خوات بن جبير يرد عليه

فأجابه خوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف ، فقال ‏:‏

تبكي على قتلى يهود وقد ترى * من الشجو لو تبكي أحب وأقربا

فهلا على قتلى ببطن أرينق * بكيت ولم تعول من الشجو مسهبا

إذا السلم دارت في صديق رددتها * وفي الدين صدادا وفي الحرب ثعلبا

عمدت إلى قدر لقومك تبتغي * لهم شهبا كيما تعز وتغلبا

فإنك لما أن كلفت تمدحا * لمن كان عيبا مدحه وتكذبا

رحلت بأمر كنت أهلا لمثله * ولم تلف فيهم قائلا لك مرحبا

فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم * تبنوا من العز المؤثل منصبا

إلى معشر صاروا ملوكا وكرموا * ولم يلف فيهم طالب العرف مجدبا

أولئك أحرى من يهود بمدحة * تراهم وفيهم عزة المجد ترتبا

عباس بن مرداس يرد على خوات بن جبير

فأجابه عباس بن مرداس السلمي ، فقال ‏:‏

هجوت صريح الكاهنين وفيكم * لهم نعم كانت من الدهر ترتبا

أولئك أحرى لو بكيت عليهم * وقومك لو أدوا من الحق موجبا

من الشكر إن الشكر خير مغبة * وأوفق فعلا للذي كان أصوبا

فكنت كمن أمسى يقطع رأسه * ليبلغ عزا كان فيه مركبا

فبك بني هارون واذكر فعالهم * وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا

أخوات أذر الدمع بالدمع وابكهم * وأعرض عن المكروه منهم ونكبا

فإنك لولا لقيتهم في ديارهم * لألفيت عما قد تقول منكبا

سراع إلى العليا كرام لدى الوغى * يقال لباغي الخير أهلا ومرحبا

ما قاله أحد الصحابة في الرد على عباس بن مرداس

فأجابه كعب بن مالك ، أبو عبدالله بن رواحة ، فيما قال ابن هشام فقال ‏:‏

لعمري لقد حكت رحى الحرب بعدما * أطارت لؤيا قبل شرقا ومغربا

بقية آل الكاهنين وعزها * فعاد ذليلا بعد ما كان أغلبا

فطاح سلام وابن سعية عنوة * وقيد ذليلا للمنايا ابن أخطبا

وأجلب يبغي العز والذل يبتغي * خلاف يديه ما جنى حين أجلبا

كتارك سهل الأرض والحزن همه * وقد كان ذا في الناس أكدى وأصعبا

وشأس وعزال وقد صليا بها * وما غيبا عن ذاك فيمن تغيبا

وعوف بن سلمى وابن عوف كلاهما * وكعب رئيس القوم حان وخيبا

فبعدا وسحقا للنضير ومثلها * إن اعقب فتح أو إن الله أعقبا

قال ابن هشام ‏:‏ قال أبو عمرو المدني ‏:‏ ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بني النضير بني المصطلق ‏.‏ وسأذكر حديثهم إن شاء الله في الموضع الذي ذكره ابن إسحاق فيه ‏.‏

غزوة ذات الرقاع في سنة أربع

الاستعداد للغزوة

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزو بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى ، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان ، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ، ويقال ‏:‏ عثمان بن عفان ، فيما قال ابن هشام ‏:‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ حتى نزل نخلا ، وهي غزوة ذات الرقاع

سبب تسميتها بذات الرقاع

قال ابن هشام ‏:‏ وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع ، لأنهم رقعوا فيها راياتهم ؛ ويقال ‏:‏ ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع ، يقال لها ‏:‏ ذات الرقاع ‏.‏

من أسباب صلاة الخوف

قال ابن إسحاق ‏:‏ فلقي بها جمعا عظيما من غطفان ، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب ، وقد خاف الناس بعضهم بعضا ، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ، ثم انصرف بالناس ‏.‏

كيفية صلاة الخوف

قال ابن هشام ‏:‏ حدثنا عبدالوارث بن سعيد التنوري - وكان يكنى ‏:‏ أبا عبيدة - قال ‏:‏ حدثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن بن أبي الحسن ، عن جابر بن عبدالله في صلاة الخوف ، قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم سلم ، وطائفة مقبلون على العدو ‏.‏ قال ‏:‏ فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين ، ثم سلم ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ وحدثنا عبدالوارث ، قال ‏:‏ حدثنا أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال ‏:‏ صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفين ، فركع بنا جميعا ، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسجد الصف الأول ، فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم ، ثم تأخر الصف الأول ، وتقدم الصف الآخر حتى قاموا مقامهم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه ؛ فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون بأنفسهم ، فركع النبي صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ حدثنا عبدالوارث بن سعيد التنوري ، قال ‏:‏ حدثنا أيوب عن نافع ، عن ابن عمر ؛ قال ‏:‏ يقوم الإمام وتقوم معه طائفة ، وطائفة مما يلي عدوهم فيركع بهم الإمام ويسجد بهم ، ثم يتأخرون فيكونون مما يلي العدو ، ويتقدم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة ، ويسجد بهم ، ثم تصلي كل طائفة بأنفسهم ركعة ، فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة ، وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة ‏.‏

غورث يهمُّ بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل فيه من قرآن

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني عمرو بن عبدي ، بن الحسن ، عن جابر بن عبدالله ، أن رجلا من بني محارب ، يقال له ‏:‏ غورث ، قال لقومه من غطفان ومحارب ‏:‏ ألا أقتل لكم محمدا ‏؟‏ قالوا ‏:‏ بلى ، وكيف تقتله ‏؟‏ قال ‏:‏ أفتك به ‏.‏ قال ‏:‏ فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس ، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ، فقال ‏:‏ يا محمد أنظر إلى سيفك هذا ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ، - وكان محلى بفضة ، فيما قال ابن هشام - قال ‏:‏ فأخذه فاستله ، ثم جعل يهزه ، ويهم فيكبته الله ؛ ثم قال ‏:‏ يا محمد ، أما تخافني ‏؟‏ قال ‏:‏ لا ، وما أخاف منك ‏!‏ قال ‏:‏ أما تخافني وفي يدي السيف ‏؟‏ قال ‏:‏ لا ، يمنعني الله منك ‏.‏ ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرده عليه ‏.‏ قال ‏:‏ فأنزل الله ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ، فكف أيديهم عنكم ، واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ‏"‏ ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني يزيد بن رومان ‏:‏ أنها إنما أنزلت في عمرو بن جحاش ، أخي بني النضير وما هم به ، فالله اعلم أي ذلك كان ‏.‏

قصة جابر وجمله في هذه الغزوة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبدالله ، قال ‏:‏ خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على جمل لي ضعيف ؛ فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏:‏ جعلت الرفاق تمضي ، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏:‏ ما لك يا جابر ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ، أبطأ بي جملي هذا ؛ قال ‏:‏ أنخه ؛ قال ‏:‏ فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ثم قال ‏:‏ أعطني هذه العصا من يدك ، أو اقطع لي عصا من شجرة ، قال ‏:‏ ففعلت ‏.‏ قال ‏:‏ فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ، ثم قال ‏:‏ اركب ، فركبت ، فخرج ، والذي بعثه بالحق ، يواهق ناقته مواهقة ‏.‏

قال ‏:‏ وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي ‏:‏ أتبيعني جملك هذا يا جابر ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ، بل أهبه لك ؛ قال ‏:‏ لا ، ولكن بعْنِيه ، قال ‏:‏ قلت ‏:‏ فسمنيه يا رسول الله ؛ قال ‏:‏ قد أخذته بدرهم ، قال ‏:‏ قلت ‏:‏ لا ، إذن تغبنني يا رسول الله ‏!‏ قال ‏:‏ فبدرهمين ؛ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ لا ‏.‏ قال ‏:‏ فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية ‏.‏ قال ‏:‏ فقلت ‏:‏ أفقد رضيت يا رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ‏.‏ قلت ‏:‏ فهو لك ؛ قال ‏:‏ قد أخذته ‏.‏

قال ‏:‏ ‏"‏ ثم قال ‏:‏ يا جابر ، هل تزوجت بعد ‏؟‏ ‏"‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ نعم يا رسول الله ، قال ‏:‏ أثيبا أم بكرا ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ لا ، بل ثيبا ؛ قال ؛ أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ‏!‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ، إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت امرأة جامعة ، تجمع رؤوسهن ، وتقوم عليهن ؛ قال ‏:‏ أصبت إن شاء الله ، أما إنا لو قد جئنا صراراً أمرنا بجزور فنُحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا ، فنفضت نمارقها ‏.‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ والله يا رسول الله ما لنا من نمارق ؛ قال ‏:‏ إنها ستكون ، فإذا أنت قدِمت فاعمل عملا كيسا ‏.‏

قال ‏:‏ فلما جئنا صراراً أمر رسول الله صلى الله عله وسلم بجزور فنحرت ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ؛ فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا ؛ قال ‏:‏ فحدثت المرأة الحديث ، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قالت ‏:‏ فدونك ، فسمع وطاعة ‏.‏

قال ‏:‏ فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال ‏:‏ ثم جلست في المسجد قريبا منه ؛ قال ‏:‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى الجمل ؛ فقال ‏:‏ ما هذا ‏؟‏ قالوا ‏:‏ يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر ؛ قال ‏:‏ فأين جابر ‏؟‏ قال ‏:‏ فدعيت له ؛ قال ‏:‏ فقال ‏:‏ يا ابن أخي خذ برأس جملك ، فهو لك ، ودعا بلالاً ، فقال له ‏:‏ اذهب بجابر ، فأعطه أوقية ‏.‏ قال ‏:‏ فذهبت معه ، فأعطاني أوقية ، وزادني شيئا يسيراً ‏.‏ قال ‏:‏ فوالله ما زال ينمي عندي ، ويرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا يعني يوم الحرة ‏.‏

ما أصيب به صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحراسة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني عمي صدقة بن يسار ، عن عقيل بن جابر ، عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، قال ‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل ، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين ؛ فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا ، أتى زوجها وكان غائبا ، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دما ، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منـزلا ، فقال ‏:‏ من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ‏؟‏ قال ‏:‏ فانتدب رجل من المهاجرين ، ورجل آخر من الأنصار ، فقالا ‏:‏ نحن يارسول الله ؛ قال ‏:‏ فكونا بفم الشّعب ‏.‏ قال ‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي ، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر ، فيما قال ابن هشام ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ فلما خرج الرجلان إلى فم الشِّعب ، قال الأنصاريّ للمهاجريّ أيَّ الليل تحب أن أكفيكه ‏:‏ أوله أم آخره ‏؟‏ قال ‏:‏ بل اكفني أوله ؛ قال ‏:‏ فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاري يصلي ، قال ‏:‏ وأتى الرجل ، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة ‏(‏ طليعة ‏)‏ القوم ‏.‏ قال ‏:‏ فرمى بسهم ، فوضعه فيه ؛ قال ‏:‏ فنـزعه ووضعه ، فثبت قائما ؛ قال ‏:‏ ثم رماه بسهم أخر فوضعه فيه ‏.‏ قال ‏:‏ فنـزعه فوضعه وثبت قائما ؛ ثم عاد له بالثالث ، فوضعه فيه ؛ قال ‏:‏ فنـزعه فوضعه ثم ركع وسجد ، ثم أهب صاحبه فقال ‏:‏ اجلس فقد أثبتُّ ، قال ‏:‏ فوثب فلما رأهما الرجل عرف أن قد نذرا به ، فهرب ‏.‏ قال ‏:‏ ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء قال ‏:‏ سبحان الله ‏!‏ أفلا أهببتني أول ما رماك ‏؟‏ قال ‏:‏ كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابع على الرمى ركعت فأذنتك ، وايم الله ، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ‏.‏

رجوع رسول الله صلى الله عليه و سلم

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال ‏:‏ أنفذها ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة الرقاع ، أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبا ‏.‏

غزوة بدر الآخرة في شعبان سنة أربع

خروج الرسول لملاقاة أبي سفيان ورجوع أبي سفيان أإلى مكة

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم خرج في شعبان إلى بدر ، لميعاد أبي سفيان حتى نزله ‏.‏

استعماله ابن أبي على المدينة

قال ابن هشام ‏:‏ واستعمل على المدينة عبدالله بن أبي ابن سلول الأنصاري ‏.‏

رجوع أبي سفيان في رجاله

قال ابن إسحاق ‏:‏ فأقام عليه ثماني ليال ينتظر أبا سفيان ، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة ، من ناحية الظهران ؛ وبعض الناس يقول ‏:‏ قد بلغ عسفان ، ثم بدا له في الرجوع ، فقال ‏:‏ يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه اللبن ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجعٌ ، فارجعوا ، فرجع الناس ، فسماهم أهل مكة جيش السويق ، يقولون ‏:‏ إنما خرجتم تشربون السويق ‏.‏

الرسول و مخشي الضمري

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده ، فأتاه مخشي بن عمرو الضمري ، وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان ، فقال ‏:‏ يا محمد ، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم، يا أخا بني ضمرة ، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك ، قال ‏:‏ لا والله يا محمد ، ما لنا بذلك منك من حاجة ‏.‏

ما قاله معبد الخزاعي من الشعر في ناقة للرسول هوت

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان ، فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي ، فقال ، وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوي به ‏:‏

قد نفرت من رفقتي محمد * وعجوة من يثرب كالعنجد

تهوي على دين أبيها الأتلد * قد جعلت ماء قديد موعدي

وماء ضجنان لها ضحى الغد

ما قاله أحد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة

وقال عبدالله بن رواحة في ذلك - قال ابن هشام ‏:‏ أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك ‏:‏

وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد * لميعاده صدقا وما كان وافيا

فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا * لأبت ذميما وافتقدت المواليا

تركنا به أوصال عبتة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا

عصيتم رسول الله أفٍّ لدينكم * وأمركم السيء الذي كان غاويا

فإني وإن عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلى وماليا

أناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا

شعر حسَّان في ذلك

وقال حسَّان بن ثابت في ذلك ‏:‏

دعوا فَلَجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الأوَارِك

بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصارِه حقا وأيدي الملائك

إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك

أقمنا على الرس النـزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك

بكل كُمَيت جوزُه نصف خلقه * وقبٍّ طوال مشرفات الحوارك

ترى العرفج العاميَّ تذري أصوله * مناسِم أخفاف المطيّ الرواتك

فإن نلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك

وإن تلق قيس بن امرىء القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك

فأبلغ أبا سفيان عني رسالة * فإنك من غرِّ الرجال الصعالك

أبو سفيان يرد على حسَّان

فأجابه أبو سفيان بن الحارث ابن عبدالمطلب ، فقال ‏:‏

أحسَّان إنا يابن آكلة الفغا * وجدك نغتال الخروق كذلك

خرجنا وما تنجوا اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشَدٍّ مدَارِك

إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مدَمَّن أهل الموسم المتعارك

أقمتَ على الرس النـزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك

على الزرع تمشى خلينا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالدَّكادك

أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطي الرواتك

حسبتم جلاد القوم عند قبابهم * كمأخذكم بالعين أرطال آنك

فلا تبعثِ الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك

سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك

فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات الدين أنت بناسك

قال ابن هشام ‏:‏ بقيت منها أبيات تركناها لقبح اختلاف قوافيها ، وانشدني أبو زيد الأنصاري هذا البيت ‏:‏

خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا

والبيت الذي بعده لحسَّان بن ثابت في قوله

دعو فلجات الشأم قد حال دونها

وأنشدني له فيها بيته ‏"‏ فأبلغ أبا سفيان ‏"

غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة خمس

موعدها

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأقام من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها أشهرا حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهي سنة أربع ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دُومة الجندل ‏.‏

استعمال ابن عرفطة على المدينة

قال ابن هشام ‏:‏ في شهر ربيع الأول ، واستعمل على المدينة سِباع بن عرفطة الغفاري ‏.‏

رجوع رسول الله

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليها ، ولم يلق كيدا ، فأقام بالمدينة بقية سنته ‏.‏ ‏"‏

غزوة الخندق في شوال سنة خمس

تاريخها

حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام ، قال ‏:‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي ، عن محمد بن إسحاق المطلبي ، قال ‏:‏ ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس ‏.‏

اليهود تحزب الأحزاب

فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير بن عروة بن الزبير ،ومن لا أتهم ، عن عبدالله بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القرظي ، والزُّهري ، وعاصم بن عمر بن قَتادة ، و عبدالله بن أبي بكر ، وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق ، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض ، قالوا ‏:‏ إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود ، منهم ‏:‏ سلاّم ابن أبي الحقيق النَّضري ، وحيي بن أخطب النضري ، وكنانة بن أبي الحُقيق النضري ، وهوذة بن قيس الوائلي ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني النَّضير ، ونفر من بني وائل ، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا ‏:‏ إنا سنكون معكم عليه ، حتى نستأصله ؛ فقالت لهم قريش ‏:‏ يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصحبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ‏؟‏ قالوا ‏:‏ بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه ‏.‏ فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم ‏:‏ ‏"‏ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ، ومن يلعن الله فإن تجد له نصيرا ‏"‏ إلى قوله تعالى ‏"‏ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ‏"‏ ‏:‏ أي النبوة ، ‏"‏ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ‏.‏ فمنهم من آمن به ، ومنهم من صُدَّ عنه ، وكفى بجهنم سعيرا ‏"‏

تحريض اليهود لغطفان

قال ‏:‏ فلما قالوا ذلك لقريش ، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه ، من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له ، ثم خرج أولئك النفر من يهود ، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك ، فاجتمعوا معهم فيه ‏.‏

خروج الأحزاب من المشركين

قال ابن إسحاق ‏:‏ فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة ، والحارث بن عوف بن حارثة المري في بني مرة ، ومسعر بن رحيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع ،

حفر الخندق و تخاذل المنافقين و جدّ المؤمنين

فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أجمعوا له من الأمر ، ضرب الخندق على المدينة ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسلمين في الأجر ، وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ، ودأبوا ، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين ، وجعلوا يورُّون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له ، فإذ قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له ‏.‏

ما نزل من القرآن في حق العاملين في الخندق مؤمنهم ومنافقهم

فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين ‏"‏ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ‏"‏ فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

ثم قال تعالى ‏:‏ يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كذعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ‏"‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏:‏ اللواذ ‏:‏ الاستتار بالشيء عند الهرب ، قال حسَّان بن ثابت ‏:‏

وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم ‏.‏

وهذا البيت في قصيدة له قد ذكرتها في أشعار يوم أحد ‏"‏ ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ‏"‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ من صدق أو كذب ‏"‏ ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ‏"‏

المسلمون يرتجزون وهم يعملون في حفر الخندق

قال ابن إسحاق ‏:‏ وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا ، فقالوا ‏:‏

سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا ‏.‏

فإذا مروا ‏"‏بعمرو‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ عمراً ، وإذا مروا ‏"‏بظهر‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ظهرا ‏.‏

معجزات ظهرت في حفر الخندق

قال ابن إسحاق ‏:‏ وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني ، فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقيق نبوّته ، عاين ذلك المسلمون ‏.‏

ظهور معجزة الكدية والتغلب عليها

فكان مما بلغني أن جابر بن عبدالله كان يحُدث ‏:‏ أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية ، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا بإناء من ماء ، فتفل فيه ؛ ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية ؛ فيقول من حضرها ‏:‏ فوالذي بعثه بالحق نبيا ، لانهالت حتى عادت كالكثيب ، لا تردّ فأساً ولا مِسحاة ‏.‏

ما تحقق من البركة في تمر ابنة بشير

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني سعيد بن مينا ، أنه حُدِّث ‏:‏ أن ابنة لبشير بن سعد ، أخت النعمان بن بشير ، قالت ‏:‏ دعتني أمي عمرة بنت رواحة ، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت ‏:‏ أي بنية ، اذهبي إلى أبيك وخالك عبدالله بن رواحة بغدائهما ، قالت ‏:‏ فأخذتها ، فانطلقت بها ، فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي ؛ فقال ‏:‏ تعالي يا بنية ، ما هذا معك ‏؟‏ قالت ‏:‏ فقلت ‏:‏ يا رسول الله ، هذا تمر ، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد ، وخالي عبدالله بن رواحة يتغديانه ؛ قال ‏:‏ هاتيه ؛ قالت ‏:‏ فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ملأتهما ، ثم أمر بثوب فبسط له ، ثم دحا بالتمر عليه ، فتبدد فوق الثوب ، ثم قال لإنسان عنده ‏:‏ اصرخ في أهل الخندق ‏:‏ أن هَلُم إلى الغداء ‏.‏ فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيد ، حتى صدر أهل الخندق عنه ، وإنه ليسقط من أطراف الثوب ‏.‏

ما تحقق من البركة في دعوة جابر للطعام

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني سعيد بن مينا ، عن جابر بن عبدالله ، قال ‏:‏ عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، فكانت عندي شويهة ، غير جِدِّ سمينة ‏.‏ قال ‏:‏ فقلت ‏:‏ والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال ‏:‏ فأمرت امرأتي ، فطحنت لنا شيئا من شعير ، فصنعت لنا منه خبزا ، وذبحت تلك الشاة ، فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

قال ‏:‏ فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق - قال ‏:‏ وكنا نعمل فيه نهارنا ، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا - قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله ، إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير ، فأحبُّ أن تنصرف معي إلى منـزلي ، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ‏.‏

قال ‏:‏ فلما أن قلت له ذلك ؛ قال ‏:‏ نعم ، ثم أمر صارخا فصرخ ‏:‏ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله ؛ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ‏!‏ قال ‏:‏ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل الناس معه ؛ قال ‏:‏ فجلس وأخرجناها إليه ‏.‏ قال ‏:‏ فبرك وسمى الله ، ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس ، حتى صدر أهل الخندق عنها ‏.‏

بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتوح

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحُدثت عن سلمان الفارسي ، أنه قال ‏:‏ ضربت في ناحية من الخندق ، فغَلُظت علي صخرة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني ؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي ، نزل فأخذ المعول من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ؛ قال ‏:‏ ثم ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى ؛ قال ‏:‏ ثم ضرب به الثالث ، فلمعت تحته برقة أخرى ‏.‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ‏!‏ ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ‏؟‏ قال ‏:‏ أو قد رأيت ذلك يا سلمان ‏؟‏ قال ‏:‏ قلت ‏:‏ نعم ؛ قال ‏:‏ أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن ؛ وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب ؛ وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول ، حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده ‏:‏ افتتحوا ما بدا لكم ، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك ‏.‏

وصول المشركين المدينة

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة ، بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نقمي ، إلى جانب أحد ‏.‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ، في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ‏.‏

استعمال ابن أم مكتوم على المدينة

قال ابن هشام ‏:‏ واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام ‏.‏

حيي بن أخطب يحرض كعب بن أسد على نقض العهد

قال ‏:‏ وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري ، حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه ، وعاقده على ذلك وعاهده ؛ فلما سمع كعب يحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه ، فاستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه حيي ‏:‏ ويحك يا كعب ‏!‏ افتح لي ؛ قال ‏:‏ ويحك يا حيي ، إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ؛ قال ‏:‏ ويحك افتح لي أكلمك ؛ قال ‏:‏ ما أنا بفاعل ؛ قال ‏:‏ والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها ؛ فأحفظ الرجل ، ففتح له ؛ فقال ‏:‏ ويحك يا كعب ؛ جئتك بعز الدهر وببحر طام ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ؛ وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه ‏.‏ قال ‏:‏ فقال له كعب ‏:‏ جئتني والله بِذُلِّ الدهر ، وبجهام ‏(‏ السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه ‏)‏ قد هراق ماءه ، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ، ويحك يا حيي ‏!‏ فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء ‏.‏ فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب ، حتى سمح له ، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا ‏:‏ لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك ‏.‏ فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

الرسول عليه الصلاة والسلام يستوثق من نقض كعب ميثاقه

فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان ، وهو يومئذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة بن دليم ، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ، وهو يومئذ سيد الخزرج ، ومعهما عبدالله بن رواحة ، أخو بني الحارث بن الخزرج ، وخوات بن جبير ، أخو بني عمرو بن عوف ؛ فقال ‏:‏ انطلقوا حتى تنظروا ، أحَقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ‏؟‏ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس ‏.‏ قال ‏:‏ فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا ‏:‏ من رسول الله ‏؟‏ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ‏.‏ فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلا فيه حده ؛ فقال له سعد بن عبادة ‏:‏ دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ‏.‏ ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه ، ثم قالوا ‏:‏ عضل والقارة ؛ أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ، خبيب وأصحابه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين ‏.‏

الخوف يعم المسلمين و ظهور النفاق من المنافقين

قال ‏:‏ وعظم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال معتب بن قشير ، أخو بني عمرو بن عوف ‏:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ‏.‏

لم يكن معتب منافقا

قال ابن هشام ‏:‏ وأخبرني من أثق به من أهل العلم ‏:‏ أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين ، واحتج بأنه كان من أهل بدر ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحتى قال أوس بن قيظي ، أحد بني حارثة بن الحارث ‏:‏ يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة من العدو ، وذلك عن ملأ من رجال قومه ، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج من المدينة ‏.‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة ، قريبا من شهر ، لم تكن بينهم حرب إلا الرَّميِّا بالنبل والحصار ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال الرَّميْا

محاولة الرسول عقد الصلح مع غطفان ثم عدوله

فلما اشتد على الناس البلاء ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ومن لا أتهم ، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، إلا المراوضة في ذلك ‏.‏ فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه ؛ فقالا له ‏:‏ يا رسول الله ، أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به ، لا بد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ‏؟‏ قال ‏:‏ بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ؛ فقال له سعد بن معاذ ‏:‏ يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبدالله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى ‏(‏ ضيافة ‏)‏ أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالنا ‏!‏ والله ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ فأنت وذاك ‏.‏ فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال ‏:‏ ليجهدوا علينا ‏.‏

من حاول عبور الخندق من المشركين

قال ابن إسحاق ‏:‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وعدوهم محاصروهم ، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أن فوارس من قريش ، منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس ، أخو بني عامر بن لؤي ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال عمرو بن عبد بن أبي قيس -

قال ابن إسحاق ‏:‏ وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، وضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس ، أخو بني محارب بن فهر ، تلبسوا للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بني كنانة ، فقالوا ‏:‏ تهيئوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم ‏.‏ ثم أقبلوا تُعْنِق بهم خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا ‏:‏ والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ‏.‏

سلمان يشير بحفر الخندق

قال ابن هشام ‏:‏ يقال ‏:‏ إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

وحدثني بعض أهل العلم ‏:‏ أن المهاجرين يوم الخندق قالوا ‏:‏ سلمان منا ؛ وقالت الأنصار ‏:‏ سلمان منا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ سلمان منا أهل البيت ‏.‏

علي يقتل عمرو بن عبد ود

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تُعْنِق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة ، فلم يشهد يوم أحد ؛ فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلِما ليرى مكانه ‏.‏ فلما وقف هو وخيله ، قال ‏:‏ من يبارز ‏؟‏ فبرز له علي بن أبي طالب ، فقال له ‏:‏ يا عمرو ، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خَلَّتين إلا أخذتها منه ، قال له ‏:‏ أجل ؛ قال له علي ‏:‏ فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله ، وإلى الإسلام ؛ قال ‏:‏ لا حاجة لي بذلك ؛ قال ‏:‏ فإني أدعوك إلى النـزال ؛ فقال له ‏:‏ لم يابن أخي ‏؟‏ فوالله ما أحب أن أقتلك ، قال له علي ‏:‏ لكني والله أحب أن أقتلك ؛ فحمى عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقره ، وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي رضي الله عنه ‏.‏ وخرجت خيلهم منهزمة ، حتى اقتحمت من الخندق هاربة ‏.‏

ما قاله علي رضوان الله عليه من الشعر في قتله عمرو بن عبد ود

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك ‏:‏

نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت ربّ محمد بصوابي

فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي

وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطَّر بزَّني أثوابي

لا تحسبن الله خاذلَ دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ واكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب ‏.

هجاء حسَّان عكرمة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو ؛ فقال حسَّان بن ثابت في ذلك ‏:‏

فرَّ وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل

ووليت تعدو كعدو الظَّليم * ما إن تجور عن المَعدل

ولم تَلق ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فُرعُل

قال ابن هشام ‏:‏ الفُرعُل ‏:‏ صغير الضباع ، وهذه الأبيات في قصيدة له ‏.‏

شعار المسلمين يوم الخندق

وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وبني قريظة ‏:‏ هم لا ينصرون ‏.‏

استشهاد سعد بن معاذ

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني أبو ليلى عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل الأنصاري ، أخو بني حارثة ‏:‏ أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة ‏.‏

قال ‏:‏ وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن ؛ فقالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ‏:‏ فمر سعد وعليه درع له مقلَّصة ، وقد خرجت منها ذراعه كلها ، وفي يده حربته يرقُل بها ، ويقول ‏:‏

لَبِّث قليلا يشهد الهيجا جمل * لا بأس بالموت إذا حان الأجل

قال ‏:‏ فقالت له أمه ‏:‏ إلحق ‏:‏ أي بني ، فقد والله أخَّرت ؛

قالت عائشة ‏:‏ فقلت لها ‏:‏ يا أم سعد ، والله لودِدْتُ أن درع سعد كانت أسبغ مما هي ؛ قالت ‏:‏ وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، فرمي سعد بن معاذ بسهم ، فقطع منه الأكحل ، رماه كما حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة ، حِبِّان بن قيس بن العرقة ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه ، قال ‏:‏ خذها مني وأنا ابن العرقة ؛ فقال له سعد ‏:‏ عرَّق الله وجهك في النار ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة ‏.‏

قاتل سعد بن معاذ

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني من لا اتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك أنه كان يقول ‏:‏ ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي ، حليف بني مخزوم ‏.‏

شعر لقاتل سعد

وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا لعكرمة ابن أبي جهل ‏:‏

أعكرم هلاَّ لمتني إذ تقول لي * فداك بآطام المدينة خالد

ألست الذي ألزمت سعدا مُرِشَّة * لها بين أثناء المرافق عاند

قضي نحبه منها سُعيد فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد

وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم إذ يكابد

على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد ‏.‏

قاتل سعد في رأي ابن هشام

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال ‏:‏ أن الذي رمى سعدا ‏:‏ خفاجة بن عاصم بن حِبِّان

حديث حسَّان في وقعة الخندق

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال ‏:‏ كانت صفية بنت عبدالمطلب في فارع ، حصن حسَّان بن ثابت ؛ قالت ‏:‏ وكان حسَّان بن ثابت معنا فيه ، مع النساء والصيبان ‏.‏ قالت صفية ‏:‏ فمر بنا رجل من يهود ، فجعل يُطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت ‏.‏

قالت ‏:‏ فقلت ‏:‏ يا حسَّان ، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، وإني والله ما آمنة أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فانزل إليه فاقتله ؛ قال ‏:‏ يغفر الله لك يابنة عبدالمطلب ، والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا ‏.‏

قالت ‏:‏ فلما قال لي ذلك ، ولم أر عنده شيئا ، احتجزت ثم أخذت عمودا ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته ‏.‏ قالت ‏:‏ فلما فرغت منه ، رجعت إلى الحصن ، فقلت ‏:‏ يا حسَّان انزل إليه فاسلبه ، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل ؛ قال ‏:‏ ما لي بسلبه من حاجة يابنة عبدالمطلب ‏.‏

خداع نُعيم المشركين

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة ، لتظاهر عدوهم عليهم ، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم ‏.‏

قال ‏:‏ ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ؛

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إنما أنت فينا رجل واحد ، فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة ‏.‏

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال ‏:‏ يا بني قريظة ، قد عرفتم ودي إياكم ، وخاصة ما بيني وبينكم ، قالوا ‏:‏ صدقت ، لست عندنا بمتهم ؛ فقال لهم ‏:‏ إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تحَولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأمواله ونسائهم بغيره ، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهَزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُنا من أشرافهم ، يكونوا بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه ؛ فقالوا له ‏:‏ لقد أشرت بالرأي ‏.‏

ثم خرج حتى أتى قريشاً ، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش ‏:‏ قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقا أن أبلغكموه ، نصحا لكم ، فاكتموا عني ؛ فقالوا ‏:‏ نفعل ؛ قال ‏:‏ تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه إنَّا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين ، من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم ‏؟‏ فأرسل إليهم ‏:‏ أن نعم ‏.‏ فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا ‏.‏

ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال ‏:‏ يا معشر غطفان ، إنكم أصلي وعشيرتي ، وأحب الناس إلي ، ولا أراكم تتهموني ؛ قالوا ‏:‏ صدقت ، ما أنت عندنا بمهتم ؛ قال ‏:‏ فاكتموا عني ؛ قالوا ‏:‏ نفعل ، فما أمرك ‏؟‏ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم ‏.‏

ما أنزل الله بالمشركين

فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل ، في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم ‏:‏ إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، ونفرغ مما بيننا وبينه ؛ فأرسلوا إليهم ‏:‏ إن اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا ، فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب ، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه ‏.‏ فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان ‏:‏ والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بني قريظة ‏:‏ إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ؛ فقالت بنو قريظة ‏:‏ حين انتهت الرسل إليهم بهذا ‏:‏ إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم ‏.‏ وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم ، فأرسلوا إلى قريش وغطفان ‏:‏ إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا ؛ فأبوا عليهم ، وخذَّل الله بينهم ، وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنتيهم ‏.‏

استخبار ما حل بالمشركين

قال ‏:‏ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم ، وما فرق الله من جماعتهم ، دعا حذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم ، لينظر ما فعل القوم ليلا ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي ، قال ‏:‏ قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان ‏:‏ يا أبا عبدالله ، أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ، يابن أخي ؛ قال ‏:‏ فكيف كنتم تصنعون ‏؟‏ قال والله لقد كنا نجهد ؛ قال ‏:‏ فقال ‏:‏ والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا ‏.‏

قال ‏:‏ فقال حذيفة ‏:‏ يابن أخي ، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال ‏:‏ من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ، ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ‏؟‏ فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ، فقال ‏:‏ يا حذيفة ، اذهب فادخل مع القوم ، فانظر ماذا يصنعون ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا ، قال ‏:‏ فذهبت فدخلت في القوم ، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال ‏:‏ يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه ، قال حذيفة ‏:‏ فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي ، فقلت ‏:‏ من أنت ‏؟‏ قال ‏:‏ فلان بن فلان ‏.‏

أبو سفيان ينادي بالرحيل

ثم قال أبو سفيان ‏:‏ يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا فإني مرتحل ‏.‏

ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فوالله ما أطلق عقالة إلا وهو قائم ، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني ، ثم شئت لقتلته بسهم ‏.‏

رجوع حذيفة بالخبر اليقين

قال حذيفة ‏:‏ فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قائم يصلي ، في مرط لبعض نسائه مراجل ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ المراجل ضرب من وشي اليمن ‏.‏

فلما رآني ، أدخلني إلى رجليه ، وطرح علي طرف المرط ، ثم ركعوسجد ، وإني لقيه ، فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم ‏.‏

الرجوع من الخندق

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ، ووضعوا السلاح ‏.

غزوة بني قريظة في سنة خمس

أمر الله لرسوله على لسان جبريل بحرب بني قريظة

فلما كانت الظهر ، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثني الزهري ، معتجرا بعمامة من إستبرق ، على بغلة عليها رحالة ، عليها قطيفة من ديباج ، فقال ‏:‏ أوَ قد وضعت السلاح يا رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ؛فقال جبريل ‏:‏ فما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم ‏.‏

دعوة الرسول المسلمين للقتال

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا ، فأذن في الناس ‏:‏ من كان سامعا مطيعا ، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة ‏.‏ جبريل يأتي بحرب بني قريظة ‏.‏

استعمال ابن أم مكتوم على المدينة

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، فيما قال ابن هشام ‏.‏

علي يبلغ الرسول ما سمعه من بني قريظة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقَدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة ، وابتدرها الناس ، فسار على بن أبي طالب ، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث ؛ قال ‏:‏ لم ‏؟‏ أظنك سمعت منهم لي أذى ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم يا رسول الله ؛ قال ‏:‏ لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا ‏.‏ فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ‏.‏ قال ‏:‏ يا إخوان القردة ، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ‏؟‏ قالوا ‏:‏ يا أبا القاسم ، ما كنت جهولا ‏.‏

جبريل في صورة دحية الكلبي

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصَّوْرَيْن قبل أن يصل إلى بني قريظة ، فقال ‏:‏ هل مر بكم أحد ‏؟‏ قالوا ‏:‏ يا رسول الله ، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي ، على بغلة بيضاء عليها رحالة ، عليها قطيفة ديباج ‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ذلك جبريل ، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ، ويقذف الرعب في قلوبهم ‏.‏

ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة ، نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم ، يقال لها بئر أنا ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ بئر أنى ‏.‏

تجمع المسلمين للقتال

قال ابن إسحاق ‏:‏ وتلاحق به الناس ، فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة ، ولم يصلوا العصر ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة ، فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم ، وأبوا أن يصلوا ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ حتى تأتوا بني قريظة ‏.‏

فصلوا العصر بها ، بعد العشاء الآخرة ، فما عابهم الله بذلك في كتابه ، ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

حدثني بهذا الحديث أبي إسحاق بن يسار ، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري ‏.‏

حصار بني قريظة

قال ‏:‏ وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ، حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ‏.‏

وقد كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم ، حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه ‏.‏

كعب بن أسد ينصح قومه

فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب بن أسد لهم ‏:‏ يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم ؛ قالوا ‏:‏ وما هي ‏؟‏ قال ‏:‏ نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ؛ قالوا ‏:‏ لا نفارق حكم التوارة أبدا ، ولا نستبدل به غيره ؛ قال ‏:‏ فإذا أبيتم عليّ هذه ، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مُصلتين السيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ، ولم نترك وراءانا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء ؛ قالوا ‏:‏ نقتل هؤلاء المساكين ‏!‏ فما خير العيش بعدهم ‏؟‏ قال ‏:‏ فإن أبيتم عليّ هذه ، فإن الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نُصيب من محمد وأصحابه غرة ؛ قالوا ‏:‏ نفسد سبتنا علينا ، ونحُدث فيه ما لم يحدث مَنْ كان قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ‏!‏ قال ‏:‏ ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما ‏.‏

قصة أبي لبابة و توبته في هذه الغزوة

قال ‏:‏ ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبدالمنذر ، أخا بني عمرو بن عوف ، وكانوا حلفاء الأوس ، لنستشيره في أمرنا ، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ؛ فلما رأوه قام إليه الرجال ، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، وقالوا له ‏:‏ يا أبا لبابة ‏!‏ أترى أن ننزل على حكم محمد ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، إنه الذبح ‏.‏

قال أبو لبابة ‏:‏ فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، وقال ‏:‏ لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت ، وعهد الله ‏:‏ أن لا أطأ بني قريظة أبدا ، ولا أُرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا ‏.‏

ما نزل في خيانة أبي لبابة

قال ابن هشام ‏:‏ وأنزل الله تعالى في أبي لبابة ، فيما قال سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبدالله بن أبي قتادة ‏:‏ ‏(‏ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ‏)‏ ‏.‏

موقف الرسول من أبي لبابة

قال ابن إسحاق ‏:‏ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ، وكان قد استبطأه ، قال ‏:‏ أما إنه لو جاءني لاستغفرت له ، فأما إذ قد فعل ما فعل ، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه ‏.‏

توبة الله على أبي لبابة

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني يزيد بن عبدالله بن قُسيط ‏:‏ أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر ، وهو في بيت أم سلمة ‏.‏ فقالت أم سلمة ‏:‏ فسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم من السحر و هو يضحك ‏.‏ قالت ‏:‏ فقلت ‏:‏ مم تضحك يا رسول الله ‏؟‏ أضحك الله سنك ؛ قال ‏:‏ تِيب على أبي لبابة ؛ قالت ‏:‏ قلت ‏:‏ أفلا أبشره يا رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ بلى ، إن شئت ‏.‏

قال ‏:‏ فقامت على باب حجرتها ، وذلك قبل أن يُضرب عليهنّ الحجاب ، فقالت ‏:‏ يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب الله عليك ‏.‏ قالت ‏:‏ فثار الناس إليه ليطلقوه ، فقال ‏:‏ لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده ؛ فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه ‏.‏

ما نزل في التوبة على أبي لبابة

قال ابن هشام ‏:‏ أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال ، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة ، فتحله للصلاة ، ثم يعود فيرتبط بالجذع ، فيما حدثني بعض أهل العلم ؛ والآية التي نزلت في توبته قول الله عز وجل ‏:‏ ‏(‏ وآخرون اعترفوا بذنوبهم ، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، عسى الله أن يتوب عليهم ، إن الله غفور رحيم ‏)‏ ‏.‏

إسلام بعض بني هدل

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم إن ثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، وهم نفر من بني هدل ، ليسوا من بني قريظة ولا النضير ، نسبهم فوق ذلك ، هم بنو عم القوم ، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

قصة عمرو بن سعدى

وخرج في تلك الليلة عمرو بن سُعْدى القرظي ، فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة ؛ فلما رآه قال ‏:‏ من هذا ‏؟‏ قال ‏:‏ أنا عمرو بن سُعدى - وكان عمرو قد أبى يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ‏:‏ لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مسلمة حين عرفه ‏:‏ اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام ، ثم خلى سبيله ‏.‏

فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ، ثم ذهب فلم يُدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا ، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه ؛ فقال ‏:‏ ذاك رجل نجاه الله بوفائه ‏.‏

وبعض الناس يزعم أنه كان أُوثق بِرُمَّة فيمن أُوثق من بني قريظة ، حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصبحت رمته ملقاة ، ولا يدري أين يذهب ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة ، والله أعلم أي ذلك كان ‏.‏

تحكيم سعد في أمر بني قريظة

قال ‏:‏ فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتواثبت الأوس ، فقالوا ‏:‏ يا رسول الله ، إنهم موالينا دون الخزرج ، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فنزلوا على حكمه ، فسأله إياهم عبدالله بن أبي بن سلول ، فوهبهم له - فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ بلى ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ فذاك إلى سعد بن معاذ ‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم ، يقال لها ‏:‏ رُفيدة ، في مسجده ، كانت تداوي الجرحى ، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق ‏:‏ اجعلوه في خيمة رُفيدة حتى أعوده من قريب ‏.‏

فلما حكَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة ، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطَّئوا له بوسادة من أدم ، وكان رجلا جسيما جميلا ، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يقولون ‏:‏ يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم ؛ فلما أكثروا عليه قال ‏:‏ لقد أَنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ‏.‏

فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبدالأشهل ، فنَعَى لهم رجال بني قريظة ، قبل أن يصل إليهم سعد ، عن كلمته التي سمع منه ‏.‏

فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ قوموا إلى سيدكم - فأما المهاجرون من قريش ، فيقولون ‏:‏ إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ؛ وأما الأنصار ، فيقولون ‏:‏ قد عمّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقاموا إليه ، فقالوا ‏:‏ يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم ؛ فقال سعد بن معاذ ‏:‏ عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ، أنّ الحكم فيهم لمَا حكمت ‏؟‏ قالوا ‏:‏ نعم ‏:‏ وعلى من هاهنا ‏؟‏ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ نعم ؛ قال سعد ‏:‏ فإني أحكم فيهم أن تُقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتُسبى الذراري والنساء ‏.‏

رضاه عليه الصلاة والسلام بحكم سعد

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبدالرحمن ابن عمرو بن سعد بن معاذ ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد ‏:‏ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ‏.‏

علي ينهي المعركة لصالح المسلمين

قال ابن هشام ‏:‏ حدثني بعض من أثق به من أهل العلم ‏:‏ أن علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة ‏:‏ يا كتيبة الإيمان ، وتقدم هو والزبير بن العوام ، وقال ‏:‏ والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم ؛ فقالوا ‏:‏ يا محمد ، ننزل على حكم سعد بن معاذ ‏.‏

حبس بني قريظة ومقتلهم

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم استنزلوا ، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث ، امرأة من بني النجار ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة ، التي هي سوقها اليوم ، فخندق بها خنادق ، ثم بعث إليهم ، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق ، يخرج بهم إليه أرسالا ، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب ، وكعب بن أسد ، رأس القوم ، وهم ستمائة أو سبعمائة ، والمكثِّر لهم يقول ‏:‏ كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة ‏.‏

وقد قالوا لكعب بن أسد ، وهم يُذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا ‏:‏ يا كعب ، ما تراه يصنع بنا ‏؟‏ قال ‏:‏ أفي كل موطن لا تعقلون ‏؟‏ ألا ترون الداعي لا ينزع ، وأنه من ذُهب به منكم لا يرجع ‏؟‏ هو والله القتل ‏!‏ فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏

مقتل ابن أخطب

وأُتي بحيي بن أخطب عدو الله ، وعليه حله له فقَّاحية - قال ابن هشام ‏:‏ فقاحية ‏:‏ ضرب من الوشي - قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة أنملة لئلا يُسلبها ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ‏.‏

فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ‏:‏ أما والله ما لمت نفسي في عدواتك ، ولكنه من يخذل الله يخذل ، ثم أقبل على الناس ، فقال ‏:‏ أيها الناس ، إنه لا بأس بأمر الله ، كتاب وقدر ملحمة كتبها الله على بني إسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه ‏.‏

شعر جبل في مقتل حيي بن أخطب

فقال جبل بن جوال الثعلبي ‏:‏

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخُذلِ

لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغي العز كل مُقلقَل

قتل امرأة واحدة من نسائهم وسببه

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقد حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت ‏:‏ لم يقتل من نسائهم إلا امراة واحدة ‏.‏ قالت ‏:‏ والله إنها لعندي تحَدَّث معي ، وتضحك ظهرا وبطنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق ، إذ هتف هاتف باسمها ‏:‏ أين فلانة ‏؟‏ قالت ‏:‏ أنا والله ، قالت ‏:‏ قلت لها ‏:‏ ويلك ؛ ما لك ‏؟‏ قالت ‏:‏ أُقتل ؛ قلت ‏:‏ ولم ‏؟‏ قالت ‏:‏ لحدث أحدثته ؛ قالت ‏:‏ فانطلق بها ، فضربت عنقها ؛ فكانت عائشة تقول ‏:‏ فوالله ما أنسى عجبا منها ، طيب نفسها ، وكثرة ضحكها ، وقد عرفت أنها تُقتل ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ وهي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد ، فقتلته ‏.‏

قصة الزبير بن باطا

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس ، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري ، أتى الزبير بن باطا القرظي ، وكان يكنى أبا عبدالرحمن - وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية ‏.‏ ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منّ عليه يوم بعاث ، أخذه فجز ناصيته ، ثم خلى سبيله - فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ، فقال ‏:‏ يا أبا عبدالرحمن ، هل تعرفني ‏؟‏ قال ‏:‏ وهل يجهل مثلي مثلك ؛ قال ‏:‏ إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي ؛ قال ‏:‏ إن الكريم يجزي الكريم ‏.‏

ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، إنه قد كانت للزبير عليّ منة ، وقد أحببت أن أجزيه بها ، فهب لي دمه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ هو لك ؛ فأتاه فقال ‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك ، فهو لك ؛ قال ‏:‏ شيخ كبير لا أهل له ولا ولد ، فما يصنع بالحياة ‏؟‏

قال ‏:‏ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، هب لي امرأته وولده ؛ قال ‏:‏ هم لك ‏.‏ قال ‏:‏ فأتاه فقال ‏:‏ قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك ، فهم لك ؛ قال ‏:‏ أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك ‏؟‏

فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، ماله ؛ قال ‏:‏ هو لك ‏.‏ فأتاه ثابت فقال ‏:‏ قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك ، فهو لك ‏.‏

قال ‏:‏ أي ثابت ، مافعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحي ، كعب بن أسد ‏؟‏ قال ‏:‏ قتل ؛ قال ‏:‏ فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب ‏؟‏ قال ‏:‏ قتل ؛ قال ‏:‏ فما فعل مقدمتنا إذا شددنا ، وحاميتنا إذا فررنا ، عزَّال بن سموأل ‏؟‏ قال ‏:‏ قتل ؛ قال ‏:‏ فما فعل المجلسان ‏؟‏ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة ؛ قال ‏:‏ ذهبوا قتلوا ؛ قال ‏:‏ فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم ، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة ‏.‏ فقدمه ثابت ، فضرب عنقه ‏.‏

فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ‏(‏ ألقى الأحبة ‏)‏ ‏.‏ قال ‏:‏ يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ قبلة دلو ناضح ‏.‏ قال زهير بن أبي سلمى في ‏(‏ قبلة ‏)‏ ‏:‏

وقابل يتغنى كلما قدرت * على العراقي يداه قائما دَفَقا

وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويُروى ‏:‏ وقابل يتلقى ، يعني قابل الدلو يتناول ‏.

أمر عطية القرظي ورفاعة بن سموأل

قال ابن إسحاق ‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت منهم ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني شعبة بن الحجاج ، عن عبدالملك بن عمير ، عن عطية القرظي ، قال ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يُقتل من بني قريظة كل من أنبت منهم ، وكنت غلاما ، فوجدوني لم أُنبت ، فخلوا سبيلي ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني أيوب بن عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي صعصعة ، أخو بني عدي بن النجار ‏:‏ أن سلمى بنت قيس ، أم المنذر ، أخت سليط بن أخت سليط بن قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد صلت معه القبلتين ، بايعته بيعة النساء - سألته رفاعة بن سموأل القرظي ، وكان رجلا قد بلغ ، فلاذ بها ، وكان يعرفهم قبل ذلك ، فقالت ‏:‏ يا نبي الله ، بأبي أنت وأمي ، هب لي رفاعة ، فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل ؛ قال ‏:‏ فوهبه لها ، فاستحيته ‏.‏

تقسيم فيء بني قريظة

قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسّم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين ، وأعلم في ذلك اليوم سُهْمان الخيل وسهمان الرجال ، وأخرج منها الخُمس ، فكان للفارس ثلاثة أسهم ، للفرس سهمان ولفارسه سهم ، وللراجل ، من ليس له فرس ، سهم ‏.‏

وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا ، وكان أول فيء وفعت فيه السهمان ، وأُخرج منها الخمس ، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقعت المقاسم ، ومضت السنة في المغازي ‏.‏

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبدالأشهل بسبي من سبايا بني قريظة إلى نجد ، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا ‏.‏

إسلام ريحانة

قال ‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة ، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة ، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها ، ويضرب عليها الحجاب ؛ فقالت ‏:‏ يا رسول الله ، بل تتركني في ملكك ، فهو أخف علي وعليك ، فتركها ‏.‏

وقد كانت حين سباها قد تعصّت بالإسلام ، وأبت إلا اليهودية ، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجد في نفسه لذلك من أمرها ‏.‏

فبينا هو مع أصحابه ، إذ سمع وقع نعلين خلفه ؛ فقال ‏:‏ إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة ؛ فجاءه فقال ‏:‏ يا رسول الله ، قد أسلمت ريحانة ، فسره ذلك من أمرها ‏.‏

ما نزل من القرآن في الخندق وبني قريظة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأنزل الله تعالى في أمر الخندق ، وأمر بني قريظة من القرآن ، القصة في الأحزاب ، يذكر فيها ما نزل من البلاء ، ونعمته عليهم ، وكفايته إياهم حين فرج ذلك عنهم ، بعد مقالة من قال من أهل النفاق ‏:‏ ‏(‏ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا ‏)‏ ‏.‏ والجنود ‏:‏ قريش وغطفان وبنو قريظة ، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة ‏.‏

يقول الله تعالى ‏:‏ ‏(‏ إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا ‏)‏ ‏.‏ فالذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ، والذين جاءوهم من أسفل منهم قريش وغطفان ‏.‏

يقول الله تبارك وتعالى ‏:‏ ‏(‏ هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسلوه إلا غرورا ‏)‏ لقول معتِّب بن قشير إذ يقول ما قال ‏.‏

‏(‏ وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ‏)‏ لقول أوس بن قيظي ومن كان على رأيه من قومه ‏(‏ ولو دُخلت عليهم من أقطارها ‏)‏ ‏:‏ أي المدينة ‏.‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏:‏ الأقطار ‏:‏ الجوانب ؛ وواحدها ‏:‏ قطر ، وهي الأقتار ، وواحدها ‏:‏ قتر ‏.‏

قال الفرزدق ‏:‏

كم من غِنى فتح الإله لهم به * والخيل مُقْعية على الأقطار

ويُروى ‏:‏ ‏(‏ على الأقتار ‏)‏ ‏.‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏

‏(‏ ثم سئلوا الفتنة ‏)‏ ‏:‏ أي الرجوع إلى الشرك ‏(‏ لآتوها وما تلبثُّوا بها إلا يسيرا ‏.‏ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ، وكان عهد الله مسئولا ‏)‏ ، فهم بنو حارثة ، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يوم أحد ، ثم عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها أبدا ، فذكر لهم الذين أعطوا من أنفسهم ، ثم قال تعالى ‏:‏ ‏(‏ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ، وإذا لا تمتعون إلا قليلا ‏.‏ قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا ، أو أراد بكم رحمة ، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ‏.‏ قد يعلم الله المعوِّقين منكم ‏)‏ ‏:‏ أي أهل النفاق ‏(‏ والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ، ولا يأتون البأس إلا قليلا ‏)‏ ‏:‏ أي إلا دفعا وتعذيرا ‏(‏ أشحة عليكم ‏)‏ ‏:‏ أي للضغن الذي في أنفسهم ‏(‏ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ، تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت ‏)‏ ‏:‏ أي إعظاما له وفرقا منه ‏(‏ فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ‏)‏ ‏:‏ أي في القول بما لا تحبون ، لأنهم لا يرجون آخرة ، ولا تحملهم حِسبة ، فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده ‏.‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏:‏ سلقوكم ‏:‏ بالغوا فيكم بالكلام ، فأحرقوكم وآذوكم ‏.‏ تقول العرب ‏:‏ خطيب سلاّق ، وخطيب مِسْلق ومِسْلاق ‏.‏

قال أعشى بني قيس بن ثعلبة ‏:‏

فيهم المجد والسماحة والنَّجْـ * ـدة فيهم والخاطب السلاقُ

وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏

‏(‏ يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ‏)‏ قريش وغطفان ‏(‏ وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا الا قليلا ‏)‏ ‏.‏

ثم أقبل على المؤمنين فقال ‏:‏ ‏(‏ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ‏)‏ ‏:‏ أي لئلا يرغبوا بانفسهم عن نفسه ، ولا عن مكان هو به ‏.‏

ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وعدهم الله من البلاء يختبرهم به ، فقال ‏:‏ ‏(‏ ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم الا إيمانا وتسليما ‏)‏ ‏:‏ أي صبرا على البلاء وتسليما للقضاء ، وتصديقا للحق ، لما كان الله تعالى وعدهم ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ‏:‏ ‏(‏ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ‏)‏ ‏:‏ أي فرغ من عمله ، ورجع إلى ربه ، كمن استشهد يوم بدر ويوم أحد ‏.‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏:‏ قضى نحبه ‏:‏ مات ، والنحب ‏:‏ النفس ، فيما أخبرني أبو عبيدة ، وجمعه ‏:‏ نحوب ‏.‏ قال ذو الرمة ‏:‏

عشية فر الحارثيون بعد ما * قضى نحبه في ملتقى الخيل هَوْبَرُ

وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏ وهوبر ‏:‏ من بني الحارث بن كعب ، أراد ‏:‏ يزيد بن هوبر ‏.‏ والنحب أيضاً ‏:‏ النذر ‏.‏ قال جرير بن الخَطَفَى ‏:‏

بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب

يقول ‏:‏ على نذر كانت نذرت أن تقتله فقتلته ، وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏ وبسطام ‏:‏ بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني ، وهو ابن ذي الجدين ‏.‏ حدثني أبو عبيدة ‏:‏ أنه كان فارس ربيعة بن نزار ‏.‏ وطِخْفة ‏:‏ موضع بطريق البصرة ‏.‏

والنحب أيضا ‏:‏ الخِطار ، وهو الرهان ‏.‏ قال الفرزدق ‏:‏

وإذ نحبت كلب على الناس أينا * على النحب أعطى للجزيل وأفضل

والنحب أيضا ‏:‏ البكاء ‏.‏ ومنه قولهم ‏:‏ ينتحب ‏.‏ والنحب أيضا ‏:‏ الحاجة والهمة ؛ تقول ‏:‏ ما لي عندهم نحب ‏.‏ قال مالك بن نويرة اليربوعي ‏:‏

وما لي نحب عندهم غير أنني * تلمست ما تبغي من الشُّدُن الشُّجْرِ

وقال نهار بن توسعة ، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل - قال ابن هشام ‏:‏ هؤلاء موالي بني حنيفة - ‏:‏

ونجَّى يوسفَ الثقفي ركض * دراك بعد ما وقع اللواء

ولو أدركنه لقضين نحبا * به وكل مُخطَأَة وقاء

والنحب أيضاً ‏:‏ السير الخفيف المَرِّ ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ ‏(‏ ومنهم من ينتظر ‏)‏ ‏:‏ أي ما وعد الله به من نصره ، والشهادة على ما مضى عليه أصحابه ‏.‏ يقول الله تعالى ‏:‏ ‏(‏ وما بدلوا تبديلا ‏)‏ ‏:‏ أي ما شكوا وما ترددوا في دينهم ، وما استبدلوا به غيره ‏.‏ ‏(‏ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ، ويعذب المنافقين إن شاء ، أو يتوب عليهم ، إن الله كان غفورا رحيما ‏.‏ و ردَّ الله الذين كفروا بغيظهم ‏)‏ ‏:‏ أي قريشا وغطفان ‏(‏ لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا ‏.‏ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ‏)‏ ‏:‏ أي بني قريظة ‏(‏ من صياصيهم ‏)‏ ، والصياصي ‏:‏ الحصون والآطام التي كانوا فيها ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ قال سحيم عبد بني الحسحاس ؛ وبنو الحسحاس من بني أسد بن خزيمة ‏:‏

وأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا

وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏ والصياصي أيضا ‏:‏ القرون ‏.‏ قال النابغة الجعدي ‏:‏

وسادة رهطي حتى بَقِيْـ * ـتُ فردا كصيصية الأعضب

يقول ‏:‏ أصاب الموت سادة رهطي ‏.‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏ وقال أبو دواد الإيادي ‏:‏

فذَعَرْنا سُحم الصياصي بأيديـ * ـهنّ نَضْحٌ من الكُحيل وقار

وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏ والصياصي أيضاً ‏:‏ الشوك الذي للنساجين ، فيما أخبرني أبو عبيدة ‏.‏ وأنشدني لدريد بن الصمة الجشمي ، جشم ابن معاوية بن بكر بن هوازن ‏:‏

نظرت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصي في النسيج الممدد

وهذا البيت في قصيدة له ‏.‏ والصياصي أيضاً ‏:‏ التي تكون في أرجل الديكة ناتئة كأنها القرون الصغار ، والصياصي أيضاً ‏:‏ الأصول ‏.‏ أخبرني أبو عبيدة أن العرب تقول ‏:‏ جذّ الله صيصيته ‏:‏ أي أصله ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ ‏(‏ وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ‏)‏ ‏:‏ أي قتل الرجال ، وسبي الذراري والنساء ، ‏(‏ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها ‏)‏ ‏:‏ يعني خيبر ‏(‏ وكان الله على كل شيء قديرا ‏)‏ ‏.‏

إكرام سعد بن معاذ في موته

قال ابن إسحاق ‏:‏ فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه ، فمات منه شهيدا ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ حدثني معاذ بن رفاعة الزُّرقي ، قال ‏:‏ حدثني من شئت من رجال قومي ‏:‏ أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قُبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من إستبرق ، فقال ‏:‏ يا محمد ، من هذا الميت الذي فُتحت له أبواب السماء ، واهتز له العرش ‏؟‏ قال ‏:‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد ، فوجده قد مات ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن قالت ‏:‏ أقبلت عائشة قافلة من مكة ، ومعها أسيد بن حضير ، فلقيه موت امرأة له ، فحزن عليها بعض الحزن ، فقالت له عائشة ‏:‏ يغفر الله لك يا أبا يحيى ، أتحزن على امرأة وقد أُصبت بابن عمك ، وقد اهتز له العرش ‏!‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني من لا أتهم عن الحسن البصري ، قال ‏:‏ كان سعد رجلا بادنا ، فلما حمله الناس وجدوا له خفة ، فقال رجال من المنافقين ‏:‏ والله إن كان لبادنا ، وما حملنا من جنازة أخف منه ، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏:‏ إن له حملة غيركم ، والذي نفسي بيده ، لقد استبشرت الملائكة بروح سعد ، واهتز له العرش ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني معاذ بن رفاعة ، عن محمود بن عبدالرحمن ابن عمرو بن الجموح ، عن جابر بن عبدالله ، قال ‏:‏ لما دُفن سعد ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسبح الناس معه ، ثم كبر فكبر الناس معه ؛ فقالوا ‏:‏ يا رسول الله ، مم سبحت ‏؟‏ قال ‏:‏ لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره ، حتى فرجه الله عنه ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ومجاز هذا الحديث قول عائشة ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولسعد يقول رجل من الأنصار ‏:‏

وما اهتز عرش الله من موت هالك * سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو

و قالت أم سعد ، حين احتُمل نعشه وهي تبكيه - قال ابن هشام ‏:‏ وهي كُبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الأبجر ، وهو خُدْرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج - ‏:‏

ويل أم سعد سعدا * صرامة وحدا

وسُوددا ومجدا * وفارسا مُعدّا

سُدّ به مَسدّا * يَقُدُّ هاما قَدّا

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ كل نائحة تكذب ، إلا نائحة سعد بن معاذ ‏.‏

الشهداء يوم الخندق

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر ‏.‏

من بني عبدالأشهل

و من بني عبدالأشهل ‏:‏ سعد بن معاذ ، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو ، وعبدالله بن سهل ‏.‏ ثلاثة نفر ‏.‏

من بني جشم

ومن بني جشم بن الخزرج ، ثم من بني سلمة ‏:‏ الطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة ‏.‏ رجلان ‏.‏

من بني النجار

ومن بني النجار ، ثم من بني دينار ‏:‏ كعب بن زيد ، أصابه سهم غرب ، فقتله ‏.‏

تفسير ابن هشام لبعض الغريب

قال ابن هشام ‏:‏ سهمُ غَرْبٍ وسهمٌ غرب ، بإضافة وغير إضافة ، وهو الذي لا يُعرف من أين جاء ولا من رمى به ‏.‏

قتلى المشركين

وقتل من المشركين ثلاثة نفر ‏.‏

من بني عبدالدار

ومن بني عبدالدار بن قصي ‏:‏ منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار ، أصابه سهم ، فمات منه بمكة ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق ‏.‏

عرض المشركين على الرسول شراء جسد نوفل

قال ابن إسحاق ‏:‏ ومن بني مخزوم بن يقظة ‏:‏ نوفل بن عبدالله بن المغيرة ؛ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده ، وكان اقتحم الخندق ، فتورط فيه ، فقُتل ، فغلب المسلمون على جسده ‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا حاجة لنا في جسده ولا بثمنه ، فخلى بينهم وبينه ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده عشرة آلاف درهم ، فيما بلغني عن الزهري ‏.‏

من بني عامر

قال ابن إسحاق ‏:‏ ومن بني عامر بن لؤي ، ثم من بني مالك بن حسل ‏:‏ عمرو بن عبد ود ، قتله علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ وحدثني الثقة أنه حدث عن ابن شهاب الزهري أنه قال ‏:‏ قتل علي بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال عمرو بن عبد ود ، ويقال ‏:‏ عمرو بن عبد ‏.‏

الشهداء يوم بني قريظة

قال ابن إسحاق ‏:‏ واستشهد يوم بني قريظة من المسلمين ، ثم من بني الحارث بن الخزرج ‏:‏ خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو ، طُرحت عليه رحى ، فشدخته شدخا شديدا ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ إن له لأجر شهيدين ‏.‏

ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان ، أخو بني أسد بن خزيمة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني قريظة ، فدفن في مقبرة بني قريظة التي يدفنون فيها اليوم ، وإليه دفنوا أمواتهم في الإسلام ‏.‏

بشر الرسول المسلمين بغزو قريش

ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني ‏:‏ لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم ‏.‏ فلم تغزهم قريش بعد ذلك ، وكان هو الذي يغزوها ، حتى فتح الله عليه مكة ‏.

‏قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هابل ‏‏:‏‏ ثاكل ‏‏.‏‏‏ولا لهم إذا اعتمروا وحجوا * من الحجرين والمسعى نصيب