الإنســان والســلطة




مقدمة

إن البحث عن مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي سوف يكون مجرد عبث، وترف فكري إن لم يوضع في إطار حل إشكالية يعانيها الواقع العربي المعاصر. فالعودة إلى الماضي للتغني بأمجاده لن تكون في نهاية المطاف إلا نوعاً من الهرب من الواقع، واعترافاً بالعجز عن التفاعل معه والتأثير فيه.
والإنسان ابن الزمان، ووجوده في حقيقته مرتبط به، فهو لن يتمكن من معرفة ذاته وتحقيق تلك المعرفة إلا من خلال المعارف التي يكتسبها في حياته، وترتبط في سبل اكتسابها وكيفها وكمّها بالزمان الذي يعيشه. ولّما كان الزمان الذي يعيشه الإنسان قصيراً بالنسبة إلى عمر مجتمعه وحضارته، إن لم نقل بالنسبة إلى الإنسانية، فإن عليه أن يحرص على زمانه وأن لا يصرفه في العبث واللهو، وقد توجب عليه نتيجة ذلك أن لا يكتفي في اكتساب المعرفة بتجربته الخاصة إذ إن هذه التجربة، مهما تنوعت وتعددت، فإنها لن تكون كافية لمعرفة الذات، ولابد للإنسان إذن من الاطلاع على تجارب الآخرين وهو ما يمكن وضعه تحت اسم المعرفة غير المباشرة في مقابل المعرفة المباشرة التي تقدمها التجربة الفردية. ولا شك في أن أهم أنواع المعارف غير المباشرة الضرورية لمعرفة الذات هي تلك المعارف التي تربط تجربة الفرد الذاتية بتجارب أجداده وخبراتهم ومعارفهم، لأنه في واقعه وتصوره للكون والله والإنسان إنما يشكل امتداداً زمانياً ومعرفياً لهذه التجارب.
إن النظر في واقع الأمة العربية اليوم يقودنا إلى القول بأن ما تعانيه هذه الأمة من عقبات ونكبات وانتكاسات إنما يكمن في كونها لا تعرف ذاتها، وتجهل هويتها. وما الهوية إلا الثقافة التي ينتمي إليها الإنسان، وتشكل امتداداً للثقافة التاريخية الاجتماعية. ولذلك فقد اقتضى أن تكون معرفة الذات، وتحقيق هذه المعرفة، مرتبطة بالعودة إلى الثقافة التي تنتمي إليها هذه الذات.
لقد مضى قرن ونيّف على بداية ما سمي بالنهضة العربية. وما نراه اليوم في الواقع الذي يعيشه العرب في كل مستويات حياتهم يبين أن هذه النهضة لم تكن حقيقية، وإنما كانت زائفة أُريد بها إشغال العرب في القرن العشرين عن نهضة أخرى، كانت قد بدأت في الوقت نفسه، انطلقت من سعي إلى ربط الحاضر بالماضي.
من بداية النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت بوادر الجدال حول أسباب تخلف الأمة، وترسخ هذا الحال بعد الهزات العنيفة والهزائم التي لحقت بها، وازداد وضوحاً بعد حربي الخليج الأولى والثانية. وكان ما كتب حول هذه الأسباب أو قيل في محاضرات وندوات كثيرة جداً إلى درجة أنه هو نفسه أصبح سبباً من أسباب تكريس التخلف والتعود عليه. ولعل الطروحات والتصورات التي وضعت لإزالة هذه الأسباب ما كانت في جوهرها إلا نتيجة تلك الأسباب ذاتها، لأنها كانت تنطلق أساساً من مرجعيات مختلفة ومتغيرة بحسب البلد العربي الذي تصدر عنه من جهة، وبحسب تبعية هذا البلد لتيار من تيارات الفكر أو السياسة العالميين. أضف إلى ذلك أن تلك المرجعيات ذاتها كانت تقف في أسس النهضة العربية أقصد أنها مرجعيات غربية، غريبة في معظمها عن ثقافة الأمة الاجتماعية التاريخية.
ونعتقد أنه قد آن الأوان لكي نعيد النظر في واقعنا من خلال مرجعية واحدة خاصة بنا ومشتركة تقرُّ بها الغالبية العظمى في الوطن العربي، بل وترى فيها عاملاً يوحد بينها وبين البلاد الإسلامية أيضاً.
نقصد بهذه المرجعية الذات العربية أو الهوية العربية، ونعتقد أن هذين المفهومين واحد يقود بالضرورة إلى مفهوم آخر هو مفهوم الإنسان، وهو موضوع هذه الدراسة.
لا يمكن للإنسان أن يفعل شيئاً ذا قيمة إن لم يكن ينطلق في فعله هذا من وعي خاص به يبين له من هو وماذا يريد من وجوده؟ ويوضح له معنى وجوده وكيفية تحقيق هذا الوجود. كما أن هذا الوعي لا قيمة له إن لم يكن مصحوباً بإرادة تعمل على تحقيقه.
وعلى ذلك فإن الوعي والإرادة عاملان جوهريان في كل فعل إنساني، وهما ضروريان في كل نهضة اجتماعية أو حضارية.
وأعتقد أن الوعي العربي في القرن العشرين قد تعرض لتزييف وتغريب، وهو ما جعله غائماً مشوشاً مقلقلاً لا يعرف على وجه الدقة من هو ولا ماذا يريد، فقد قُدِّمت له ثقافة بديلة حاولت دفع ثقافته إلى الوراء واتهمتها بالرجعية، وعزت إليها أسباب الجمود والتخلف، وكانت تلك الثقافة الغربية ثقافة فردية تعلي من شأن الفرد وتمجد العلم ومفرزاته على حساب الجماعة وإنسانية الإنسان، على حين أن الثقافة العربية الإسلامية تمجد الإنسان فرداً في إطار الجماعة من خلال منحه بعداً إلهياً مطلقاً يربط وجوده بوجود الله ويجعله خليفة له في الأرض.
وقد ساهمت السلطات السياسية العربية في كل ذلك فكانت هي وراء التغريب من خلال تبني أنظمة كونية غريبة عن المجتمع ومن خلال الدفاع عن فئة من المثقفين كانوا الممثلين الفاشلين لهذه الأنظمة.
ونحن نعتقد أن ما يعانيه الفرد العربي، أس المجتمع، من غربة وتغريب وفقدان هوية أو غموضها، إنما يرجع إلى السلطات السياسية في الوطن العربي على اختلاف تسمياتها أو أنظمتها السياسية والاقتصادية. ولذلك فقد كان على من يريد حل المشكلة أن يعرف جذورها ومكوناتها. وكان لا بد لذلك من العودة إلى التاريخ لنرى فيه أصول المشكلة وأسبابها الإشكالية التي ما تزال، على اختلاف الوجوه، تتحكم في سوء أوضاع المجتمع العربي فلا توفر لأبنائه الظروف التي تساعدهم على تحقيق معنى وجودهم بل إنما تضعهم في أطر سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تبعدهم عن ذلك وتتركهم في حالة من الضياع والفوضى فيسهل قيادهم على أنظمتهم الحاكمة التي لا ينظر معظمها إلى البلاد التي يحكمونها إلا على أنها مزارع خاصة يستثمرونها ويرسلون ما يجنونه من أموال إلى بنوك الغرب الذي يدعمهم في نشاطهم هذا كله.
إنا إذا أردنا أن نخرج بهذه الأمة مما هي فيه من ضياع فإن علينا أن نعيد بناء الإنسان من خلال توفير الوسط الفاضل الذي يمكنه من استعادة الثقة بنفسه بعد معرفة هويته. ولذلك فقد كان هذا الكتاب يعرض المشكلة، فيبحث في أسباب نشأتها وعوامل استمرارها التاريخية، ليقدم في القسم الثاني منه تصور الحل في العودة إلى الذات.
فالإنسان يعيش في وسط يؤثر فيه ويتأثر به. ولا بد لمعالجة مشاكله من فهم هذا الوسط وتصحيحه وإلا فإن أي محاولة تأتي من الخارج لن تتمكن على الإطلاق من إنقاذ الوضع.
وقد بدأنا الكتاب بعد المقدمة بمدخل نظري، رصدنا فيه الواقع السياسي الذي أحاط بالفرد العربي من أواخر القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين. وهو رصد ضروري في رأينا لوضع القارئ أمام صورة عامة لمراحل التغريب التي مر بها الفرد العربي في العصر الحديث. ثم كان علينا أن نقدم تعريفاً لمجموعة من المبادئ النظرية/ السياسية/ الثقافية والمفاهيم المعرفية التي اعتمدنا عليها في الدراسة.
وجعلنا القسم الأول لدراسة العلاقة بين السياسي والثقافي الذي يقابل في اعتقادنا امتداداً للعلاقة بين السياسي والاجتماعي، فالمثقف كان على الدوام صلة الوصل بين السلطة السياسية والنظام الإنساني باعتباره يمثل النظام الكوني. فنحن نسلم مع ابن خلدون في مقدمته بضرورة وجود الحاكم الذي يستحيل بقاء التجمعات البشرية دونه، إذ تقع في الفوضى، ولما كان الأمر على ما تقدم فقد كان لا بد من التعامل مع تلك الضرورة من داخلها، لا من خارجها، فتطرح العلاقة بين الحاكم والمحكوم على بساط البحث في ضوء ضرورة المعايشة، والتعاون بين الطرفين على تطوير المجتمع بعد المحافظة عليه. ولما كان المجتمع متعدداً فقد كان لا بد ممن يختارهم لتمثيله عند الحاكم فيكونون صلة وصل بين الطرفين. تلك الفئة من الوسطاء هي ما اصطلحنا على تسميته في هذه الدراسة بالسلطة الثقافية التي تمثل مرجعية المجتمع في التعامل مع ظواهر الحياة وجوانبها المختلفة ولا سيما السياسية، وإذا فرقنا بين السلطة السياسية والأخرى الثقافية فليس لأننا نضع الواحدة في مقابل الأخرى وإنما توضيحاً منهجياً للمسألة إذ إننا نعتقد أن العلاقة بين السلطتين جدلية، وليس لواحدتهما غنى عن الأخرى.
وقد سعينا في هذا القسم إلى تقديم عرض سياسي فكري لمعنى الخلافة ومفهومها عند كل من الشيعة وأهل السنة والخوارج. ثم تتبعنا تطور العلاقة بين السلطتين، في ضوء تلك المقدمة، على طول التاريخ العربي الإسلامي ابتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام، وبالخلفاء الأربعة الكرام ثم بالخلفاء الأمويين والعباسيين ومن في ظلهم من السلاطين إلى نهاية القرن الرابع الهجري. ثم انتقلنا إلى بداية العصر الحديث في التاريخ العربي المعاصر فبدأنا بطلائع عصر النهضة لننتهي في نهاية القرن العشرين، وقد أجرينا في خلال ذلك، وحيث وجدنا الأمر مناسباً، مقارنة بين النظرية الشيعية في الإمامة والنظرية السياسية عند أهل السنة فكان الفرق بعيداً وخاصة عندما كانت المقارنة في خلال النصف الثاني من القرن العشرين الذي شهد قيام أول جمهورية إسلامية في العصر الحديث.
وقد ألحقنا الدراسة بنموذجين وضّحنا فيهما تاريخياً العلاقة بين السلطة والمثقف فكانت الأولى للعلاقة بين سيف الدولة الأمير، والفارابي الفيلسوف المثقف. أما الثانية فكانت بين عضد الدولة البويهي والقاضي ابن الباقلاني.
أما القسم الثاني فقد خصصناه لعرض تصورنا في العودة إلى الذات. فنحن نعتقد أن الذات العربية إنما تمتد في التراث، الذي يشكل ذاكرة الأمة. ولا بد لمن يعرف نفسه من أن يبحث في ذاكرته مستودع ثقافته وتجاربه ومخزن العناصر المكونة لوجوده الذهني والمادي. ونحن نعتقد أن التراث إنما هو مرجع هذه الأمة الذي يشكل نظامها الكوني، وهو مصدر قوتها إن وعته، وغيابه عن وعيها يشكل مصدر ضعفها وضياعها.
ولذلك فقد عدنا إلى التراث للانطلاق منه مرجعاً ومقياساً في سعينا إلى تصحيح مسار الهوية العربية. فطرحنا مسألة مفهوم الإنسان في هذا التراث من خلال العقيدة الإسلامية متمثلة بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، لنكمل بعدها بعرض تطور هذا المفهوم في الفكر العربي الإسلامي من خلال ثلاثة من أشهر ممثليه هم:
أبو حيان التوحيدي الأديب الفيلسوف، والشيخ الرئيس ابن سينا شيخ الفلاسفة العرب المسلمين، والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي شيخ المتصوفة.
وبعد فإن هذه الدراسة لا تدعي الإحاطة بالموضوع وإنما تريد أن تساهم في الجهود المبذولة هنا وهناك في إعادة النظر في شروط النهضة العربية وهو ما بدأت أولى مؤشراته في الظهور بعد حرب الخليج الثانية التي أظهرت إفلاس الأنظمة العربية في مختلف مستوياتها وأشكالها السياسية والمعرفية والثقافية والعلمية والاقتصادية. وبدأ التململ يظهر في أبناء الأمة ولا سيما الشباب منهم، وتجسد في انطلاقة حزب الله في جنوب لبنان وانتفاضة إخوتنا في فلسطين المحتلة.
إلا أن كل هذه البواكير لن تشكل خطراً حقيقياً على أعداء الأمة الذين يملكون زمام معظم الأمور فيها سواء أكانوا في الداخل أم في الخارج، فهم تنبهوا إلى خطرها على مصالحهم، وعرفوا أنها ستنسف كل ما جهدوا في إقامته وترسيخه عبر قرن ونصف من الزمان في ذات الأمة.
إن التذكير بهذه الحقائق ما هو دعوة إلى اليأس وإنما هو تنبيه وتحذير وصيحة تحاول جمع شمل المفكرين العرب اليوم للوقوف معاً والظهر إلى قلعة التراث أملاً في إنقاذ هذه الأمة التي تتعرض في بداية القرن الواحد والعشرين إلى خطر إبادة بالمعنى المجازي واللغوي للكلمة.
ولعل ما يشفع لهذه الدراسة فيما قد يرد فيها من تصورات غير مرضية لبعض القرّاء هو أنها تطرح قضية واسعة جداً من المستحيل الإحاطة بها، ليس في دراسة واحدة وإنما في عدد ضخم من الدراسات يشرف عليها مجموعات من الباحثين. فهي لذلك قاصرة عن بلوغ كل ما يمكن أن يقال في هذه القضية. ومن المسلّم به أنه ليس من السهل على أهل العصر أن يعرفوا حقيقة عصرهم، إذ إنّ من يعمل على إخفاء هذه الحقيقة وتمويهها أو تزوير الباطل ليبدو حقيقة والإمعان في الكذب حتى يصدقه الناس، كثيرٌ في كل زمان، وإنما تُعرف حقيقة العصر أو يُكشف عنها بعد زوال أصحاب العصر ومجيء من لا مصلحة له في التزوير والكذب أو من مصلحته في الكشف عن ذلك.
ولعل مهمة الباحث في عصر من العصور ليس البحث عن حقيقة عصره بقدر ما هي إضاءة الأحداث التي يشملها مجال الدراسة. إذ من الواضح أن الغد سيقدم أدلة ويكشف عن حقائق لا يوفرها اليوم، والدراسة إنما تقوم اليوم على معطيات اليوم، وفي إطار يسيطر عليه من أشير إليه ممن له مصلحة في التدليس والتزوير، ولعلهم يزولون في الغد فيمكن للباحث أن يقدم ما لا يستطيع اليوم تقديمه.
إن هذه القاعدة في دراسة التاريخ قاعدة إنسانية عامة، يمكن اعتمادها على اختلاف الزمان والمكان. إلا أن صحة هذه القاعدة لا يجوز أن تعيق الباحث عن محاولة البحث عن حقيقة عصره، وإن لم يتمكن من وصفها كاملة بسبب من تلك القاعدة فإن عليه أن يشير إليها، ويلمح، ويكتب عنها في الماضي وهو يريد الحاضر، كما أن عليه في الوقت ذاته أن يتناول تلك الحقيقة تناولاً رقيقاً حتى لا يبدو له في الغد أنه قد أخطأ التقدير فأساء لمن لا يستحق.
ولعل ما يشفع أيضاً هو حسن النية والإخلاص في الكتابة وجعلها أمانة ترجو النصح للأمة والوطن ودعوة إلى مراقبة أخطاء النفس ورغبة في تمتين العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي علاقة نحن بأمس الحاجة إليها اليوم إزاء ما يجري في العالم من أحداث يتفق فيها العالم الغربي كله على العداء للأمة العربية بخاصة والإسلامية بعامة، وأعتقد أن أهم ما يقوّي الأمة أمام خصومها هو أن تكون قلباً واحداً، ولن تكون كذلك إلا عندما تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أفضل حال يخرج فيها الحاكم من الأمة، فتدعمه في حالات الشدائد فلا يخشى في الحق ومصلحة الأمة وكرامتها لومة لائم.
وبعد فليس لي في نهاية المطاف إلا أن أردد قوله تعالى في سورة غافر
"فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد".
حلب 25/10/2001
 حسين الصديق





المدخل


أولاً – السياسة والثقافة
إن قراءة التاريخ الإنساني على اختلاف الزمان والمكان تجعلنا نرى أن النزاع قائم منذ الأزل بين الإنسان والإنسان. وهو نزاع يتجسد في أعلى صوره وأشدها دموية في النزاع على السلطة. فكل من يملك سلطة يتعرض لانتقادات الآخرين، وهو مستهدف ممن يريدون حيازة تلك السلطة بدلاً منه. إنّ ما تقدم يشكل حقيقة تاريخية ثابتة على اختلاف أشكال السلطة وأنواعها في التاريخ الإنساني، ولعل أكثر أشكال السلطة إثارة للتنازع هي السلطة السياسية.
ومن يملك السلطة السياسية يدخل في صراع مع منافسيه، فإما أن يحتفظ بها بعد القضاء عليهم إلى حين يأتي سواهم، وإما أن يأخذوها منه بعد القضاء عليه إلى أن يأتي من هو أقوى منهم فيأخذها منهم. وكل "من يتمتع بالقدر الكافي من القوة والمكانة سيعمل على امتلاك السلطة، ويقدم على انتزاعها ممن يمسك بها. إنّ النتائج يمكن استخلاصها بسهولة، ويؤيدها التاريخ، فتصبح السلطة مثار نزاعات تنتهي بحروب تتجدد دائماً: السلب والنهب طلباً لمزيد من الثروة، الفتوحات لتوسيع الأملاك، الإرهاب لفرض القوة، والغزوات الحربية لإظهار الشجاعة بتوسيع مجال السيطرة، هذه كلها تصبح وسائل الوصول إلى السلطة"( ).
ومن يملك السلطة السياسية بحاجة إلى نوع من المعارف يساعده في صراعه مع منافسيه و يمكنه من الاحتفاظ بها. وهي معارف تعطي السلطة نوعاً من الشرعية التي يقبلها المجتمع الذي يخضع لتلك السلطة، وترسّخ صورتها "الحسنة" لدى الناس المحكومين، ليتحقق من خلال ذلك كسب تأييدهم لصاحب السلطة.
ولكن التاريخ الإنساني يبيّن أن أصحابَ السلطة غيرُ متفرغين لامتلاك هذا النوع من المعارف، وهم غالباً ليسوا، قبل استلامهم السلطة، ممن يملكون المعرفة التي تمكن صاحبها من اكتساب الاحترام والإجلال في الوسط الاجتماعي، وتجعله يهيمن على أفراده، فيسمعون رأيه، ويحتكمون إليه عند الحاجة، ويسلمون بما يصدر عنه، فهم بحاجة إليه لأنه يشكل مرجعاً، حياتياً ويومياً وعملياً لكافة أشكال العلاقات الإنسانية والاجتماعية والدينية والتاريخية والقضائية والمالية والروحية، يجدون لديه ردوداً على كل احتياجاتهم وتساؤلاتهم، وحلولاً لكل مشكلاتهم، ولذلك فإن أصحاب السلطة السياسية بحاجة إلى هؤلاء. وهذا يعني افتراض أن السلطتين في الأصل كانتا مجتمعتين لضرورة كل واحدة منهما للأخرى. ولكن ظروفاً مختلفة أدت إلى الفصل بينهما، وهو افتراض يحتاج إلى دراسة وتحقيق ليس هنا مكانهما.
وكما تتعدد أشكال السلطة السياسية وتختلف، فإن من يملكون المعرفة تتعدد أشكالهم المعرفية وتختلف، وهؤلاء تتنوع مواقفهم من السلطة من استجابة، ورفض، وحيادية، فالعلاقة بين الطرفين علاقة جدلية قائمة على مصلحة، ولذلك فهي تقوم على الصراع والمعارضة غالباً، وعلى الاتفاق في بعض الأحيان عند فئة من ممثلي المعرفة.
إنّ ما تقدم يمتدّ عبر التاريخ الإنساني برمّته، ويعود إلى المجتمعات البشرية الأولى، وهو موجود في كل فترات التاريخ ولدى مختلف أشكال الحضارات، ولذلك فإن الكلام عليه معقد وشائك للغاية، بسبب تنوع أشكال السلطة السياسية، وتعدد تفسيرات مصادرها، بالإضافة إلى تعدد أنواع المعارف واختلافها، وطبيعة مصادرها أيضاً، وسبل اكتسابها.
وعلى الرغم من أهمية هذه المسألة فإن الدراسات المخصصة لها قليلة. وهي إنما تعود إلى العلوم الإنسانية الحديثة التي أسسها الغرب الأوربي في القرن التاسع عشر، وبدأت تعطي ثمارها في القرن العشرين، وفي مقدمتها علم الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم السياسة. أما قبل ذلك التاريخ فكان الأمر يقتصر على ملاحظات عامة أو صفحات في كتاب، ذات منحى نظري يكرس ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم عامة ومن وجهة نظر مثالية في الغالب، ولا ينطلق من مراقبة الواقع كما هو عليه.
ونقصد بذلك البلاد التي تدين بالإسلام، وخاصة الوطن العربي.
في هذه البلاد لا توجد دراسات حول هذا الموضوع، وما وجد منها، على قلته، خاضع لتأثيرات ثقافية أجنبية، لا تنطلق من الواقع الثقافي الاجتماعي التاريخي في تلك البلاد. ونعتقد أن المشكلة القائمة في هذه البلاد بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية في أصل كل المشاكل التي يعانيها الوطن العربي، وهي مشاكل متنوعة تشمل كل المجالات: الاقتصادية والعلمية والتربوية والاجتماعية والتنموية والثقافية والسياسية.

ثانياً – الهوية والثقافة
1-يوصي ليفي ستراوس الباحثين "الأنثروبولوجيين" بأن أول اعتبار يجب ألا يغيب عن أذهانهم دائماً هو أن الحياة الاجتماعية تشكل نظاماً متكاملاً تترابط كلّ عناصره فيما بينها بشكل متناسق، وتضيف "الأنثروبولوجيا" الثقافية قاعدة أخرى تقول إن القيم والعناصر المكونة للنظام الثقافي متمثلة ومختزنة بأمانة في أعماق الفرد، وتشكل برنامجاً خفياً يضبط سلوكه وينظّمه بشكل آليّ تلقائي يقوم في الغالب على الفعل وردّ الفعل.

من خلال ما تقدم يمكن تقديم التعريف التالي للثقافة: الثقافة هي مجموع المعطيات التي تميل إلى الظهور بشكل منظم فيما بينها مشكّلة مجموعة من الأنساق المعرفية الاجتماعية المتعددة التي تنظم حياة الأفراد ضمن جماعة تشترك فيما بينها في الزمان والمكان. فالثقافة ما هي إلا التمثيل الفكري للمجتمع والذي ينطلق منه العقل الإنساني في تطوير عمله وخلق إبداعاته، فهي بهذا المعنى تختلط بالمجتمع فلا يمكن التفريق بينهما إلا في مستوى التمثيل، فهي بالتالي تحدّد هوية المجتمع في كافة أبعاده المادية والمعنوية.
الأغلب لن يراه أبداً في إيطاليا.
إن ثقافة مجتمع ما تملك وجوداً حيّاً أشبه بالوجود البيولوجي للجسد البشري أو الاجتماعي، فهي تملك في داخلها تنظيماً خاصاً يجعل من مجموع العناصر المكونة لها شكلاً متكاملاً، فالإنسان الفرد يعيش ثقافياً داخل ذلك الوجود الحيّ للثقافة الاجتماعية التي تشكل هويته الذاتية، وهو في داخل هذا الوجود يبدع بشكل رمزي العالم الذي يحيا فيه، فالحقائق التي يعتقد بها، والأوهام التي يصدرها والإدراكات التي يكونها ما هي إلا أفعال أو ردود فعل تصدر عنه من خلال علاقته بنظام الثقافة الذي ينتمي إليه. وعلى هذا فإن ثقافة مجتمع ما هي مصدر كلّ القيم والأفعال وردود الفعل التي تصدر عن الأفراد المنتمين إلى ذلك المجتمع، وهي بالتالي مقياس كل شيء فيه، ومن خلالها يجب أن يُفهم أو يُدرس.
2-بعد أن أبرزنا العلاقة الوجودية بين الثقافة والمجتمع والهوية الذاتية، فإن من الضروري قبل الكلام على الهوية والثقافة في الواقع العربي المعاصر أن نتحدث عن أبرز سمات الثقافة، وهي سمات ضرورية في فهم ما يجري في ذلك الواقع. ومن أهم تلك السمات أنها إنسانية ومكتسبة وتطورية وتكاملية واستمرارية وانتقالية وتنبؤية( )، فهي إنسانية بمعنى أنها من صنع الإنسان ولا تنقل إلا بوساطته، وهي مكتسبة لأن الإنسان يكتسب ثقافته ممن يعيشون حوله منذ ولادته سواء في ذلك الأسرة والحي والمجتمع والمدرسة، أي أن اكتسابه للثقافة ليس إرادياً، وإنما يتم بمساعدة الآخرين.

ولعل السمة الأخيرة التنبؤية هي أهم سمات الثقافة عموماً، فبما أن الثقافة تحدد أسلوب الأفراد وسلوكهم في المجتمع فإنه بالإمكان التنبؤ بما يمكن أن يتصرف به فرد ما ينتمي إلى ثقافة معينة، لأن ثقافته تحتّم عليه أسلوباً معيناً تجاه كل مشكلة من المشاكل التي تقابله في حياته اليومية، وهي بالتالي كما يقول إبراهيم ناصر "تحدد التصرف الفردي والجماعي في إطار ثقافي محدد، وبخطة مرسومة أو خارطة يحملها الفرد معه، وبها يحدد مسيرته في الحياة العامة"( ).
الفرد جزء من المجتمع إذن، وثقافته هي من ثقافة هذا المجتمع، وهويته إنما تحددها ثقافته، وإذن هناك علاقة جدلية بين ثقافة الفرد وثقافة المجتمع، كما أن علاقة جدلية أخرى موجودة بين هوية الفرد وهوية المجتمع، فما يقوم به الفرد يحدده المجتمع ويجب أن يرضى عنه وكل سلوك يخرج عن ثقافة المجتمع يرفضه المجتمع ويدينه ويقصي صاحبه عنه ويرفضه.
فثقافة الأجداد تنتقل إلى الأبناء والأحفاد، وعلى ذلك فإن ثقافة المجتمع لا تنشأ هكذا لأنه هو نفسه لا يولد فجأة وإنما هو امتداد مادي للمجتمعات السابقة، وثقافته ما هي إلا امتداد للثقافة السابقة.

مستوياته في الثقافة الموسوعية الإنسانية التي تحرر الإنسان من الزمان والمكان ليتصل بالأصل الإنساني الذي يجمع بينه وبين كل البشر على تنوع الثقافات واختلاف الزمان والمكان، ومصادر هذه الثقافة هي المجتمع ذاته في ماضيه وحاضره، وما تنتجه الحضارات الأخرى من ثقافات عالمة.
أما الثقافة غير العالمة فهي كل ما يكتسبه الإنسان في المجتمع الذي يعيش فيه منذ ولادته من عادات وتقاليد وقيم ومعتقدات وقوانين وأعراف وسلوك ولغة وفنون وسائر أساليب حفظ البقاء والتعامل مع الآخرين. وينعكس ذلك في تنظيم العلاقة بين الإنسان والإنسان، والإنسان والكون والإنسان والله، ففي الأعياد وحفلات الزواج والميلاد، كما في التعازي والأحزان، يسلك أبناء المجتمع الواحد سلوكاً واحداً متشابهاً، سواء أكان ذلك إرادياً أم غير إرادي. وتتضمن هذه الثقافة على عناصر مادية وعناصر غير مادية، كما أنها قد تشترك بعناصر هامة مع مجتمع آخر، وفي الوقت نفسه لها خصوصياتها التي تتميز بها. وهذه الثقافة لها خصائص هامة عرضناها من قبل، فهي استمرارية وتطورية وتنبؤية..
والعلاقة بين الثقافة العالمة وغير العالمة علاقة معقدة جداً، إذ يفترض أن تؤثر العالمة في غير العالمة، إلا أن هذا نادر الحدوث، فغير العالمة هي الأصل، وهي التي ينشأ عليها الفرد ويصوغ منهج تفكيره، وإذا لم تكن العالمة صادرة عن غير العالمة ومحكومة بها فهي ستكون معادية لها ومنبوذة من طرفها، وبشكل عام فإن العلاقة بين هاتين الثقافتين غير ثابتة ولا يمكن ضبطها ووضع معايير لها. فهي تخضع لتأثيرات كثيرة ومتغيرة تختلف من فرد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر.
ما عرضناه من مقدمات مكثفة يشكل قواعد عامة لا تخصّ مجتمعاً معيناً أو حضارة محددة، بل هي قواعد أساسية تشكل نتاج الدراسات "الأنثروبولوجية"، ومن هنا فهي صالحة لكل المجتمعات.
من خلال تلك المقدمات سنعرض واقع الهوية والثقافة عند العرب المعاصرين محاولين إعطاء الخطوط العامة لذلك الواقع مدركين أن ما سنطرحه من قضايا قابل للمناقشة وأنه يطرح أسئلة أكثر مما يجد إجابات عن المشكلة.
5- لا فرق بين الهوية الذاتية والثقافة على مستوى الفرد، كما أنه لا فرق بين هوية المجتمع أو الأمة أو الحضارة وثقافتها. فالثقافة كما رأينا هي التي تحدد معنى الوجود الإنساني، وتعطي الإنسان شعوره بالوجود والانتماء إلى مجتمعه وحضارته. وإذا تذكرنا علاقة الثقافة بالذاكرة وعلاقة الذاكرة بالتاريخ، فإننا نستنتج أن هوية الفرد العربي اليوم محددة بثقافته المعاصرة التي هي امتداد للثقافة التاريخية ذاكرة الأمة بمستوييها: العالمة وغير العالمة. فما واقع تلك الهوية من خلال ارتباطها بهاتين الثقافتين؟
كان حال الهوية العربية من خلال الثقافة وما آلت إليه اليوم، وما المراحل التي مرّت بها، وما الأسباب التي تقف وراء كل ذلك.
بدايات القضية في حقيقتها تعود إلى المسألة الشرقية التي تجسد فيها موقف أوروبا من الخلافة الإسلامية المتجسدة آنذاك بالسلطة العثمانية، فقد كانت أوروبا الناهضة اقتصادياً تبحث عن أسواق لها في العالم ورأت في الخلافة الإسلامية عدواً لها تاريخياً لا يقف أمام مصالحها في الشرق العربي وفي شمال إفريقيا، وإنما، أيضاً يهددها في قلبها، وهو العدو الذي أزال الدولة البيزنطية وسيطر على عاصمتها القسطنطينية ومدّ الإسلام إلى قلب أوروبا.

عمل الغرب على إجهاض هذه الحركات، وعندما وجد أنه لا بد من نهضة رأى أن يرسم لهذه النهضة المسار الذي يريده بشكل يخدم مصالحه في ذلك الوقت، ويربط مستقبل الأمة العربية بالحركة الاستعمارية في العصور التالية.
يورد محمود شاكر في كتابه "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا نصّ رسالة بعث بها نابليون بونابرت، عندما عاد إلى فرنسا بعد هزيمته أمام أسوار عكا، إلى خليفته في مصر الجنرال كليبر يطلب فيها منه فيما يطلب أن يجمع 500 أو 600 شخصاً من المماليك أو من العرب أو مشايخ البلدان، ويرسلهم إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو سنتين، يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدها ولغتها، ولما يعودون يكون للفرنسيين منهم حزب يضم إلى غيرهم.
ويبدو أن ما نصح به نابليون لم يأخذ به كليبر فحسب وإنما كل الأوربيين الذين تعاملوا مع البلاد العربية من ذلك الحين إلى اليوم. فقد عرف نابليون بحدس المستعمر أن ما فشلت به جيوشه يمكن تحقيقه بشكل غير مباشر من خلال أبناء البلد ذاته، عن طريق انتقاء مجموعة منهم يربّون في أحضان الغرب ويبهرون بأضوائه ثم يعادون إلى بلادهم ليسلموا أرفع المناصب وأهمها من وزارة المعارف إلى وزارة الثقافة إلى مديرياتها، وليصوغوا أنظمة التعليم وبرامجها، وليسيطروا على مراكز صنع الثقافة فيها، ويبشروا بما لم يستطع الاستعمار فرضه على أمتهم بقوة السلاح حتى تصبح الأمة من غير هوية فيسهل انقيادها للغرب، وتصبح تابعة له في كل فعالياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية.
منها إلى ممثلي هذا التيار، ومن ذلك الحين إلى اليوم ما زلنا نشهد صراعاً بين ذلك التيار وبين التيار الأول، كان المنتصر فيه هو التيار الثاني لأنه كان مدعوماً من الحكومات التي كانت هي أيضاً مدعومة في الغالب من قبل دول غربية، كان الصراع فيما بينها يترك أثراً كبيراً في تغيير الوجوه والأسماء والألقاب والشعارات التي كانت تحاول كلها إضفاء صفة الشرعية على أنظمتها تحت شعارات مختلفة من أبرزها قضية الصراع ضد إسرائيل إلا أن كل تلك الحكومات ومن غير استثناء كانت تدعم ذلك التيار لأسباب أهمها أنها حصلت على دعم الغرب وتأييده ليس لأنها تدعم ذلك التيار فقط بل لأنها أيضاً تحارب التيار الأول الذي اضطر تحت تلك الظروف إلى اللجوء، في بعض الأحيان وأمام مصادرة حريته بالحركة، إلى العنف، وهو ما كانت تلك الحكومات تريده بالضبط لتسوغ سلوكها.
في خلال ذلك كانت الثقافة العربية الإسلامية ذاكرة الأمة وتاريخها هي المستهدفة في كل ذلك. فقد كان أغلب المثقفين من أبناء الأمة العربية قد تعلموا في المدارس التبشيرية، وأكملوا علومهم في جامعات الغرب ومعاهده، ولم يكونوا على معرفة بشيء مهم من ثقافة المجتمع الذي ينتمون إليه أو الحضارة التي ينتسبون إليها سواء أكانت الثقافة العالمة أم غير العالمة، وقد قام هؤلاء عند عودتهم إلى بلادهم واستلامهم المراكز المحورية في تقرير الثقافة والسيطرة عليها بالدعوة إلى الثقافة الغربية والتبشير بها والتشجيع على نشرها ومباركة من يقوم بهذا ومحاربة كل من يحاول الاعتراض أو الرفض.
وهكذا بدأت منذ بدايات القرن العشرين حركة تغريب ثقافي كبيرة تمثلت في إرسال العديد من البعثات إلى أوروبا، وفي قيام حركة ترجمة قوية نقلت فيها أعمال من الآداب الأوروبية والتيارات الفلسفية والفنية والنقدية التي كانت تعرفها أوروبا آنذاك فكانت تلك الحركة وما تزال تلهث جارية وراء آخر التقليعات التي وصلتها أوروبا في تلك المجالات.
وكانت هذه الترجمات مبتورة عن أصولها الفكرية الاجتماعية والتاريخية، فلم يعرف القارئ العربي في أي ظروف أُنتجت وعلى أي حاجات اجتماعية ترد، وقدمت إليه على أنها نموذج الثقافة المعاصرة، فأصبحت مجالس المثقفين محشوة بالكلام على المذاهب الغربية من فلسفية أو نقدية أدبية أو فنية أو سياسية، وأصبح المثقف العربي يعرف عن تاريخ أوروبا وثقافتها أكثر بكثير مما يعرفه عن ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، والحضارة التي ينتمي إليها.

لقد فقد معظم المثقفين العرب منذ بداية هذا القرن وشيئاً فشيئاً هويتهم الأصيلة من خلال ما حصل فيهم من انفصام في تلك الهوية، وأصبح أغلب هؤلاء دعاة التغريب في الفكر، وأبواقاً تسيطر عليها السلطات الحاكمة في علاقات جدلية من المصالح المتبادلة.
إنّ وصفنا لواقع الثقافة العربية اليوم لا يعني زوال الثقافة العالمة العربية، وإنما يعني انحسارها وتجميدها، واتهام أصحابها وممثليها بالرجعية تارة وبالتخلف تارة أخرى وبعداء التقدم والتطور تارة ثالثة، إلى آخر ما هنالك من اتهامات ما كانت حيادية في أغلب الأحيان، وإنما مقدمات لإجراءات تعسفية كانت تتخذ بحقهم.
ولعل خطورة ما تعرضت له الهوية الثقافية العربية خلال كل ما تقدم، لم يكن بالشأن الخطير إذا ما قصرنا أثره على الثقافة العالمة التي كانت بعيدة عن جمهور الناس في المجتمع، تعيش في مواقع خاصة تنأى بنفسها عن المجتمع بحجة أن المجتمع متخلف، وأنه يجب تغييره وتقويمه من خلال فرض الثقافة الغربية عليه، فقد كان المجتمع عامة أو ما نسميه بالثقافة غير العالمة يرفض تلك الثقافة الغربية ويتهمها لأنها ليست منه ولا تتفق مع نظرته العامة إلى الإنسان والكون والله، وظلت الثقافة العالمة العربية الإسلامية بخير على رفوف المكتبات وفي المخطوطات التي لم تنشر إلى الآن، وإن كانت في جزء منها تعرضت للتشويه على أيدي بعض المثقفين المستغربين عندما نظروا فيها من خلال مناهج غربية تخرجها من أطرها المعرفية التاريخية في محاولة لإبرازها في صورة مشوهة تسوّغ دعواهم بأنهم السبب في تخلف الأمة.
ولعل الضرر الوحيد الذي يمكن رصده في هذا المجال هو استبعاد الثقافة العربية التاريخية من توجيه الثقافة العالمة المسيطرة والثقافة غير العالمة، وقد رأينا أن العلاقة بين الثقافة العالمة وغير العالمة في مجتمع ما علاقة جدلية، وعندما تضطرب هذه العلاقة فإن الخلل سوف يحدث داخل الثقافة غير العالمة، إذ تفقد مرجعيتها التاريخية التي تشكل مقياساً وموجهاً ومقوماً وداعماً لها في وجودها اليومي الذي يتعرض باستمرار إلى هجوم الثقافة العالمة المعاصرة ذات المصدر الغربي.
إذا كان ثمة خطر حقيقي يهدد الهوية الثقافية العربية اليوم، فإن هذا الخطر لم يعد موجهاً إلى الثقافة العالمة العربية المعاصرة، فهي في واقعها غربية وتغريبية لا أصالة لها، ولم تستطع أن تتأصل في المجتمع العربي المعاصر، وهي لا تشكل هويته الحقيقية، وإنما تلك الهوية المزيفة التي نجد أن بعض أصحابها من المثقفين المعاصرين إما أن يتوبوا في أواخر حياتهم ويعودوا إلى اكتشاف هويتهم الأصيلة، وإما أن يتمادوا في العمالة للغرب فينتقلون للعيش في أحضانه وتحت رعايته وكنفه، فيساعدهم ويقدمهم على أنهم ممثلوا الثقافة العربية المعاصرة، ويمنحهم الجوائز إمعاناً منه في تأكيد انسلاخهم، ولعل في ذلك الدليل على أن هؤلاء المثقفين ما كانوا يوماً يمثلون مجتمعاتهم.
مصالحه، وهو إلى جانب ذلك يعمل على اختراق تلك الثقافة وإضعافها من الداخل، بمباركة الحكومات المحلية ودعم ممثلي الثقافة العالمة المعاصرة، التي تعمل بشكل أو بآخر لصالحه سواء أكانت تدعي أنها تحاربه أم كانت على وعي بما تقدمه إليه من مصالح بحجة أن الثقافة الغربية وتقليد الغرب هو سبيل النجاح والتقدم الوحيد.


لقد مضى مايقرب من قرن ونصف على بداية النهضة العربية، ونعتقد أن الأوان قد آن لطرح مسألة "النهضة" هذه في ميزان التقويم، فنعرف مالها وما عليها. إننا بعد أكثر من قرن على بداية "النهضة" وعصر "التنوير" العربي ننظر إلى ما نحن فيه فنرى أننا في كل مواقفنا لا ننطلق من فعل واعٍ منظم ينطلق من معرفة بالأنا، وبالأهداف التي تحدد معنى الأنا، وإنما ننطلق في مواقفنا غالباً من ردود فعل على ما يصدر من الغرب تجاهنا.
ثالثاً - تحديد الأسس والمفاهيم
إن العلاقة التي تقوم بين ممثلي السلطة السياسية وممثلي السلطة الثقافية هي علاقة في غاية التعقيد. يتدخّل في صياغتها عدد كبير جداً من العوامل الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، والنفسية. وهذا ما يجعل منها علاقة لا يمكن تحديدها بشكل نهائي، وإنما يمكن الحديث عنها في جانب من جوانبها فقط، وفي ظروف معينة. فنحن أمام قضية من القضايا التي لا يمكن البتّ فيها على الإطلاق، بل يبقى الحوار فيها مفتوحاً.
من زمن الأزتك والمايا في أمريكا الجنوبية إلى الفراعنة في مصر والآكاديين في العراق، إلى زمن الإغريق في اليونان والأوربيين في العصور الوسطى، إلى العرب المسلمين في حضارتهم، وممثلو الدين يحتلون مكانةً رفيعةً في الترتيب الهرمي للمجتمع، يتحكمون منها في كل ما يجري من أمور، ويسيّرون السلطة السياسية بطرق شتى تختلف نسبياً باختلاف الزمان والمكان.
إن مراقبة التاريخ الإنساني تمكننا من صياغة الملاحظة العامة التالية: في الحضارات التي كان فيها الحاكم إلهاً كان دور رجال الدين يقتصر على كونهم موظفين يتولون رعاية الأمور الدينية، أما في الحضارات التي فصلت بين الدين والدولة فقد كان رجال الدين يحتلون المكانة الرفيعة باعتبارهم يمثلون السلطة الدينية.
هذا ما نراه على سبيل المثال عند الفراعنة، فقد كان يُعتقد لديهم أن الفرعون من أصل إلهي، وله وحده حق رئاسة الطقوس الدينية، ولهذا فإن الكهنة لم تكن لهم سلطات واسعة، وإنما هم موظفون في خدمة نظام يترأسه الفرعون الإله. أما عند الإغريق فقد كان الدين مفصولاً عن الدولة، وهذا ما أعطى الكهنة سلطات واسعة تسيطر على المجتمع وتتحكم فيه.
وقد حاول أفلاطون في كتابه الجمهورية الجمع بين السلطتين الثقافية والسياسية، عندما دعا إلى أن يكون الفلاسفة حكام الدولة المثلى، ورأى أن هؤلاء الحكام هم طبقة متعلمة تعليماً عالياً ووافياً.
ما أصول العلاقة بين السلطة والمثقف؟ وعلى أي أساس تقوم؟ هذا ما تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه، إلا أنها لن تهتم بالموضوع في إطاره الإنساني العام، وإنما ستقتصر في بحثها على الحضارة العربية الإسلامية من جهة، وعلى واقع الأمة العربية في القرن العشرين. فلكل حضارة مفاهيمها الخاصة التي تميزها من سواها، وإن كانت هناك نقاط التقاء تعود في جذورها إلى الإنسانية عموماً.
إن الكلام في موضوع معقد كهذا يتطلب في بداية الأمر تحديد المصطلحات المستخدمة في الدراسة وإبراز العلاقة بينها. ومن أهم هذه المصطلحات: النظام الكوني، والنظام الإنساني، والسلطة السياسية، والسلطة الثقافية.
1 – النظام الكوني والنظام الإنساني
ثمة ثابتان يقرران طبيعة العلاقة بين السياسي والثقافي ويفسرانها، وهما عامّان لا علاقة لهما بحضارة ما في زمان أو مكان ما، وإنما هما إنسانيان يتدخّلان في تطورها، وهما غير منفصلين، وإنما يدخلان في علاقة وثيقة، ويدعمان ما سنقوله عن مفهوم السلطة السياسية والسلطة الثقافية، ويشكلان قاعدة لهذين المفهومين.
وأشكالها. والنظام الإنساني يقوم في آليته على النظام الكوني الذي يصوغ هذه الآلية، ويشكل مرجعية لها في حركتها اليومية، ويفسرها، ويقيّمها. وبذلك فإن تصور حضارة ما للنظام الكوني ينعكس في تصورها لطبيعة العلاقة بين الإنسان والإنسان في هذه الحضارة وبين الإنسان والكون والله. فالعلاقة بين النظامين جوهرية وجدلية، إذ يؤثر كل منهما في الآخر، ويعيد تفسيره وتطويره، وإن كان النظام الكوني يشكل ثابتاً عاماً على حين أن النظام الإنساني يُعد متحولاً في إطار الثابت.
وحدهم القادرون على إبراز العلاقة بين النظامين. وإذا كان ذلك كذلك فإن هؤلاء أيضاً هم المسؤولون عن مراقبة مهمة السلطة السياسية التي ذكرناها من قبل، وهم الذين يقررون فيما إذا كانت هذه السلطة موفقة في مهمتها، أم أنها على العكس فاشلة؛ تجرد المجتمع من نقاط قوته الذاتية بدلاً من أن تدافع عنه ضد نقاط ضعفه الداخلية، وذلك من خلال تطبيق قواعد اجتماعية جديدة، بدعوى الإصلاح والتقدم، تقود إلى الصدام مع مبادئه الجوهرية، وتؤدي إلى الانفصام بين السلطة السياسية والمجتمع، وتبعد هذه السلطة عن مهمتها الأساسية.
وقد فهمت السلطة السياسية، في مختلف الحضارات القديمة، تلك العلاقة ولذلك فإنها كانت حريصة عبر التاريخ على الهيمنة على ممثلي النظام الكوني ومفسريه، تستمد منهم تأكيداً لشرعية وجودها عند العامة. وكان ممثلو هذا النظام يدركون ذلك أيضاً، فكانوا حريصين في معظمهم على تقديم خدماتهم للسلطة السياسية في مقابل مكاسب متنوعة، وكانوا في تلك الخدمات غير أمناء في الغالب على وظيفتهم الأساسية في مراقبة السلطة السياسية وضمان سلامة النظام الإنساني، ولعل هذا ما يفسر على سبيل المثال وجود طبقة مثقفي السلطة أو فقهاء البلاط وشعرائه، إلى جانب فئة قليلة من ممثلي النظام الكوني مازالت تحافظ على جوهر وظيفتها، ولذلك كانت، وما تزال، منبوذة من قبل السلطـة السياسية، إن لم تكن محاربة من طرفها.
في إطار ما قدمناه من كلام على العلاقة بين النظامين من جهة، وبين ممثلي هذين النظامين والسلطة السياسية من جهة أخرى يجب أن نفهم تعريف السلطة الثقافية والسلطة السياسية وطبيعة العلاقة بينهما.
2- السلطة الثقافية والسلطة السياسية
طرفيها: الطرف الأول الذي تصدر عنه الرسالة أو الأمر، والطرف الثاني الذي يتلقى تلك الرسالة أو يخضع لذلك الأمر( ). وطريقة ممارسة السلطة وتطبيقها في الواقع تتعلق أيضاً بهذين الطرفين، وبحسب العلاقة بينهما تكون العلاقة جدلية، وتتخذ السلطة أشكالها المختلفة فتصبح رضائية، أو إلزامية، أو قسرية تعتمد على القوة والعنف( ).
وكل فرد في المجتمع هو عضو فعال في خلق السلطة، فنحن نصنع السلطة، ثم ننتمي، في إطار النظام الإنساني، إلى واحد من أشكالها، ونقوم بأدوارنا الاجتماعية انطلاقاً من هذا الانتماء، ونتكيّف في سلوكنا معه. إن هذا يعني أننا ننطلق في وجودنا السلطوي الاجتماعي من الحرية إلى الالتزام، ومن الاختيار إلى الإكراه، فالسلطة لا تتولد من تعارض بين المُسيطِر ومن يقع تحت السيطرة، وإنما من علاقة تنشأ بين الجانبين معاً.
فما من جماعة بلا سلطة، ولكل جماعة بشرية سلطة تتخذ شكلها الخاص بها من شكل النظام الإنساني فيها، وكل من الطرفين المُسيطِر والمُسيطَر عليه يتدخل في صياغة نوع السلطة السائدة بينهما، وتحديد شكلها.
هذا هو المفهوم العام للسلطة، وهو يوحي بوجود أشكال عديدة للسلطة في داخله( ). ويمكننا أن نعيد كل هذه الأشكال إلى نوعين: السلطة الثقافية "AUTORITÉ"، والسلطة السياسية "POUVOIR". ولكي نفهم هذين المصطلحين يجب دائماً أن نتصور وجود طرفين تربط بينهما علاقة يمكن تحديدها على مستويين: هما السلطتان الثقافية والسياسية أو على مستوى واحد فقط. ويمكن أن يكون هذان الطرفان شخصين أو فئتين من الناس أو حزبين، أو الحكومة والشعب في دولة ما، أو أن يكونا دولتين مختلفتين.
2-1- السلطة الثقافية
يمكننا أن نجد تعريفاً وافياً لهذا المصطلح في "المعجم النقدي للعلوم الاجتماعية"( ) نستطيع إيجازه فيما يلي: السلطة الثقافية هي العلاقة التي تنشأ بين طرفين، يكون فيها للطرف الأول هيمنة على الثاني، تجعل الثاني يفعل ما يريده الأول عن طريق الاقتناع بما يفعله، وليس تحت الضغط والإكراه أو الإلزام المادي أو القانوني. فهي علاقة تقوم على انتماء الطرف الثاني العفوي واللا واعي؛ أو الواعي الإرادي، إلى ما يصدر عن الطرف الأول من أقوال أو أفعال. ويَخضَع الطرف الأول نَفْسُهُ، في أقواله وأفعاله، إلى الغايات والأهداف التي يسعى الطرف الثاني إلى تحقيقها بخضوعه للطرف الأول. فالعلاقة بين الطرفين تقوم على مصلحة ما متبادلة بينهما، ولا تقوم على حساب طرف واحد منهما.
2-2- السلطة السياسية

إن هاتين السلطتين لا توجدان مستقلتين على الإطلاق، فالعلاقة بينهما قائمة مهما اختلفت أشكالها، وهما في الأصل واحد في التطبيق. ودراستهما، مفردتين أو مجتمعتين، تقوم على الرد عن الأسئلة الآتية: ما طبيعة المصادر التي يستمد منها الطرف الأول هيمنته؟ وما ردود الفعل المتوقعة عند الطرف الثاني في استجابته لهذه الهيمنة؟ وأخيراً، ما العلاقة بين الطرفين في كل من هاتين السلطتين من جهة، وبينهما مجتمعَين في العلاقة بين السلطتين من جهة ثانية؟ ولا شك في أنّ الإجابة عن كل هذه الأسئلة ليست سهلة على الإطلاق، وليس بإمكان باحث واحد القيام بها بمفرده، وإنْ تعلّق الأمر بحصر الدراسة في العلاقة بين شخصين اثنين.
إنّ ما عرضناه من آراء نظرية يشكل ظاهرة إنسانية تاريخية عامة، فهذه الآراء ما هي إلا نتيجة قراءة التاريخ الإنساني، إلا أن ذلك لا يمنع أن لكل حضارة خصوصياتها وأشكال السلطة الخاصة بها. وهذا ما سنعرضه في الفقرات الآتية المخصصة للعلاقة بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية في التاريخ العربي الإسلامي. وسوف نقسم الدراسة على مرحلتين: الأولى نتكلم فيها على الأصول الثقافية التاريخية للعلاقة بين السلطة والمثقف في زمان الرسول ، ومن بعده في عصر الخلفاء الأربعة الأوائل، إلى نهاية القرن الرابع الهجري. وما سنتوصل إليه من نتائج في هذه المرحلة يمكن تعميمه على التاريخ العربي الإسلامي حتى نهاية الدولة العثمانية وظهور مفهوم الدولة الحديثة مع ثورة الشريف حسين. والمرحلة الثانية سوف تغطي الفترة الممتدة من هذه الثورة إلى نهاية القرن العشرين عند العرب المعاصرين.

















القســــم الأول

السلطة والمثقف

إشكالية العلاقة وأصولها الإشكالية






أولاً – أصول الإشكالية الثقافية – التاريخية – السياسية

1 – الأوضاع السياسية
يقول الأشعري في مقدمة كتابه (مقالات الإسلاميين): "أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين، بعد نبيهم ، اختلافهم في الإمامة"( ). وبحسب هذا القول فإن أولى القضايا التي شغلت الفكر العربي - الإسلامي هي قضية الإمامة. وهي قضية سياسية ذات أصول دينية، نشأت وتطورت في ظروف اجتماعية واقتصادية وتاريخية كثيرة ومعقدة. وتأتي أهمية هذه القضية من كونها تدخلت إلى حد كبير في تشكيل البنية الأساسية لتاريخ الأمة العربية - الإسلامية، كما أنها لا تزال تلقي بآثارها على حاضر هذه الأمة.
سوف نعرض فيما يلي لتلك الظروف، ثم ندرس العلاقة بين السلطتين اللتين شكلتا الفكر السياسي: السلطة السياسية والسلطة الثقافية.
لقد كان العرب المسلمون في فترة صدر الإسلام منشغلين بالدفاع عن أركان الإسلام، وبتوطيد دعائم دولته. ولا شك في أن وجود الرسول  بينهم كان عاملاً أساسياً في تماسك الجماعة الإسلامية، التي ما لبثت أن تعرضت وحدتها وبقاؤها نفسه للخطر، بعد وفاة الرسول  مباشرة. ولقد كان هذا الخطر ذا مصدرين: داخلي وخارجي. أما مسبباته فقد كانت العصبية القبلية في المكان الأول والطموحات السياسية في الدرجة الثانية. وقد كان العرب حديثي العهد بالإسلام، وما زالت قيم الجاهلية تحتفظ بتأثير قوي في سلوك الكثيرين منهم، يختلف باختلاف قدرة الشخص على تمثل الدين الجديد.
وأول ظهور للخطر الداخلي كان عقب وفاة الرسول  مباشرة. فقد كان الأمر ملحاً في اختيار خليفة له، إلى درجة أن الاختلاف في هذه القضية بدأ قبل أن يوارى جسد الرسول  في مثواه الأخير. فقد ظهر الخلاف بين المهاجرين والأنصار، فكان كل فريق منهم يرى أنه أولى بخلافة الرسول . واحتدم الأمر إلى درجة أنّ أحد الأنصار تقدّم باقتراح تمثل في عبارته المشهورة: "منّا أمير ومنكم أمير"( ). ومن الواضح أن استخدام كلمة "أمير" يوحي بالدلالة السلطوية الزمنية التي كانت تملكها هذه الكلمة لدى العرب قبل الإسلام. فهو لم يستخدم كلمة "خليفة" التي تحمل معنى دينياً إلى جانب الدلالة الزمنية.
وقد انتهى الخلاف بمبايعة أبي بكر على الخلافة. إلا أنّ جماعة من المسلمين كانت ترى أن الخلافة يجب أن تكون في آل بيت رسول الله، أي في بني أبي طالب من هاشم، وهم أفضل قريش. وتعتبر هذه الجماعة من المسلمين النواة الأولى للشيعة، التي لم تصبح حزباً سياسياً - دينياً إلا في وقت لاحق. إذ على الرغم من أن علياً كرّم الله وجهه بايع أبا بكر وعمر ومن بعدهما عثمان، فقد ظلت تلك الجماعة تعتبره أحق الثلاثة بالخلافة وأولى بها منهم. ولا يمكننا أن نحدد بدقة متى أطلق على هذه الجماعة اسم الشيعة، إلا أن الكلمة تعني لغة "الأتباع" أو "الأنصار"، ويقصد بها أنصار عليّ كرّم الله وجهه في أحقيته بالخلافة.
هذا الحسم للنـزاع الداخلي على الخلافة لم يكن نهائياً، وإنما كان تأجيلاً مؤقتاً، فرضته الأخطار الخارجية التي كانت تهدد الجماعة الإسلامية في وجودها نفسه. وقد ظهرت هذه الأخطار إثر ارتداد بعض القبائل العربية عن الإسلام، وامتناع بعضها عن دفع الزكاة. ويبدو أن هذه القبائل كانت قد دخلت في الإسلام بعد انتصارات الرسول  المتعاقبة، ولكنها لم تكن قد آمنت بكل ما فيه من قيم. فقد كانت ترى في خضوعها له خضوعاً لقبيلة قريش. كما أن الزكاة كانت تمثل في أعينهم الجزية التي كانت تأخذها القبائل القوية من القبائل الضعيفة. وكان على الخليفة الأول أن يتخذ موقفاً من تلك القبائل، وقد استطاع أن يقضي على هذا الخطر بعد معارك دامية دارت بين المسلمين وبين هؤلاء المرتدين.
وقد عادت قضية الإمامة إلى الظهور من جديد، ولا سيما بعد استشهاد عثمان الخليفة الثالث. فقد كانت هناك جماعات تدعو إلى أحقية عليّ بالخلافة وتؤيده، وجماعات أخرى تنكر ذلك وتعارضه( ). وتمت مبايعة عليّ كرّم الله وجهه، ولكن بيعته لم تكن شاملة. فبينما بايعته شبه الجزيرة العربية والعراق ومصر، امتنعت من ذلك ولاية الشام التي كان معاوية عاملاً عليها. وقام نزاع بين علي ومعاوية وصل ذروته في معركة "صفين" التي انتهت بالتحكيم الذي أدى إلى خلع عليّ رضي الله عنه من الخلافة( ). ولم يقبل بهذه النتيجة فئة من جماعة عليّ وطالبوه بالرجوع عن التحكيم، ولكنه رفض طلبهم لأنه كان قد تعهد بقبول نتائج التحكيم، وقد انشق هؤلاء عن جيشه منادين بعبارة "لا حكم إلا لله"، التي أصبحت شعارهم. وقد أطلق على هذه الفئة اسم "الخوارج" لتكون الفرقة السياسية - الدينية الثانية بعد الشيعة.
انتهى عصر الخلفاء الراشدين بانتصار معاوية الأموي على عليّ كرّم الله وجهه، وبتأسيس الدولة الأموية. وبهذا الانتصار ساد التيار المخالف للتصور الإسلامي للإمامة. فقد أصبح الحكم وراثياً على الرغم من أن أمراء الأمويين كانوا يطلقون على أنفسهم لقب خليفة.
وعلى الرغم من استمرار الصراع بين الجيوش الأموية وبين الخوارج والشيعة، وغيرهم من الثائرين في العراق والحجاز، فإن الدولة شهدت استقراراً نسبياً ولا سيما في الشام. ويجب التنبيه على أن الصراع على السلطة تغير في طبيعته. فقد كان هذا الصراع بين علي ومعاوية صراعاً بين خليفة منتخب انتخاباً شرعياً، وبين متمرد يرفض الاعتراف بهذا الخليفة، أما الصراع بين الأمويين وخصومهم فقد كان بين فئتين كل منهما يدعي الحق بالسلطة ولا يملكه تماماً. فقد كان الخوارج والشيعة، وبقية الثائرين ضد الأمويين، يرون في هؤلاء مغتصبين للخلافة يجب حربهم، على حين أن الأمويين كانوا يعتبرون خصومهم خارجين على الأمة والجماعة.
وقد أدى الصراع السياسي إلى ظهور شعار التكفير بين المسلمين المتحاربين. فقد كان كل طرف من الأطراف يتهم خصمه بالكفر والمروق عن الدين ليدافع عن موقفه السياسي وليكسب عطف الناس وتأييدهم له. ويذكر ابن كثير ما جرى في الموقعة التي قتل فيها الحسين، فقد حمل عمرو بن الحجاج، أمير ميمنة جيش ابن زياد، على جماعة الحسين وهو يقول للناس معه: "قاتلوا من مرَقَ من الدين وفارق الجماعة …" فيرد عليه الحسين: "ويحك يا حجاج، أَعَلَيَّ تحرّضُ الناسَ؟! أَنَحنُ مرقنا من الدين وأنت تقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى بصلي النار"( ).
لقد كانت الدولة الأموية دولة عربية، اعتمدت على العنصر العربي. إلا أن الأمويين لم يستطيعوا التخلص من جاهليتهم وعصبيتهم. فقد اعتمدوا في حكمهم على العصبية القبلية، ونسوا بعد الفتوح ما يدعو إليه الإسلام من مساواة بين المسلمين، وعملوا على اضطهاد الموالي. وكانت هذه السياسة من أبرز العوامل التي أدت إلى ازدياد الحروب بينهم وبين الخوارج والشيعة. وقد استقطبت هاتان الفرقتان الموالي الذين وجدوا فيهما منفذاً للتعبير عن نقمتهم على مضطهديهم الأمويين. وقد أدى هذا إلى الإسراع بزوال حكمهم، الذي لم يدم إلا قرابة مائة عام، على يد أبرز خصومهم العباسيين.
جاء العباسيون إلى الحكم بعد أن قضوا على الأمويين قضاءً مبرماً. وقد ادعى العباسيون أنّهم من آل البيت، لأنهم ينتسبون إلى العباس عم الرسول . إلا أنهم ليسوا علويين. وقد كانت الشيعة، كما قلنا من قبل، تنادي بأحقية عليّ رضي الله عنه وأبنائه (العلويين) بالخلافة، وترى أنّ هؤلاء وحدهم هم آل البيت. وعرف العباسيون كيف يستغلون تلك الدعوة لصالحهم ووصلوا إلى السلطة بفضل تأييد الشيعة، ولا سيما الفرس منهم الذين غرر بهم العباسيون بترويج شعار "الرضا من آل محمد".
ووعيها كانا يدركان أن هؤلاء الحكام ليسوا بشرعيين. وقد توفرت ظروف أدت خدمات كبيرة لهؤلاء الحكام وخاصة فيما يتعلق بوجودهم السياسي. وأبرز هذه الظروف وجود فئة من الأدباء والعلماء، وبخاصة بعض الفقهاء، كانت تضع الحاكم فوق القانون، وتسعى إلى تسويغ أخطائه تحت شعار "إمام جائر خير من فتنة تعم". أما أولئك الفقهاء الذين كانوا يجرؤون على الالتزام بتعاليم الشريعة التي تقول إن السلطان خاضع للشريعة فإنهم ما كانوا يملكون وسائل عملية لتنفيذ تلك التعاليم أو لمراقبة السلطان ومحاسبته على أخطائه.
لقد كانت فكرة الشرعية الدينية تضمن بقاء هذه السلطة، وتعزز قدرتها على الحفاظ على وجودها في مختلف الظروف التاريخية. وقد كانت هذه الفكرة تفرض نفسها بشكل كبير على المجتمع الإسلامي. وكان الجسد الاجتماعي يرى فيها ملجأً يوفر له نوعاً من الحماية الداخلية والأمن المعنوي إزاء التجاوزات التعسفية للسلطة القائمة. ويمكننا القول إنّ المجتمعات الإسلامية ما زالت تحتفظ في أعماقها بهذا الموقف نفسه إلى يومنا هذا.
2 – مفهوم الخلافة عند المسلمين
الوازع، وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"( ).
والخلافة، كما يقول ابن خلدون، إنما هي منصب ينوب فيه صاحبه عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا، والقائم به يسمى خليفة وإماماً. ويضيف إن المتأخرين سموا القائم بهذا المنصب سلطاناً حين فشا التعدد فيه واضطروا تحت ظروف كثيرة إلى عقد البيعة لكل متغلب. ثم يقول: "فأما تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال الإمامة الكبرى، وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي صلوات الله عليه، فأجازه بعضهم اقتباساً من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة" وقولـه "جعلكم خلائف في الأرض". ومنع الجمهور منه لأن معنى الآية ليس عليه"( ).
2-1- مفهوم الخلافة عند الخوارج
لله، وينحصر دور الحاكم في تطبيق أحكام الله، ولكنه أيضاً يجب أن يخضع خضوعاً تاماً لما أمر به الله. فإن "سار سيرة لا تتفق ومصلحة المسلمين بأن جار وظلم، وَجَبَ عزله، فإن اعتزلَ وإلا قوتل حتى يُقتل"( ).
2-2- مفهوم الخلافة عند الشيعة
"الثيوقراطية" في الإسلام، فهي ترتكز على الحق الإلهي في الحكم وذلك على العكس من نظرية الخوارج في الخلافة.
الدينية القديمة من مجوسية وبوذية وبابكية، عند أناس أسلموا لأغراض مختلفة فكسوا آراءهم الحقيقية الثوب الإسلامي. وهي تمثل سخط الطبقات الدنيا المثقلة اجتماعياً ومالياً من جهة، وردّ فعل الديانات التي غمرها الإسلام من جهة أخرى"( ).
2-3- مفهوم الخلافة عند أهل السنة والجماعة
لقد أطلقت تسمية أهل السنة والجماعة على غالبية المسلمين الذين لا ينتمون إلى فرقة من الفرق الإسلامية. وقد تكونت جماعة أهل السنة سياسياً وفكرياً شيئاً فشيئاً وذلك في مقابل نمو الفرق الأخرى. فقد رُوي عن الرسول  أنه قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"، وأنه قال في حديث آخر: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: يا رسول الله، وما الملة التي تتغلب؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي"( ). ويعتبر البغدادي وغيره من أئمة أهل السنة أن الفرقة الثالثة والسبعين هي أهل السنة والجماعة( ).
ويرى أهل السنة أن تعيين الخليفة يجب أن يتم عن طريق الاختيار. فقد قالوا إنه لا يوجد نص من النبي  على إمامة واحد بعينه، "على خلاف من زعم من الرافضة أنه نص على إمامة علي رضي الله عنه نصاً مقطوعاً بصحته"( ). وقد وضعوا شروطاً يجب اعتبارها في اختيار الخليفة وهي "العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي"( ). وقد فسّر البغدادي المقصود بالعلم والعدالة عندما قال: "وقالوا من شرط الإمام: العلم والعدالة والسياسة، وأوجبوا من العلم له مقدار ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وأوجبوا من عدالته أن يكون ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته، وذلك بأن يكون عدلاً في دينه، مصلحاً لماله وحاله، غير مرتكب لكبيرة ولا مصر على صغيرة، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه"( ).
فالخليفة عند أهل السنة إنما هو رجل من المسلمين، تنحصر مهمته في تنفيذ أحكام الشريعة، والسهر على حماية الدولة الإسلامية، وتحقيق العدل بين الناس. فما هو إلا منفّذ للقانون الإسلامي، وقد ينحرف عن تنفيذ هذا القانون، فإذا فعل هذا فلا طاعة له على الناس، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا يملك الحق بأن يشرع، إلا في حدود استنباطه واجتهاده من القوانين الإسلامية( ). وباختصار هو ممثل السلطة القضائية والإدارية والحربية، وهو خليفة لمن تقدمه، ويختاره المسلمون بالانتخاب أو بتعيين سلفه له.
3 - العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية في الدولة الإسلامية
إن الاطلاع على المؤلفات التي وضعها الكتاب والباحثون الإسلاميون، وبخاصة في العصر الحالي، يجعلنا نلاحظ أنهم جميعاً اتخذوا من عصر الرسول  والخلفاء الراشدين من بعده نموذجاً يدعون إلى الاحتذاء به، ومرجعاً يحتكمون إليه عند الوقوف على ما جرى في التاريخ الإسلامي القديم منه والحديث. ويمكننا التساؤل عن السبب في ذلك؟ إن ذلك الموقف يعود إلى الصورة التي كانت عليها العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية في تلك الحقبة من تاريخ الدولة الإسلامية. فمفهوم الخلافة بمعناه الإسلامي الصحيح لم يتحقق كاملاً، بالنسبة إلى هؤلاء المفكرين، إلا في تلك الفترة التي لم تدم إلا مدة أربعين عاماً هجرية.
منهم لأنفسهم. ولكي يتمكن الخليفة من أداء مهمته على أتم وجه لا بد له من امتلاك سلطتين: الأولى تجعله قادراً على فهم الشريعة وتفسير قوانينها والمشاركة في وضع تلك القوانين إذا اقتضى الأمر، والثانية تمكنه من تطبيقها والدفاع عنها في الواقع.
لم يعين الرسول  من يرثه بعد وفاته. هذا ما يقوله أهل السنة الذين اعتقدوا نتيجة لذلك أنّ الخلافة إنما تقوم على الاختيار الحر. على حين أن الشيعة قالوا إنّ الرسول قبل أن يُتوفى أوصى لعلي رضي الله عنه بخلافته، فهو إذن وريث النبي  بوحي من الله عز وجل، لأنّ الرسول  لا ينطق عن الهوى.
ومن هنا ينبع الخلاف السياسي بين مفهومي أهل السنة والشيعة للخلافة. فالخليفة في نظر أهل السنة إنما هو خليفة للرسول  في الجانب السياسي وليس له من السلطة الدينية التشريعية ما يفوق سلطة أي مسلم مجتهد في أحكام الدين. أما الإمام عند الشيعة فهو وريث النبي، وهو معصوم، وحكمه حكم ديني لا مجال للطعن فيه من قبل غيره.
إن هذا الخلاف الجوهري بين النظريتين السنية والشيعية، يجب أن يعتمد في فهم العلاقة بين السلطتين من الناحية النظرية. أما على المستوى العملي التاريخي فإننا نلاحظ أن هاتين النظريتين لم تطبقا، بعد وفاة النبي ، في أي عصر من العصور باستثناء فترة حكم الخلفاء الراشدين.
عصبية العرب. والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض، ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر مُلْكاً بحتاً كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق، يدينون بطاعة الخليفة تبركاً، والمُلْكُ بجميع ألقابه ومناحيه لهم، وليس للخليفة منه شيء"( ).
بما تصدره من قوانين تشريعية، كما يحرص على حمايتها وحماية الجماعة الإسلامية ضد الأخطار الخارجية المتمثلة بالمشركين، والداخلية المتمثلة بالمنافقين. وبالطبع فإن المسلمين كانوا يخضعون عن رضى لسلطة الرسول  السياسية لأنهم كانوا يرون فيها تطبيقاً وحماية للسلطة السابقة التي آمنوا بها عن رضى وقناعة أيضاً.
وقد استطاع الخلفاء الراشدون الجمع بين السلطتين ليحققوا مفهوم الخلافة بمعناه الكامل كما يراه أهل السنة. فقد كان هؤلاء يملكون السلطة الدينية ولكن ليس بالمفهوم الشيعي بمعنى قدرتهم على التشريع كما كان الرسول  يفعل، فقد كانت سلطتهم تلك تنحصر في تفسير قواعد الشرع الذي تمثّل في القرآن والسنة النبوية، وفي توضيح بعض جوانبه التطبيقية على حوادث جَدَّت في عصرهم، لم يعرفها عصر الرسول . ولذا فإن المسلمين يعتبرون أقوال الخلفاء الراشدين وأفعالهم في هذا المجال، مصدراً من مصادر التشريع يأتي بعد النص القرآني والسنة النبوية. أما الشيعة فقد كانوا يشككون في صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وذلك لأنهم لم يكونوا من آل بيت رسول الله، وهو ما يخالف نظريتهم في الإمامة.
تفسير القرآن الكريم، وفي إصدار فتاوى فقهية تسعى إلى إيجاد حلول لقضايا جديدة في ضوء الشريعة الإسلامية.
السني للخلافة ولا بالمفهوم الشيعي للإمامة. فهم لم يُنتخبوا انتخاباً حراً كما يشترط السنة، كما أن النظام الوراثي الذي أخذوه عن الأمويين لم يكن ليتوافق مع النظام الوراثي الذي تدعو إليه النظرية الشيعية.
والعسكرية التي عرفها الخلفاء العباسيون في العصرين الأول والثاني. وقد ساعد هذا كله على إكساب الخلافة صفة القداسة. وهو ما مكّن الخلفاء العباسيين، لَمَّا ضعفت سلطتهم السياسية وتقلص نفوذهم المادي، من الاحتفاظ بمنصب الخلافة. كما ساعد هذا على الاحتفاظ بصورة الخلافة الدينية في أذهان الناس على الرغم من استغلال السلاطين والملوك لتلك الصورة ليحكموا من ورائها.
المنابر، ويشترون منه ألقابهم. وكان الفاطميون أول من خرج على هذه القاعدة، فلم يكتفوا بأن يكونوا أمراء ذوي سلطة دنيوية فقط بل أرادوا أن يكونوا الخلفاء الحقيقيين للنبي ، فاتخذوا لأنفسهم لقب الخلافة بعد فتحهم للقيروان سنة 297 هـ. وهذا ما شجع غيرهم على اتخاذ هذا اللقب ولا سيما الأمويين في الأندلس( ).
المظاهر الشكلية: فقد كان الخليفة يحتفظ بسلطات دينية رمزية، كما أن مراسم تعيين السلاطين كانت تجري في القصر تحت رعاية الخليفة. إلا أن هذا كله لم يكن في الحقيقة إلا مظاهر خادعة كانت تقتضيها الظروف الاجتماعية - الدينية الصعبة التي كان يعيشها المجتمع. أما في الواقع، فإن عدم احترام الخليفة كان يُعبَّر عنه في مظاهر عديدة، فقد كان يُختار له الألقاب التي عليه أن يتسمى بها، كما تُفرَض عليه الإقامة في قصره بين الحريم، أو تُقلَّص مصروفاته اليومية، وتُصادَر ضياعه، أو يُقتَل أو تُسمَل عيناه.
بذلك أن نستخدم كلمة الثقافية لتحل محل الدينية. وبذلك فإن السلطة الثقافية تمثل التأثير الذي كان يمارسه مجموع الفقهاء والأدباء والعلماء في البنية الاجتماعية – السياسية – الثقافية للمجتمع في الحضارة العربية الإسلامية.
إن المجال الروحي للإنسان في هذه الحضارة كان خاضعاً للمفهوم الديني المتسامي. إلا أن الصراعات الدينية كانت توسع من الانقسامات الاجتماعية – السياسية. ذلك أن أياً من التيارات الفكرية والفرق الدينية التي نشأت منذ ظهور الإسلام، وتطورت في جو من التنافس العنيف لم تستطع الانتصار على الأخرى بشكل حاسم.
وكان الحكام يحرصون تدريجياً على إزالة الهيبة الزمنية التي كانت تتمتع بها الخلافة في الضمير الجماعي للأمة الإسلامية. على حين أن إلغاءها كلياً كان يمكن أن يؤدي إلى تمركز النقمة الشعبية وتبلورها، ومن ثم إلى قيام معارضة قوية. وقد حرصوا على إبقاء الصبغة الدينية للخلافة، وسعوا هم أنفسهم إلى إظهار التمسك بالدين والحرص على تطبيق تعاليمه إذ لم يكن من الممكن كسب ود العامة إلا بهذه الطريقة. والواقع أنهم كانوا يسعون إلى قصر الدين على وظيفته الأخلاقية، ويستخدمونه وسيلة للقبول عند الناس.
لقد كان هؤلاء الحكام يدركون أنّ وجودهم على رأس السلطة يشكل تحدياً لمفهوم الخليفة / الإمامة سواء أكان ذلك عند أهل السنة أم عند الشيعة. ولذا فقد كانوا يلجؤون إلى ممثلي السلطة الثقافية في سعيهم لتغطية تلك الحقيقة. أما العامة فقد كان بإمكانهم إصدار أحكام قاسية بحق السلطة التي كانت تحكمهم ولا سيما أنهم ما كانوا يرتبطون بتلك السلطة بأي ولاء أو بيعة. وكانت تلك المعارضة تجد تعبيراً عنها بالقلاقل والثورات والفتن. على حين أن مواقف ممثلي السلطة الثقافية كانت تتراوح بين التأييد للسلطة والدوران في فلكها في مقابل الحصول على مكاسب مادية ومعنوية، وبين المعارضة أو الابتعاد عن مجالس تلك السلطة.

هذا ما كان عليه حال العلاقة بين السلطتين عند أهل السنة في الدولة العربية الإسلامية. أما عند الشيعة فقد كان الأمر مختلفاً. ونقصد هنا الشيعة الاثني عشرية أكبر فرق الشيعة. وقد رأينا من قبل أنهم كانوا يقولون بالإمامة وليس بالخلافة كما عند أهل السنة. وإذا كانت الخلافة تقوم لدى أهل السنة على الانتخاب الحر أو على طرق أخرى تنص عليها كتب الأحكام السلطانية عندهم، فإن الإمامة هي رئاسة عامة في أمور الدنيا والدين. وبذلك فهي لا تفصل بين السلطة الثقافية والسلطة السياسية، وتقوم على النص كما رأينا، وهو ما يجعل منها أمراً دينياً، لا دنيوياً كما عند أهل السنة، يرتبط بالعقيدة، ولا يكتمل إيمان المؤمن إلا بمعرفة إمامِ عصرِه واتِّباعِه( ).

وقد ساعد نظام الهرمية في النظام التعليمي الشيعي في الحوزات العلمية على خلق تماسك فريد من نوعه في التاريخ العربي الإسلامي، فقد كان الشيعة بشكل عام والاثنا عشرية بشكل خاص يشكلون كتلة اجتماعية ثقافية وسياسية دينية يصعب اختراقها أو تفكيكها، على عكس الواقع عند أهل السنة. وهذا ما جعلها غير خاضعة للخلفاء والسلاطين الذين حكموا أهل السنة، ولعل هذا أيضا ما مكّن الشيعة في إيران من النجاح في ثورتهم، وإقامة أول جمهورية إسلامية في القرن العشرين.





ثانياً - إشكالية العلاقة
بين السلطتين عند العرب المعاصرين

هذا القسم هو أكثر الأقسام تعقيداً وتشابكاً وصعوبة. وهذا إنما ينشأ في اعتقادي من عدد كبير من المسببات أهمها: عدم وجود مراجع أو دراسات في هذا المجال، وثانياً: صعوبة الوصول إلى الوثائق التاريخية الخاصة بتلك الفترة، ولعل ثالثاً هو أكثرها حساسية، لأنه يتعلق بمسألة حرية التفكير والبحث في الوطن العربي.
والاقتصادية من جهة، ومن خلال العمل على تهميش ذلك النظام القائم، وتشويهه واتهامه بمختلف التهم، والإساءة إلى ممثليه لزعزعة هيمنتهم على تفسير العلاقة بينه وبين النظام الإنساني في المجتمعات العربية، ومن ثم عزلهم عن الأمة التي كانت ترى فيهم مرجعاً لها في الأزمات، بصفتهم يشكلون صلة الوصل بين النظام الكوني في الأمة والنظام الإنساني فيها. وبذلك كانت تلك الحكومات تخلق شرخاً عميقاً وانفصاماً كبيراً في ذات الأمة، أديا إلى جمودها وتخلفها عن الأمم الأخرى التي لم تكن تبتعد عنها كثيراً في سلم التطور في بداية القرن العشرين.
الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، حيث دعا المصريين إلى تبني مبادئ سياسية أخرى غير مبادئ الإسلام، بل زعم بأن لا وجود لما يسمونه بالمبادئ السياسية الإسلامية( ).
ولعل هذا كله قد ساهم في إسقاط الخلافة الإسلامية، وإخراج العثمانيين من الوطن العربي إثر ثورة الشريف حسين التي قامت على أسس قومية، وانتهت بتقسيم المنطقة العربية شرقي البحر المتوسط بين القوتين الاستعماريتين آنذاك بريطانيا وفرنسا.
وقد عمل الاستعمار الغربي على دعم الشعور بالقومية العربية، وتنافس الإنكليز والفرنسيون في احتضان الفكرة العربية والسيطرة عليها وتوجيهها( )، وانتهى الأمر في عام 1945 بإعلان قيام الجامعة العربية، وهي فكرة قومية ساعد الإنكليز خاصة على دعمها، لإعطاء بديل عن فكرة الجامعة الإسلامية التي كانت ما تزال تقلق الغرب الاستعماري في ذلك الوقت( ).
لقد استطاع الغرب الأوربي، منذ وصول نابليون إلى الشرق العربي، أن يزرع بذرة الانفصام بين النظامين الكوني والإنساني في الوطن العربي. فقد كانت ثلاثة تيارات تتصارع في الشرق العربي منذ بداية عصر النهضة: الأول ديني يمثل النظام الكوني في المجتمعات العربية آنذاك، والثاني ليبرالي تغريبي وعلماني يدافع عن الثقافة الغربية، ويدعو إلى تبنيها، وهو بذلك يتبنى نظاماً كونياً غريباً عن الأمة، هو نظام غربي في تاريخه ونشأته وظروفه، أما التيار الثالث فقد كان يدعو إلى الموازنة بين التيارين السابقين، ويمكن تسميته بالتيار الإصلاحي، وقد استمر وجود هذه التيارات تحت ظل الاحتلال الأوربي للوطن العربي، وإن كانت السلطات الاستعمارية في أثناء الاحتلال تدعم التيار الثاني، وترعاه، وتربي ممثليه، وتُعِدُّهم في مدارسها وجامعاتها، تمهيداً لتسليمهم زمام الأمور بعد رحيلها عن البلاد.
لقد بدأ مفهوم الدولة الحديثة بالظهور في أثناء الاستعمار الغربي الذي دعم هذا المفهوم، وهو ما جعله يترسخ بعد جلاء الاستعمار بظهور مفهوم الدولة الوطنية / أو الدولة الأمة، ذات العلم والنشيد الوطنيين، والحدود القائمة والسيادة المطلقة. وهو ما شكل واقعاً سياسياً / ثقافياً يتعارض مع الدعوة التي كانت تنتشر في كل أنحاء الوطن العربي، وتدعو إلى الوحدة السياسية والثقافية، وإقامة وطن عربي واحد من المحيط إلى الخليج بحسب النظرية القومية. ولا شك في أن ذلك كله كان نتيجة تخطيط الاستعمار الغربي وعنايته بهذا التخطيط وسعيه إلى تنفيذه بأيدي ممثلي التيار الثاني الذين تسلموا السلطة السياسية بعد خروجه من الوطن العربي.
استمر في الوجود، إلى جانب هذا المفهوم، أو نشأ، مفهوم السلطة المطلقة المتمثل بالإمارات أو الممالك القائمة على النظام الوراثي، وهو مفهوم لا يختلف عن الأول من جهة أن الغرب هو الذي خطط له ورعاه، وما يزال إلى اليوم يحظى بتلك الرعاية.
قطيعة كبيرة بين السلطة والمجتمع، وعداءً مستحكماً بينهما قائماً على عدم الثقة المتبادل والخوف. وقد أدى كل هذا إلى تشبث كل من الطرفين بموقفه خلال ما تبقى من القرن العشرين، وهذا ما انعكس، على أرض الواقع، في جمود الأمة وتخلفها عن الأمم الأخرى التي ما كانت تفصلها عنها مسافات كبيرة في بداية هذا القرن.
مرجعية لها في وجودها وفي تفسير علاقاتها بالنظام الإنساني في هذا المجتمع، ولذلك فهو مرتبط بها، وهي تنصره، وتدعمه، وتفتح أمامه سبل القوة والفعل من خلال وسائل الإعلام التي تسيطر عليها والمؤسسات العلمية والثقافية أو التعليمية التي أنشأتها ورعتها، والثاني أصيل يتعارض معها، ويرى فيها جسداً غريباً عنه، لا يمكنه التعامل معه بسهولة، إلا أنه لم يدخل معها في صراع لأن هيمنته على المجتمع وأثره فيه لم يكونا مهددين مباشرة، وإن كان يرى في النوع الأول منافساً قوياً له، لا يمكن مقاومته، فيسعى إلى الحصول على ما يمكنه الحصول عليه من السلطة في محاولة للتصالح معها، وتشكيل ما يشبه الرقيب عليها، مدركاً أنه لا يستطيع تغيير المؤسسات القائمة التي قد تتعارض في طبيعة عملها ومنطلقاتها، مع تصوره الكوني لطبيعة النظام الإنساني.
بعضاً: الدول والأجهزة والطبقات والأحزاب والعقائد السياسية والمجتمعات ذاتها. فلم تخفق المؤسسات، التي قامت على تحويل الولاء الجماعي إلى ولاء وطني، أي إلى ولاء وانتماء للدولة، في تقديم الإطار التنظيمي الملائم لتفجير وتنمية الموارد البشرية والمادية العربية فقط، وإنما تحولت هذه المؤسسات ذاتها إلى عائق رئيسي أمام التعبئة العقلانية لها"( ).
وممثلي النظام الكوني في المجتمع والنظام الإنساني فيه من جهة أخرى، وذلك بالطبع بعدما أزيلت آثار النظام الكوني الذي كانت تفرضه من قَبْل الأنظمة "الليبرالية".


القطيعة معه وتأكيد التفوق العقائدي والمعنوي والأخلاقي عليه، أي إلى عقيدة نفي الإنسان وتشويه صورته والتمثيل به، ونزع الإنسانية عنه، وحرمانه من ممارسة حقوقه الأساسية، وإنكار معاناته وآلامه"( ).





ثالثاً – شاهدان من التاريخ

1- العلاقة بين سيف الدولة والفارابي
1-1- سيف الدولة وغلبة الخطاب البلاغي على الخطاب الفلسفي / العقلي
بانتهاء الخلافة الراشدة باستشهاد سيدنا الإمامِ علي بدأ الفراق بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية اللتين كانتا مجتمعتين عند الخلفاء الأربعة. وتحولت العلاقة بينهما من علاقة تكامل إلى علاقة نزاع وهيمنة. وتتابع على حكم الدولة العربية الإسلامية ملوك من العرب الأمويين والعباسيين الذين توقف حكمهم الفعلي بعد المعتصم الذي فتح أمام مماليك الأتراك باب السيطرة على مقدّرات الأمّة، وأصبح "الخليفة" لا يملك من منصبه إلا اللقب، وعرفت الدولة العربية الإسلامية حكاماً متعددين، كانوا يعلنون ولاءهم للخليفة في بغداد بعد أن يكونوا قد تمكّنوا من اجتزاء بلد يحكمونه، هم ومِن بعدهم عشيرتهم، حتى يأتي من هو أقوى منهم فيحلّ مكانهم منهياً حلقة في سلسلة لم تتوقف في التاريخ العربي - الإسلامي إلا في مطلع القرن العشرين بظهور مفهوم الدولة الحديثة.
عرفت الدولة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري، عصرِ سيف الدولة، الأتراكَ والبويهيين الذين كانوا يحكمون بغداد، أما في مصر فكان الإخشيديون ومن بعدهم الفاطميون، وفي بلاد الشام كان سيف الدولة.
سيف الدولة كان واحداً من السلاطين الذين حكموا في القرن الرابع الهجري في ظل الخلافة العباسية في بغداد. وقد شمل حكمه منطقة واسعة كانت عاصمتها حلب التي ما ملكها إلا بفضل القوة العسكرية التي كانت تمنحه إياها عصبيته القبلية ومماليكه، وهو بذلك يشترك في فقدان الشرعية السياسية مع الأتراك والبويهيين والسلاجقة والمماليك والأيوبيين وغيرهم من السلاطين، وهذا ما جعل السلطة مصدر تنازع دائم بين هؤلاء، فكل من يملك القوة المناسبة ويغلب بالسيف كان يصنع لنفسه شرعية سياسية حتى يأتي من هو أقوى منه فيأخذ السلطة منه. وقد كانت القبائل المحيطة بحلب، على سبيل المثال، ترى في سيف الدولة منازعاً لها وخصماً على الخيرات التي كانت تجنيها من غزو حلب وأطرافها، كما أنّ سيف الدولة أخذ حلب من الإخشيديين في عام /333/ هـ، وحاول ضم دمشق إلى مملكته حتى قامت بينه وبين الإخشيديين مصاهرة سياسية.
سيف الدولة علي بن حمدان من قبيلة تغلب العربية، ولد في عام /301/ أو /303/ في ميّافارقين أشهر مدينة بديار بكر كما يكتب معجم البلدان، وكانت فيها والدته وأهله فكان يتردد إليها دائماً، وعندما توفي في حلب عام /355/ هـ نقل جثمانه إليها ودفن فيها.
دخل حلب في عام /333/ هـ، وكانت مدينة تجارية صناعية، تغصُّ أسواقها بالحركة والبضائع بحكم موقعها الهامّ بين الشرق والغرب.
عاش سيف الدولة نيفاً وخمسين عاماً، كان فيها منشغلاً بالحروب التي بدأها منذ أن كان شاباً، فقد غزا البيزنطيين عدة مرات وله من العمر خمسة وعشرون عاماً، كما ساهم في قتال البريديين ودحرهم وإعادة الخليفة المتقي إلى بغداد، وهو الذي منحه لقب سيف الدولة.
ولم تختلف حياته في حلب عنها من قبل، إذ استمر في حرب البيزنطيين فكانت له غزوات تسمى الربيعيات وأخرى الصائفات وثالثة الشواتي، وسوى حروبه مع البيزنطيين كانت له حروب أخرى ضد الأخطار التي كانت تهدد سلطته في حلب سواء أكانت من الإخشيديين، أو من القبائل العربية المحيطة بحلب، أو من التمردات التي كان يقوم بها بعض مماليكه عندما كانوا يأنسون فيه ضعفاً( ).

إنّ كل وسط من الأوساط يمكن أن يُحدَّد بالأفكار والمعتقدات التي يسلم بها، وبالقضايا التي يقبلها من غير تردد. ومفاهيم هذا الوسط جزء من ثقافته التي على الخطاب الموجه لهذا الوسط أن يهتم بها، وعلى كل خطيب يريد إقناع مستمع ما ينتمي إلى وسط من الأوساط أن يتبنى، أو يستخدم، في خطابه المفاهيم السائدة في هذا الوسط.
وسيف الدولة يمثل، في آن واحد، وسطاً يخاطبه آخرون، وخطيباً يخاطب وسطاً، فقد كان بحكم نشأته البدوية عربي الثقافة، يحن إلى إنشاد الشعر وسماعه، وكان من الطبيعي أن يسود في بلاطه الخطاب الأدبي المتمثل بالشعراء واللغويين والنحاة من أمثال ابن نباتة، وابن جني، وأبي علي الفارسي، وابن خالويه، وكشاجم، والخالديين، والصنوبري، والمتنبي، وأبي فراس الحمداني. وكلهم يمثلون الخطاب الأدبي الذي كان يلقى ترحيباً عند سيف الدولة كوسط مخاطَب.


والأمر الثاني هو أن سيف الدولة أمير عربي يتذوق الشعر في عصر كان أغلب السلاطين فيه من غير العرب، وهو فوق ذلك أمير عظيم وهب حياته للدفاع عن الثغور، وحمى بلاد الشام طوال حياته من غزوات البيزنطيين في عصر انشغل فيه غيره من السلاطين بالدفاع عن عروشهم، وتركوا الأمة مباحة أمام أعدائها من البيزنطيين وغيرهم من المغول والصليبيين.
لقد غلب الخطابُ الأدبي الخطابَ العقلي في بلاط سيف الدولة، وهذا ما يشكل ظاهرة عامة عند أغلب السلاطين الذين حكموا الدولة العربية الإسلامية، على حين أن الخطاب العقلي تراجع في ذلك العصر إلى زوايا خاصة ومجالس بعيدة عن السلطان، لأنه كان لا يقدم لهم النفع المرجو عند عامة الناس، وازدهر الخطاب العقلي بفضل هذا الابتعاد عن السلطان وهو ما نراه واضحاً في كتب أهل العصر الذين عبّر عنهم التوحيدي في مؤلّفاته وبخاصة في كتابيه الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات.
1-2- مفهوم السلطة السياسية ووظيفتها عند الفارابي
الفارابي هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان تركي الأصل ولد في عام /259/ هـ وينسب إلى مدينة فاراب في تخوم بلاد الترك، تعلم الفارسية والعربية إلى جانب التركية، ولقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو. كانت فلسفته تشكل امتداداً للأفلاطونية المحدثة إلا أنها لم تخرج مطلقاً على أطر العقيدة الإسلامية. درس في بغداد على أبي بشر متى بن يونس، وانتقل في عام /330/ هـ إلى دمشق، واتصل بسيف الدولة في حلب، وتوفي في عام /339/ هـ في دمشق وله من العمر ثمانون عاماً.
شرح الفارابي كتب أرسطو، وكَتَبَ في مجالات كثيرة من أبرزها المنطق والموسيقا، والميتافيزيقيا، والفيزيقيا، والسياسة، وكان أثره كبيراً جداً في الفلاسفة العرب المسلمين من بعده وبخاصة ابن سينا، كما أن أثره في الفلسفة الأوروبية لا ينكر. وللفارابي مؤلفات عدة أبرزها إحصاء العلوم، وآراء أهل المدينة الفاضلة، وكتاب تحصيل السعادة.
عاش الفارابي في عصر بدأ فيه تفكك الدولة العربية الإسلامية بالتسارع، وهو ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار إذا ما أردنا فهم فلسفته السياسية والأخلاقية، فهو يبرز في مؤلفاته أثر الفلسفة والدين في النظرية السياسية والأخلاقية، ويقرر أن العلاقة قوية بين مفهوم الأخلاق الذي هو الكمال الذي ينبغي على الإنسان أن يبلغه من خلال المعرفة العقلانية، وبين الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي يعيش في أطرها هذا الإنسان.
وينطلق الفارابي في مؤلفاته من رغبته بالجمع بين المفاهيم الفلسفية والسبل العملية لتحقيق هذه المفاهيم، فالفيلسوف في رأيه هو من يجمع الفضائل العملية إلى الفضائل النظرية. وقد جسَّد الفارابي هذا المنطلق في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة الذي يلخّص فلسفته بشقيها العملي والنظري، وعرض فيه كل شيء يهم الوجود الإنساني ويساعده على تحقيق غايته في الوجود وهي بلوغ الكمال، فابتدأ بالكلام على الإلهيات وأنواع الوجود ومراتبه، ونظرية المعرفة، والفيض والإشراق، والسعادة، والسياسة.
ويمكن، في اعتقادنا، تلخيص فلسفة الفارابي بأنها تقوم على تعريف السعادة وبيان سبل تحصيلها، ووضع كل ما عداها في خدمة الإنسان للوصول إليها، وفي مقدمة ذلك السياسة.
فكل موجود في رأي الفارابي "إنما كُوِّن ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه، فالذي للإنسان من هذا هو المخصوص باسم السعادة القصوى"( ). فكمال الإنسان الذي خُلِقَ من أجل أن يبلغه بحسب مرتبته في الوجود الكوني هو السعادة، وسعي الإنسان نحو الكمال هو غاية وجوده، ولما كانت السعادة في بلوغ الكمال، أو كانت هي هو، فقد اقتضى أن تكون السعادةُ غايةً في ذاتها لا تطلب لغيرها. وسبيل الإنسان في تحصيل الكمال أو السعادة إنما هو العقل الذي هو آلته في اكتساب المعارف والخيرات وفي الابتعاد عن الجهل والشرور، فيكون بذلك كمالُه الذي هو عين السعادة.
ولا يخرج هذا المفهوم عن الإطار المعرفي العام في الحضارة العربية الإسلامية وتحديده لمفهوم الإنسان صاحب السعادة، فالإنسان يتشكل من عَرَض وجوهر، عَرَض بالجسد وجوهر بالنفس، والإنسان إنسان بالنفس لا بالجسد، لأن النفس متصلة بالعقل الأول وبالنفخة الإلهية الصادرة عن واجب الوجود، وهي بعناصرها تمثل العالم العلوي والوجود الأول في أعلى مراتبه لأنها جزء منه، على حين أن الجسد جزء من العالم السفلي ويمثله بعناصره وهو شبيه به.

وينبه الفارابي على أن بحث الإنسان عن السعادة ليس وهماً مثالياً، ففي الإنسان قدرة بها "يفعل الأفعال الجميلة، وبعينها يفعل الأفعال القبيحة"( ). فهي قدرة على الفعل أياً كان، والإنسان بذلك مختار، وهو صانع أفعاله، إلا أن عليه أن يُدرَّبَ على فعل الجميل.
والتدريب على فعل الجميل هو صلة الوصل بين السعادة هدف الفلسفة وبين السياسة ومفهوم المدينة الفاضلة عند الفارابي. فهو يبيّن في آراء أهل المدينة الفاضلة أنّ الإنسان محتاج في سعيه إلى الكمـال، وفي طلبه السعادة، إلى أمور كثيرة لا يمكنه القيام بها وحده، ولذلك فقد كان لا بد له من الاجتماع، ولا يمكن للإنسان أن ينال الكمال "الذي لأجله جعلت له الفطرة الطبيعية إلا باجتماع جماعات كثيرة متعاونين، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال"( ). وكلما اتسع الاجتماع كان أقدر على خدمة الإنسان في بلوغ الكمال، "فالخير الأفضل والكمال الأقصى إنما يُنال أولاً بالمدينة لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها"( ).
إلا أنه قد يحدث أن يتعاون أهل المدينة على الشر، لأنّ القدرة على فعل الخير أو الشر كامنة بالاختيار والإرادة في الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك فقد أمكن أن تُجعل المدينة للتعاون على بلوغ بعض الغايات التي هي شرور، ولذلك كل مدينة يمكن أن يُنال بها السعادة كما يُنال بها الشقاء. والمدينة "التي يقصد بالاجتماع فيها التعـاون على الأشـياء التي تنال بـها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلـة"( ).
ووجود المدينة الفاضلة رهن بوجود رئيس فاضل، فالمدينة الفاضلة أشبه بالبدن التام الصحيح، والتعاون بين أعضاء المجتمع الواحد في سبيل تحقيق المدينة الفاضلة شبيه بالبدن التام الذي تتعاون أعضاؤه على تتميم حياة الحي وحفظها عليه. "وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى، وفيها عضو رئيس هو القلب . . وكذلك المدينة أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات، وفيها إنسان هو رئيس"( ).
فالنظام السياسي في رأي الفارابي لا يختلف عن باقي أنظمة الوجود الأخرى وعلى رأسها الوجود الإنساني. فكل من هذه الوجودات يقوم على ترابط أجزاء تتبع نظاماً معيناً وترتيباً خاصاً. ولا بد من رئيس في هذا النظام. فإذا كان القلب هو الرئيس في البدن فإن الرئيس هو القلب في المدينة. والقلب هو العضو الكامل التام، وكل ما عداه من سائر الأعضاء تابع له وخدم له. والرئيس في المدينة هو أكمل عناصر المدينة التي ينبغي أن تحتذي بأفعالها حذو مقصد رئيسها الأول، فهي على شاكلته، وفي خدمته، وهو أنموذج لها لأنه يقرر كيف تكون المدينة فاضلة. ووجود البدن التام قائم بصحة رئيسه القلب، ووجود المدينة الفاضلة متوقف على وجود الرئيس الفاضل، وذهابها مقترن بذهابه، فإذا وجد الرئيس الفاضل وجدت، وإنْ اختل النظام فيها أُنيط أمر إصلاحه وتقويمه به( ).
الإلهي. وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية، وفي أعلى درجات السعادة. وتكون نفسه كاملة متحدة بالعقل الفعّال على الوجه الذي قلنا. وهذا الإنسان هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة. فهذا أول شروط الرئيس"( ).
ويضيف الفارابي مصرحاً بكلمة الإمام في وصفه الرئيس قائلاً: "فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه إنسان آخر أصلاً، وهو الإمام وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمة الفاضلة ورئيس المعمورة من الأرض كلها"( ). إنه الإمام المهديُّ القادرُ وحدَه على تحقيق مفهوم المدينة الفاضلة التي تضمن الفوز بالسعادة لأهلها، لأنه يجمع بين السلطتين الثقافية الدينية والسياسية.
إنّ السلطة عند الفارابي وسيلة إلى تحقيق المدينة الفاضلة، ووظيفتها تنحصر في توفير أفضل الظروف التي تساعد الإنسان على بلوغ الغاية من وجوده بحسب مرتبته في الكون وهي الكمال الذي هو عين السعادة غايةُ الإنسان المطلقة.
1-3- سيف الدولة السلطة والفارابي المثقف
يكتب ريموند آرون في مقدمته لكتاب ماكس وبر (العالم والسيـاسي) قائلاً: "الدولة هي المؤسسة التي تحتكر حق ممارسة العنف الشرعي في مجتمع من المجتمعات"، ويضيف: "إنّ الدخول في السياسة يعني المشاركة في صراعات على امتلاك القوة، قوة التأثير في الدولة، وقوة التأثير في المجتمعات"( ).
وسيف الدولة بحسب النظام السياسي الذي كان سائداً في عصره كان مؤسسة بذاته فكان هو الدولة، وهو، كغيره من سلاطين عصره، كان يملك وحده حق ممارسة العنف في المجتمع ويؤثر فيه كما يشاء. ويعطي هذا العنفُ شرعيةً ما كون الأمير هو مالك القوة الأول في دولته. وعندما كان يُنَازَع هذه الشرعية كان يُدافِعُ عنها بكل العنف الذي يواجه به خطرَ البيزنطيين على الثغور الإسلامية.
ولكن ما يميز سيف الدولة من غيره من السلاطين في القرن الرابع هو أنه كان شيعياً، وهو يشترك بهذا مع البويهيين الذين سيطروا على الخلافة في بغداد في عام /334/ هـ، عندما دخلها أحمد بن بويه بطلب من الخليفة المستكفي وخلع عليه لقب معزِّ الدولة. أما الفاطميون فإنهم لم يؤسسوا دولتهم في مصر إلا في عام /356/ هـ، أي بعد وفاة سيف الدولة.
في طاعته، ولن يجرؤ أحد من الجند على عصيانه أو خلعه إذا ما أراد أحمد بن بويه ذلك، على حين أنه إذا ما ترك الخليفة مكانه فسيصبح هو الحاكم الفعلي للخلافة، ولا يجرؤ أحد من جنده على عصيانه وطاعة الخليفة.
والمرة الثانية هي عندما دخل سيف الدولة حلب، وأصبح أكثر أهلها من الشيعة بعد أن استباحها البيزنطيون عام /351/ هـ ودمروها. إذ يذكر ابن العديم صاحب بغية الطلب( ) أنّ سيف الدولة نقل إليها جماعة من الشيعة من حرّان، فغلب على أهلها التشيع بعد أن ظلت في أغلبها على مذهب أهل السنة على الرغم من تشيع الحمدانيين. ولكنه في هذه المرة أيضاً لم يحقق مذهبه السياسي الديني في الإمامة.
ولعل انشغال سيف الدولة / المؤسسة والدولة في غزواته وحروبه الخارجية والداخلية ما كان يسمح له بتحقيق ذلك، هذا إذا افترضنا أنه كان شيعياً متحمساً لمذهبه وهو خلاف ما يراه الدكتور مصطفى الشكعة( )، إذ ينقل عن أغلب المؤرخين أن تشيع الحمدانيين كان خفيفاً أو أنه كان تشيع تفضيل وتعاطف. فلماذا لم يفعل سيف الدولة ما يمليه عليه مذهبه في الإمامة؟ وإذا افترضنا أنه بثقافته العربية الخالصة التي يسيطر عليها الخطاب الأدبي كان يجهل مبدأ الإمامة فإن صلته بالفارابي الذي كان قد بدأ بتأليف كتابه آراء أهل المدينة في بغداد عام /330/ هـ، وأتمه في دمشق بعد عام، تجعلنا نعتقد باطلاعه على هذا الكتاب، أو على الأقل بمعرفة مضمونه السياسي وما يقدمه من صورة رئيس المدينة/ الإمام الحكيم.
إلا أن تأثير الفارابي/ المثقف في سيف الدولة/ السلطة لم يكن كبيراً في أرجح الأحوال. فالفارابي لم يكن سياسياً، ولم يحاول الدخول في السياسة، ولكنه قدم صورة متكاملة للمدينة الفاضلة المنسجمة مع العقيدة الإسلامية، تمثل نموذجاً إسلامياً شيعياً فلسفياً.
إن ما شهده عصر الفارابي من تسارع في تمزق الدولة الإسلامية وفوضى سياسية حكمت الخلافة في بغداد دفع هذا المثقف الفذ إلى وضع تصوره لإنقاذ هذه الدولة من خلال الابتعاد عن نظام الفرد/ المؤسسة القائم على القوة، وتكريس مبدأ المؤسسة المتمثلة في الفرد، والقائمة على العقيدة بحسب المذهب الإمامي، ولذلك فإنّ هذه المؤسسة لن تسقط بزوال الفرد الذي يمثلها، على حين أنّ الفرد/ المؤسسة يمثل الدولة، وستزول دولته بزوال مؤسسته، وهذا ما يؤكّده تاريخ الحضارة الإسلامية السياسي، وقد سقطت دولة سيف الدولة في حلب بوفاته.
إنّ الرئيس في المدينة الفاضلة هو صورة الإمام المعصوم في المذهب الاثني عشري، إلا أنه ليس الحاكم بأمره الفرد المطلق، كما قد يُظن، إذ إن على هذا الرئيس كما يرى الفارابي أن يأخذ بالشرائع والسنن التي شرعها هو نفسه وأمثاله ممن سبقوه، إن كانوا توالوا في المدينة. ومن صفات هذا الرئيس الأساسية أن يكون تابعاً لمرجعية ثابتة هي الشرائع والسنن، وأن يحتذي بأفعاله كلها حذو هذه الشرائع والسنن. وهو في استنباطه واجتهاده يجب أن يكون محتذياً حذو الأئمة الأولين( )، ولا بأس، في إطار المؤسسة، أن يكون للمدينة رئيسان إذا لم تجتمع كل الصفات في رجل واحد. أما إذا وجدت الصفات متفرقة كل واحدة في رجل فكانت الحكمة في واحد، والعلم بالشرائع السابقة في واحد، وجودة الاستنباط في واحد، وجودة الرويّة والقول في واحد، وكانوا متلائمين فلا بأس أن يكونوا هم الرؤساء الأفاضل.
المدينة الفاضلة التي كتبها الفارابي قبل أن يلتقي بسيف الدولة.
1-4- خاتمــة
لا يمكن للمرء أن يكون رجل دولة ورجل علم في الوقت نفسه من غير أن يسيء إلى حصافة المهنتين معاً. ولكن رجل العلم ورجل الدولة يمكن أن يتكاملا في خدمة المؤسسات التي ينتميان إليها وتشكل بمجموعها الدولة. في هذه الدولة يمكن للإنسان أن يكون عضواً صالحاً، تصلح الدولة بصلاحه وتفسد بفساده. ولكنها هي التي تصلحه وتفسده، فالعلاقة بينهما جدلية تتأسس على الدولة.
وتبقى في نهاية البحث إشكالية العلاقة بين السلطة والمثقف قائمة في التراث. ولكنها، وإن كانت من غير حل، مفيدة في قراءة الحاضر لتجاوز أخطاء الماضي. لقد غلب الخطابُ الأدبي في التاريخ السياسي للدولة العربية الإسلامية الخطابَ العقلي. وفي اعتقادي أنّ الأول يصنع دولة أفراد، أما الثاني فيصنع دولة مؤسسات. ولكن الإشكالية بين السلطة والمثقف ستظل قائمة وما قدمته هذه الدراسة يطرح الإشكالية أكثر مما يسعى إلى الإجابة عنها.
2- العلاقة بين عضد الدولة البويهي وابن الباقلاني
2-1- نص سياسي ثقافي
"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون". فهذا كله أمر بما لا يقدر الخلق عليه. وإن أردتم بالتكليف الذي نعرفه، وهو ما يصح فعله وتركه. فالكلام متناقض وسؤالك فاسد، فلا تستحق جواباً؛ لأنك قلت: "تكليف" والتكليف اقتضاء فعل ما فيه مشقة على المُكلَّف؛ وما لا يطاق لا يفعل لا بمشقة ولا بغير مشقة، فسكت السائل.
وأخذ الكلامَ الأحدبُ، فقال: أيها الرجل سُئِلتَ عن كلام مفهوم فطرحتَه في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب، وجوابُه إذا سُئِلْتَ أن تقول: نعم أو لا.
قال القاضي: فأحفظني كلامه لما لم يوقرني توقير الشيوخ، وقلت له: يا هذا أنت نائم ورجلاك في الماء؛ إنما طرحتَ السؤال في الاحتمالات، وقد بينتُ لك الوجوه المحتملة؛ فإن كان معك في المسألة كلام فهاته، وإلا تكلم في غيرها. فأعاد الكلام الأول، فقال الملك: أيها الشيخ قد بيّن الاحتمال، وليس لك أن تعيد عليه، ولا أن تغالطه، ولا جمعتكم إلا لفائدة، لا للمهاترة ولما لا يليق بالعلماء.
ثم التفت الملك إلى القاضي وقال له: تكلم على المسألة. فقال القاضي: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما لا يطاق للاشتغال عنه بضده كما يقال فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة، وهذا سبيل الكافر أنه لا يطيق الإيمان لاشتغاله بالكفر، وهو ضده؛ وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزاً، وقد أثنى الله تعالى على من سأله ألا يكلفه ما لا يطيق؛ فقال عز وجل: "ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، لأن الله تعالى له أن يفعل ما يريد. ثم تجاوز الأحدب الكلام إلى غيره وتكلم معه القاضي ومال الملك إلى قوله.
ثم التفت الملك فقال: سلوا أبا إسحاق النصيبيني عن مسألة الرؤية، فأنكر رؤية الله تعالى في الآخرة وسئل ما حُجَّته فقال: "كل شيء يرى بالعين فيجب أن يكون في مقابلة عين الرائي"، فالتفت الملك إلى القاضي أبي بكر فقال القاضي أبو بكر: لا يُرى بالعين، فعجب الملك من قوله، وقال قاضي القضاة: فإذا لم يُر بالعين فبماذا يرى؟ فقال القاضي: يُرى بالإدراك الذي يحدثه الله تعالى في العين وهو البصر. ولو كان يرى المرئي بالعين لكان يجب أن يرى بكل عين قائمة، وقد علمنا أن الأجهر عينه قائمة، ولا يرى بها شيئاً. فقال النصيبيني: لم أعلم أنه يقول هذا، وظننت أنه يسلم بقولي.
وجرى له في هذا المجلس كلام كثير أعجب به الملك، ولم يزل يحلو له كلامه ويزحف عن سريره حتى نزل عنه وحصل بين يديه، ثم أقبل الملك على قاضي القضاة فقال له: ألم اقل لك مذهب طبق الأرض لا بد له من ناصر؟ فقال القاضي: فلما انقضى المجلس صحبني بعض الحجاب إلى منزل هيئ لي فيه جميع ما يحتاج إليه، فسكنته.
ولم يزل مع الملك إلى أن قدم بغداد، ودفع إليه الملك ابنه يعلمه مذهب أهل السنة، وألف لـه التمهيد. وأخذ عنه إذ ذاك أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي، وجماعة من أهل السنة بشيراز، وقرأوا عليه شرح الُّلمَع.
قال: وقال الملك لقاضيه: فكرت بأي قِتلة أقتله لجلوسه حيث جلس بغير أمري، وأما الآن فقد علمت أنه أحق بمكاني مني.
وحكى القاضي أبو الوليد الباجي عن أبي ذر الهروي قال: أول معرفتي بالقاضي أبي بكر وأخذي عنه أني كنت ماشياً مع الشيخ أبي الحسن الدارقطني في بعض أزقة بغداد، إذ لقي شاباً فسلم عليه، واحتفل به، ورأيت من تعظيم الشيخ أبي الحسن له وإقباله عليه ودعائه له ونحو هذا ما عجبت منه، فقلت له: من هذا؟ فقال لي: هذا أبو بكر بن الطيب الذي نصر الله به أهل السنة، وقمع به أهل البدعة أو كما قال"( ).
2-2- دراسة النص

وعلى الرغم من الروايات التي نقلت النص إلينا، والتي كان أصحابها من أهل السنة دائماً، فإن مما يثير الاستغراب هو ذلك التحول السريع، الذي طرأ على موقف عضد الدولة، وهو تحول لا يمكن تفسيره إلا بأنه كان قد بيت في نفسه هذا التحول. وقد جاءت الأحداث فيما بعد لتؤكد ذلك. فقد غفر عضد الدولة للباقلاني دخوله الجريء على مجلسه وجلوسه على يمينه، وتجاوز ذلك العفو إلى الإعجاب به، والأمر بإكرامه ورعايته بشكل مبالغ فيه. ويميل عضد الدولة، في النهاية، عن موقفه المؤيد للمعتزلة والشيعة ليظهر تأييده مذهب أهل السنة، عندما يطلب من الباقلاني أن يعلم ابنه أصول هذا المذهب بحسب رواية القاضي عياض.
وقد تلقى ممثلو النظام الكوني من أهل السنة هذا التحول تلقياً حسناً، ووجدوا فيه نصراً لمذهبهم، وقد حرص عضد الدولة على الحفاظ على دعم هؤلاء له عندما اصطحب الباقلاني عندما دخل بغداد، وخلع عليه الخليفة لقب السلطان.
ويمكننا أن نرى في النص السابق نموذجاً فكرياً تاريخياً للعلاقة بين السلطة السياسية وممثلي النظام الكوني أو السلطة الثقافية، وهو نموذج مستمر في الحاضر ولكن بأشكال وصور مختلفة.
ويعد النص دليلاً على انفصال الدين عن الدولة في الحضارة العربية الإسلامية عند أهل السنة. إلا أنه على الرغم من ذلك فقد كان مفهوم الدولة آنذاك يرتكز على مفهوم الخلافة وهو مفهوم ديني ينتمي إلى النظام الكوني في تلك الحضارة. وهذا ما جعل السلطة السياسية بحاجة دائمة إلى ممثلي النظام الكوني ولتعطي وجودها شرعية ضرورية لاستمرارها، وإن كان هذا الاستمرار يقوم أساساً على الغلبة بالقوة.
وفي النص دليل آخر على الأصل التاريخي للاعتقاد السائد في لاوعي المجتمع العربي المعاصر بلا شرعية السلطة السياسية على اختلاف أشكالها ، لأن المرجع الذي يحتكم إليه هذا اللاوعي اليوم في هذه المسألة هو التاريخ وبخاصة تاريخ الخلافة الراشدة.





















القسم الثاني

مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي

مشروع إعادة تقييم الهوية العربية






مفهوم الإنسان

في الفكر العربي الإسلامي


"إيه.. الكمالُ كُنْهُ الكائن".. يردد ابن سبعين هذا الكلام في أكثر من موضع في رسائله. وهي عبارة تلخص الفكر العربي الإسلامي في الوجود بأجمعه ولاسيما الإنسان، فكل ما في الوجود كائنٌ، وكل كائنٍ الكمالُ كنههُ، وأكمل مافي الكون الإنسان. والموجودات، عدا الإنسان، كاملة، لأنها قبل أن تكون كانت في العلم الإلهي، فكمالها إنما كان من كونها، قبل أن تكون، في العلم الإلهي، قبل أن تتلقى الأمر "كن" فتكون. والإنسان مركز الكون، وهو أكرم الموجودات وأتمُّها وأكملُها، لأنه زاد على كل ما عداه في النشأة العنصرية الأولى بالنفخة الإلهية…
ولكل موجود كمالهُ الخاصُّ به بحسب نسبته من الوجود.فالمخلوقات ما عدا الإنسان لها كمالها الخاصُ بها، المتناسب مع وظيفتها في الكون، وهي تسعى إليه بقدرة داخلية تُدفَع بها إلى كمالها، يمكن تسميتها بالعشق، فالشجر في وجوده يسعى إلى كماله في نموه، فيمد جذوره في التراب، ويرتقي بأغصانه في الفضاء، فهو يعشق الماء من جهة لأن كماله فيه، ويعشق النور والهواء لأن كماله من جهة ثانية فيهما..
والإنسان، أرقى الموجودات وأكملها، له كمالان: كمال العَرَض/ الجسد، وكمال الجَوْهَر/ النفس. ويلتقي كماله الأول مع كمالات الحيوان من جهة النشأة العنصرية، أما كماله الثاني فهو خاص به يميزه من باقي الكائنات، أتاه من جهة النفخة الإلهية..
ويسعى الإنسان باتجاه الكمال، فهو كنهه، وإليه يرقى بالعشق الذي وضعه الله فيه، ولكن كماله صعب لأن فيه ازدواج العَرَض والجَوْهَر والتزامهما معاً في آن واحد. ومن هنا فقد ابتعد الإنسان عن جوهره، ولم يهتم إلا بكمال عَرَضِه من حيث المأكل والمنكح…
إن مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي مسألة معقدة وواسعة، وتحتاج إلى أدوات معرفية خاصة بذلك الفكر يمكن من خلالها بحث المسألة. ولذلك فإن هذه الدراسة تسعى إلى وضع أطر عامة للبحث تحدد من خلالها مكان دراسة ذلك المفهوم، وكيفية التعامل معها، محاولة صياغة مفهوم أولي يطرح إشكالية ويرد على إشكالية، ساعيةً في الوقت نفسه إلى فتح الحوار في إشكالية واقع العرب والمسلمين اليوم، سواء أكان هذا على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة.
1 ـ الإشكالية
اعتقدت دائماً أن دراسة لا تطرح إشكالية تسعى إلى إيجاد حل لها ليست بدراسة جديرة بالاهتمام. فكل الدراسات الإنسانية عندما تنطلق من الإنسان وتهتم بالشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يفرضها عليه واقعه فإنما تريد معالجة قضية من القضايا التي تهمه، أو مسألة تمس حياته، أو عقبة تقف أمام تقدمه أو أزمة يعانيها. وكل دراسة تخرج عن تلك الأطر فهي عمل عبثي وعقيم مادام لا يقدم للمجتمع عامة ولصاحبه خاصة فائدة إنسانية معرفية واجتماعية، تساعده في تحسين واقعه وتجاوز أزماته واكتشاف نقاط ضعفه، ومصادر قوته، فيعي وجوده ويعيد صياغة مستقبله.
إن العودة إلى التراث لاستنباط مفهوم الإنسان فيه سوف يكون نوعاً من العبث والترف الفكري إن لم تكن تلك العودة مقصودة لغيرها وليس لذاتها. إن من يريد دراسة التراث لمجرد الدراسة أو التعظيم أو التقديس، فإنه سيعيش في الماضي ولن يتمكن إطلاقاً من عيش الواقع أو تصور المستقبل. ذلك هو المنظور الذي تنطلق منه هذه الدراسة، فهي تريد من العودة إلى الماضي الحاضرَ المستقبلَ، ساعيةً إلى اكتشاف مصادر القوة لدى الإنسان العربي المعاصر، داعيةً إيّاه إلى الارتكاز عليها في تخلصه من أزمته التي يعيشها على كل الأصعدة.
كان الفرد جزءاً من الجماعة، والأمة إنما تتشكل في مجموعها من عدد الأفراد، فقد اقتضى أن يكون تاريخ الفرد جزءاً من تاريخ الأمة، كما اقتضى أن تكون المعرفة الفردية المرتبطة بتاريخ الفرد جزءاً من الثقافة الجماعية المرتبطة بتاريخ الأمة. من هنا فإننا نستنتج أن البحث في طبيعة المعرفة، أسّ الوعي الفردي، إنما يقود بالضرورة إلى البحث في طبيعة الثقافة العامة أسّ الوعي الجماعي لدى الأمة.
ومعرفة الفرد اليوم تتطلب بالضرورة معرفة الأمة التي يستمد هُوَيّته من حضارتها، وأي إغفال لتلك الحقيقة سوف يقود بالضرورة أيضاً إلى تشييء الفرد وإفقاده شعوره بالذات وهو الشرط الأساسي في الإبداع الإنساني في كل مجالات الحياة. والعودة إلى التراث للبحث في مفهوم الإنسان هي بحث في المعرفة التاريخية للأمة التي ينتمي إليها هذا الإنسان هدفه الدعوة إلى مشروع نهضوي جديد، يبعث هذه الأمة على مشارف القرن الواحد والعشرين الذي يسجل مرور قرن ونيف على ما سمي بالنهضة العربية.
المجتمع ابن تاريخه، كما أن الفرد ابن ذاكرته. ويبدو لنا هذا الطرح واضحاً إذا ما سألنا السؤال التالي: كيف تتكون المواقف عند الفرد؟… والجواب هو أن الإنسان لا يمكنه أن يتخذ موقفاً ما في كل مجالات حياته إلا من خلال مالديه من تراكم في الخبرات والمعارف التي اكتسبها من مختلف السبل من ولادته إلى اللحظة التي هو فيها.
ويبدأ بذلك أول وجوداته الثلاثة: الوجود المادي "الفيزيولوجي"، والوجود الثقافي الاجتماعي، والوجود العقلاني، فالوجود الأول وجود لم يختره على الإطلاق، ولا دخل له فيه فهو طويل أو قصير، أسود أو أبيض، أشقر الشعر أو أسوده، قوي البنية أو ضعيفها. وهو من ولادته أيضاً يبدأ وجوده الثاني، الثقافي الاجتماعي، بالتكوّن، فهو يكتسب شيئاً فشيئاً العادات والتقاليد والقيم والأعراف وأنواع السلوك ومفاهيم العيب والحلال والحرام والأخلاق، كما يكتسب ثقافة محددة من خلال اللغة التي يتعلمها، وكل ذلك يختلف من بيئة إلى أخرى في المجتمع الواحد بحسب مستوى الحياة الاقتصادي والثقافي والاجتماعي.
المادي والثقافي الاجتماعي، فإنه لا يرقى كثيراً إلى مستوى الحيوان لأن هذين الوجودين مشتركان بينهما، وإذن فقد تبيّن أن وجود الإنسان الحق إنما هو بالعقل، وعلى هذا فإن الوجود الحق للإنسان لا يبدأ إلا عندما يبدأ العقل لديه بالعمل الحر في نقد وجوديه الآخرين، فيبقي ما يراه سليماً، ويسعى إلى تجاوز أو تصحيح ما يراه ليس كذلك.
بالنسبة إلى الإنسان العربي المسلم العقيدة الإسلامية: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
الإنساني مثلها، ويتخذ من هذا المفهوم مرجعاً له ومقياساً يحتكم إليه في إعادة صياغة هُوِيّته التي شُوّهت وتعرضت للكثير من التحريف، وهو ما أدى به إلى الجمود عبر قرون عديدة انتهت في القرن الماضي والحالي بمحاولات لإلغاء هذه الهوية وإحلال غيرها مكانها، مما يُسهل لتلك الجهات أهدافها.
2 ـ مصادر البحث
الإنساني في تعامله مع الواقع في إطار العقيدة الإسلامية.
سيكون بحثنا أولاً في إطار العقيدة الإسلامية: القرآن والسنة، وهو بحث سيقتصر على استنباط مفهوم الإنسان من عدد من الآيات الكريمة، وبعض من الأحاديث الصحيحة. وسيكون ثانياً في مجال الفكر العربي الإسلامي وبخاصة عند المتصوفة والفلاسفة. وقد وقع اختيارنا من هؤلاء على ثلاثة هم: أبو حيان التوحيدي، وابن سينا، وابن عربي. ونعتقد أنه اختيار يجمع أطراف الفكر العربي الإسلامي، فالتوحيدي الأديب الفيلسوف، وابن سينا أشهر الفلاسفة المسلمين، وابن عربي أبرز أعلام التصوف العرفاني. وهم جميعاً، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان اللذين عاشوا فيهما، ينهلون من مصدر واحد، ويعبرون عن روح واحدة فيما يتعلق بالإنسان.
ثمة مشكلة تعترض الباحث في هذا المجال هي قضية المصطلحات، ففي القرآن والسنة ترد مصطلحات قد لا تتفق مع دلالاتها في الفكر العربي الإسلامي، فهو في هذا الفكر نِتاج بشري دخلت فيه مفاهيم الناس الفلسفية أو الصوفية. وعلى أي حال فإن المجال هنا لا يتسع لطرح هذه المشكلة واقتراح حلول لها. ولذلك فإننا سنعمد إلى توحيد المصطلحات المستخدمة في كل من الإطارين بشكل مستقل.
3 ـ تمهيد
تتأسس الحضارات وتنهض على ثلاثة مفاهيم مشتركة فيما بينها، لابد منها في كل حضارة من الحضارات الإنسانية: الإله والكون والإنسان. وتستمد كل حضارة هُوِيَّتَها الذاتية وسماتَها الخاصة التي تميزها من غيرها من الحضارات، من تغليب أحد هذه المفاهيم على الباقي منها. فالحضارة التي تُغلِّب مفهومَ الإله هي حضارة دينية، يسود فيها الفكر الغيبي، والتي تُغلِّب مفهوم الكون هي حضارة مادية، يسود فيها الفكر الطبيعي، أما التي تُغلِّب مفهوم الإنسان، فهي حضارة بشرية يسود فيها الفكر الإنساني. إلا أنه من الضروري التنبيه على أن الحضارات لا توجد في الواقع بحسب هذا التقسيم الحاد، وإنما نرى من خلال مراقبة الحضارات الإنسانية أن هذه المفاهيم يختلط بعضها ببعض بنسب متفاوتة، إلا أن الغلبة النسبية دائماً هي للمفهوم السائد الذي يسم الحضارة بسمته.
وعندما تُغلِّب حضارةٌ ما أحدَ هذه المفاهيم فإنها ترى المفهومين الباقيين من خلال المفهوم الغالب، فمفهوم الإله عندما يسود في حضارة من الحضارات فإن الكون والإنسان يُفَسران في تلك الحضارة من خلال الفكر الديني الغيبي، وعندما يسود مفهوم الإنسان فإن الحضارة تفسر مفهومي الإله والكون من خلال الفكر البشري.
ويمكننا أن نذكر أمثلة من التاريخ البشري على هذه المفاهيم.

إن أي محاولة لفهم حضارة ما من خلال دراسة نتاجها الثقافي والعلمي لا تعتمد على إدراك هذه المفاهيم وطبيعة العلاقة بينها، وغلبة أحدها على الآخَريْن في تلك الحضارة، سوف تكون قاصرة، وستؤدي بالضرورة إلى نتائج خاطئة. وسوف نرى فيما يأتي أن مفهوم الإنسان في الحضارة العربية الإسلامية تابع ونتيجة منطقية لمفهوم الله، فهو يرتبط معه بعلاقة وجودية. ولعل هذه الحقيقة هي ما يجب أن يرسخ في أذهان الباحثين في تراث الأمة العربية والإسلامية اليوم سواء أكان هؤلاء الباحثين من أبنائها أم غرباء عليها، وذلك إذا ما أراد هؤلاء فعلاً الإنصافَ في نتائجهم والموضوعيةَ في أحكامهم.
4-العرض
4-1-العقيدة الإسلامية
إن وظيفة الموجود في الوجود تحدد طبيعةَ تكوينه وهيئةَ وجوده. تلك هي الفلسفة الغائية التي نعتقد بصحتها المنطقية وجدواها الإنسانية. وهي فلسفة معيارية تحتكم إلى ثوابت في معالجة المتغيرات، وليست فلسفة وضعية عبثية تنطلق من توصيف ما هو كائن لإقراره في تغيره الدائم الذي لا أساس يعتمد عليه في هذا التغيير، ولا منطق إلا منطق الأهواء المادية والنزعات الفردية المرتبطة بنظام السوق.
إن كل موجود له وظيفة في وجوده، ولا وجود عبثي في الكون بحسب القرآن الكريم، فالله عز وجل يقول: "وما خلقنا السمواتِ والأرضَ وما بينَهما لاعبين"(( ))، ويحث الرسول عليه الصلاة والسلام الإنسان على اغتنام خمس قبل خمس حرصاً منه على الوقت والصحة والشباب، فلا يضيعها الإنسان في ما لا فائدة فيه.
ولما كان قد تقرر أن كل موجود إنما وجد ليؤدي وظيفته، فقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يخلق كل موجود على صورة تناسب وظيفته، وتمكنه من القيام بها، وإن لم يكن ذلك فهذا يعني بهتاناً وظلماً بحق الموجود أن يُطالَب بما لا يقدر عليه، ولم يُخلَق له.
والإنسان واحد الموجودات، وُجد لوظيفة محددة، وخُلق على صورة تمكنه من أداء هذه الوظيفة. ولا شك في أن وظيفته تلك تحدد طبيعته ومفهومه.
ويحدد الله تعالى وظيفة الإنسان الأولى في الأرض في قوله عزّ وجل: "وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدون"( )، وفي قوله تعالى: "إني جاعلٌ في الأرض خليفة"( )، فالعبادة وتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض هما وظيفة الإنسان التي خُلِق من أجلها، وقد صِيْغَ الوجود بأكمله لينسجم مع الإنسان في وظيفته هذه، وليساعده في تحقيقها.
وعلاقة العبادة بالاستخلاف علاقة وثيقة وجدلية، بمعنى أنّ الإنسانَ عبد لله على الحقيقة بقدر تحقيقه معنى الاستخلاف على الحقيقة، كما أن تحقيق هذا المعنى مرتبط بمدى عبودية الإنسان لله عز وجل.
والعبودية تعني الإخلاص لله ونفي السِّوَى، فلا طاعة إلا لله، ولا عبودية إلا له، وهذا يعني تحرر الإنسان من عبودية ما عدا الله من متاع الدنيا، كالمال والجاه والسلطة والتفاخر بالأولاد والعصبية، إلى ما هنالك من عوارض تستعبد الإنسان، فيخضع لها، ويصوغ حياته كلها من خلال تحكمها فيه، فينسى وجوده الأول ووظيفته في هذا الوجود، فيضل عن الطريق، ولا يصبح إنساناً على الحقيقة. وبقدر ما هو عبد لله فهو خليفته، لأنه بقدر تحرره من عوارض الدنيا يعود إنساناً إلهياً، فيه تظهر النفخة الأولى والعلم الإلهي، فيصبح خليفة الله على الحقيقة، يرى بنور الله، ويسمع به، ويمشي فيه، ويبطش به، فعلمه من علم الله وإرادته من إرادته جلّ وعلا.
والعبودية بهذا المعنى هي عين الحرية، أما الحرية بالمفهوم السائد بين الناس اليوم من أن الإنسان يستجيب لأهوائه ونزواته فهي عين العبودية التي تتنافى مع قول "لا إله إلاّ الله"، فلا معبود إلا هو، ولا سلطة إلا له، ولا مآل إلا إليه، ولا قوة إلا به، ولا علم إلا منه سبحانه وتعالى.
ما تقدم يقتضي أن نطرح سؤالاً جوهرياً هو: لماذا العبودية ولم الاستخلاف؟ إن هذا السؤال المنطقي يقودنا إلى أصل الخلق وعلاقة الخَلْق بالحَقِّ، فالعبادة أو العبودية ليست لذاتها وإنما لغيرها، فالله عزَّ وجل مُنَزَّه عن الحاجة إلى عبادة الناس له. وإنما العبادة تهدف إلى مساعدة الإنسان في تحقيق جوهره الأول الذي خلق به وإعادته إلى صورته الأولى التي صدر عنها، وبذلك يتحقق وجوده على الحقيقة.
وقد حدد الله عزَّ وجل هذه الصورة وذلك الجوهر عندما قال تعالى في الكتاب الكريم "وإذْ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من طين، فإذا سوّيتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"( )، وقال أيضاً سبحانه: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة، قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفك الدماءَ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون، وعلّم آدمَ الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيبَ السمواتِ والأرضِ وأعلم ما تُبدون وما كنتم تَكتمون. وإذْ قلنا للملائكةِ اسجدوا لآدمَ فسجدوا إلا إبليسَ أبى واستكبرَ وكانَ من الكافِرين"( ).
تنفيذ الأمر فكانت، فهي جميلة لكونها كانت، قبل أن تكون، في العلم الإلهي. على حين أن الإنسان خُلِق بإرادة خاصة أخبرَ اللهُ ملائكته بها، وهو مخلوق من الطين بيديّ الله عزّ وجل: "قال يا إبليسُ ما منعكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديّ"( )، وهذا ما مازه من باقي المخلوقات أولاً، ثم جاء التمييز الثاني الذي جعله خليفة لله، وسخّر له ما في السموات والأرض: "ألم تروا أنّ الله سخَّرَ لكم ما في السموات وما في الأرض"( )، ليمكنه من تحقيق معنى الاستخلاف.

في الآيات الأخرى تقرير مرحلة أخرى تلت مرحلة خلق الإنسان بمستوياتها المختلفة. فالكلام فيها يدور على إرادة الله عز وجل بإخبار الملائكة بمكانة الإنسان بعد أن خلق. فهو خليفة لله عز وجل في الأرض. ويعلِّمُ اللهُ الإنسانَ الأسماءَ كلها، فيصبح بذلك عالماً بالقوة، يرتبط علمه بعلم الله عز وجل عالم الغيب في السموات والأرض.
فخلافة الإنسان في الأرض مرتبطة جدلياً بالعلم الذي عَلَّمه اللهُ إياه، بدليل اقتران الكلام على الخلافة بتعليم الإنسان الأسماء بعد تعجب الملائكة من جعله خليفة، فكان الجواب من الله عز وجل بتعليم الأسماء.
وإليه، والدنيا مخلوقة من أجل الإنسان، وما عليه أن يتعب من أجلها، كما عليه ألا يُضيِّع حياته باللعب بعيداً عن الهدف الذي خلق من أجله، منشغلاً بما خلق من أجله، عما خلق هو له. والإنسان مخلوق على الصورة الإلهية وفيه من روح الله، ولذلك فهو خليفته. وقد خلقه الله جميلاً لأنه جميل يحب الجمال، فما يصدر عنه إلا جميل.
خُلِق الإنسان جميلاً، يستمد جماله من جمال خالقه، وهو خليفته في الأرض من جهة النفخة الإلهية، والملائكة سجدت له سجودها لله عز وجل. وهو عالم بالقوَّة، فيه من المعرفة ما يؤهله لتحقيق جوهره بالفعل، وجعله الله قادراً على العودة إليه، وسخّر له كل ما في الكون ليكون خليفته على الحقيقة، فهو إنسان كامل يستمد كماله من الكمال الأول.
ولكن الإنسان عندما هبط الأرض بدأ شيئاً فشيئاً يبتعد عن كماله، ليستغرق في نقصه الذي أتاه من جهة التراب. فساد الطين الثقيل، وحجبَ النورَ الخفيف، وابتعد الإنسان عن النفخة الإلهية فيه، ونسيها، ولم يذكر سوى طينيته، فأصبح عبداً لها. فالإنسان إلهيٌّ من جهة النفخة، طينيٌّ من جهة النشأة العنصرية، كاملٌ من جهة النفخة، ناقصٌ من جهة الطين. ومن هنا كان إنساناً كاملاً خليفةَ الله في الأرض، سجدت له الملائكة، فأصبح بابتعاده عن كماله الإلهي ضعيفاً، وظلوماً، وكفاراً، وعجولاً، وجاحداً لا يشكر النعمة، ومجادلاً، وهلوعاً، وناكراً للجميل، بحسب آيات متفرقة من القرآن الكريم.
ولذلك كانت الآياتُ والأحاديثُ الدَّالة على فضل العلم والتعلم كثيرة: "إنما يخشى الله من عباده العلماءُ"( )، ويقول عليه السلام: "فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدناكم"( )، ويقول: "مجلسُ علم ينتفعُ به خيرٌ من عبادةِ سبعين عاماً".
ذلك هو مفهوم الإنسان الكامل خليفةِ الله في الأرض ابتعدَ عن كماله لاستغراقه بالعَرَض، ولكن جوهرَه وكمالَه فيه بالقوة، وما عليه إلا أن يعود إليه بفضل ما زوده الله به من قدرات فيصبح إنساناً إلهياً، يحقق وظيفته الأولى التي خلق من أجلها، فالعبادة وسيلة إلى تلك الوظيفة التي هي خلافة الله في الأرض والعودة إلى الجوهر الأول لتحقيق السعادة في الدارين الدنيا والآخرة، يقول الله عز وجل:
"وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ولا تنسَ نصيبَكَ من الدنيا وأحسنْ كما أحسنَ اللهُ إليك"( ).
4-2- الفكر العربي الإسلامي
البروز، يقول الغزالي في كتاب شرح عجائب القلب من إحياء علوم الدين متحدثاً عن النفس والروح والقلب والعقل: "ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة"( ).
إن هذا الاتساع في فهم تلك الأسماء والاختلاف في تعريفها يجعلنا نشير إلى أهمية التنبيه على مدى تقصير الدراسات العربية المعاصرة في هذا المجال الحيوي من التراث العربي الإسلامي، والذي يتصل بمحور هذا التراث: الإنسان الذي أبدع هذا التراث، وعلى ضرورة قيام أبحاث واسعة ودراسات معمقة في هذا المحور العام الذي مازلنا إلى اليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، نبني وجودنا الثقافي في معظمه على مفهوم للإنسان أخذناه عن الغرب من خلال ما أخذنا عنهم من نظريات فلسفية أو مدارس فنية وأدبية.
ولما كان الأمر على هذه الصورة من الاتساع والتعدد، ونظراً لعدم توفر دراسات معاصرة حول مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي، فقد رأينا أن نعرض الخطوط الرئيسية في هذا المفهوم مما وجدناه عند ثلاثة من أبرز ممثلي هذا الفكر. الأول هو أديب فيلسوف يمثل ثقافة عصره، ويجمعها في كتبه وهو أبو حيان التوحيدي (-414 هـ)، والثاني واحد من أشهر فلاسفة العرب المسلمين هو الشيخ الرئيس ابن سينا (-428 هـ)، أما الثالث فهو أعظم متصوف، وأهم ممثل للفكر الإسلامي في روحه وهو الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (-638 هـ).
وسنحاول في هذه الدراسة إظهار العلاقة بين مواقف هؤلاء الثلاثة واتصال مواقفهم مجتمعة بمفهوم الإنسان في العقيدة الإسلامية، وهو ما ذهبنا إليه في بداية هذه الدراسة بقولنا إن الفكر العربي الإسلامي كان يدور في إطار العقيدة الإسلامية، ويتمحور عليها على الرغم من تأثره بثقافات الأمم الأخرى وعلومها، ولا سيما الفلسفة الإغريقية.
4-2-1-أبو حيان التوحيدي (-414 هـ)
الناطقة وليس من صفات الأجسام الحية الجاهلة.
الحمار فرق( ).
والإنسان في جوهره وعرضه متصل بالكون، فهو العالمُ الأصغرُ، والكون هو العالم الأكبر، فهو صورةُ العالمِ وروحُه، ظهر فيه من جهة الطين جسدُ العالم، ومن جهة النفس روحُ العالم وعقلُه. فنفسه هي إحدى الأنفس الجزئية من النفس الكلية لا هي بعينها ولا منفصلة عنها، كما أن جسده جزء من العالم لا هو كله ولا منفصل عنه( )، فهو في وجوده العَرَضي الطيني يتصلُ بالكون ذي الوجود الممكنِ، فهو مثله ممكنٌ من هذه الجهة من الوجود، كما أنه في وجوده الجوهري الإلهي متصلٌ بالله واجبِ الوجودِ، فهو بذلك ممكنُ الوجود من جهة جسدِهِ، واجبُه من جهةِ جَوْهَرِه، وإنما حاز على هذه الرتبة من جهة النفخة الإلهية التي مازته من باقي الموجودات بالنفس العاقلةِ الجوهر الخالد الباقي، على حين أن الجسد حافظُ شكل الإنسان وحاملُ الجوهر( ).
إذا عرف الإنسانُ نفسَه فقد عرف العالم الصغير، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير، "وإذا عرف العالَمَين عرف الإله الذي بجوده وُجِد ما وجد، وبقدرته ثبت ما ثبت، وبحكمته ترتب ما ترتب"( ).

ونجاتك، وعرضك به لسعادتك وخلاصك"( ).
4-2-2-ابن سينا (-428هـ)
يمثل الشكل التوضيحي في الصفحة التالية ترتيب الكائنات الصاعد النازل في الفكر العربي الإسلامي فهو يوضح بالرسم تصور العرب المسلمين لوجود الكون بما فيه من كائنات أرضية أو سماوية مادية أو روحانية. وهو شكل يجسد ما ذهب إليه الفلاسفة العرب المسلمون خاصة، وشاركهم فيه المتصوفة بشكل أو بآخر، وقد رأينا أن أبا حيان التوحيدي يعرض مفهوم الإنسان من خلال تصور مماثل، ويمكننا التأكيد على أن أفضل شرح لهذا الشكل وجدناه عند ابن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات. وهو شرح جاء في إطار كلامه على الوجود عامة تمهيداً لتحديد مكانة الإنسان فيه.


ترتيب الكائنات الصاعد والنازل في الفكر العربي الإسلامي(*)

فهو مع باقي المفكرين والمتصوفة يرى انطلاقاً من العقيدة الإسلامية أن الإنسان مركز الكون الذي خلقه الله من أجله وجعله سيده وسخره له. والإنسان هو العالم الأصغر يقابله الكون وهو العالم الأكبر. والأكبر موجود بأجمعه في الأصغر من خلال التمثيل فالكون بُنِي على صورة الإنسان، كما أن الإنسان خُلِق على صورة الله عز وجل. والكل إنما فاض عن الذات الإلهية حيث كان في العلم الإلهي ممكن الوجود ينتظر صدور الأمر ليكون. فكل حادثٍ كان قبل وجوده ممكن الوجود، فكان إمكان وجوده حاصلاً بالأمر الإلهي المتجسد بأمره "كن"( ).

واستجاباته لما يعرض عليه من ثقافات عالمة أو غير عالمة تنتمي إلى حضارات أخرى. ولا شك في أن تلك القاعدة "الانثروبولوجية" الثقافية تنطبق على ابن سينا كما تنطبق على غيره من مثقفي عصره. ولذلك فإننا نجزم بأن هؤلاء لم يفهموا ما اطلعوا عليه من ثقافات غريبة على الثقافة الإسلامية إلا من خلال هذه الثقافة. وهذا ما يجعل من نتاجهم الفلسفي والصوفي والكلامي والفقهي والأدبي الجمالي نتاجاً خاصاً بالحضارة العربية الإسلامية، صبغته بصبغتها الأساسية التي يحكمها وجود إله متعال ليس كمثله شيء.
الذات وعادت إليها في مراحل متعددة بدأت من الأشرف فالأشرف ثم عادت من الأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف( ). فالمبدأ الأول مؤثر في جميع الموجودات على الإطلاق، وإحاطة علمه بها سبب وجودها، فالواجب يؤثر في العقول، والعقول تؤثر في النفوس، والنفوس تؤثر في الأجرام السماوية التي تقابلها العقول، ثم الأجرام السماوية تؤثر في العالم الذي تحت فلك القمر، والعقل المختص بفلك القمر يفيض بالنور، والإنسان يهتدي بهذا النور في ظلمات طلب المعقولات، وهكذا يتشابه العالم الكبير بالعالم الصغير ولولا ذلك التماثل لما عُرِف الباري سبحانه وتعالى( ).
من جهة العقل وفي ذلك بقاؤه الأزلي. فالنفس الناطقة عند الإنسان مجردة عن المادة مرتبطة بوجودها الأولي، وهي خالدة بعد الموت والجسد ليس إلا آلة لها، وموته لا يضرها، وهي متصلة بالعقل الفعال، فهي تعقل ذاتها بذاتها لا بآلتها، وكمالاتها ذاتية باقية فلا يعرض لها كلال أو فتور وإن عرض ذلك للجسد( ).
سبباً للشقاوة كما قال عز وجل "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون"( ).
وتقود الرياضات الإنسان إلى اطلاع نور الحق عليه، ثم يتوغل في ذلك "فيصبح الاتصال بالقدس ملكة، ويحصل عندها في غير حالة الارتياض الذي كان يعد لحصوله من قبل، فيكاد يرى الحق في كل شيء"( )، ثم يتعود الإنسان على ذلك فيصبح الأمر مألوفاً لديه ثم إنه ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة، لا من حيث هي، وعندها يتحقق الحديث القدسي".. ما تقرب إلي عبدي.." ويصبح الحق حينئذ بصر الإنسان وسمعه وقدرته وعلمه وجوده، ويصير متخلقاً بأخلاق الله تعالى على الحقيقة، فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى الله ينتهي بالفناء في التوحيد( ).
والإنسان في صعوده نحو الأعلى، إنما يسلك طريق العشق، إلا أنه لا يتمكن من التوحد بالذات الإلهية، والفناء فيها، إلا بفضل من الله تعالى، فالإنسان ما يزال يتقرب إلى الله حتى يحبه، فالمحبة الإلهية بداية كشف الحجب عن الإنسان، فيصبح كما وصفنا.
ويضع ابن سينا رسالة خاصة بالعشق، يتكلم فيها على طبيعة العشق، ومراتبه وكيفية تحققه، فكل موجود لا يخلو من كمال خاص به، وهو غير مكتف بذاته لأن كمالات الموجودات مستفاضة عن الكامل بالذات، ولا بد من عشق هذا الكمال سعياً إلى الوصول إليه، والعشق منبث من الكامل بالذات في الموجودات لتكون نازعة إلى الكمال مستحقة له، وهو انبثاث غير مفارق البتة( ). والله عز وجل الموجود المقدس عن الوقوع تحت التدبير هو الغاية في المعشوقية، وهو غاية الهويات كلها التي لا تخلو عن العشق إذ به تعود إلى حيث صدرت.
والخير المطلق والمعشوق الغاية يتجلى لعاشقه، إلا أن قبول العاشق لتجليه واتصاله به على التفاوت. وغاية القربى من الخير المطلق هو قبول الإنسان لتجليه على الحقيقة وعلى أكمل ما في الإمكان "وهو المعنى الذي يسميه الصوفية بالاتحاد"( ).
بالقوة الغضبية، وإبقاء النوع بالقوة الشهوانية، فإن النوع يبقى دائماً بالتوالد، والتوالد ينتظم بقوة الشهوة، والبدن يبقى محروساً من الآفات بالحفظ، وهو التغلب على الأعداء، وسد باب الضرر، ومنع إضرار الظلم، وهذه المعاني تنحصر في القوة الغضبية، وثوابه حصول آماله في العالم الأدنى( )، ولا ينتظر بعد الموت لأنه يموت بموت البدن، فليس له استعداد الخطاب، ومن ليس له استعداد الخطاب فليس له انتظار الثواب، فمن عدم فيضه فلا يبعث بعد الموت وإذا مات مات وسعادته قد فاتت.
باتجاهه، وهو فعلٌ له ثوابٌ كثيرٌ، "فإنّ للنفس الإنسانية ثواباً لأنه يبقى بعد فناء البدن، ولا يبلى بطول الزمن، له بعثٌ بعد الموتِ، وأعني بالموت مفارقته عن الجسم، وبالبعث مواصلته بتلك الجواهر الروحانية، وثوابه وسعادتُه بعثه، ويكون ثوابه بحسب فعله"( )، فمن غلبت قواه الحيوانية والطبعية قوته النطقية شقي يوم البعث، وهو عاشقٌ للبدن وهو لذلك في زمرة البهائم، ومن غلبتْ قواه النطقية تجرد عن الاشتغال بالبدن وعلائقه، وأقبلَ بعشقه نحو ربّه، حتى إذا انفصل عن الجسم فارق الدنيا ليشاهد ربّه ويجاور حضرتّه ويلتذ بمجاورة جنسه وهمْ سكانُ الملكوت وعوالمُ الجبروت( ).
4-2-3-ابن عربي ( - 638)
فنيتْ صورةُ الإنسان، ولم يبق منها على وجه الأرض أحدٌ زالت، لأن العماد زال وهو الإنسان( )، ولما انتقلتْ العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان إليها وخربتْ الدنيا بانتقاله عنها علمنا أنّ الإنسانَ هو الجوهرُ الذي من أجله خَلَق الله العالم، وأنه بذلك خليفته حقاً، "وأنه محل ظهور الأسماء الإلهية، وهو الجامع لحقائق العالم كله من مَلَك وفلكٍ وروحٍ وجسمٍ وطبيعةٍ وجماد ونبات وحيوان، إلى ما خُصّ به من علم الأسماء الإلهية مع صِغَرِ حجمه وجَرْمه"( ).
واجبٌ بالله، وليس بذاته، واختص الله بالوجود الواجب الذاتي. فالإنسانُ الكامل من حيث جوهره إنما ينظر بنور الله، فهو عينه ويده( )، فما صحّت الخلافة إلا للإنسان الكامل، إذ كانت صورتُه الظاهرةُ من حقائق العالم وصوره، وصورته الباطنةُ على صورة الله تعالى، ولذلك قال فيه "كنتُ سمعَه وبصرَه" ولم يقل كنتُ عينَه وأذنُه، ففرّق بين الصورتين( ).
لقد خلق الله الإنسان في النشأة الأولى من طينٍ، ثم سوّاه وعدله ونفخ فيه من روحه المضاف إليه، فحدث، عند هذا النفخ فيه بسريانه في أجزائه، أنْ ظهرت أركانُ الأخلاط الأربعةِ التي هي الصفراءُ والسوداءُ والبلغمُ والدمُ، ثم أعطاه الله ما في الحيوان من قوى طبيعية كقوةِ الهضم، كل ذلك بما هو حيوان لا بما هو إنسان. ثم خصه بالقوة المصورة والمفكرة والعاقلة، فتميز من الحيوان، وجعل هذه القوى آلات للنفس الناطقة، وبذلك أصبح المخلوقُ إنساناً، ما سمّى الله نفسه باسم من الأسماء " وإلا وجعلَ للإنسانِ من التّخلّقِ بذلك الاسم حظاً منه، يظهرُ به في العالم على قدر ما يليق به"( ).
واقتضى الأمر الإلهي أن يعود الإنسان إلى الجهة التي صدر منها، وهي فيه بالقوة ولا يمكن تحقيقها بالفعل إلا بأداة مناسبة وهي العقل من حيث أصله المتصل بالعقل الأول في اكتمال الدائرة. فقد كلف الله ذلك العقل بمعرفته سبحانه، ليرجع الإنسان به إليه لا إلى غيره. ولكنّ العقل فهم غير ما كلّفه الله به، وغفل عن الحق في مراده بالتفكير، ذلك أن الله أمره أن يتفكر، "فيرى أن علمه بالله لا سبيل إليه إلا بتعريف الله، فيكشف له عن الأمرِ على ما هو عليه، فلم يفهم كلّ عقلٍ هذا الفهم إلا عقول خاصة الله من أنبيائه وأوليائه. يا ليت شعري هل بأفكارهم قالوا بلى حين أشهدهم على أنفسهم في قبضة الذرية من ظهر آدم؟ لا والله، بل عناية إشهاده إياهم ذلك، عند أخذه إياهم عنهم من ظهورهم، ولما رجعوا إلى الأخذ عن قواهم المفكرة في معرفة الله لم يجتمعوا قط على حكم واحد في معرفة الله"( ).
الله أن يُعرفَ فخلق الخلقَ.
لقد خلق الله العقل أولاً، ومن ثمّ خلق العاقل ليكون مجلى للعقل، وليعود به إليه، وخلق الخلق بالمحبة، وبالمحبة مكّنَهُ من العودة إليه، فكانت بدايةُ الدائرة ونهايتها في بدايتها، فكان الإنسان – العالم الأصغر روحُ العالم الأكبر وعلته وسببه – حقيراً من طريق الحدوث، متألّهاً من جهة الوجوب، لأنه خليفة الله في العالم، والعالم مسخرٌ له مألوه، كما أنّ الإنسان مألوه لله تعالى( ).

وأنبأ آدمُ الملائكة بأسماء تلك التجليات، فسلّم الملائكةُ بأنّ لا علمَ لهم إلا ما علمهم الله فأمرهم الله بالسجود لآدم سجودَ المتعلمين للمُعَلّم، فهو في الحقيقة سجود لله عزّ وجل الذي خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلّها مما جهلته الملائكة، فنال التقدمة عليهم بذلك.
من خلال هذا الخلق أصبح الإنسانُ جامعاً لحقائق العالم من جهة تكوينه الترابي، ولحقائق الصورة الإلهية من جهة النفخة والتعليم، فله بذلك نسبة إلى العالم الأقدس إذ عنه ظهر، وله نسبةٌ إلى عالم الطبيعة والعناصر بجسمه من حيث نشأته، فهو يحب كل ما تحبه تلك العناصر( ).
بدأ الإنسان نشأةً عنصريةً بالتكوين الترابي، فهو بذلك ينتمي إلى الوجود الممكنِ، إلا أنه في أصل الخلق كان أسبق من جهة كونه إنساناً بالنفخة الإلهية الأزلية واجبة الوجود، فكان من هذه الجهة أزلياً ينتمي إلى الوجود الواجب.
فالإنسان مُحْدَثٌ من جهةٍ، واجبٌ أزليٌ من جهة ثانية. وكل مُحدَث مفتقرٌ إلى مُحِدثٍ، فوجودُه من غيره، وهو مرتبطٌ به ارتباط افتقار. ومحِدثُه واجبٌ الوجود غنيٌ بذاته في وجوده غيرُ مفتقرٍ، وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث، فانتسب إليه.
والكمالُ الذي يحققه الإنسانُ في الدنيا بفضلِ العقل والمعرفة والفيض الإلهي هو عينُ الكمال الذي يكون فيه يوم القيامة، ذلك أن مراتبَ الناس في العلم بالله في الدنيا متفاوتةٌ مختلفةٌ بحسبِ جهدهم وعمَلِهم، وهي نفسها عينُ مراتبهم في قربهم من اللهِ يومَ القيامةِ( )، فكمالُ الإنسان إنما يحصلُه في الدنيا، وأما كمالُه في الآخرة فهو عينُ مكانه ودرجته التي نالها في الدنيا، إذ إن الإنسانَ إذا ما ماتَ وانتقل إلى الدار الآخرة انقطع عمله، ولم يعد قادراً على تغيير المكانة التي سعى إليها بعمله، وحصّلها من جهة عقله( ).
5- خاتمة
يؤثرُ إيجاباً بالعرض فيجعله شفافاً سامياً بتنقيته من شوائب التراب وعلائق المادة.
الإنسانُ حراً على الحقيقة، ذلك لأن الحريةَ الحقة هي التحررُ من عبوديةِ الجسدِ والمادةِ والمالِ والسلطةِ. وبذلك يحققُ الإنسانُ مفهومَ استخلافهِ في الأرض على الحقيقة، فيصبح إنساناً إلهياً.

تعود إلى الفلسفة الإغريقية ولكن دلالاتها لديه تختلف عنها في الفكر الإغريقي فالميتافيزياء عند ابن سينا هي ميتافيزياء الجواهر، والجوهر أو الماهية غير مشروط فهو حيادي، والوجود الحادث/ الممكن وجد بفضل وجود واجب قديم ولكن الوجود الحادث يصبح وجوداً واجباً لأنه وجد بفضل الوجود الواجب الواحد الأحد الذي لا يصدر عنه إلا واحد على الرغم من مظاهر التعدد.
وآخر العقول العشرة هو العقل الفعال، وهو ما يرى الفلاسفة العرب المسلمون من أتباع ابن سينا أنه الروح القدس الذي عبر عنه القرآن الكريم بجبريل ملك الوحي( ). وقد ميز ابن سينا بعد الفارابي، على عكس توما الأكويني، بين العقل الفعّال والعقل الإنساني، ولم يجعله محاكياً للجوهر الإلهي كما عند الكسندر افروديس، أو كما عند أتباع القديس أوغسطين( ). وقد جعل ابن سينا ذلك العقل موجوداً سامياً يرتبط به الإنسان مباشرة، ورأى أن كل فعل اتصال بين الروح الإنساني والعقل الفعّال إنما هو إشارة أو دليل على درجة النمو في الشخصية الإنسانية الصاعدة نحو الكمال.
إن ابن سينا واحد من مفكري العرب المسلمين الذين لم يبهروا بالثقافة الإغريقية، وإنما قاموا بانتقاء مالا يتعارض منها مع قواعد العقيدة الإسلامية المتجسدة في القرآن والسنة. وهو مثل هؤلاء أيضاً، ما كان يتكلم على مفهوم الإنسان المسلم وإنما كانت لديه نظرة شمولية "أنثروبولوجية" للوجود الإنساني عامة. ولعل هذا ما يسم الفكر العربي الإسلامي بسمة الإنسانية التي لم تقتصر كما رأينا على الفكر النظري الفلسفي وإنما كانت تقوم على منهج تربوي روحي اجتماعي، يهدف إلى إنقاذ الإنسان من ضياعه وضلاله.
لقد سعينا فيما عرضناه إلى النظر إلى الإنسان عند التوحيدي وابن سينا وابن عربي نظرة شاملة دون أن نحدد نظرتنا في جانب ضيق أو محدد لديهم، وفي اعتقادنا أن هذا ينسجم مع ما رأيناه عند هؤلاء من رغبة برؤية الإنسان رؤية شاملة وعامة.
ونعتقد أن ما توصلنا إليه من ملامح عامة لمفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي إنما يساعدنا في نهاية المطاف على تقديم تصوّر يساهم في بلورة الأزمة التي يعانيها العربي المعاصر، وتتلخص كما ذكرنا في بداية هذه الدراسة بأزمة الهُويّة. وفي اعتقادنا أن أية محاولة للنهوض من جديد بالإنسان العربي ومحاولة إنقاذه من الفوضى الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيش في خضمها، إنما تكون في التأكيد على هويّته، وفي إزالة الحجب التي فرضتها ثقافة التغريب عليه من مطلع القرن العشرين باسم "النهضة العربية".

خاتمة الكتاب
إن العلاقة بين السلطة السياسية ومفهوم الإنسان في أي حضارة من الحضارات علاقة جدلية، وهي عند العرب اليوم إشكالية أساسية تعاني أزمة حادة تنبثق عنها إشكاليات متعددة وأزمات مختلفة تتجسد كلها في النتائج التي يعانيها الإنسان العربي في أقطار الوطن العربي كلها.
إن غاية هذا الكتاب هي بإيجاز توضيح أن ما يعانيه الوطن العربي من أوضاع سيئة إنما يكمن في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فعلى الحاكم توفير الوسط المناسب الصالح الذي يتمكن فيه الإنسان من إعادة اكتشاف هويته المرتبطة بالثقافتين العالمة وغير العالمة، وتحرير مواهبه وقدراته الإبداعية ليتمكن الطرفان: الحاكم والمحكوم من مقاومة ماتتعرض له الأمة من أخطار وفتن تهدد وجود الأمة في جوهرها، ولا تفرق في ذلك بين طرف وآخر.
وتظل هذه الدراسة دعوة إلى بذل المزيد من الحوارات والدراسات حول واقع العرب المعاصر.وهي تؤكد في الوقت نفسه على ضرورة تعميق هذه الدراسات والاعتماد فيها على مناهج خاصة بالتراث العربي الإسلامي، وصالحة لواقع العرب المعاصرين. فالملاحظ أن معظم تلك الدراسات، على قلتها، إنما يتبنى مناهج غربية وأدوات معرفية غريبة عن الحضارة التي يتعامل معها.






المراجع
القرآن الكريم.
السنة النبوية: (صحيح البخاري – صحيح مسلم – مسند أحمد – سنن الترمذي – سنن الدارمي – رياض الصالحين). قرص حاسوب موسوعة الحديث النبوي الشريف.
- ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، تح/ د. سهيل زكار، دمشق، 1988.
- ابن خلدون، المقدمة، طبعة كتاب الشعب، القاهرة، دون تاريخ.
- ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، تح / د. سليمان دنيا، القاهرة، 1957، 1958.
- ابن سينا، رسائل الشيخ الرئيس أبي علي الحسين ابن عبد الله بن سينا في أسرار الحكمة المشرقية، تح / ميكائيل بن يحيى المهرني، مطبعة بربل – ليدن، 1889.
- ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، يدون تاريخ.
- ابن عربي، فصوص الحكم، تح / أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1946.
- ابن كثير، البداية والنهاية، المطبعة السلفية، القاهرة، 1351.
- الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، تح/ هلموت ريتر، فيسبادن، 1963.
- الباقلاني، القاضي، التمهيد، دار الفكر العربي، القاهرة، 1947.
- البغدادي، عبد القاهر، الفرق بين الفرق، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.
- البيهقي، ظهير الدين، تاريخ حكماء الإسلام، تح / محمد كرد علي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1988.
- التوحيدي، أبو حيان، الإشارات الإلهية، تح / د. وداد القاضي، دار الثقافة، بيروت،
1973.
- التوحيدي، أبو حيان، الإمتاع والمؤانسة، تح / أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار الحياة، بيروت، دون تاريخ.
- التوحيدي، أبو حيان، البصائر والذخائر، تح / د. وداد القاضي، دار صادر، بيروت، 1988.
- التوحيدي، أبو حيان، المقابسات، تح / د. محمد توفيق حسين، بغداد، 1970.
- الجرجاني، الشريف علي بن محمد، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1988.
- الخميني، الإمام، الحكومة الإسلامية، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، طهران، 1996.
- السهروردي، شهاب الدين عمر، عوارف المعارف، تح / د. عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار المعارف، 1983.
- الشريف المرتضى، الشافي في الإمامة، تح/ السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، طهران، 1986.
- الشكعة، د. مصطفى، سيف الدولة الحمداني، دار القلم، 1959.
- الصديق، حسين، المدخل إلى تاريخ الفكر العربي الإسلامي، مطبوعات جامعة حلب، حلب، 1992.
- الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1994.
- الغزالي، أبو حامد، معارج القدس في مدارج معرفة النفس، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1981.
- الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تح/ إبراهيم جزيني، بيروت، دون تاريخ.
- الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، تح/ د. سحبان خليفات، عمان، 1987.
- الفارابي، كتاب تحصيل السعادة، تح/ د. جعفر آل ياسين، بيروت، ط2، 1983.
- القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك، تح/ أحمد محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1967.
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، مصر، ط3، 1958.
- أمين، أحمد، ضحى الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1964.
- أمين، أحمد، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1964.
- حسين، محمد محمد، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، مكتبة الآداب، مصر، 1968.
- حماش، د. نجدة، سياسة سيف الدولة الحمداني، الإدارية والمالية، مجلة عاديات حلب، 1998.
- حوراني، البرت، الفكر العربي في عصر النهضة، دار النهار للنشر، بيروت، 1986.
- غليون، برهان، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993.
- لابيار، جان وليم، السلطة السياسية، تر/ الياس حنا الياس، منشورات عويدات، بيروت، 1983.
- متز، آدم، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1967.
- مصطفى، شاكر، في التاريخ العباسي، مطبعة الجامعة السورية، دمشق، 1957.
- ناصر، إبراهيم، الأنثربولوجيا الثقافية، عمّان، الأردن، 1982.

المراجع الأجنبية
-ARKOUN, MOUHAMMED, (Essais sur la pensée, Islamique), Ed Maisonncuve et Larose, Paris 1973.
-Dictionnaire Critique de la Sociologie P.U.F PARIS. 1982. PL134.
-Encyclopacdia Universalis.
- GUENON. Rene, Autorite Spirituelle et Pouvoir Temporel. Les Edition Vega, Paris, 1976.
- WEBER. Max, le Savant et le Politique, Plon, Paris, 1986.





المحتوى

مقدمة 5
المدخل 11
القسم الأول : السلطة والمثقف إشكالية العلاقة وأصولها الإشكالية 33
أولاً – أصول الإشكالية الثقافية – التاريخية – السياسية 35
1 – الأوضاع السياسية 35
2 – مفهوم الخلافة عند المسلمين 39
2-1- مفهوم الخلافة عند الخوارج 40
2-2- مفهوم الخلافة عند الشيعة 41
2-3- مفهوم الخلافة عند أهل السنة والجماعة 43
3 - العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية في الدولة الإسلامية 44
ثانياً - إشكالية العلاقة بين السلطتين عند العرب المعاصرين 54
ثالثاً – شاهدان من التاريخ 61
1- العلاقة بين سيف الدولة والفارابي 61
1-1- سيف الدولة وغلبة الخطاب البلاغي على الخطاب الفلسفي / العقلي 61
1-2- مفهوم السلطة السياسية ووظيفتها عند الفارابي 65
1-3- سيف الدولة السلطة والفارابي المثقف 69
1-4- خاتمــة 72
2- العلاقة بين عضد الدولة البويهي وابن الباقلاني 73
2-1- نص سياسي ثقافي 73
2-2- دراسة النص 76
القسم الثاني : مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي مشروع إعادة تقييم الهوية العربية 79
مفهوم الإنسان في الفكر العربي الإسلامي 81
1 ـ الإشكالية 82
2 ـ مصادر البحث 86
3 ـ تمهيد 87
4-العرض 88
4-1-العقيدة الإسلامية 88
4-2- الفكر العربي الإسلامي 94
4-2-1-أبو حيان التوحيدي (-414 هـ) 95
4-2-2-ابن سينا (-428هـ) 98
4-2-3-ابن عربي (- 638هـ) 106
5- خاتمة 110
خاتمة الكتاب 114
المراجع 115
المراجع الأجنبية 116
المحتوى 117













رقم الإيداع في مكتبة الأسد الوطنية


الانسان والسلطة : اشكالية العلاقة وأصولها الاشكالية / حسين الصديق– دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001 – 117ص؛ 25سم.

1- 323.0956 ص د ي إ
2- 306.40956 ص د ي إ
3- العنوان 4- الصديق

ع- 338/2/‏2002‏ مكتبة الأسد

