مسألة ترى ما السبب في قتل الإنسان نفسه عند إخفاق يتوالى عليه وفقر يحوج إليه
وحال تتمنع على حوله وطوقه وباب ينسد دون مطلبه ومأربه وعشق يضيق ذرعاً به ويبعل في معالجته.
وما الذي يرجو بما يأتي وإلى أي شيء ينحو فيما يقصد وينوي وما الذي ينتصب أمامه ويستهلك حصافته ويذهله عن روح مألوفة ونفس معشوقة وحياة عزيزة وما الذي يوهمه من العدم حتى يسلبه من قبضة الوجدان ويسلمه إلى صرف الحدثان.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان مركب من ثلاث قوى نفسانية وهو كالواقف بينها تجذبه هذه مرة وهذه مرة.
وبحسب قوة إحداها على الأخرى يميل بفعله فربما غلبت عليه القوة الغضبية فإذا انصبغ بها وما بفعله إليها ظهرت قوته كلها كأنها غضب وخفيت القوى الأخرى حتى كأنها لم توجد له وكذلك إذا هاجت به القوة الشهوية خفيت آثار القوى الأخر.
وأحصف ما يكون الإنسان وأحسنه حالاً إذا غلبت عليه القوة الناطقة فإن هذه القوة هي المميزة العاقلة التي ترتب القوى الأخرى حتى تظهر أفعالها بحسب ما تحده وترسمه.
والإنسان حينئذ نازل بالمنزلة الكريمة بحيث هيأه الله تعالى وكما أراده.
فإذا كان الأمر كذلك فغير منكر أن يهيج بالإنسان بعض تلك القوى منه عند التواء أمر عليه أو انسداد باب دون مطلب له فيظهر منه فعل لا توجبه روية ولا يقتضيه تمييز لخلفاء أثر القوة الناطقة واستيلاء القوة الأخرى.
وأنت تجد ذلك عياناً عند الأحوال المختلفة بك فإنك تجد نفسك في أوقات على أحوال مؤثرة لها قاصدة إليها غير مصغية إلى نصيح ولا قابلة أمر سديد حتى إذا أفقت من تلك السكرة التي غلبت عليك في تلك الحال - عجبت من الأفعال التي ظهرت منك وأنكرت نفسك فيها وكأن غيرك كان الذي آثرها وقصد إليها فلا تزال كذلك حتى تهيج بك تلك القوة الأولى مرة أخرى فلا يمنعك ما جربته من نفسك ووعظتها به - أن تقع في مثله.
وسبب ذلك التركيب من القوى المختلفة النفسانية.
وليس يمكن الإنسان أن يخلص بقوة واحدة ويصدر أفعال الباقية بحسب التي هي أفضل وأشرف إلا بعد معالجة شديدة وتقويم كثير وإدمان طويل فإن العادة إذا استمرت والعزيمة إذا أنفذت في زمان متصل طويل - حصل منها خلق فكان الحكم له وصار هو الغالب ولذلك نأمر الأحداث بالسيرة الجميلة ونؤاخذهم بالآداب التي تسنها الشرائع وتأمر بها الحكمة.
واستقصاء هذا الكلام وذكر علله لا تقتضيه المسألة ولا يفي به المكان.
فإن شك فيما قلنا شاك وظن أن الإنسان المركب من القوى الثلاثة يجب أن يكون لا زماً لأمر واحد متركب من تلك القوى كما نجد الحال في سائر المعجونات والمركبات من الطبيعة فليعلم أن مثاله ليس بصحيح لأن قوى الإنسان النفسانية لها من ذاتها حركات تزيد وتنقص وأحوال - أيضاً - تهيجاً.
وليست كذلك قوى الطبيعيات فلتنعم النظر في ذلك تجده كما أومأنا إليه وذكرناه.
مسألة سألت بعض مشايخنا بمدينة السلام عن رجل اجتاز بطرف الجسر
وقد اكتنفه الجلاوزة لا يسوقونه إلى السجن فأبصر موسى وميضة في طرف دكان مزين فاختطفها كالبرق وأمرها على حلقومه فإذا هو يخور في دمائه فقلت: من قتل الإنسان فإذا قلنا: قتل نفسه فالقاتل هو المقتول أم القاتل غير المقتول فإن كان أحدهما غير الآخر فكيف تواصلا مع هذا الانفصال وإن كان هذا ذاك فكيف تفاصلا مع هذا الاتصال وإنما شيعت المسألة الأولى بهذا السؤال لأنه ناح نحوها وقاف أثرها.
الجواب: قال أبو على مسكويه - رحمه الله: كأن هذه المسألة مبينة على أن الإنسان شيء واحد لا كثرة فيه والشبهة فيها من هذا الوجه تقوى فإذا بان أن للإنسان قوى كثيرة وهو مركب منها وأنه يميل في وقت ما نحو قوة وفي وقت آخر نحو غيرها وأن أفعاله - أيضاً - بحسب ميله إلى إحدى القوى وغلبتها عليه كما بيناه في المسألة التي قبل هذه - زال هذا الشك.
فأما قوله: كيف تواصلا مع هذا الانفصال فأقول: إن السبب في ذلك أن الباري تعالى لما علم أن هذا المركب من نفس وجسد يحتاج إلى أشياء تقيمه من غذاء وغيره وأنه لا قوام لحياته إلا بمادة وكان لا يصل إلى تلك المادة إلا بحركة وسعي وكانت العائقات والمانعات عنها كثيرة - أعطاه قوة يصل بها إلى حاجاته ويدفع بها أضدادها عن نفسه ليتم له البقاء.
ومن شأن هذه القوة أن تهيج وتثور في أوقات بأكثر مما ينبغي وفي أوقات تقصر عما ينبغي.
وهاتان الحالتان لها رذيلتان: أما الأولى فيتبعها التهور وأما الثانية فيتبعها الجبن.
وللإنسان - بقوة التمييز والعقل - أن يستعمل هذه القوة على ما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي وعلى الشيء الذي ينبغي.
فإذا حصل في هذه الرتبة فهو شجاع وممدوح وكما أراده الله تعالى منه على خلقه له.
وقد بقي في المسألة موضع شك وهو أن يقول قائل: إن كان قاتل نفسه إنما ظهر منه هذا الفعل بحسب القوة الغضبية فهو شجاع والشجاع محمود ونحن نعلم أن هذا الفاعل بنفسه هذا الفعل مذموم فكيف حاله وأين موضع الشجاعة الممدوح فنقول: لعمري إن هذا الفعل من أثر القوة الغضبية ولكنه بحسب رذيلتها وتقصيرها عما ينبغي لا بحسب الزيادة ولا بحسب الاعتدال الذي سميناه شجاعة وذلك أن المرء الذي يخاف أمراً فيه من فقر أو شدة ولا يرحب ذرعاً به ولا يستقبله بعزيمة قوية ومنه تامة - جبان ضعيف فيحمله هذا الجبن على أن يقول: أستريح من تحمل هذه المشقة التي ترد علي.
وهذا هو النكول والضعف المسمى جبناً.
وقد ذكرنا أن قوة الغضب ربما كلت ونقصت عما ينبغي فتكون رذيلة ومنقصة ولا تسمى شجاعة ولا يكون صاحبها محموداً ولا ممدوحاً.
ويتيقن من اشتمل بالريب ويستيقظ من هو راقد ويتنصح من هو غاش وكيف صار - أيضاً - ينافق من نشأ على الإخلاص ويريب من ألف النزاهة وعلى هذا كيف يكون يخون من استمر على الأمانة ستين عاماً ويتحرج من عتق في الخيانة ستين عاماً ما هذه العوارض المختلفة والعادات المستطرقة وكذلك نجد الكذاب يصدق أحياناً لغير أرب مجتلب والصادق يكذب لغير معنى محدد ثم لا يتفق أن يصدق ذلك في نافع أو يكذب هذا في دافع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة أيضاً قريبة من المسألتين المتقدمتين والجواب عنها قريب من الجواب عنهما.
وذلك ان النفاق والنصح وسائر ما ذكره في هذه المسألة هو من آثار النفس الناطقة.
ومن البين أن هذه النفس لها أيضاً مرض وصحة فصحتها اعتدالها في قواها الباقية ومرضها خروجها عن الاعتدال.
وهي إن خرجت عن اعتدالها في وقت فغير منكر لها أن تعود إليه في وقت آخر وكما أن الصدق والنصيحة وصحة الروية وتقسيط الأعمال بحسب الأحوال هو صحتها واعتدالها فأضداد هذه مرضها وخروجها عن الاعتدال.
ولكن ليس نسلم أنها تصدق ثم تكذب لغير سبب ولا لدفع مضرة بل يظن - أبداً - أن فعلها صواب لأمر تراه فربما كان ذلك الظن غلطاً وخطأ فأما أن تفعل ذلك لغير أرب وفير قصد إلى ما تراه خطأ فمحال.
مسألة ما معنى قول بعض العلماء إن الله عم الخلق بالصنع
ولم يعمهم بالاصطناع وما مبسوط هذا المعنى وكيف وجه تحصيله وهل ترك الله - تعالى - فيه صلاح الخلق فلم يجد به ابتداء من غير طلب كيف يكون هذا وقد بدأ بالنعم قبل الاستحقاق وخلق الخلق من غير حاجة إلى الخلق فإن قيل: أبلى بالحاجة ثم منع من غير بخل قيل: فلن ينبغي أن يجحد إحسانه فيما ظهر لحيرة تقع فيما يظن ولعل في غيب ما منع ما قد يقع ولكنه مجهول وهو بتدبيره ملىء وعلى موجب الحكمة ماض بغير مدافعة ولا اعتراض.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قول من قال: إن الله - تعالى - عم بالصنع خلقه ولم يعمهم بالاصطناع فكلام قد ذهب به مذهب البلاغة ومعناه صحيح لولا التكلف الذي تجشمه صاحبه.
وهذا المعنى في قول المسيح - عليه السلام - أظهر وذاك أنه روى لنا ونقل من لغته إلى لعتنا أنه قال: (لا تهمتوا ولا تقولوا ما نأكل وما نشرب وما نلبس فإن قدر الحاجة قد عم به جميع الخلق وإنما يلتمسون الفضول فيها واعلموا أن ليس كل من دعا إلى الله يرى وجه الله بل من أكمل رضوانه بالعمل الصالح).
فهذا قول المسيح - عليه السلام - على ما نقل وروى.
فأما تفسير هذا الكلام وهو تبيين الكلام الأول الذي سألت عن معناه فإن الصنع البين الظاهر لجميع الخلق هو إعطاؤهم الحياة ثم إزاحة العلة فيما هو ضروري في بقائها وذلك أن بقاءها بالحرارة الغريزية وبقاء الحرارة الغريزية بالترويح يخرج من معدنها الذي هي متعلقة به - الدخان الذي يحدث عن الحرارة والرطوبة الدهنية وتبديل الهواء اليابس بذلك الدخان بهواء آخر رطب سليم موافق لمادة تلك الحرارة وذلك بمنفاخ دائم العمل في شبيه بكير الحدادين وهو الرئة وآلة النفس في جميع ماله قلب ومعدن لهذه الحرارة وما يجرى مجراها في الحيوانات الأخرى التي لا قلب لها ولا حاجة بها إلى الترويح عن الحرارة الملتهبة في المادة الرطبة الدهنية ثم إزاحة العلة في نفس الهواء الذي هو مادة تلك الحرارة ثم في الرطوبة التي لولاها لفني مقدار ما في الجسم منها مع اغتذاء الحرارة بها أعني الماء.
وهذه هي الأشياء الضرورية في الحياة التي لو فقد منها واحد طرفة عين لبطلت الحياة.
وقد أزيحت العلة فيها إزاحة بينة كثيرة ظاهرة وعم بها جميع الحيوان.
فأما الأشياء التي تتبع هذه مما هي ضرورية في طول بقاء الحي وفي حسن حاله من العروق الضوارب وغير الضوارب وآلات الغذاء والقوى الجاذبة والمغيرة والمحيلة الممسكة والدافعة وارئيسة من هذه القوى والخادمة لها وقيام الرئيسة - أبداً - بسياسة الخوادم واستخدامها وقيام الخوادم منها بالطاعة والخدمة الدائمة - فأمر قد تبين في صناعة الطب وظهر ظهوراً لا يحتاج معه إلى استئناف قول.
ويبقى بعد ذلك تخير الحي لقوت دون قوت مما ليس بضروري في بقائه فقد أعطى بحسب حاجته - أيضاً - قوة يطيق بها التخير والتوصل إلى قدر حاجته.
وهذا كله معموم به جميع الخلق غير ممنوع من شيء منه.
فأما الاصطناع فهو القرب من الباري - جل اسمه - وليس يتم هذا إلا بسعي ورغبة وتوجه.
وقد دل - أيضاً - تقدس اسمه إلى ذلك وبقي أن يتحرك العبد إلى هذه الحال فإنه لا يمنع - أيضاً - من الاصطناع بل الباب مفتوح والحجاب مرفوع وإنما المرء يحجب نفسه ويمتنع من التوجه والرغبة وقصد المنهاج والسبيل الذي دل عليه ورغب فيه - بأن يتشاغل بفضول عيشه الذي هو مستغن عنه بما هو حي وبالميل إلى لذات الحس التي تعوقه عن مطلبه وغايته ومنتهى سعادته.
مسألة ما سر النفس الشريفة في إيثار النظافة ومحبة الطهارة
وتتبع الوضاءة وعلى هذا فما وجه الخير في قوله صلى الله عليه وسلم (البذاذة من الإيمان) وقال بعض النساء: القشف من الشرف والترف من السرف.
وسمعت صوفياً يقول: سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا.
ومطلق هذا يقتضي قيداً ولكن قال هذا وسكت.
وسمعت فيلسوفاً يقول: إذا صفا السر انتفى الشر.
وهذا وإن كان قولاً رشيقاً فإن السبب فيه متوار والدليل عنه متراخ.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينبغي أن نتكلم أولاً في سبب النظافة والدنس حتى تبين معنى كل واحد منهما ثم ننظر في نفور الإنسان عن الدنس وميله إلى الطهارة فأقول: إن العناصر الأربعة إذا لم تمتزج ضروب الامتزاجات المتغايرة لم ينفر الإنسان منها ولم يسمها دنساً وإنما يقع النفور من بعض المزاجات.
وإذا نظرنا في المزاجات وجدنا هذه الأربعة إذا اختلطت ضرباً من الاختلاط على مناسبة ما كانت معتدلة وحصل المزاج الإنساني وهذا المزاج له غرض ما فكل ما لم يخرج عنه فهو إنسان بالصورة والمزاج وإن انحرف عن هذا المزاج وخرج عنه - لم يكن إنساناً.
ولا بد أن يكون انحرافه وخروجه إلى واحد من هذه الأربعة أكثر فإن كان مائلاً إلى جهة الحرارة وباقي العناصر مقاربة للمزاج الإنساني أو باقية بحالها - نظر في مقدار خروجه إلى جهة الحرارة فإن كان كثير جداً كان سماً للإنسان قاتلاً له وإن كان دون هذا كان ضاراً له بحسب خروجه عن اعتداله في الحرارة وهذا لا يسمى دنساً وكذلك إن خرج في جهة اليبوسة والبرد فإن هذه إن أفرطت وحصلت مضادة للمزاج المعتدل حتى تبطله - كانت سموماً وإن لم تبطل ذلك المزاج فهي تضره وتغيره عن صورته وسواء كان هذا الخارج عن الاعتدال الإنساني نباتاً أو حيواناً فإنه يعرض فيه ما ذكرناه.
فهذه حال مفردات العناصر إذا أفرطت مع اعتدال الباقيات.
فإما إذا خرج اثنان منها عن الاعتدال فإن خروجهما أيضاً يكون على ضروب وأنحاء إلا أن الرطوبة - خاصة - إذا أفرطت في الزيادة والحرارة إذا أفرطت في الزيادة - عرض من هذا المزاج حال تسمى عفونة وهي عجز الحرارة عن تحليل الرطوبة فيحصل مخالفاً للمزاج المعتدل من هذا الوجه فيتكرهه الإنسان ويأباه سواء أكان ذلك في حيوان أو جماد.
وهذا النفور والتكره على ضروب بحسب خروج المزاج المقابل له عن الاعتدال وسأضرب لذلك مثلاً وهو أن مزاج الإنسان لما كان مقارباً لمزاج الفرس وكانت بينهما مناسبة - حصل بينهما قبول من تلك الجهة فإذا تباعد هذا المزاج حتى يكون منه الغبار والدود والجعل والذباب - نفر منه الإنسان وتكرهه وذلك أن هذه الأنواع من الحيوانات مكونة من عفونات - كما وصفناه من زيادة الرطوبة ونقصان الحرارة - فبعدت من مزاج الإنسان وكذلك حال فضول البدن وذلك أن الطبيعة إذا استولت على الغذاء فتناولت منه القدر الملائم وميزته أيضاً وحصلته في أوعيته وشبهته أولاً أولاً بالبدن ونفت ما ليس بملائم وميزته أيضاً وحصلته في أوعية أخرى وهي آلات النفض فإن ذلك المميز الذي قد خرج عنه جميع ما فيه من الملاءمة - يحصل على غاية البعد من المشابهة وتعرض له غلبة الرطوبة ونقصان الحرارة فيعفن فينفر عنه الإنسان ويكرهه ويحب الراحة منه.
وهذا سبيل ما يرشح من البدن من سائر الفضول فإن جميعه ما نفاه الطبع وميزه فهو لذلك غير ملائم وما لم يكن ملائماً كان متكرهاً ويسمى هذا النوع دنساً إلا أنه ما دام مستبطناً وغير بارز من البدن فهو محتمل بالضرورة فإذا برز عفناه - حينئذ - وتكرهناه وتقررنا منه.
وههنا أشياء أخر ينفر منها الإنسان بالعادة ويألفها أيضاً بالعادة وليس ما نحن فيه من هذه المسألة في شيء.
فأما قول النبي - عليه السلام - (البذاذة من الإيمان) فهو بعيد من هذا النمط الذي كنا في ذكره فإن من كاد باذ الهيئة يكره الدنس ويحب النظافة وليس يخالفك في شيء مما تؤثره من معنى الطهارة فإن خالفك فليس من حيث بذاذة الهيئة لكن كما يخالفك غيره ممن ليس بباذ الهيئة.
وكذلك حال التقشف الذي حكيت فيه كلاماً ما عن بعض الصوفية فإن تلك المعاني هي موضوعات أخر ليست مما كنا فيه والكلام فيها يتصل بمعاني العفة والقناعة والاقتصاد وهي فضائل قد استقصى الكلام فيها في مواضع أخر.
فأما قول القائل: سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا وقول الآخر: إذا صفا السر انتفى الشر فهو إيماء إلى مراتب النفس من المعارف ومنازل اليقين.
ولعمري إن من حصل له مرتبة في القرب من بارئه - جل اسمه وتعالى علواً كبيراً - فقد انتفى منه الشيء ولم يحتمل الجفاء.
وشرح هذا الكلام وبسطه طويل وقد لاح مما ذكرناه ما فيه كفاية وبلاغ.
والمغنى أفضل وأشرف أم الضارب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الموسيقا فإنه علم وقد يقترن به عمل وعامله يسمى موسيقاراً.
فأما علمه فهو أحد التعاليم الأربعة التي لا بد لمن يتفلسف أن يأخذ بخط منه وأما عمله فليس من التعاليم ولكنه تأدية نغم وإيقاعات متناسبة من شأنها أن تحرك النفس - في آلة موافقة وتلك الآلة إما أن تكون من البدن أو خارجة عن البدن.
فإن كانت من البدن فهي أعضاء طبيعية أعدت لتكمل بها أمور أخر فاستعملت في غيرها.
وإن كانت خارجة من الطبيعة فهي آلات صناعية أعدت لتكمل بها تأدية النغم والإيقاع.
ومن شأن الآلات الطبيعية إذا هي استعملت في غير ما أعدت له - أن تضطرب وتخرج عن أشكالها فتتبذل وتتغير.
فإن كان غرض المتكلف ذلك فيها الوصول إلى خسائس الأمور ونقائصها كان قبيحاً مستهجناً.
وإن كان غرضه منها إظهار أثر العلم للحس ليتبين النسب المؤلفة في النفس وإظهار الحكمة في ذلك - كان جميلاً مستحسناً وإن كان لا بد فيه من الخروج عن العادة والإلف عند قوم لكن غرض أهل زماننا من العمل هو إثارة الشهوات القبيحة وإعانة النفس البهيمية على النفس المميزة حتى تتناول لذاتها من غير ترتيب العقل وترخيصه فيها.
وإذا كان قصده لذلك بآلات طبيعية فهو - لا محالة - يضم إليه كلاماً ملائماً له يؤلف منه تلك النغم في ذلك الإيقاع.
فإن كان - أيضاً - منظوماً نظماً شعرياً غزلياً قد استعمل فيه خدع الشعر وتمويهاته - تركب تحريكه للنفس وكثرت وجوهه واشتدت الدواعي وقويت على ما ينقض العفة ويثير الشبق والشره لأن الشعر وحده يفعل هذه الأفعال.
وهذه أسباب شرور العالم وسبب الشر شر فلذلك يعافه العقل وتخطره الشريعة وتمنع منه السياسة.
فإذا كانت الآلة خارجة من البدن فأحسنها ما قل استعمال الأعضاء فيه وبقيت هيئة الإنسان ونصبته صحيحة غير مضطربة وكان مع ذلك أكثر طاعة في إبراز على التأليف وأقدر على تمييز النغم وأفصح على حقائق النغم المتشابهة لا إلى المتناسبة التي حصلها على الموسيقا.
ولسنا نعرف أكمل في هذه الأسباب من الآلة المسماة عوداً لأن أوتارها الأربعة مركبة على الطبائع الأربع ولدساتينها المشدودة نسب موافقة لما يراد من تمييز النغم فيها وليس يمكن أن توجد نغمة في العالم إلا وهي محكية منها ومؤادة بها.
فأما ما يحكى عن الأرغن الرومي فلم تسمعه إلا خبراً ولم نره إلا مصوراً وقد عمل فيه الكندي وغيره كلاماً ما لم يخرج به إلى الفعل من القوة ولو عملت الآلة لا حتاجت من مهارة مستعملها ما يتعذر وجوده ويبعد.
وكما أن العود لما خرج إلى الفعل احتيج إلى ماهر يضربه ولم يكن ليغني فيه العلم دون العمل والحذق فيه فكذلك هذه الآلة لو خرجت إلى الفعل فلذلك توقفنا عن الحكم لها بالشرف وقطعناه للعود.
مسألة ما علة افتتان بعض الناس في العلوم على سهولة من نفسه وانقياد من هواه
واستجابة من طبعه وآخر لا يستقل بفن مع كد القلب ودوام السهر ومواصلة المجالس وطول المدارسة.
ولعل الأول كان من المحاويح والثاني من المياسير.
وقال آخرون: هي أقسام.
وقال قائلون: هي طبائع مختلفة وعروق نزاعة ونفوس أباءة.
وقال آخرون: إنما هي تأثيرات علوية ومقابلات سفلية واقترانات فلكية.
وقال آخر: الله أعلم بخلقه وبفعله ليس لنا إلا النظر والاعتبار فإن أفضينا بنا إلى البيان فنعمة لا يقوم بشكرها إنس ولا جان وإن أديا إلى اللبس فتسليم لا عار فيه على الإنسان.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس وإن كانت في ذاتها كريمة شريفة فإن أفعالها إنما تصدر بحسب آلتها فكما أن النجار إذا فقد الفأس واستعمل المثقب أو المنشار مكانه لم يصدر فعله الذي يتم بالفأس كاملاً ولم تحصل له صور المنجور تاماً ولم يكن ذلك لتقصير منه بل لفقد الآلة - فكذلك حال النفس إذا ثارت إلى معرفة ونهضت نحو علم ثم لم تجد آلته فإنها حينئذ بمنزلة النجار الذي ضربناه مثلاً وذلك أن بعض العلوم يحتاج فيه إلى تخيل قوى والتخيل إنما يكون باعتدال ما في مزاج بطن الدماغ المقدم.
وبعض العلوم يحتاج فيه إلى فكر صحيح والفكر الصحيح إنما يتم باعتدال ما في مزاج بطن الدماغ الأوسط.
وبعض العلوم يحتاج فيه إلى حفظ صحيح جيد والحفظ الجيد يحصل باعتدال ما في مزاج بطن وبعض هذه المزاجات يحتاج في اعتداله الخاص فيه إلى رطوبة ما وبعضه يحتاج فيه إلى يبوسة ما وكذلك الحال في الكيفيتين الأخريين.
ولما كانت هذه البطون متجاورة أدى بعضها إلى بعض كيفيتها فإن رطوبة أحدها ترطب الآخر بالمجاورة وإن كان غير محتاج إلى الرطوبة في اعتداله الخاص به فلذلك قل من يجتمع له الفضائل الثلاث من صدق التخيل وصحة الفكر وجودة الحفظ.
وإذا غلب أحد هذه كانت سهولة العلم الموافق لذلك المزاج على الإنسان بحسب ما ركب فيه وأعطى القدرة عليه.
ومن فقد الاعتدال فيها كلها فقد الانتفاع بالعلوم أجمعها.
وربما حصلت الفضائل في التركيب من صحة المزاج ثم أهمل صاحبها نفسه بمنزلة النجار الذي يجد الآلة ثم لا يستعملها كسلاً وميلاً إلى الراحة والهوينا وشغلاً باللعب والعبث فهذا هو المذموم المضيع حظه الذي خسر نفسه قال الله تعالى فيه {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}
فأما من استعمل آلته بحسب طاقته وحصل فضيلتها بنحو استطاعته فهو معذور.
وليس يكون ذلك بيسار ولا فقر بل بحصول الآلة ومواتاة المزاج وبقدر عناية الإنسان بعد فمن قال من الناس: إنها مواهب أو أقسام أو طبائع أو تأثيرات علوية أو غير ذلك فهو صادق وليس يكذب أحد في شيء مما حكيته لأن كل واحد منهم يومىء إلى جهة صحيحة وسبب ظاهر وإن كانت جميع الجهات والأسباب مرتقية إلى سبب واحد لا سبب له وإلى علة أولى هي علة الباقيات وإلى مبدع للجميع خالق للكل - تعالى ذكره وتقدس إسمه - ونحن نستمده التوفيق ونسأله العصمة ونستوزعه الشكر ونفوض إليه أمورنا وهو حسبنا ومولانا وعليه توكلنا ونعم المولى ونعم النصير.
مسألة ما الفراسة وماذا يراد بها وهل هي صحيحة أم هي تصح في بعض الأوقات دون بعض أو لشخص دون شخص؟
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الفراسة صناعة تتصيد الأخلاق والأفعال التي بحسب الأخلاق من الأمزجة والهيئات الطبيعية والحركات التي تتبعها.
وهي صناعة صحيحة قوية الأصول وثيقة المقدمات ويحتاج صاحبها ومتعاطيها أن يتدرب في ثلاثة أصول لها حتى يحكمها ثم يحكم بها فإنه حينئذ لا يخطىء ولا يغلط.
والأصول الثلاثة هي هذه: أما أحدها فالطبائع الأربع أنفسها.
والثالث الهيئات والأشكال والحركات التابعة للأخلاق.
ونحن نشرحها على مذهبنا في الإيجاز والإيماء إلى النكت والدلالة بعد ذلك على مظانها.
فأما قولك: فما الذي يراد بها فإن المراد من هذه الصناعة تقدمة المعرفة بأخلاق الناس ليلابسهم على بصيرة.
والفراسة قد تكون في الخيل والكلاب وسائر الحيوانات التي ينتفع بها الناس وقد تكون في الجمادات أيضاً كفراسة السيوف والسحاب وغيرهما إلا أن العناية التامة إنما وقعت بفراسة الإنسان خاصة لكثرة الانتفاع به مما سنذكره بمشيئة الله.
وأما قولك: هل تصح أبداً أم في وقت دون وقت ولشخص دون شخص فإني أقول: إنها تصح أبداً في كل وقت ولكل أحد ولكن على الشريطة التي ذكرناها من إحكام الأصول التي وعدنا بذكرها مجملة والدلالة على مواضعها مفصلة.
وإنما قلنا إنها تصح أبداً ودائماً لأن مقوماتها ودلائلها ثابتة غير منقلبة وليست كأشكال الفلك التي تتبدل وتتغير بل شكل الإنسان وهيئاته ومزاجه والحركات اللازمة له عن هذه الأشياء ثابتة باقية ما دام حياً فالمستدل بها أيضاً يتصفحها فيجدها بحال واحدة.
ونعود إلى ذكر الأصول الثلاثة فنقول: أما الاستدلال بالطبائع أنفسها فهو أن الحرارة التي تكون في قلب الإنسان - وهي سبب الحياة - من شأنها إن زادت على الاعتدال أن تزيد في النفس لحاجة القلب إلى الترويح بالرئة وأن توسع التجويف الذي تكون فيه بالحركة الزائدة وأن يكون لها دخان فاضل على القدر المعتدل بحسب زيادتها وبقدر الرطوبة الدهنية التي تجاورها.
فيعرض من هذه الأحوال التي ذكرتها أن يكون الإنسان الذي حرارة قلبه بهذه الصفة عظيم النفس واسع الصدر جهير الصوت كثير الشعر في نواحي الصدر والأكتاف إذا لم يمنع منه مانع كما يعرض لمن يكون جلده مستحصفاً ومسام جلده مسدودة أو ضيقة.
فمن وجد هذه الصفات فحكم بأن الموجب لها حرارة غالبة فهو صادق إلا أنه لا ينبغي أن يتسرع إلى حكم آخر حتى في الأصلين الباقيين ليثق كل الثقة وذلك أن الحرارة يتبعها الغضب والشجاعة وسرعة الحركة ولكن على شروط وهي أن للدماغ مشاركة في أفعال الإنسان وتعديل حرارة القلب إذا كان بارداً رطباً فينبغي أن ينظر فيه فإن كان صاحب هذا المزاج صغير الرأس بالإضافة إلى صدره فاحكم عليه بما قلناه.
فإن أضاف المستدل إلى هذه الدلالة الدلالتين الأخريين من الأصلين الباقيين لا أشك في صحة حكمه وصدق قياسه.
وأنا الاستدلال بالأصل الثاني وهو المزاج فقد علمنا أن لكل مزاج خلقاً ملائماً وشكلاً موافقاً وذلك الخلق يتبعه خلق النفس فإن الطبيعة تعمل - أبداً - من كل مزاج خلقاً خاصاً فلذلك لا تعمل من نطفة الحمار إلا حماراً ومن النواة إلا النخلة ومن البرة إلا براً.
وكذلك أيضاً - أبداً - تعمل من المزاج المخصوص بالأسد خلقة الأسد ومن مزاج الأرنب خلقة الأرنب وأن ذلك الخلق يتبعه خلق خاص - أبداً - بموجب الطبيعة وذلك أن الأسد لما كان مزاج قلبه حاراً تتبعه الجرأة ولأنه مستعد لأن يلتهب قلبه - صار يسرع إليه الغضب ولأن مزاجه موافق لخلقه أعدت له الطبيعة آلة الفرس والنهس وأزاحت علته في الأعضاء التي يستعملها بحسب هذا المزاج وأعطته الأيد والبطش.
ولما كان مزاج الأرنب مقابلاً لهذا المزاج صار خواراً جباناً ضعيفاً قليل المنة فأعدت الطبيعة له آلة الهرب فهو لذلك خفيف جيد العدو لا يصدر عنه شيء من أفعال الشجاعة والإقدام فكل أسد شجاع مقدام وكل أرنب جبان فرار حتى لو تحدث إنسان أن أرنباً أقدم على سبع وولى السبع عنه لكان موضع ضحك.
فإذا وجد صاحب الفراسة في مخايل الإنسان وخلقه مشابهة لأحد هذين الحيوانين فحكم له بقريب من ذلك المزاج والخلق الصادر عنه فهو غير بعيد من الحق لا سيما إن أضاف إليه الأصلين الباقيين.
وهذا المثالان اللذان ذكرناهما يستمر القياس عليهما على مزاج خاص بحيوان أعني أنه يتبع كل مزاج خلق كالروغان للثعلب والخداع والجبن للأرنب والختل وكالملق للسنور والأنس وكالسرق للعقعق والدفن.
وإنما صار الإنسان وحده لا يظهر منه الخلق الطبيعي ظهوراً تاماً كظهوره من هذه الحيوانات لأنه مميز ذو روية فهو يستر على نفسه مذموم الأخلاق بتعاطي ضده وتكلف فعل المحمود وإظهار ما ليس في طبعه ولا في جبلته فيحتاج حينئذ إلى أن يستدل على خلقه الطبيعي بأحد شيئين: إما بطول الصحبة وتفقد الأحوال وإما بالاستدلال الذي نحن في ذكره والاستعانة بصناعة الفراسة على ما يسيره من أخلاقه الطبيعية.
فإن كان مزاجه وخلقه مناسباً لخلق الأرنب حكم بخلقه وإن كان مناسباً للأسد حكم عليه بخلقه مع سائر دلائله الأخر.
فأما الاستدلال بالأصل الأخر وهو الهيئات والأشكال والحركات فهو أن كل حال من حالات النفس من غضب ورضا وسرور وحزن وغير ذلك هيئات وحركات وأشكالاً تتبع تلك الحال أبداً وظهورها يكون في العين والوجه أكثر وأصحاب الفراسة يعتمدون العين خاصة ويزعمون أنها باب القلب فيتصيدون من شكلها ولونها وأحوال أخر لها كثيرة يضيق موضعنا عن ذكرها - أكثر الأخلاق والشيم وتحسن إصابتهم ويصدق حكمهم لا سيما إن أضافوا إليه الأصلين الباقيين وذلك أن عين المسرور مثلاص وعين الحزين ظاهرتا الهيئة والحركة فإذا وجد الإنسان وهو بالخلقة والطبيعة على أحد هاتين الحالتين من هيئة عينه وحركتها حكم عليه بذلك الطبع وكذلك من ظهر في وجهه في حال سكوته قطوب وغضون في الجبهة وعبوس - حكم عليه بهذا الطبع وأنه سيىء الخلق.
فهذه هي الأصول الثلاثة التي اعتمدها أصحاب الفراسة وهي قوية طبيعية كما تراها.
وقد عمل فيها أفليمون كتاباً.
ويقال إنه أول من سبق إلى هذا العلم ممن انتهى إلينا أثره وعرفنا خبره ثم تبعه جماعة صنفوا فيه كتباً وهي مشهورة فمن أحب الاتساع في هذا العلم فليأخذه من مظانه.
وههنا نوع آخر من الاستدلال - وإن لم يكن طبيعياً فهو قريب منه - وهو العادات فإن المثل قد سبق بأن العادة طبيعة ثانية وقد علمنا أن من نشأ بمدينة وفي أمة وطالت صحبته لطائفه - تشبهبهم وأخذ طريقتهم كمن يصحب الجند وأصحاب الملاهي أو سائر طبقات الناس حتى يظن بمن صحب البهائم طويلاً أنه يحدث فيه شيء من أخلاقها.
وأنت تبين ذلك في الجمالين والرعاة الذين يسكنون البر وتقل مخالطتهم للناس وفي القوم الذين فهذه جملة من القول في الفراسة.
وينبغي أن تحذر الحكم بدليل واحد وتتوخى جميع الدلائل من الأصول الثلاثة لتكون بمنزلة شهود عدول لا يتداخلك الشك في صدقهم فيكون حكمك صادقاً وفراستك صحيحة وذلك بحسب دربتك بالصناعة بعد معرفتك بالأصول.
وما أكثر الانتفاع بهذا العلم وأحضره فإني أرى في الجولان الذي يتفق لي في الأرض وكثرة الأسفار أن أرى ضروباً من الناس وأخالط أخياف الأمم وأشاهد عجائب الأخلاق فأستعمل الفراسة فيعظم نفعها وتتعجل فائدتها.
والفراسة ربما تخطىء في الفيلسوف التام الحكمة ووجه ذلك أنه ربما كان ذا مزاج فاسد وخلق - بالطبع - مشاكل له فيصلحه ويهذبه بطول المعاناة وتعاهد نفسه بدوام السيرة الحميدة ولزوم السجايا الرضية كما يحكي عن أفليمون وهو أول من سبق إلى هذا العلم فإنه حمل إلى أبقراطيس وهو متنكر فدخل إليه وهو لا يعرفه فلما تأمله حكم عليه: زان فهم أصحابه بالوثوب عليه فنهاهم أبقراطيس وقال: قد صدق الرجل بحسب صناعته ولكني بالقهر أمنع نفسي من إظهار سجيتها.
ولم صار هذا هكذا وكيف يسرع الملل مما بذل ويضاعف الولوع بطلب ما بخل به هلا كان الحرص في مقابلة ما وجد والزهد في مقابلة ما منع ولهذا ما صار الرخيص مرغوبا عنه والغالي مرغوباً فيه ولهذا إذا ركب الأمير لا يحرص على رؤيته كما يحرص على رؤية الخليفة إذا برز.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس غنية بذاتها مكتفية بنفسها غير محتاجة إلى شيء خارج عنها.
وإنما عرض لها الحاجة والفقر إلى ما هو خارج منها لمقارنتها الهيولى وذلك أن أمر الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر والحاجة والإنسان لما كان مركباً منها عرض له التشوف إلى تحصيل المعارف والقنيات.
أما العارف والعلوم فهو يحصلها في شبيه بالخزانة له يرجع إليه متى شاء ويستخرج منه ما أراد أعني القوة الذاكرة التي تستودع الأمور التي تستفاد من خارج أعني من العلماء والكتب أو التي تستثار بالفكر والروية من داخل.
وأما القنيات والمحسوسات فإنه منها ما يروم من تلك التي تقدم ذكرها فلذلك يغلط فيها ويخطىء في الاستكثار منها إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني من العلوم والمحسوسات وإنما حرص على ما منع لأنه إنما يطلب ما ليس عنده ولا هو موجود له في خزانته فيتحرك لاقتنائه وتحصيله بحسب ميله إلى أحد الأمرين أعني المعقول أو المحسوس فإذا حصله سكن من هذه الجهة وعلم أنه قد ادخره ومتى رجع إليه وجده إن كان مما يبقى بالذات وتشوف إلى جهة أخرى ولا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها وما ما لا نهاية له فلا طمع في تحصيله ولا فائدة في النزاع إليه ولا وجه لطلبه سواء كان في المعلوم أو في المحسوس.
وإنما ينبغي أن يقصد من المعلومات إلى الأنواع والذوات الدائمة السرمدية الموجودة أبداً بحالة واحدة ويكون ذلك برد الأشخاص التي بلا نهاية إلى الوحدة التي يمكن أن تتأحد بها النفس ومن المحسوسات المقتناة إلى ضرورات البدن ومقيماته دون الاستكثار منها فإن استيعاب جميعها غير ممكن لأنها أمور لا نهاية لها.
فإذن كل ما فضل عن الحاجة وقدر الكفاية فهو مادة الأحزان والهموم والأمراض وضروب المكاره.
والغلط في هذا الباب كثير وسبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر لأن الفقر هو الحاجة والغنى هو الاستقلال اعني ألا يحتاج بتة ولذلك قيل أنه الله - تعالى - غني لأنه غير محتاج بتة.
فأما من كثرت قنياته فإنه ستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته وعلى قدر منازعته إلى الاستكثار تكثر وجوه فقره وقد تبين ذلك في شرائع الأنبياء وأخلاق الحكماء.
فأما الشيء الرخيص الموجود كثيراً فإنما رغب عنه لأنه معلوم أنه إذ التمس وجد وأما الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان ويصيبه الواحد بعد الواحد فكل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليحصل له ما لم يحصل لغيره وذلك من الإنسان على السبيل الذي شرحناه من أمره.
مسألة ما سبب نظر الإنسان في العواقب وما مثاره منها وما آثاره فيها
وما الذي يحلى به إذا استقصى وما الذي يتخوفه إذا جنح إلى الهويني أو ما مراد الأولين في قولهم: المحتفل ملقي والمسترسل موقى.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما نظر الإنسان في العواقب فيكون لأمرين.
أحدهما لتطلعه إلى الأمور الكائنة وشوقه إلى الوقوف على الأمر الكائن قبل حدوثه لما تقدم فيه من الكلام في المسألة الأولى.
والآخر لأخذ الأهبة له إن كان مما ينفع فيه ذلك ولهذا المعنى اشتاق الإنسان إلى الفأل والزجر إذا عدم جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك إلى الفأل والزجر إذا عدم جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك وحركات النجوم وربما عدل إلى المتكهن وصدق بكثير من الظنون الباطلة.
وأما قول المتقدمين: المحتفل ملقي والمسترسل موقي فهو على ظاهره كالمناقض للحكم الأول ولذلك أن الإشارة في هذا المثل هو إلى أن المحتفل إنما يتوقى ما لا بد أن يصيبه فهو يجتهد أن يخرج من حكم القضاء أعني موجبات الأقدار بتوسط حركات الفلك فيصير اجتهاده في الخروج منه سبباً لحصوله فيه ووقوعه عليه.
وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله: وإذا حذرت من الأمور مقدراً وهربت منه فنحوه تتوجه فأما المسترسل إلى ذلك الراضي به فإنه موقى مما هو غير مقضي ولا هو بمصيب له وإن لم يتوقه كما قال الشاعر فيمن كان بغير هذه الصفة: حذراً أموراً لا تكون وخائف ما ليس منجيه من الأقدار.
ويتصل بهذا الباب شرح ما يجب أن يتوقى وما يجب ألا يتوقي أعني بذلك ما يغني فيه الفكر والروية وما لا يغني فيه.
وإذا مر ما يقتضيه من الكلام استقصيته إن شاء الله.
وكيف صار يؤثر الشرير في الخير أسرع مما يؤثر الخير في الشرير وما فائدة النفس في المقارنة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينال القرين من قرينه الاقتداء والتشبه وكما أن كل متجاورين من الأشياء الطبيعية لا بد أن يؤثر أحدهما في الآخر فكذلك حال النفس وذاك أن الطبيعة متشبهة بالنفس لأنها شبيهة بظل النفس ومن شأن الشيء الأقوى في الطبيعة أن يحيل الأضعف إلى نفسه ويشبهه بذاته كما تجد ذلك في الحار والبارد والرطب واليابس ولأجل تأثير المجاور في مجاوره حدثت الأمراض في البدن وبسببه عولج بالأدوية.
ولما كانت النفس التي فينا هيولانية صار الشر لها طباعاً والخير تكلفاً وتعلما فاحتجنا - معاشر البشر - أن نتعب بالخير حتى تستفيده ونقتنيه ثم ليس يكفينا تحصيل صورته حتى نألفه ونتعوده ونكرر زماناً طويلاً الحالة التي حصلت لنا منه على أنفسنا لتصير ملكة وسحية بعد أن كانت حالاً.
فأما الشر فلسنا نحتاج إلى تعب به وتحصيله بل يكفي فيه أن نخلى النفس وسومها ونتركها على طبيعتها فإنها تخلو من الخير والخلو من الخير هو الشر لأنه قد تبين في المباحث الفلسفية أنه ليس الشر بشيء له عين قائمة بل هو عدم الخير ولذلك قيل: الهيولى معدن الشر وينبوعه لأجل خلوها من جميع الصور فالشر الأول البسيط هو عدم ثم يتركب وسبب تركبه الأعدام التي هي مقترنة بالهيولى.
وشرح هذا الكلام طويل إلا أن الذي يحصل لك من جواب المسألة فيه أن النفس تتشبه بالنفس المقارنة لها وتقتدي بها والشر أسرع إليها من الخير وهو أن النفس التي فينا هي هيولانية وأعني بهذا القول أنها قابلة للصور من العقل فالمعقولات إنما تصير معقولات لنا إذا ثبتت صورها في النفس ولذلك قال أفلاطون: إن النفس مكان للصور.
واستحسن ارسططاليس هذا التشبيه من أفلاطون لأن استعارة حسنة وإيماء فصيح إلى المعنى الذي أراده.
فيجب - على هذا الأصل - أن نتوقى مجالسه الأشرار ومخالطتهم ومقارنتهم ونقبل قول الشاعر: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينة فإن القرين بالمقارن مقتد وينبغي أن نأخذ الأحداث والصبيان به أشد الأخذ فقد مر في مسألة ما يحقق هذا المعنى ويؤكده وينبه عليه.
وكبر عمامته وحشا زيقه قطناً وعرض جيبه تعريضاً ومشى متبهسناً وتكلم متشادقاً ولم شنع هذا ونظيره وما الذي سمج هذا وأمثاله ولم لم يترك كل إنسان على رأيه واختياره وشهوته وإيثاره وهل أطبق العقلاء المميزون والفضلاء المبرزون على كراهة هذه الأمور إلا لسر خاف وخبيئة موجودة فما ذلك السر وما تلك الخبيئة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينكر مما ذكرته كله التكلف وذاك أن من خالف عادات الناس في زيهم ومذاهبهم وتفرد من بينهم بما يباينهم ثم احتمل مؤونة ما يتجشمه فليس ذلك منه إلا لغرض مخالف لأغراضهم وقصد لغير ما يقصدونه: فإن كان غايته من هذه الأشياء أن يشهر نفسه وينبه على موضعه فليس يعدو أن يوهم بها أمراً لا حقيقة له ويطلب حالاً لا يستحقها لأنه لو كان يستحقها لظهرت منه وعرفت له من غير تكلف ولا تجشم لهذه المؤن الغليظة فإذن هو كاذب فعلاً ومزور باطلاً وما تعاطي ذلك إلا ليغر سليماً ويخدع مسترسلاً.
وهذا مذهب المحتال الذي يتحرز منه ويتباعد عنه.
هذا إلى ما يجمعه من بديهة المخالفة والمخالفة سبب الاستيحاش وعلة النفور وأصل المعاداة.
وإنما حرص الناس وأهل الفضل وحرص لهم الأنبياء عليهم السلام بما وضعوه لهم من السنن والشرائع لتحدث بينهم الموافقة والمناسبة التي هي سبب المحبات وأصل المودات ليتشاركوا في الخيرات ولتحصل لهم صورة التأحد الذي هو سبب كل فضيلة ولأجله تم الاجتماع في المدنية الذي هو سبب حسن الحال في العيش والاستمتاع بالحياة والخيرات المطلوبة في الدنيا.
مسألة ما ملتمس النفس في هذا العالم
وهل لها ملتمس وبغية وإن وسمت بهذه المعاني خرجت من أن تكون علية الدرجة خطيرة القدر لأن هذا عنوان الحاجة وبدء العجز.
ولولا أن يتسع النطاق لسألت: ما نسبتها إلى الإنسان وهل لها به قوام أو له بها قوام وإن كان هذا فعلى أي وجه هو وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان.
ثم حكيت حكايات ليس لها غناء في المسألة فلنشتغل بالجواب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لولا لفظة الالتماس توهم غير المعنى الصحيح في حال النفس وظهور آثارها في هذا العالم لأطلقتها ورخصت فيها لك كما أطلقها قوم ولكني رأيت أبا بكر محمد بن زكريا الطبيب وغيره ممن كان في طبقته قد تورطوا في مذهب بعيد من الحق سببه هذه اللفظة وما أشبهها مما أطلقته الحكماء على سبيل الاتساع في الكلام بل لأجل الضرورة العارضة للألفاظ عند ضيقها عن المعاني الغامضة التي أطلقوا عليها.
ولكني سأشير لك إلى ما ينبغي أن تعتقده في هذا الباب وهو أن الطبائع إذا امتزجت ضروب الامتزاجات بضروب حركات الفلك حدثت منها ضروب الصور والأشكال التي تعملها الطبيعة وتقبل من آثار النفس بوساطة الطبيعة ضروب الآثار لأن النفس تظهر آثارهما في كل مزاج بحسب قبوله وتستعمل كل آلة طبيعية بحسب ملاءمتها في كل ما يمكن أن تستعمل فيه وتنهيه إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه من الفضيلة.
وهذا الفعل من النفس لا لغرض أكثر من ظهور الحكمة وذاك أن ظهور الحكمة من الحكيم لا يكون لغرض آخر فوق الحكمة لأن أجل الأفعال ما لم يرد الشيء آخر بل ذاته وكل فعل أريد لغاية أخرى ولشيء آخر فذلك الشيء أجل من ذلك الفعل.
ولا يمكن أن يكون ذلك ماراً بلا نهاية فالغاية الأخيرة والفعل الأفضل ما لم يفعل لشيء آخر بل هو بعينه الغاية والغرض الأقصى ولذلك ينبغي ألا يكون قصد المتفلسف بفلسفته شيئاً آخر غير الفلسفة ولا يجب أن يكون قصد فاعل الجميل شيئاً آخر غير الجميل أعني أنه لا يجب أن يقصد به نيل منفعة ولا طلب ذكر ولا بلوغ رئاسة ولا شيئاً من الأشياء غير ذات الجميل لأنه جميل.
وقد أشار الحكيم إلى أن النفس تكمل في هذا العالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلاً بالفعل بعد أن كانت بالقوة فإذا عقلت العقل صارت هي هو إذ من شأن المعقول والعاقل أن يكونا شيئاً واحداً لا فرق بينهما.
فأما حديث الإنسان الذي شكوت طوله وحكيت من الكلام المتردد الذي لم يفدك طائلاً فالذي ينبغي أن تعتمد عليه هو أن هذه اللفظة موضوعة على الشيء المركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي لأن كل مركب من بسيطين أو أكثر يحتاج إلى اسم مفرد يعبر عن معنى التركيب ويدل عليه كما فعل ذلك بالصورة التي تجتمع مع مادة الفضة فسمى خاتماً وكما تجتمع صورة السرير مع مادة الخشب فيصير اسمه سريراً وعلى هذا أيضاً يفعل إذا اجتمع جسمان طبيعيان أو أجسام طبيعية فتركب منها شيء آخر فإنه يسمى باسم مفرد كما يفعل بالخل إذا تركب مع العسل أو السكر فيسمى سكنجبناً وكما تسمى أنواع الأدوية والمعجونات من الأخلاط الكثيرة وأنواع الأغذية والأشربة المركبة ينفرد كل واحد منها باسم خاص وكذلك يفعل بالمادة التي تستحيل من صورة إلى صورة كعصير العنب الذي يسمى عصيراً مرة وخمراً مرة وخلا مرة فالإنسان هو النفس الناطقة إذا استعملت الآلات الجسمية التي تسمى بدناً لتصدر عنها الأفعال بحسب التمييز.
مسألة حكيت
- أيدك الله - حكايات بين سائل ومتكلم ولم تتوجه إلى مطلوب ينبغي أن نبحث عنه لأن المسألة من باب الأسماء والصفات وقد تكلمنا عليه فيما مضى كلاماً مستقصى لا وجه لإعادته فينبغي أن تعود إلى ما مضى وتطلبه لتجده كافياً بمعونة الله.
مسألة ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف وما وجه تجلد الخائف
والمصاب كراهة أن يوقف منه على فسولة طبعه أو قلة مكانته أو سوء جزعه هذا مع تخاذل أعضائه وندائه على ما به واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وظهور علامات ما إذا أراد طيه ظهر على أسرة وجهه وألحاظ عينيه وألفاظ لسانه واضطراب شمائله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك توقع مكروه حادث فإن كان السبب صحيحاً قوياً والدليل واضحاً جلياً كان الخوف في موضعه.
ثم بحسب ذلك المكروه يحسن الصبر ويحمد احتمال الأذى العارض منه وتظهر من الإنسان أمارات الشجاعة أو الجبن.
وأثبت الناس جناناً وجأشاً وأحسنهم بصيرة وروية لا بد أن يضطرب عند نزول المكروه الحادث به الطارىء عليه لا سيما إن كان هائلاً فإن أرسططاليس يقول: من لم يجزع من هيج البحر وهو راكبه ومن الأشياء الهائلة التي فوق طاقة الإنسان فهو مجنون.
وكثير من المكاره يجري هذا المجرى ويقاربه والجزع لا حق بالمرء على حسبه ومقداره: فإن كان المكروه والمتوقع مما يطيق الإنسان دفعه أو تخفيفه فذهب عليه أمره واستولى عليه الجزع ولم يتماسك له - فهو جبان جزوع مذموم من هذه الجهة.
ودواؤه التدرب باحتمال الشدائد وملاقاتها والتصبر عليها وتوطين النفس لها قبل حدوثها لئلا ترد عليه وهو غافل عنها غير مستعد لها.
وإذا كانت الشجاعة فضيلة وكانت ضدها نقيصة ورذيلة فمن لا يحب أن يستر نقيصته ويظهر فضيلته مع ما تقدم من قولنا فيما سبق.
إن كل إنسان يعشق ذاته ويحب نفسه.
إذا كان مثلاً يفتح قفلاً فيتعسر عليه حتى يجن ويعض على القفل ويكفر وهذا عارض فاش في الناس.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا العارض وشبهه من أقبح ما يرض للإنسان وهو غير معذور إن لم يصلحه بالخلق الحسن المحمود وذلك أن الغضب إنما يثور به دم القلب لمحبة الانتقام وهذا الانتقام إذا لم يكن كما ينبغي وعلى من ينبغي وعلى مقدار ما ينبغي فهو مذموم فكيف به إذا كان على الصورة التي حكيتها.
فأما سؤالك عن سبب الغضب فقد ذكرته وأجبت عنه وإذا أثار في غير وضعه فواجب على الإنسان الناطق المميز أن يسكنه ولا يستعجله ولا يجري فيه على منهاج البهيمة وسنة السبع فإن من أعانة بالفكرة وألهبه بسلطان الروية حتى يحتدم ويتوقد فإنه سيعسر بعد ذلك تلافيه وتسكينه والإنسان مذموم به إذا وسوم الطبيعة ولم يظهر فيه أثر التمييز ومكان العقل.
وجالينوس قد ذكر في كتاب الأخلاق حديث القفل بعينه وتعجب من جهل من يفعل ذلك أو يرفس الحمار ويلكم البغل فإن هذا الفعل يدل على أن الإنسانية يسيره في صاحبه جداً والبهيمية غالبة عليه أعني سوء التمييز وقلة استعمال الفكر.
وليس هذا وحده يعرض لحشو الناس وعامتهم بل الشهوة والشبق وسائر عوارض النفس البهيمية والغضبية إذا هاج بهم وابتدأ في حركته الطبيعية لم يستعملوا فيه ما وهبه الله - تعالى - لهم وفضلهم به وجعلهم له أناسي اعني أثر العقل بحسن الروية وصحة التمييز والله المستعان ولا قوة إلا به.
مسألة لم صار من كان صغير الرأس خفيف الدماغ
ولم يكن كل من كان عظيم الرأس رزين الدماغ الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: يحتاج الدماغ إلى اعتدال في الكيفية والكمية فإن حصل له احدهما لم يغن عن الآخر فإن كان جوهره جيداً في الكيفية وكانت كميته ناقصة فهو - لا محالة - ردىء وإن كانت كميته كثيرة فليس هو - لا محالة - رديئاً فقد يكون كثيراً وجيد الجوهر إلا أنه يجب أن يكون مناسباً لحرارة القلب ليحصل بين برد هذا ورطوبته وحرارة ذلك ويبوسته - الاعتدال المحبوب المحمود.
ومتى حصل على الخروج من هذا الاعتدال تبعه من الرداءة قسطه ونصيبه إلا أن التفاضل بين أنواع الخروج من الاعتدال كثير ولأن يكون جيداً وكثيراً زائداً على قدر الحاجة خير من ان يكون جيداً وناقصاً عن قدر الحاجة فإن جمع رداءة الكيفية والكمية كان صاحبه معتوهاً
مسألة لم اعتقد الناس في الكوسج أنه خبيث وداهية
وكذلك في القصير ولم يعتقدوا العقل والحصافة فيمن كان طويل اللحية كثيف الشعر مديد القامة جميل الإمة ولم رأوا خفة العارضين من السعادة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة من باب الفراسة.
والممدوح المحمود من كل أمر يتبع مزاجاً ما هو الاعتدال.
فأما الطرفان اللذان يكتنفان الاعتدال - أعني الزيادة والنقصان - فهما مذمومان مكروهان.
فإن كان وفور اللحية وطولها وعظمها وذهابها في جميع جهات الوجه دليل السلامة والغفلة فبالواجب صار الطرف الذي يقابله من الخفة والنزرة والقلة دليل الخبث والدهاء.
وهما جميعاً طرفان خارجان عن الاعتدال المحمود.
وأحسب أن للاختيار السيء مدخلاً: وذلك أن الرجل إذا كان وافر إضاعة اللحية فهو قادر على أن يخفف منها بأيسر مئونة حتى يحصل على القدر المعتدل والهيئة المحمودة فتركه إياها على الحال المذمومة مع تعبه بها وإصلاحها دائماً أو تركه إياها حتى تسمج وتضطرب دليل فأما عدم اللحية فليس يقدر صاحبه على حيلة فيها فهو معذور.
مسألة لم سهل الموت على المعذب مع علمه
أن العدم لا حياة معه وليس بموجود فيه وأن الأذى - وإن اشتد - فإنه مقرون بالحياة العزيزة هذا وقد علم أيضاً أن الموجود أشرف من المعدوم وانه لا شرف للمعدوم فما الذي يسهل عليه العدم وما الشيء المنتصب لقلبه وهل هذا الاختيار منه بعقل أو فساد مزاج.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة - وإن كان الغرض فيها صحيحاً فالكلام فيها مضطرب غير مسلم المقدمات وذلك أن الإنسان إذا مات فليس يعدم رأساً بل إنما تبطل عنه أعراض وتعدم عنه كيفيات فأما جواهره فإنها غير معدومة ولا يجوز على الجوهر العدم بتة لما تبين في أصول الفلسفة من أن الجوهر لا ضد له ومن أشياء أخر ليس هذا موضعها.
فالجوهر لا يقبل العدم من حيث جوهر وأجزاء الإنسان إذا مات تنحل إلى أصولها - أعني العناصر الأربعة وذلك بأن يستحيل إليها.
وأما جوهره الذي هو النفس الناطقة فقد تبين أنه أحق بالجوهرية من عناصره الأربعة فهو إذن دائم البقاء أيضاً.
ولما لم تكن مسألتك متوجهة إلى هذا المعنى وإنما وقع الغلط في أخذ مقدمات غير صحيحة وإرسال الكلام فيها على غير تحرز - وجب أن ننبه على موضع الغلط ثم نعدل إلى جواب الغرض من المسألة فنقول: إن الحياة ليست بعزيزة إلا إذا كانت جيدة وأعني بالحياة الجيدة ما سلمت من الآفات والمكاره وصدرت بها الأفعال تامة جيدة ولم يلحق الإنسان فيها ما يكرهه من الذل السديد والضيم العظيم والمصائب في الأهل والولد.
وذلك أن الإنسان لو خير بين هذه الحياة الرديئة وبين الموت الجيد أعني أن يقتل في الجهاد الذي يذب به عن حريمه ويمتنع به عن المذلة والمكاره التي وصفناها لوجب بحكم العقل والشريعة أن يختار الموت والقتل في مجاهدة من يسومه ذلك.
وهذه مسألة قد سبقت لها نظيرة وتكلمنا عليها بجواب مقنع وهو قولك: ما سبب الجزع من الموت وما سبب الاسترسال إلى الموت فليرجع إليه فإنه كاف.
مسألة لم ذم الإنسان ما لم ينله وهجن ما لم يحزه وعلى ذلك عادى الناس
ما جهلوا حتى صار هذا من الحكم اليتيمة: وقد عادى الناس ما جهلوا كما قيل فلم عادوه ولم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حتى تزول العداوة ويحصل الشرف ويكمل الجمال ويحق القول بالثناء ويصدق الخبر عن الحق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا من قبيح ما يعترى الناس من الأخلاق وهو جار مجرى الحسد وذاهب في طريقه.
وصاحب المثل الذي يقول: المرء عدو ما جهل إنما أخرجه مخرج الذم والعيب كما قيل: الناس شجرة بغي وحسد.
والسبب في محبة النفس أولاً ثم الغلط في تحصيل ما يزينها.
وذلك أنه إذا أحب الإنسان نفسه أحب صورتها والعلم صورة النفس ويعرض من محبة صورة نفسه أن يبغض ما ليس له بصورة فمتى حصل له علم أحبه وإذا لم يحصل له أبغضه.
ويذهب عليه التماس ما جهله بالمطلب - وإن كان فيه مشقة - أولى به ليصير - أيضاً - صورة أخرى له جميلة.
ولعل المانع له من ذلك كراهة التذلل لمن يتعلم منه بعد حصول العز له في نوع آخر وبين طائفة أخرى.
فأما قولك فلم لم يحبوه حتى يطلبوه ويفقهوه فهو الواجب الذي ينبغي أن يفعل وعليه حض صاحب المثل بالتنبيه على العيب ليتجنب بإتيان الفضيلة.
وسمعت بعض أهل العلم يحكي عن قاض جليل المحل عالى المرتبة أنه هم بتعلم الهندسة على كبر السن.
قال: فقلت له: ما الذي يحملك على ذلك وهو يقدح في مرتبتك ويطلق ألسن السفهاء عليك وأنت لا تصل إلى كبير حظ منه مع علو السن وحاجة هذا العلم إلى زمان طويل وذكاء لا يوجد إلا مع الحداثة واستقبال العمر فقال: ويحك! أحسست من نفسي بغضاً لهذا العلم وعداوة لأهله فأحببت أن أتعاطاه لأحبه ولئلا أبغض علماً فأعادي اهله.
وهذا هو الانقياد للحق وتجرع مرارته حرصاً على حلاوة ثمرته ورياضة للنفس على ما تكرهه فيما هو أزين لها وأعود عليها وحملها على ما يصلحها ويهذبها.
مسألة لم كان الإنسان إذا أراد أن يتخذ عدة أعداء في ساعة واحدة
قدر على ذلك وإذا قصد اتخاذ صديق ومصافاة خذن واحد لم يستطع إلا بزمان واجتهاد وطاعة وغرم وكذلك كل صلاح مأمول ونظام مطلوب في جميع الأمور ألا الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: جواب مسألتك هذه منها.
وما أشبهها بحكاية سمعتها عن الأصمعي وذاك أنه بلغني أن قارئاً قرأ عليه: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا فقال: يا أبا سعيد: ما الألمعى فقال: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
فأنا قائل في هذه المسألة أيضاً: إنما صار الإنسان قادراً على اتخاذ الأعداء بسرعة وغير قادر على اتخاذ الأصدقاء إلا في زمان طويل وبغرامة كثيرة - لأن هذا فتق وذاك رتق وهذا هدم وذاك بناء.
وسق باقي كلامك فإنه جوابك.
مسألة ما الذي حرك الزديق والدهري على الخير وإيثار الجميل
وأداء الأمانة ومواصلة البر ورحمة المبتلي ومعونة الصريخ ومغثة الملتجيء إليه والشاكي بين يديه هذا وهو لا يرجو ثواباً ولا ينتظر مآباً ولا يخاف حساباً.
أترى الباعث على هذه الأخلاق الشريفة والخصال المحمودة رغبته في الشكر وتبرؤه من القرف وخوفه من السيف قد يفعل هذه في الأوقات لا يظن به التوقى ولا اجتلاب الشكر وهل في هذه الأمور ما يشير إلى توحيد الله تبارك وتعالى.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: للإنسان - بما هو إنسان - أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع وله بداية في رأيه وأوائل في عقله لا يحتاج فيها إلى الشرع بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما عنده والتنبيه عليه فتثير ما هو كامن فيه وموجود في فطرته قد أخذه الله - تعالى - وسطره فيه من مبدأ الخلق فكل من له غريزة من العقل ونصيب من الإنسانية ففيه حركة إلى الفضائل وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من الفضائل والمحاسن التي يقتضيها العقل وتوجبها الإنسانية وإن اقترن بذلك في بعض الأوقات محبة الشكر وطلب السمعة والتماس أمور أخر.
ولولا أن محبة الشكر وما يتبعه - أيضاً - جميل وفضيلة لما رغب فيه ولولا أن الخالق - تعالى - واحد لما تساوت هذه الحال بالناس ولا استجاب أحد لمن دعا إليها وحض عليها إذا لم يجد في نفسه شاهداً لها ومصدقاً بها.
ولعمري إذا هذا أوضح دليل على توحيد الله تعالى ذكره وتقدس اسمه.
مسألة ما الذي قام في نفس بعض الناس
حتى صار ضحكة أعني يضحك ويسخر منه ويعبث بقفاه وهو في ذاك صابر محتسب وربما خلا من النائل وربما نزر النائل.
فكيف هون عليه الأمر القبيح ولعله من بيت ظاهر الشرف منيف المحل.
وبمثل هذا المعنى يصير آخر مخنثاً مغنياً لعاباً إلى آخر ما اقتصه من حديث الرجل الذي نشأ على طريق مذمومة وهو من بيت كبير.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في مسألة الفراسة أن لكل مزاج خلقاً يتبعه والنفس تصدر أفعالها بحسب تلك الطبيعة والمزاج وأن الإنسان متى استرسل للطبيعة وانقاد لهواه ولم يستعمل القوة الموهوبة له في رفع ذلك وتأديبه نفسه بها - كان في مسلاخ بهيمة!!!.
وهذا الخلق الذي ذكرته في هذه المسألة أحد الأخلاق التابعة لمزاج خارج عن الاعتدال التي من ترك الإنسان وسوم الطبيعة فيها جمحت فيه إلى أقبح مذهب وأسوأ طريقة.
وحق على من بلى بها أن يجتهد في مداواتها ويجتهد له فيها.
فقد تقدم قولنا في هذا الباب إنه ممكن ولولا إمكانه لما حسن التقويم والتأديب عليه ولا الحمد والذم فيه ولا الزجر والدعاء إليه ولا السياسة من الآباء والملوك وقوام المدن به.
ومتى لم يستجب إنسان لمعالجة هذه الأدواء كانت معالجته بالعقوبات المفروضة واجبة فيه.
وما أشبه الأمراض النفسانية بالأمراض الجسمانية فكما أن مرض الجسم متى لم يعالجه صاحبه بالاختيار والإيثار وجب أن يعالج بالقهر والقسر فكذلك مرض النفس إلى أن ينتهي إلى حال يقع معها اليأس من الصلاح فحينئذ ينبغي أن يراح من نفسه ويستراح منه وتطهر الأرض منه على حسب ما تحكم فيه الشريعة أو السياسة الفاضلة.
مسألة ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة
ومن أين ورث هذا الخلق وأي شيء رمزت الطبيعة به ولم أفرط بعضهم في طلبها حتى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وحتى هجر من أجلها الوساد وودع بسببها الرقاد وطوى المهامه والبلاد وهل هذا الجنس من جنس من امتعض في ترتيب العنوان إذا كوتب أوكاتب وما ذاك من جميع ما تقدم فقد تشاح الناس في هذه المواضع وتباينوا وبلغوا المبالغ.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن في الناس ثلاث قوى وهي: الناطقة والبهيمية والغضبية.
فهو بالناطقة منها يتحرك نحو الشهوات التي يتناول بها اللذات البدنية كلها.
وبالغضبية منها يتحرك إلى طلب الرئاسات ويشتاق إلى أنواع الكرامات وتعرض له الحمية والأنفة ويلتمس العز والمراتب الجليلة العالية ويظهر أثرها من القلب.
وإنما تقوى فيه واحدة من هذه القوى بحسب مزاج قوة هذه الأعضاء التي تسمى الرئيسية في البدن.
فربما خرج عن الاعتدال فيها إلى جانب الزيادة والإفراط أو إلى ناحية النقصان والتفريط فيجب عليه حينئذ أن يعد لها ويردها إلى الوسط - أعني الاعتدال الموضوع له - ولا يسترسل لها بترك التقويم والتأديب فإن هذه القوى تهيج لما ذكرناه.
فإن تركت وسومها وترك صاحبها إصلاحها وعلاجها بالأعقال واتباع الطبيعة - تفاقم أمرها وغلبت حتى تجمح إلى حيث لا يطمع في علاجها ويؤيس من برئها.
وإنما يملك أمرها وتأديبها في مبدأ الأمر بالنفس التي هي رئيسة عليها كلها - أعني المميزة العاقلة التي تسمى القوة الإلهية - فإن هذه القوة ينبغي أن تستولي وتكون لها الرئاسة على الباقية.
فمحبة الإنسان للرئاسة أمر طبيعي له ولكن يجب أن تكون مقومة لتكون في موضعها وكما ينبغي.
فإن زادت أو نقصت في إنسان لأجل مزاج أو عادة سيئة وجب عليه أن يعد لها بالتأديب ليتحرك كما ينبغي وعلى ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي.
وقد مضى من ذكر هذه القوى وآثارها في موضعه ما يجب أن يقتصر بها هنا على هذا المقدار.
ونقول: إنه كما يعرض لبعض الناس ان يلقى الأسنة بنحره ويركب أهوال البر والبحر لنيل الشهوات بحسب حركة قوة النفس البهيمية فيه وتركه قمعها - فكذلك يعرض لبعضهم في نهوض قوة النفس الغضبية فيهم إلى نيل الرئاسات والكرامات - أن يركب هذه الأهوال فيها.
ومدار الأمر على العقل الذي هو الرئيس عليها وأن يجتهد الإنسان في تقوية هذه النفس لتكون هي الغالبة وتتعبد القواتان الباقيتان لها حتى تصدر عن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف عندما يحده فإن هذه القوة هي التي تسمى الإلهية ولها قوة على رئاسة تلك الأخر وهداية إلى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التامة عليها ولكنها - كما قال أفلاطون - في لين الذهب وتلك في قوة الحديد وللإنسان الاجتهاد والميل إلى تذليل هذه لتلك فإنها ستذل وتنقاد.
والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أي أو جد منظور إليه مكثور عليه في فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كان له ابن كذلك أعني كيف يسري الشرف من المتقدم في المتأخر ولا يسري من المتأخر في المتقدم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأب علة الولد وعرفه يسري فيه لأنه معلوله ولأنه مكون من مزاجه وبزره فهو من أجل ذلك كجزء منه أو كنسخة له فغير مستنكر أن يظهر أثر العلة فيه أو ينتظر منه نزوع العرق إليه.
فأما عكس هذه القضية وهو أن يصير المعلول سبباً للعلة حتى يرجع مقلوباً فشيء يأباه العقل وترده البديهة ويسير التأمل يكفي في جواب هذه المسألة.
مسألة ولم إذا كان أبو الإنسان مذكوراً بما أسلفنا نعته وبغيره من الدين والورع
- وجب أن يكون ولده وولد ولده يسحبون الذيل ويختالون في العطاف ويزدرون الناس ويرون من أنفسهم أنهم قد خولوا الملك ويعتقدون أن خدمتك لهم فريضة ونجاتك بهم متعلقة ما هذه الفتنة والآفة وما أصلها وهل كان في سالف الدهر وفيما مضى من الزمان من الأمم المعروفة هذا الفن.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد ذكرنا في جواب المسألة الأولى ما ينبه على جواب هذه التالية فإن المعلول إنما يشرف بشرف علته فإن كان ذلك الشرف ديناً وعلته الهيئة حصل للعرق الساري من الافتخار به ما لا يحصل لغيره ولكن إلى حد مفروض ومقدار معلوم فأما الغلو فيه إلى أن يعتقد أنهم كما حكيت عنهم فهو كسائر الإفراطات التي عددناها فيما تقدم.
وأما قولك: هل كان في سالف الدهر شيء من هذا الفن فلعمري لقد كان ذلك في كل أمة وكل زمان.
ولم تزل النجابة على الأكثر سارية في الأولاد ومتوقعة في العروق حتى إن الملك يبقى في البيت الواحد زماناً طويلاً لا يرتضى الناس إلا بهم ولا ينقادون إلا لهم.
وذلك في جميع الأمم من الفرس والروم والهند وسائر أجناس الناس.
وكذلك العرق اللئيم والأصل الفاسد يهجي به الأولاد وينتظر منهم إليه فيذمون به وتتجنب ناحيتهم له.
ولكن مسألتك مضمنة ذكر الدين وله حكم آخر كما قد علمت من علو الرتبة وشرف المنزلة وإن لم تكن النبوة نفسها سارية في العرق ولا هي متوقعة فيما يتبع النبوة من التعظيم والتشريف ونجوع الناس لها بالطبع والتماس أهل بيتها مرتبة الإمامة والتمليك - أمر خارج عن حكم العادة ولا سيما إن كان هناك شريطة الفضيلة موجودة والاستقلال حاضراً فإن العدول حينئذ عمن كان بهذه الصفة ظلم وتعد.
والسلام.
مسألة هل يجوز أن تكون الحكمة في تساوي الناس من جهة ارتفاع الشرف دون تباينهم
فإنه إن كانت الحكمة في ذلك لزم أن يكون ما عليه الناس إما عن قهر لا فكاك لهم منه أو جهل لا حجة عليهم به.
ولست اعني التساوي في الحال وفي الكفاية وفي الفقر والحاجة لأن ذاك قد شهدت له الحكمة بالصواب لأنه تابع لسوس العالم وجار مع العقل.
وإنما عنيت تساوي الناس من جهة السبب فإن التطاول والتسلط والازدراء قد فشا بهذا النسب.
والحكمة تأبى وضع ما يكون فساداً أو ذريعة إلى فساد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يشرف الإنسان نفسه وبما يظهر فيه من آثار وما أحسن قول الإمام على عليه السلام: قيمة كل امرىء ما يحسن.
وإنما حكينا ما تقدم من شريان النجابة في العرق لأجل أن الطمع يقوى فيمن كانت له سابقة في فضيلة ان تظهر فيه ايضاً ولا سيما إن كانت علته قريبة منه.
وكيف يتساوى الناس في ارتفاع الشرف ولو تساووا فيه لما كان شرف ولا ارتفاع وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية ولكن الناس يتساوون في الإنسانية التي تعمهم وفي أشياء تتبع الإنسانية من الأحكام والأوضاع ويتفاوتون في أمور أخر يزيد بها بعضهم على بعض.
مسألة ما التطير والفأل ولم أولع كثير من الناس بهما
وكيف نفى عن الشريعة أحدهما ورخص الآخر وهل لهما أصل يرجع إليه ويوقف لديه أو هما جاريان مرة بالهاجس والاستشعار ومرة بالاتفاق والاضطرار والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فاش في هذا المعنى وليس طريقه محدثاً للعلم ولا منته مجيلاً للرأى إذ يقول: لا عدوى ولا طيرة.
وقد قيل في مكان آخر: كان يحب الفأل الحسن.
وزعم الرواة أنه حين نزل المدينة عند أبي أيوب الأنصاري سمعه يقول لغلامين له: يا سالم يا يسار.
فقال لأبي بكر: سلمت لنا الدار في يسر.
فكيف هذا وما طريقه وهل يطرد ذلك في تطايره أم يقف ثم حكيت الحكاية عن ابن اسماعيل في قصة الزعفراني.
وحكيت أيضاً عن ابن الرومي قوله: الفأل لسان الزمان وعنوان الحدثان.
وقلت: ما أكثر ما يقع ما لا يتوقع مما لم يتقدم فيه قول ولا إرجاف حتى إذا قارن ذلك شيء صار العجب العجاب والشيء المستطرف.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان متطلع إلى الوقوف على كائنات الأمور ومستقبلاتها ومغيباتها كما وصفنا من حاله فيما تقدم فهو بالطبع يتشوفها ويروم معرفتها على قدر استطاعته وبحسب طاقته فربما أمكنه التوصل إلى بعضها بطبيعة موافقة في رأى صائب وحدس صادق وتكهن في الأمور لا يكاد يخطىء فيها فهو من أعلى درجة في هذا الباب وأوثق سبب فيه فربما تعدد في بعضها ذلك فيروم التوصل إليه بدلائل النجوم وحركات الأشخاص العلوية وتأثيرها في العالم السفلي ويصدق حكمه أو يكذب بحسب قوته في أخذ ولهذه الصناعة أصول كثيرة جداً وفروع بحسب الأصول.
وخطأ المخطىء ليس من ضعف أصول الصناعة ولكن من ضعف الناظر فيها أو لأنه يروم من الصناعة أكثر مما فيها فيحمل عليها زيادة على الموضوع منها وربما فاتته هذه الأسباب ونظائرها من الدلائل الطبيعية.
وليس من شأن النفس أن تعمل عملاً بغير داع إليه ولا سبب له فيصير كالعبث فإذا سنح له أمران ولم يرجح أحدهما على الآخر طلب لنفسه حجة في ركوب أحدهما دون الآخر فيستريح حينئذ إلى الأسباب الضعيفة ويتمحل العلل البعيدة بقدر ما يترجح أحد الرأيين المتكافئين في نفسه على الآخر حتى يصل إليه ويأخذ به.
وسبيل الرجل الفاضل أن يكون حسن الظن قويم الرجاء جميل النية فيتفاءل حينئذ.
والفأل قد يكون بأصوات بسيطة ليس فيها أثر النطق ولكن أكثره بالكلام المفهوم.
وقد يكون بصورة مقبولة وأشكال مستحسنة ولكن معظمه في خلق الإنسان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أبردتم إلى بريداً فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه).
فأما أصحاب الطيره فلأنهم أضداد لأصحاب البيات الجميلة والرجاء الحسن فطريقهم مكروهة وتطيرهم من الأمور أكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وذلك أنهم يأخذون بعضها من وبعضها من الأمزجة المتنافرة والخلق المكروهة كالبوم والهامة والعقرب الفأر وما أشبهها.
وبعض من الأصوات المنكرة كنهيق الحمير وأصوات الحديد وما أشبهها.
وبعضها من الأسماء والألقاب إذا اشتقوا لها ما يوافقها في بعض الحروف أو في كلها كاسم الغراب من الغربة والبان من البين والنوى - نوى التمر - من البعد.
وبعضها من العاهات كالأعور من اليمين والمقعد من الرجل.
وبعضها من الحركات والجهات كالسانج والبارح والمعوج والمائل.
وجميع ذلك لضعف النفس والنحيزة واستيلاء اليأس والقنوط عليها.
وهذه الاستشعارات تزيدها سوء الحال فلذلك نهى عنها.
وكانت العرب خاصة من بين الأمم أحرص على هذه الطريقة وألزم لها على أن شاعرهم يقول وقد أحسن: تخبر طيره فيها زياد لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير.
على التوقير والإحلال وهو لا يكون شيخاً وآخر يتمنى أن يقال له ذلك وهو شاب طرير بل أنت تجد ذلك في شيخ على الحقيقة يكره ذلك إلا أن هذا علته ظاهرة ولكن الشأن في شاب يشيخ تعظيماً فيكره وشاب لا يشيخ فيتكلف.
وفقد الشباب موجع ووجه الشيب مفظع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يختلف الناس في ذلك باختلاف نظرهم لأنفسهم وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم.
وذلك انه ربما أحب الإنسان ان تظهر فضيلته في ابتداء زمانه واستقبال عمره فإذا قيل له: يا شيخ ظن أنه قد سلب تلك الفضيلة وألحق بمن حصل تلك الفضيلة في الزمان الطويل والتجربة الكثيرة.
وربما كره ذلك أيضاً لأرب له في الشباب وميل إلى اللعب والهوى اللذين يستقبحان من الشيخ فإذا قيل له: يا شيخ رأى هذا اللقب كالمانع له والزاجر وأن مخاطبة ينتظر منه ما ينتظر من المشايخ ولا يعذره على ركوب ما يهم به ويعزم عليه.
وربما نظر الإنسان إلى مرتبة حصلت له من الوقار الذي لا يحصل إلا من المشايخ وهو في سن الشباب فيسر بالإكرام وسرعة بلوغه مبلغ المحنكين وأهل الدربة.
مسألة ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره
وما علة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة ولم تعده المصيبة.
وما سر النفس في ذلك وهل هو محمود من الإنسان أن مكروه وإذا نزا به هذا الخاطر فبم يعالجه وإلى أي شيء يرده ولم يتمنى بسبب محنته أن يشركه الناس ولم يستريح إلى ذلك وأصحابنا يروون مثلاً بالفارسية ترجمته: من احترق بيدره أراد ان يحترق بيدر غيره.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الجزع والأسف من عوارض النفس وهي تجري مجرى سائر العوارض الأخر كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة وسائر الأخلاق التي يحمد الإنسان فيها إذا عرضت له كما ينبغي وبسائر الشروط التي أحصيناها مراراً كثيرة ويذم بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط.
وإنما تهذب النفس بالأخلاق لتكون هذه العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي فالحزن الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة لحقت الإنسان لذنب اجترحه أو لعمل فرط فيه أو كان له فيه سبب اختياري أو لسوء اتفاق خصه دون غيره وهو يجهل سببه فإن هذا الحزن وإن كان دون الأول فالإنسان معذور به.
فأما ما كان ضرورياً أو واجباً فليس يحزن له عاقل لأن غروب الشمس مثلاً لما كان ضرورياً لم يحزن له أحد وإن كان عائقاً عن منافع كثيرة وضارا بكل أحد ومنع النظر والتصرف في منافع الدنيا وكذلك هجوم الشتاء والبرد وورود الصيف بالحر لا يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أهبته.
وأما الموت الطبيعي فليس يحزن له أحد لأنه ضروري وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد في غير الوقت الذي كان ينتظره أو بغير الحالة المحتسبة ولذلك يجزع الوالد على موت ولده لأن الذي احتسبه أن يموت هو قبله.
فأما الولد فيقل جزعه على والده لأن الأمر كما كان في حسابه إلا أنه تقدم مثلاً بزمان يسير أو كما ينبغي.
فأما ما يعرض للمسافر ولراكب البحر أن يخص دون من يصحبه بمحنة في ماله أو جسمه فإنما حزنه لسوء الاتفاق ورداءة البخت فإن هذا النوع مجهول السبب ولذلك يعذر فيه أدنى عذر.
وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له فهو شر في طبعه لا سيما إذا لم يجد عليه شيئاً ولم يعد له بطائل وحينئذ يحسن توبيخه وتأديبه.
وقد أحسن الشاعر في قوله:
مسألة ما الفضيلة السارية في الأجناس المختلفة كالعرب والروم والفرس والهند
وزعمت أنك حذقت الترك لأن أبا عثمان لا يعتد بهم إلى ما يتصل به من كلامك مما لم أحكه إذ كانت المسألة هي في قدر ما خرج من حكايتي.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت هذه المسألة متوجهة إلى خصائص الأمم والتعجب واقعاً مما تفرد به قوم دون قوم - أقبلت على البحث عن ذلك وتركت تهذيب ألفاظ المسألة.
وهذه سبيلي في سائر المسائل لأن صاحبها يسلك مسلك الخطابة ولا يذهب مذهب أهل المنطق في تحقيق المسألة وتوفيتها حظها على طرقهم فأقول وبالله التوفيق: قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن النفس تستعمل الآلات البدنية فتصدر أفعالها بحسب أمزجتها وحكينا عن جالينوس مذهبه ودللنا على الموضع الذي يستخرج منه ذلك وضربنا له مثلاً من الحرارة الغريزية وغيرها إذا كانت حاضرة كيف تستعملها النفس الناطقة حتى تكون كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وأن الرياضة وحسن التقدير والترتيب ولزوم ذلك حتى يصير سجية وملكة - هي الفضيلة والخلق المحمود.
فإذا كان هذا الأصل محفوظاً فما أيسر الجواب عن مسألتك هذه! وذاك أن لكل أمة مزاجاً هو الغالب عليهم وإن كان يوجد في النادر وفي الفرط ما هو مخالف لذلك المزاج وذلك لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التابع لذلك ولما كرهته أنت أيضاً من آثار الفلك والكواكب فإن ذلك العالم هو المؤثر في هذا العالم بالجملة.
أما أولاً فبتمييز العناصر بعضها بعض ثم بمزجها على الأقل والأكثر ثم بإعطائها الصور والأشكال.
وليس لاستعفائك من الحق وجه ولا لإعفائك إياك منه طريق فالتزمه فإن واجب.
ولولا أن مسألتك وقعت عن غير هذا المعنى لاشتغلت به ولكن هذا أصل له فلا بد في ذكر الفرع من ذكر الأصل.
وإذا كان هذا على هذا فحيث يعتدل مزاج ما من الأمزجة الشريفة أعني في الأعضاء الشريفة وهي: القلب والكبد والدماغ - وأضيف إلى ذلك ما ذكرناه من أخلاق فاضلة - أعني ترتيب الأفعال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتكرر الفعل وإدمان العادة - فهناك تحصيل الفضيلة الصادرة عنها.
وسواء أكان ذلك في أمة أو شخص أو كان ذلك عن ابتداء أخلاق شريفة أو تأديب شيئاً فشيئاً بعد أن يكون المزاج مسعداً والبغية قابلة والعادة مستمرة فإن الفضيلة حاصلة غير زائلة.
مسألة ما علة كثرة غم من كان أعقل وقلة غم من كل أجهل
وهذا باب موجود في واحد واحد ثم تجده في الجنس والجنس كالسودان والحمران فإنك تجد السودان أطرب وأجهل والحمران أعقل وأكثر فكراً وأشد اهتماماً.
هذا ويقال إن الفرح من الدم.
والحمران أكثر دماً وأعدل مزاجاً وأوجد لأسباب الفرح وآلات الطرب وأقدر على الدنيا بكل وجه.
وأنت ترى - أيضاً - هذا العارض في رفيقين خليطين: أحدهما مهموم بالطبع وآخر متفكه بالطبع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الغم يعرض من جهتين مختلفتين: إحداهما جهة الفكر والأخرى جهة المزاج.
فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم إذا كان المرء ينتظر به مكروهاً.
وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى السواد أو الاحتراق فيتكدر به الروح الذي سببه بخارالدم في مجاري الشرايين.
وبحسب صفاء ذلك الدم يكون صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ذلك التجويف.
وإذا كان سبب الغم معلوماً فمقابله الذي هو سبب الفرح والسرور معلوم أيضاً.
فالعاقل - لأجل جولان فكره - يكثر انتظاره مكاره الدنيا ومن لا يكثر فكره ولا ينتظر مكروهاً فلا سبب له يغمه.
وأما المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه جالينوس وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدمه أو تأخر عنه.
وهذا المزاج ليس يخلوا أن يكون طارئاً أو حادثاً أو طبيعياً في أصل الخلقة فإن كان حادثاً فهو مرض وينبغي أن يعالج بما تعالج به أصناف المالخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي سببها فساد الدم بالاحتراق وانحرافه إلى السوداء.
وإن كان أصلياً وخلقة فلا علاج له لأنه ليس بمرض كأجيال من الناس وأمم أمزجتهم كذلك.
فأما ما حكيته عن السودان فإن الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط وسببه أعتدال دم القلب فيهم وليس ظننت أن أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب الشمس منهم وممرها في حضيض فلكها على سمت رءوسهم فهي تحرق جلودهم وشعورهم فيعرض فيها - أعني في شعورهم - التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيط الشعر ولأجل أن الحرارة تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها لأن الحرارة تميل إلى جهة الحرارة فلا تكثر الحرارة الغريزية في قلوبهم لأجل ذلك.
وإذا لك تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي هناك احتراق بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب.
ودماء الزنوج رقيقة أبداً صافية ولذلك تقل الشجاعة أيضاً فيهم.
فأما الحمران فأكثرهم في ناحية الشمال والبلدان الباردة التي تبعد الشمس عنهم وتقوى الحرارة الغريزية في قلوبهم ولاشتمال البرد على ظاهرهم تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم سباطاً وتعود حرارتهم إلى داخل أبدانهم هرباً من البرد الذي في هوائهم لبعد الشمس عنهم فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب.
ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكدورة والسواد والخروج عن الاعتدال.
وأهل الاعتدال الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من
مسألة حدثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها أمير الأجوبة وهي الشجا في الحلق والقذى في العين والغصة في الصدر والوقر على الظهر والسل في الجسم والحسرة في النفس وهذا كله لعظم مادهم منها وابتلى الناس به فيها وهي حرمان الفاضل وإدراك الناقص ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين وقال أبو سعيد الحصيري بالشك وألحد فلان في الإسلام وارتاب فلان في الحكمة.
وحين نظر أبو عيسى الوراق إلى خادم قد خرج من دار الخليفة بجنائب تقاد بين يديه وبجماعة تركض حواليه فرفع رأسه إلى السماء وقال: أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إليك بحجج وأدلة وأنصر دينك بكل شاهد وبينه ثم أمشي هكذا عارياً جائعاً نائعاً ومثل هذا الأسود يتقلب في الخز والوشي والخدم والحشم والحاشية والغاشية.
ويقال هذا الإنسان هو ابن الراوندي ومن كان فإن الحديث في هذا الباب والإسناد فيه عال والبحث عن هذا السر واجب فإنه باب إلى روح القلب وسلامة الصدر وصحة العقل ورضا الرب ولو لم يكن فيه إلا التفويض والصبر حسبما يوجبه الدليل لكان كافياً.
والمنجمون يقولون: إن الثامن من مقابلة الثاني.
وحدثنا شيخ عن ابن مجاهد أنه قال: الفضل معدود من الرزق كما أن الخفض معدود في جملة الحرمان.
وقال لي شيخ مرة: اعلم أن القسمة عدل والقاسم منصف لأنه بإزاء ما أعطاك من الأدب والفضل واللسان والعقل أعطى صاحبك المال والجاه والكفاية واليسار فانظر إلى النعمة كيف انقسمت بينكما ثم انظر إلى البلاء كيف انقسم عليكما أيضاً: أبلاك مع الفضل بالحاجة وأبلاه مع الغنى بالجهالة.
فهل العدل إلا في هذه العبرة والحق إلا بهذه الفكرة.
ولعمري إن هذا المقدار لا يصير عليه الدهري ولا التناسخي ولا الثنوي ولكن على كل حال فيه تبصرة من العمى.
ولو قد أفردنا الجواب عن مسائل هذه الرسالة للمعترض والمتشكك في ذلك مشبع ومروى.
والله المعين على ما قد اشتمل الضمير عليه وانعقدت النية به.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة كما حكيت ووصفت من صعوبتها على أكثر الناس والتباس وجه الحكمة فيها على أصناف أهل النظر حتى صار الكلام فيها مشبهاً بقائم الشطرنج الذي يتنازعه الخصمان إلى أن يقطعهما الكلال والسآمة فيطرحونها قائمة وكنت أحب أن أفرد فيها مقالة تشتمل على جملة مستقصاة تشفي وتكفي عند ما سألني بعض الإخوان ذلك فإن أمثال هذه المسائل المتداولة بين الناس المشهورة بالشك والحيرة - ليس ينبغي أن يقنع فيها بأمثال هذه الأجوبة التي سألت أنت فيها الإيجاز الشديد وضمنت أنا فيها الإيماء إلى النكت لا سيما وأنا لا أعرف في معناها كلاماً مبسوطاً لأحد ممن تقدمني حتى إذا أومأت بالمعنى إليه أحلت بالشرح عليه ولكنني لما انتهيت إليها بالنظر لم يجز أن أخليها من جواب متوسط بين الإسهاب والإيجاز.
وأنا مجتهد في بيانها وإزالة ما لحق الناس من الحيرة فيها.
ومن عند الله استمد التوفيق وهو حسبي فأقول: إن من الأصول التي لا منازعة فيها وهي مسلمة من ذوي العقول السليمة أن لكل موجود في العالم - طبيعي كان أو صناعي - غاية وكمالاً وغرضاً خاصاً وجد من أجله وبسببه اعني أنه إنما أوجد ليتم به ذلك الغرض وإن كان قد يتم به أشياء أخر دون ذلك الغرض الأخير والكمال الأخير وقد يصلح لأمور ليست من الغرض الذي قصد به وأريد له في شيء.
ومثال ذلك المطرقة فإنها إنما أعدت للصانع ليتم له بها مد الأجسام إلى أقطارها وبسطها إلى نواحيها وهي - مع ذلك - تصلح لأن يشق بها وتستعمل في بعض ما تستعمل فيه الفأس وكذلك أيضاً المقراض إنما أعد للخياط ليقطع به الثوب وهو مع ذلك - يصلح لأن يبري به القلم ويستعمل مكان السكين وكذلك الحال في سائر الآلات الصناعية.
وهكذا صور الأمور الطبيعية فإن الأسنان إنما أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاختلاف كمالاتها - أعني الأغراض التي تتم بها والأفعال التي وجدت من أجلها فإن مقاديمها حادة بالهيئة التي تصلح للقطع كالحال في السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة التي تصلح للرض والطحن كالحال في الرحا.
وقد تتم بها أفعال أخر.
وكذلك الحال في اليد والرجل فقد يتعاطى الناس أن يعملوا بكل واحدة منهما غير ما خلقت له وعملت من أجله على سبيل الحاجة إلى ذلك أو على طريق التغريب به كمن يمشي على يده ويبطش ويكتب برجله.
ولكن هذه الأفعال - وإن ساغ صدروها عن هذه الآلات وتتم بها غير ما هو كمالها وخص بها - فإن ذلك منها يكون على اضطراب ونقصان عن الآلات التي تتم بها أعمالها الخاصة بها المطلوبة منها الموجودة من أجلها.
وإذا كان ذلك مستمراً في جميع الألات الصناعية والأشخاص الطبيعية فكذلك الحال في النواع وهكذا يجري الأمر في أجناس هذه الأنواع فإن الناطق وغير الناطق من الحيوان ليس يجوز أن يكون غرضهما وكمالهما واحد - أعني لا يجوز بوجه ولا سبب ألا يكون للإنسان الذي ميز بهذه الصورة وأعطي التمييز والروية وفضل بالعقل الذي هو أجل موهوب له وأفضل مخصوص به - غرض خاص وكمال خلق لأجله ووجد بسببه.
وإذا كان هذا الأصل موطأ ومقراً به وكان على غاية الصحة وفي نهاية القوة كما تراه فهلم بنا نبحث بحثاً آخر عن هذه الآلات الصناعية والأشخاص الطبيعية فإنا نجدها قد تشترك في أشياء وتتباين في أشياء.
أعني أن المطرقة تشارك السكين والإبرة والمنشار وغيرها في الصورة التي هي الحديدة ثم تنفرد بخاص صورة لها تميزها من غيرها والإنسان يشارك النبات والبهائم في النمو والاعتلال وفي الإلتذاذ بالمأكل والمشرب وسائر راحات الجسد ونفض الفضول عنه ونريد ان نعلم هل هذا الاختصاص الذي لكل واحد منها بغرضه الخاص به وكماله المفروض له هو بما شارك به غيره آو بما باينه به فتجده الصورة الخاصة به التي ميزته عن غيره وصار بها هو ما هو.
أعني صورة الفأس التي بها هو فأس هي التي جعلت له خاصته وكماله وغرضه وكذلك الحال في الباقيات.
ثم نصير إلى الإنسان الذي شارك النبات والحيوان في موضوعاتها فنقول: إن الإنسان من حيث هو حيوان قد شارك البهائم في غرض الحيوانية وكمالها أعني في نيل اللذات والشهوات والتماس الراحات وطلب العوض مما يتحلل من بدنه إلا أن الحيوانية لما ما تكن صورته الخاصة به المميزة له عن غيره لم تصدر هذه الأشياء منه على أتم أحوالها وذاك أنا نجد أكثر الحيوانات تزيد على الإنسان في جميع ما عددناه وتفضله فيها بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء.
ولما كانت صورته الخاصة به التي ميزته عن غيره هو العقل وخصائصه من التمييز والروية - وجب ان تكون إنسانيته في هذه الأشياء فكل من كان حظه من هذه الخصائص أكثر كان اكثر إنسانية كما أن الأشياء التي عددناها كلما كان منها حظه من صورته الخاصة به أكثر كان فضله في أشكاله أظهر.
ثم نعود إلى شرح مسألتك ونبينها بحسب هذه الأصول التي قدمتها فأقول: لعمري إنه لو كان غاية الإنسان وغرضه الذي وجد بسببه وكماله الذي أعد له هو الاستكثار من القنية والتمتع بالمآكل والمشارب وسائر اللذات والراحات - لوجب أن يستوفيها بصورته الخاصة به ولوجب أن تكثر عنده ويكون نصيب كل إنسان منها على قدر قسطه من الإنسانية حتى يكون الأفضل من الناس هو الأفضل في هذه الأحوال من القنية والاستمتاع بها ولكن لما كانت صورته الخاصة به هي ذكرنا علمنا أن القصد به والغرض فيه هو ما صدر عنه وتم به كحقائق العلوم والمعارف وإجالة الروية وإعمال الفكرة فيها ليصل بذلك إلى مرتبة هي أجل من مرتبة البهائم وسائر الموجودات في عالم الكون والفساد كما أنه في نفسه وبحسب صورته أفضل منها كلها.
وهذه المرتبة لا يصل إليها بغير الروبة وبغير الإختيار الخاصيين بالعقل.
ولا يجوز أن يقال في معارضة ما قلناه: إن هذه الروية وهذا الاختيار إنما ينبغي أن يكونا في اللذات لأنا قد بينا في هذا الموضع وفي مواضع أخر كثيرة أن تلك الموجودة للحيوانات الخسيسة أو فر وأكثر بغير روية ولا عقل وإنما تشرف الروية وتتبين ثمرة العقل إذا استعمل في أفضل الموجودات.
وأفضل الموجودات ما كان دائم البقاء داثر ولا متبدل وغير محتاج ولا فقير إلى شيء خارج عنه بل هو الغني بذاته الذي بجوده على جميع الموجودات ونزلها منازلها بقدر مراتبها وعلى قدر قبولها وبحسب استحقاقاتها.
فالروية والفكرة والاختيار إنما تكمل بها صور الإنسانية إذا استعملت في الأمور الإلهية ليرتقي بها إلى منازل شريفة لا يمكن النطق بها ولا إشارة إليها إلا لمن وصل إليها وعرف إلى ما يشار وعلم لأي شيء عرض الإنسان من الخيرات ثم هو يطلب الإنتكاس في الخلق والرجوع إلى مرتبة البهائم ومن هو في عدادها ممن خسر نفسه كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}
فهذا - لعمري - هو الخسران المبين الذي يتعوذ بالله منه دائماً.
ولقد أعجبني قول امرىء القيس مع لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه وذهابه في طرق الشعر التي كان متصنعاً به وهائماً في واديه منغمساً في معانيه: أرانا موضعين لحتم غيب ونسحر بالطعام وبالشراب فما هذا الإيضاع منا وما هذا الحتم من الغيب لقد أشار إلى معنى الطيف ودل من نفسه على ذكاء تام وقريحة عجيبة ألا تراه يقول: ونسحر بالطعام وبالشراب أي المراد منا والمقصود بنا غيرهما وإنما نسحر بهذين.
فقد تبين أن الإنسان - إذا لم تكن غايته هذه الأشياء التي تسميها العامة أرزاقاً ولم يخلق لها ولا هي مقصود بالذات - فليس ينبغي له أن يلتمسها وأن يتعجب ممن اتفقت له وإن كان يتشوقها ويحبها فليس ذلك من حيث هو إنسان عاقل بل هو من حيث هو حيوان بهيمي.
وقد أزيحت علته في الأمور الضرورية التي يتم بها عيشة ويصح منها سلوكه إلى غايته.
ولم يظلم أحد في هذا فتأمله تجده بيناً إن شاء الله.
هذه المسألة مكررة وقد مضى الجواب عنها مستقصى على شريطة الإيجاز.
وبعدها مسألة التوفيق وقد مرت أيضاً فليرجع إلى الأجوبة المتقدمة عنهما.
مسألة لجواب أن تفرد مسألة الجبر والاختيار
فيقال: ما الجبر وما الاختيار وما نسبتهما إلى العالم وكيف انتسابهما وانتمائهما.
اعني كيف اختلافهما في ائتلاقهما وذلك أنك تجدهما في العالم مضافين إلى اللذين يجمعون بين العقل والحس كما تجدهما مضافين إلى اللذين ينفردون بالحس دون العقل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضاً.
وذلك أنه يظهر منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو نام - مع أنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الفعل النبات.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ذو نفس حساس فيناسب بذلك الفعل البهائم.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك الفعل الملائكة ولكل واحد من هذه الأفعال والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب وينظر أيضاً فيها من جهات مختلفة وتعرض لها عوائق كثيرة وموانع مختلفة بعضها طبيعية وبعضها اتفاقية وبعضها قهرية.
ومتى لم يفصل الناظر في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها من بعض ولم ينظر في جهاتها كلها - اختلطت عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه الشبه والشكوك.
ونحن نبين هذه الحركات ونميزها ثم نتكلم على حقيقة الجبر والاختيار فإن الأمر حينئذ يسهل جداً ويقرب فهمه ولا يعتاص - بمشيئة الله تعالى - فأقول: إن الفعل - مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته - يحتاج في ظهروه إلى أربعة أشياء: أحدهما الفاعل الذي يظهر منه.
والثاني المادة التي تحصل فيها.
والثالث الغرض الذي ينساق إليه.
والرابع الصورة التي تقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في المادة وربما كانت الصورة هي الفعل بعينه.
فهذه الأشياء الأربعة هي ضرورية في وجود الفعل وظهوره وقد يحتاج إلى الآلة والزمان والبينة الصحيحة ولكن ليست بضرورية في كل فعل.
ثم إن كل واحد من الأشياء التي هي ضرورية في وجود الفعل ينقسم قسمين: فمنه قريب ومنه بعيد: أما الفاعل القريب فبمنزلة الأجير الذي ينقل آلات البناء في اتخاذ الدار.
والفاعل البعيد بمنزلة الذي يهندس الدار ويأمر بها ويتقدم بجميع آلاتها.
وأما الهيولى القريبة فبمنزلة اللبن للحائط والخشب للباب.
والهيولى البعيدة بمنزلة العناصر الأولى.
وأما الكمال القريب فبمنزلة السكنى في الدار.
والكمال البعيد بمنزلة حفظ المتاع ودفع أذى الحر والبرد وما أشبه ذلك.
وأما أنواع الأفعال التي ذكرناها فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن لكل واحدة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خاص فعل لا يصدر إلا عنها.
وأما الأسباب الدواعي فبعضها الشوق والنزوع وبعضها الفكر والروية وقد تتركب هذه.
وأما العوائق التي ذكرناها فبعضها اتفاقية وبعضها قهرية وبعضها طبيعية.
فالاتفاقية بمنزلة من يخرج لزيارة صديقه فيلقاه عدو لم يقصده فيعوقه عن إتمام فعله وكمن ينهض لحاجة فيعثر أو يقع في بئر.
والقهرية بمنزلة من يشد يديه اللصوص ليعوقوه عن البطش بهما أو كمن يقيده السلطان ليمنعه من السعي والهرب منه.
والطبيعية بمنزلة الفالج والسكتة وأما أشبههما.
وههنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وهو أنا ربما نظرنا في الفعل لا من حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك أنا قد ننظر في فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث يحبه عمرو ويكرهه خالد ومن جهة ما هو ضار لبكر ونافع لعبد الله.
وهذا النظر ليس يكون في ذات الفعل بل في إضافته إلى غيره.
وإذ قد نظرنا في الفعل وأنواعه وجهاته وحاجته في ظهوره ووجوده إلى الشرائط التي عددناها - فإنا ناظرون في الاختيار ما هو فنقول: إن الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير وهو افتعال منه وإذا قيل: اختار الإنسان شيئاً فكأنه افتعل من الخير أي فعل ما هو خير له: إما على الحقيقة وإما بحسب ظنه.
وإن لم يكن خيراً له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من هذا الوجه وهو ما صدر عن فكر منه وإجالة رأى فيه ليقع منه ما هو خير له.
ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ولا يجيل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء الممتنع وإنما يفكر ويجيل رأيه في الشيء الممكن ومعنى قولنا الممكن هو الشيء الذي ليس بمتنع وإذا فرض وجوده لم يعرض عنه محال.
ولما كانت هذه الجهة من الفعل هي المتعلقة بالاختيار وهي التي تخص بالفعل الإنساني وكانت محتاجة في تمام وجود الفعل إلى تلك الشرائط التي قدمناها كان النظر فيها - أعني في هذه الجهة - يعرض للغلط والوقوع في تلك الجهات التي ليست متعلقة بالإنسان ولا مبدؤها إليه.
وربما نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في الجهات الأخر فيكون حكمه على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ينظر في الفعل من جهة الهيولى المختصة به التي لا بد له في وجوده منها ويتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده كالكاغد للكاتب فإنه إذا نظر في فعل الكاتب من هذه الجهة.
أعني تعذر الكاغد عليه ظن أنه عاجز عن الكتابة من هذه الجهة ممنوع عن الفعل لأجلها وهذه جهة لم تتعلق به من حيث هو كاتب ومختار للكتابة وكذلك إن عدم القلم والجارحة الصحيحة أو واحداً من تلك الأشياء المشروط في وجود كل فعل إنساني فحينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم على الإنسان بالجبر ويمنع من الاختيار.
وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من حيث هو مختار فإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده فإنه أيضاً سيبادر إلى الحكم عليه بأنه فاعل متمكن ويمنع من الجبر.
وهكذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك المركب إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزاؤه الباقية - تعرض له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها.
والفعل الإنساني وإن كان اسمه واحداً فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا بها فمتى لحظ الناظر فيه شيئاً واحداً منها وترك ملاحظة الباقيات عرضت له الشكوك من تلك الأشياء التي أغفلها.
والمذهب الصحيح هو مذهب من نظر في واحد واحد منها فنسب الفعل إلى الجميع وخص كل جهة بقسط من الفعل ولم يجعل الفعل الإنساني اختياراً كله ولا تفويضاً كله ولهذا قيل: دين الله بين الغلو والتقصير.
فإن من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون صاحبه متمكناً من القوة الفاعلة بالاختيار فهو غال من حيث أهمل الأشياء الهيولانية والأسباب القهرية والعوائق التي عددتها وهذا يؤديه إلى التفويض.
وكذلك حال من زعم أن فعله يكفي في وجوده أن ترتفع هذه العوائق عنه وتحصل له الأشياء الهيولاينة فهو مقصر من حيث أهمل القوة الفاعلة بالاختيار وهذا يؤديه إلى الجبر.
وإذا كان هذا على ما بيناه ولخصناه فقد ظهر المذهب الحق وفيه جواب مسألتك عن الجبر والاختيار.
ويعلم علماً واضحاً أن الإنسان إذا امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية في ظهور فعله أو عرضية فيه أو قهرية أو اتفاقية فهو منسوب إلى تلك الجهة.
مثال ذلك أنه إن كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولى أو أحد الأربعة الأشياء الضرورية فهو عاجز وإن امتنع لعائق قهري أو اتفاقي فهو معذور من تلك الجهة وبحسبها وعلى مقدارها.
فأما من حضرته القوة الفاعلة بالاختيار وارتفعت تلك الموانع عنه وأزيحت علله فيها كلها ثم كان ذلك لفعل مما ينظر فيه على طريق الإضافة أن يكون طاعة لمن تجب طاعته آو معونة لمن تجب معونته أو غير ذلك من وجوه الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه قادر متمكن ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره أو العيب والذم.
وهذه الجهة التي تختص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر وإجالة الرأى المسمى بالاختيار - هي ثمرة العقل ونتيجته.
ولولا هذه الجهة لما كان لوجود العقل فائدة بل يصير وجوده عبثاً ولغواً ونحن نتيقن أن العقل أجل الموجودات وأشرف ما من الله - تعالى - به ووهبه للإنسان ونتيقن أيضاً أن أخس الموجودات ما لا ثمرة له ولا فائدة في وجوده بمنزلة اللغو والعبث فإذن أجل الموجودات على هذا الحكم هو أخس الموجودات.
هذا خلف لا يمكن أن يكون.
فليس هذا الحكم بصادق فنقيضه هو الصادق.
مسألة لم حن بعض الناس إلى السفر من لدن طفوليته إلى كهولته
ومنذ صغره إلى كبره حتى إنه يعق الوالدين ويشق الخافقين صابراً على وعثاء السفر وذل الغربة ومهانة الخمول وهو يسمع قول الشاعر: إن الغريب بحيث ما حطت ركائبه ذليل ويد الغريب قصيرة ولسانه أبداً كليل وآخر ينشأ في حضن أمه وعلى عانق ظئره ولا ينزع به حنين إلى بلد ولا يغلبه شوق إلى أحد كأنه حجر جبله أو حصاة جدوله لعلك تقول: مواضع الكواكب ودرجة الطالع وشكل الفلك اقتضت له هذه الأحوال وقصرته على هذه الأمور فحينئذ تكون المسألة عليك في آثار هذه النجوم وتوزيعها هذه الأسباب على ما هي عليه من ظاهر التسخير - أشد وتكلف الجواب عنها آكد وأنكد.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن قوة النزاع إلى المحسوسات تنقسم بانقسام الحواس.
وكما ان بعض المزاج تقوى فيه حاسة البصر وبعضه تقوى فيه حاسة السمع فكذلك الحال في القوة النزاعية التي في تلك الحاسة لأنها هي التي تشتاق إلى تكمل الحاسة وتصييرها بالفعل بعد أن كانت بالقوة.
ومعنى هذا الكلام أن الحواس كلها هي حواس بالقوة إلى أن تدرك محسوساتها فإذا أدركتها صارت حواس بالفعل.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس بعجب أن يكون هذا المعنى في بعض الحواس قوياً ويضعف في بعض فيكون بعض الناس يشتاق إلى السماع وبعضهم إلى النظر وبعضهم إلى المذوقات من المأكول والمشروب وبعضهم إلى المشمومات وألوان الروائح بعضهم إلى الملبوسات من الثياب وغيرها.
وربما اجتمع لواحد أن يشتاق إلى اثنين منها أو ثلاثة أو إليها كلها.
ولكل واحد من هذه المحسوسات أنواع كثيرة لا تحصى ولأنواعها أشخاص بلا نهاية.
وهي على كثرتها وعددها الجم وخروجها إلى حد ما لا نهاية له - ليست كمالات للإنسان من حيث هو إنسان وإنما كماله الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله.
أعني العلوم.
وأشرفها ما أدى إلى أشرف المعلومات.
وإنما صار البصر والسمع أشرف الحواس لأنهما أخص بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز وبهما تدرك أوائل المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق.
وإذا كانت الحالة على هذه الصورة في الشوق إلى ما يتمم وجود الحواس ويخرجها إلى الفعل وكان من الظاهر المتعارف أن بعض الناس يشتاق إلى نوع منها فيحتمل فيه كل مشقة وأذى حتى يبلغ أربه فيه - لم يكن بديعاً ولا عجباً أن يشتاق آخر إلى نوع آخر فيحتمل مثل ذلك فيه.
إلا أنا وجدنا اللغة في بعض هذه عنيت فوضعت له اسماً وفي بعضها لم تغن فأهملته وذلك أنا قد وجدنا لمن يشتاق إلى المأكول والمشروب إذا أفرطت قوته النزاعية إليهما حتى يعرض له ما ذكرت من الحرص عليهما والتوصل إليهما ما يحتمل معه ضروب الكلف والمشاق - اسماً وهو الشره والنهم.
ولم نجد لمن يعرض له ذلك في المشموع اسماً.
وأظن ذلك لأجل كثرة ما يوجد من ذلك الضرب ولأن عيبه أفحش وما يجلبه من الآثام والقبائح أكثر.
فقد ظهر السبب في تشوق بعض الناس إلى الغربة وجولان الأرض.
وهو أن قوته النزاهية التي تختص بالبصر تحب الاستكثار من المبصرات وتحديدها ويظن أن أشخاص المبصرات تستغرق فهو يحتمل كثيراً من المشاق في الوصول إلى أربه من إدراك هذا النوع.
وقد نجد من يحتمل أكثر من ذلك إذا تحرك بقوته النزاعية إلى سائر المحسوسات الأخر والاستكثار منها.
فتأمل الجميع وأعد نظرك وتصفح جزئياتها تجد الأمر فيها واحداً.
ما غائلة الجهل ثم ما عائدة الجهل الذي قد وما سر العلم الذي قد طبع عليه الخلق فإن استشفاف هذه الفصول واستكشاف هذه الأصول يثيران علماً وحكماً جماً وإن كان فيها - في البحث عنها وبعض أوائلها وأواخرها - مشقة على النفس وثقل على الكاهل.
ولولا معونة الخالق من كان يقطع هذه التنائف الملس ومن كان يسلك هذه المهامه الخرس ولكن الله - تعالى - ولى المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في عرض كلامنا على هذه المسائل ما ينبه على جواب هذه المسألة.
ولكنه لا بد من إعادته شيء منه يزيد في كشف الشبهة وإزالة الشك.
وهو أن العلم كمال الإنسان من حيث هو إنسان لأنه إنما صار إنساناً بصورته التي ميزته عن غيره.
أعني النبات والجماد والبهائم.
وهذه الصورة التي ميزته ليست في تخاطيطه وشكله ولونه.
والدليل على ذلك أنك تقول: فلان أكثر إنسانية من فلان فلا تعني به أنه أتم صورة بدن لا أكمل يف الخلق التخطيطي ولا في اللون ولا في شيء آخر غير قوته الناطقة التي يميز بها بين الخير والشر في الأمور وبين الحسن والقبيح في الأفعال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ولذلك قيل في حد الإنسان: إنه حي ناطق مائت.
فميز بالنطق أعني بالتمييز وبينه وبين غيره دون تخطيطه وشكله وسائر أغراضه ولواحقه.
وإذا كان هذا المعنى من الإنسان هو ما صار به إنساناً فكلما كثرت إنسانيته كان أفضل في نوعه.
كما أن كل موجود في العالم إذا كأن فعله الصادر عنه بحسب صورته التي تخصه فإنه إذا كان فعله أجود كان أفضل وأشرف.
مثل ذلك الفرس والبازي من الحيوان والقلم والفأس من الآلات فإن كل واحد من هذه إذا صدر عنه فعله الخاص بصورته كاملاً كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه وكذلك الحال في النبات والجماد فإن لكل واحد من أشخاص الموجودات خاص صورة يصدر عنه فعله وبحسب يشرف أو يخس إذا كان تاماً أو ناقصاً.
فأي فائدة أعظم مما يكمل وجودك ويتمم نوعك ويعطيك ذاتك حتى يميزك عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بناطقة ويقربك من الملائكة والإله - عز وجل وتقدس وتعالى - وأي غائلة أدهى وأمر وأكلم وأطم مما ينكسك في الخلق ويردك إلى أرذل وجودك ويحطك عن شرف مقامك إلى خساسة مقامات ما هو دونك أظنك تذهب إلى أن العلم يجب ان يفيدك - لا محالة - جاهاً أو سلطاناً أو مالاً تتمكن به من شهوات ولذات.
فلعمري إن العلم قد يفعل ذلك ولكن بالعرض لا بالذات لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ويكمل به الإنسانليس هو غايات الحواس ولا كمال البدن.
وإن كان قد يتم به ذلك في كثير من الأحوال.
ومتى استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك البهيمية والنباتية وكأنه استعمل في أرذل الأشياء وهو معد لأن يستعمل في أشرفها.
مسألة ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف وما وجه تجلد الخائف
والمصاب كراهة أن يوقف منه على فسولة طبعه أو قلة مكانته أو سوء جزعه هذا مع تخاذل أعضائه وندائه على ما به واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وظهور علامات ما إذا أراد طيه ظهر على أسرة وجهه وألحاظ عينيه وألفاظ لسانه واضطراب شمائله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك توقع مكروه حادث فإن كان السبب صحيحاً قوياً والدليل واضحاً جلياً كان الخوف في موضعه.
ثم بحسب ذلك المكروه يحسن الصبر ويحمد احتمال الأذى العارض منه وتظهر من الإنسان أمارات الشجاعة أو الجبن.
وأثبت الناس جناناً وجأشاً وأحسنهم بصيرة وروية لا بد أن يضطرب عند نزول المكروه الحادث به الطارىء عليه لا سيما إن كان هائلاً فإن أرسططاليس يقول: من لم يجزع من هيج البحر وهو راكبه ومن الأشياء الهائلة التي فوق طاقة الإنسان فهو مجنون.
وكثير من المكاره يجري هذا المجرى ويقاربه والجزع لا حق بالمرء على حسبه ومقداره: فإن كان المكروه والمتوقع مما يطيق الإنسان دفعه أو تخفيفه فذهب عليه أمره واستولى عليه الجزع ولم يتماسك له - فهو جبان جزوع مذموم من هذه الجهة.
ودواؤه التدرب باحتمال الشدائد وملاقاتها والتصبر عليها وتوطين النفس لها قبل حدوثها لئلا ترد عليه وهو غافل عنها غير مستعد لها.
وإذا كانت الشجاعة فضيلة وكانت ضدها نقيصة ورذيلة فمن لا يحب أن يستر نقيصته ويظهر فضيلته مع ما تقدم من قولنا فيما سبق.
إن كل إنسان يعشق ذاته ويحب نفسه.
إذا كان مثلاً يفتح قفلاً فيتعسر عليه حتى يجن ويعض على القفل ويكفر وهذا عارض فاش في الناس.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا العارض وشبهه من أقبح ما يرض للإنسان وهو غير معذور إن لم يصلحه بالخلق الحسن المحمود وذلك أن الغضب إنما يثور به دم القلب لمحبة الانتقام وهذا الانتقام إذا لم يكن كما ينبغي وعلى من ينبغي وعلى مقدار ما ينبغي فهو مذموم فكيف به إذا كان على الصورة التي حكيتها.
فأما سؤالك عن سبب الغضب فقد ذكرته وأجبت عنه وإذا أثار في غير وضعه فواجب على الإنسان الناطق المميز أن يسكنه ولا يستعجله ولا يجري فيه على منهاج البهيمة وسنة السبع فإن من أعانة بالفكرة وألهبه بسلطان الروية حتى يحتدم ويتوقد فإنه سيعسر بعد ذلك تلافيه وتسكينه والإنسان مذموم به إذا وسوم الطبيعة ولم يظهر فيه أثر التمييز ومكان العقل.
وجالينوس قد ذكر في كتاب الأخلاق حديث القفل بعينه وتعجب من جهل من يفعل ذلك أو يرفس الحمار ويلكم البغل فإن هذا الفعل يدل على أن الإنسانية يسيره في صاحبه جداً والبهيمية غالبة عليه أعني سوء التمييز وقلة استعمال الفكر.
وليس هذا وحده يعرض لحشو الناس وعامتهم بل الشهوة والشبق وسائر عوارض النفس البهيمية والغضبية إذا هاج بهم وابتدأ في حركته الطبيعية لم يستعملوا فيه ما وهبه الله - تعالى - لهم وفضلهم به وجعلهم له أناسي اعني أثر العقل بحسن الروية وصحة التمييز والله المستعان ولا قوة إلا به.
مسألة لم صار من كان صغير الرأس خفيف الدماغ
ولم يكن كل من كان عظيم الرأس رزين الدماغ الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: يحتاج الدماغ إلى اعتدال في الكيفية والكمية فإن حصل له احدهما لم يغن عن الآخر فإن كان جوهره جيداً في الكيفية وكانت كميته ناقصة فهو - لا محالة - ردىء وإن كانت كميته كثيرة فليس هو - لا محالة - رديئاً فقد يكون كثيراً وجيد الجوهر إلا أنه يجب أن يكون مناسباً لحرارة القلب ليحصل بين برد هذا ورطوبته وحرارة ذلك ويبوسته - الاعتدال المحبوب المحمود.
ومتى حصل على الخروج من هذا الاعتدال تبعه من الرداءة قسطه ونصيبه إلا أن التفاضل بين أنواع الخروج من الاعتدال كثير ولأن يكون جيداً وكثيراً زائداً على قدر الحاجة خير من ان يكون جيداً وناقصاً عن قدر الحاجة فإن جمع رداءة الكيفية والكمية كان صاحبه معتوهاً
مسألة لم اعتقد الناس في الكوسج أنه خبيث وداهية
وكذلك في القصير ولم يعتقدوا العقل والحصافة فيمن كان طويل اللحية كثيف الشعر مديد القامة جميل الإمة ولم رأوا خفة العارضين من السعادة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة من باب الفراسة.
والممدوح المحمود من كل أمر يتبع مزاجاً ما هو الاعتدال.
فأما الطرفان اللذان يكتنفان الاعتدال - أعني الزيادة والنقصان - فهما مذمومان مكروهان.
فإن كان وفور اللحية وطولها وعظمها وذهابها في جميع جهات الوجه دليل السلامة والغفلة فبالواجب صار الطرف الذي يقابله من الخفة والنزرة والقلة دليل الخبث والدهاء.
وهما جميعاً طرفان خارجان عن الاعتدال المحمود.
وأحسب أن للاختيار السيء مدخلاً: وذلك أن الرجل إذا كان وافر إضاعة اللحية فهو قادر على أن يخفف منها بأيسر مئونة حتى يحصل على القدر المعتدل والهيئة المحمودة فتركه إياها على الحال المذمومة مع تعبه بها وإصلاحها دائماً أو تركه إياها حتى تسمج وتضطرب دليل فأما عدم اللحية فليس يقدر صاحبه على حيلة فيها فهو معذور.
مسألة لم سهل الموت على المعذب مع علمه
أن العدم لا حياة معه وليس بموجود فيه وأن الأذى - وإن اشتد - فإنه مقرون بالحياة العزيزة هذا وقد علم أيضاً أن الموجود أشرف من المعدوم وانه لا شرف للمعدوم فما الذي يسهل عليه العدم وما الشيء المنتصب لقلبه وهل هذا الاختيار منه بعقل أو فساد مزاج.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة - وإن كان الغرض فيها صحيحاً فالكلام فيها مضطرب غير مسلم المقدمات وذلك أن الإنسان إذا مات فليس يعدم رأساً بل إنما تبطل عنه أعراض وتعدم عنه كيفيات فأما جواهره فإنها غير معدومة ولا يجوز على الجوهر العدم بتة لما تبين في أصول الفلسفة من أن الجوهر لا ضد له ومن أشياء أخر ليس هذا موضعها.
فالجوهر لا يقبل العدم من حيث جوهر وأجزاء الإنسان إذا مات تنحل إلى أصولها - أعني العناصر الأربعة وذلك بأن يستحيل إليها.
وأما جوهره الذي هو النفس الناطقة فقد تبين أنه أحق بالجوهرية من عناصره الأربعة فهو إذن دائم البقاء أيضاً.
ولما لم تكن مسألتك متوجهة إلى هذا المعنى وإنما وقع الغلط في أخذ مقدمات غير صحيحة وإرسال الكلام فيها على غير تحرز - وجب أن ننبه على موضع الغلط ثم نعدل إلى جواب الغرض من المسألة فنقول: إن الحياة ليست بعزيزة إلا إذا كانت جيدة وأعني بالحياة الجيدة ما سلمت من الآفات والمكاره وصدرت بها الأفعال تامة جيدة ولم يلحق الإنسان فيها ما يكرهه من الذل السديد والضيم العظيم والمصائب في الأهل والولد.
وذلك أن الإنسان لو خير بين هذه الحياة الرديئة وبين الموت الجيد أعني أن يقتل في الجهاد الذي يذب به عن حريمه ويمتنع به عن المذلة والمكاره التي وصفناها لوجب بحكم العقل والشريعة أن يختار الموت والقتل في مجاهدة من يسومه ذلك.
وهذه مسألة قد سبقت لها نظيرة وتكلمنا عليها بجواب مقنع وهو قولك: ما سبب الجزع من الموت وما سبب الاسترسال إلى الموت فليرجع إليه فإنه كاف.
مسألة لم ذم الإنسان ما لم ينله وهجن ما لم يحزه وعلى ذلك عادى الناس
ما جهلوا حتى صار هذا من الحكم اليتيمة: وقد عادى الناس ما جهلوا كما قيل فلم عادوه ولم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حتى تزول العداوة ويحصل الشرف ويكمل الجمال ويحق القول بالثناء ويصدق الخبر عن الحق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا من قبيح ما يعترى الناس من الأخلاق وهو جار مجرى الحسد وذاهب في طريقه.
وصاحب المثل الذي يقول: المرء عدو ما جهل إنما أخرجه مخرج الذم والعيب كما قيل: الناس شجرة بغي وحسد.
والسبب في محبة النفس أولاً ثم الغلط في تحصيل ما يزينها.
وذلك أنه إذا أحب الإنسان نفسه أحب صورتها والعلم صورة النفس ويعرض من محبة صورة نفسه أن يبغض ما ليس له بصورة فمتى حصل له علم أحبه وإذا لم يحصل له أبغضه.
ويذهب عليه التماس ما جهله بالمطلب - وإن كان فيه مشقة - أولى به ليصير - أيضاً - صورة أخرى له جميلة.
ولعل المانع له من ذلك كراهة التذلل لمن يتعلم منه بعد حصول العز له في نوع آخر وبين طائفة أخرى.
فأما قولك فلم لم يحبوه حتى يطلبوه ويفقهوه فهو الواجب الذي ينبغي أن يفعل وعليه حض صاحب المثل بالتنبيه على العيب ليتجنب بإتيان الفضيلة.
وسمعت بعض أهل العلم يحكي عن قاض جليل المحل عالى المرتبة أنه هم بتعلم الهندسة على كبر السن.
قال: فقلت له: ما الذي يحملك على ذلك وهو يقدح في مرتبتك ويطلق ألسن السفهاء عليك وأنت لا تصل إلى كبير حظ منه مع علو السن وحاجة هذا العلم إلى زمان طويل وذكاء لا يوجد إلا مع الحداثة واستقبال العمر فقال: ويحك! أحسست من نفسي بغضاً لهذا العلم وعداوة لأهله فأحببت أن أتعاطاه لأحبه ولئلا أبغض علماً فأعادي اهله.
وهذا هو الانقياد للحق وتجرع مرارته حرصاً على حلاوة ثمرته ورياضة للنفس على ما تكرهه فيما هو أزين لها وأعود عليها وحملها على ما يصلحها ويهذبها.
مسألة لم كان الإنسان إذا أراد أن يتخذ عدة أعداء في ساعة واحدة
قدر على ذلك وإذا قصد اتخاذ صديق ومصافاة خذن واحد لم يستطع إلا بزمان واجتهاد وطاعة وغرم وكذلك كل صلاح مأمول ونظام مطلوب في جميع الأمور ألا الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: جواب مسألتك هذه منها.
وما أشبهها بحكاية سمعتها عن الأصمعي وذاك أنه بلغني أن قارئاً قرأ عليه: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا فقال: يا أبا سعيد: ما الألمعى فقال: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
فأنا قائل في هذه المسألة أيضاً: إنما صار الإنسان قادراً على اتخاذ الأعداء بسرعة وغير قادر على اتخاذ الأصدقاء إلا في زمان طويل وبغرامة كثيرة - لأن هذا فتق وذاك رتق وهذا هدم وذاك بناء.
وسق باقي كلامك فإنه جوابك.
مسألة ما الذي حرك الزديق والدهري على الخير وإيثار الجميل
وأداء الأمانة ومواصلة البر ورحمة المبتلي ومعونة الصريخ ومغثة الملتجيء إليه والشاكي بين يديه هذا وهو لا يرجو ثواباً ولا ينتظر مآباً ولا يخاف حساباً.
أترى الباعث على هذه الأخلاق الشريفة والخصال المحمودة رغبته في الشكر وتبرؤه من القرف وخوفه من السيف قد يفعل هذه في الأوقات لا يظن به التوقى ولا اجتلاب الشكر وهل في هذه الأمور ما يشير إلى توحيد الله تبارك وتعالى.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: للإنسان - بما هو إنسان - أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع وله بداية في رأيه وأوائل في عقله لا يحتاج فيها إلى الشرع بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما عنده والتنبيه عليه فتثير ما هو كامن فيه وموجود في فطرته قد أخذه الله - تعالى - وسطره فيه من مبدأ الخلق فكل من له غريزة من العقل ونصيب من الإنسانية ففيه حركة إلى الفضائل وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من الفضائل والمحاسن التي يقتضيها العقل وتوجبها الإنسانية وإن اقترن بذلك في بعض الأوقات محبة الشكر وطلب السمعة والتماس أمور أخر.
ولولا أن محبة الشكر وما يتبعه - أيضاً - جميل وفضيلة لما رغب فيه ولولا أن الخالق - تعالى - واحد لما تساوت هذه الحال بالناس ولا استجاب أحد لمن دعا إليها وحض عليها إذا لم يجد في نفسه شاهداً لها ومصدقاً بها.
ولعمري إذا هذا أوضح دليل على توحيد الله تعالى ذكره وتقدس اسمه.
مسألة ما الذي قام في نفس بعض الناس
حتى صار ضحكة أعني يضحك ويسخر منه ويعبث بقفاه وهو في ذاك صابر محتسب وربما خلا من النائل وربما نزر النائل.
فكيف هون عليه الأمر القبيح ولعله من بيت ظاهر الشرف منيف المحل.
وبمثل هذا المعنى يصير آخر مخنثاً مغنياً لعاباً إلى آخر ما اقتصه من حديث الرجل الذي نشأ على طريق مذمومة وهو من بيت كبير.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في مسألة الفراسة أن لكل مزاج خلقاً يتبعه والنفس تصدر أفعالها بحسب تلك الطبيعة والمزاج وأن الإنسان متى استرسل للطبيعة وانقاد لهواه ولم يستعمل القوة الموهوبة له في رفع ذلك وتأديبه نفسه بها - كان في مسلاخ بهيمة!!!.
وهذا الخلق الذي ذكرته في هذه المسألة أحد الأخلاق التابعة لمزاج خارج عن الاعتدال التي من ترك الإنسان وسوم الطبيعة فيها جمحت فيه إلى أقبح مذهب وأسوأ طريقة.
وحق على من بلى بها أن يجتهد في مداواتها ويجتهد له فيها.
فقد تقدم قولنا في هذا الباب إنه ممكن ولولا إمكانه لما حسن التقويم والتأديب عليه ولا الحمد والذم فيه ولا الزجر والدعاء إليه ولا السياسة من الآباء والملوك وقوام المدن به.
ومتى لم يستجب إنسان لمعالجة هذه الأدواء كانت معالجته بالعقوبات المفروضة واجبة فيه.
وما أشبه الأمراض النفسانية بالأمراض الجسمانية فكما أن مرض الجسم متى لم يعالجه صاحبه بالاختيار والإيثار وجب أن يعالج بالقهر والقسر فكذلك مرض النفس إلى أن ينتهي إلى حال يقع معها اليأس من الصلاح فحينئذ ينبغي أن يراح من نفسه ويستراح منه وتطهر الأرض منه على حسب ما تحكم فيه الشريعة أو السياسة الفاضلة.
مسألة ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة
ومن أين ورث هذا الخلق وأي شيء رمزت الطبيعة به ولم أفرط بعضهم في طلبها حتى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وحتى هجر من أجلها الوساد وودع بسببها الرقاد وطوى المهامه والبلاد وهل هذا الجنس من جنس من امتعض في ترتيب العنوان إذا كوتب أوكاتب وما ذاك من جميع ما تقدم فقد تشاح الناس في هذه المواضع وتباينوا وبلغوا المبالغ.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن في الناس ثلاث قوى وهي: الناطقة والبهيمية والغضبية.
فهو بالناطقة منها يتحرك نحو الشهوات التي يتناول بها اللذات البدنية كلها.
وبالغضبية منها يتحرك إلى طلب الرئاسات ويشتاق إلى أنواع الكرامات وتعرض له الحمية والأنفة ويلتمس العز والمراتب الجليلة العالية ويظهر أثرها من القلب.
وإنما تقوى فيه واحدة من هذه القوى بحسب مزاج قوة هذه الأعضاء التي تسمى الرئيسية في البدن.
فربما خرج عن الاعتدال فيها إلى جانب الزيادة والإفراط أو إلى ناحية النقصان والتفريط فيجب عليه حينئذ أن يعد لها ويردها إلى الوسط - أعني الاعتدال الموضوع له - ولا يسترسل لها بترك التقويم والتأديب فإن هذه القوى تهيج لما ذكرناه.
فإن تركت وسومها وترك صاحبها إصلاحها وعلاجها بالأعقال واتباع الطبيعة - تفاقم أمرها وغلبت حتى تجمح إلى حيث لا يطمع في علاجها ويؤيس من برئها.
وإنما يملك أمرها وتأديبها في مبدأ الأمر بالنفس التي هي رئيسة عليها كلها - أعني المميزة العاقلة التي تسمى القوة الإلهية - فإن هذه القوة ينبغي أن تستولي وتكون لها الرئاسة على الباقية.
فمحبة الإنسان للرئاسة أمر طبيعي له ولكن يجب أن تكون مقومة لتكون في موضعها وكما ينبغي.
فإن زادت أو نقصت في إنسان لأجل مزاج أو عادة سيئة وجب عليه أن يعد لها بالتأديب ليتحرك كما ينبغي وعلى ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي.
وقد مضى من ذكر هذه القوى وآثارها في موضعه ما يجب أن يقتصر بها هنا على هذا المقدار.
ونقول: إنه كما يعرض لبعض الناس ان يلقى الأسنة بنحره ويركب أهوال البر والبحر لنيل الشهوات بحسب حركة قوة النفس البهيمية فيه وتركه قمعها - فكذلك يعرض لبعضهم في نهوض قوة النفس الغضبية فيهم إلى نيل الرئاسات والكرامات - أن يركب هذه الأهوال فيها.
ومدار الأمر على العقل الذي هو الرئيس عليها وأن يجتهد الإنسان في تقوية هذه النفس لتكون هي الغالبة وتتعبد القواتان الباقيتان لها حتى تصدر عن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف عندما يحده فإن هذه القوة هي التي تسمى الإلهية ولها قوة على رئاسة تلك الأخر وهداية إلى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التامة عليها ولكنها - كما قال أفلاطون - في لين الذهب وتلك في قوة الحديد وللإنسان الاجتهاد والميل إلى تذليل هذه لتلك فإنها ستذل وتنقاد.
والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أي أو جد منظور إليه مكثور عليه في فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كان له ابن كذلك أعني كيف يسري الشرف من المتقدم في المتأخر ولا يسري من المتأخر في المتقدم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأب علة الولد وعرفه يسري فيه لأنه معلوله ولأنه مكون من مزاجه وبزره فهو من أجل ذلك كجزء منه أو كنسخة له فغير مستنكر أن يظهر أثر العلة فيه أو ينتظر منه نزوع العرق إليه.
فأما عكس هذه القضية وهو أن يصير المعلول سبباً للعلة حتى يرجع مقلوباً فشيء يأباه العقل وترده البديهة ويسير التأمل يكفي في جواب هذه المسألة.
مسألة ولم إذا كان أبو الإنسان مذكوراً بما أسلفنا نعته وبغيره من الدين والورع
- وجب أن يكون ولده وولد ولده يسحبون الذيل ويختالون في العطاف ويزدرون الناس ويرون من أنفسهم أنهم قد خولوا الملك ويعتقدون أن خدمتك لهم فريضة ونجاتك بهم متعلقة ما هذه الفتنة والآفة وما أصلها وهل كان في سالف الدهر وفيما مضى من الزمان من الأمم المعروفة هذا الفن.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد ذكرنا في جواب المسألة الأولى ما ينبه على جواب هذه التالية فإن المعلول إنما يشرف بشرف علته فإن كان ذلك الشرف ديناً وعلته الهيئة حصل للعرق الساري من الافتخار به ما لا يحصل لغيره ولكن إلى حد مفروض ومقدار معلوم فأما الغلو فيه إلى أن يعتقد أنهم كما حكيت عنهم فهو كسائر الإفراطات التي عددناها فيما تقدم.
وأما قولك: هل كان في سالف الدهر شيء من هذا الفن فلعمري لقد كان ذلك في كل أمة وكل زمان.
ولم تزل النجابة على الأكثر سارية في الأولاد ومتوقعة في العروق حتى إن الملك يبقى في البيت الواحد زماناً طويلاً لا يرتضى الناس إلا بهم ولا ينقادون إلا لهم.
وذلك في جميع الأمم من الفرس والروم والهند وسائر أجناس الناس.
وكذلك العرق اللئيم والأصل الفاسد يهجي به الأولاد وينتظر منهم إليه فيذمون به وتتجنب ناحيتهم له.
ولكن مسألتك مضمنة ذكر الدين وله حكم آخر كما قد علمت من علو الرتبة وشرف المنزلة وإن لم تكن النبوة نفسها سارية في العرق ولا هي متوقعة فيما يتبع النبوة من التعظيم والتشريف ونجوع الناس لها بالطبع والتماس أهل بيتها مرتبة الإمامة والتمليك - أمر خارج عن حكم العادة ولا سيما إن كان هناك شريطة الفضيلة موجودة والاستقلال حاضراً فإن العدول حينئذ عمن كان بهذه الصفة ظلم وتعد.
والسلام.
مسألة هل يجوز أن تكون الحكمة في تساوي الناس من جهة ارتفاع الشرف دون تباينهم
فإنه إن كانت الحكمة في ذلك لزم أن يكون ما عليه الناس إما عن قهر لا فكاك لهم منه أو جهل لا حجة عليهم به.
ولست اعني التساوي في الحال وفي الكفاية وفي الفقر والحاجة لأن ذاك قد شهدت له الحكمة بالصواب لأنه تابع لسوس العالم وجار مع العقل.
وإنما عنيت تساوي الناس من جهة السبب فإن التطاول والتسلط والازدراء قد فشا بهذا النسب.
والحكمة تأبى وضع ما يكون فساداً أو ذريعة إلى فساد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يشرف الإنسان نفسه وبما يظهر فيه من آثار وما أحسن قول الإمام على عليه السلام: قيمة كل امرىء ما يحسن.
وإنما حكينا ما تقدم من شريان النجابة في العرق لأجل أن الطمع يقوى فيمن كانت له سابقة في فضيلة ان تظهر فيه ايضاً ولا سيما إن كانت علته قريبة منه.
وكيف يتساوى الناس في ارتفاع الشرف ولو تساووا فيه لما كان شرف ولا ارتفاع وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية ولكن الناس يتساوون في الإنسانية التي تعمهم وفي أشياء تتبع الإنسانية من الأحكام والأوضاع ويتفاوتون في أمور أخر يزيد بها بعضهم على بعض.
مسألة ما التطير والفأل ولم أولع كثير من الناس بهما
وكيف نفى عن الشريعة أحدهما ورخص الآخر وهل لهما أصل يرجع إليه ويوقف لديه أو هما جاريان مرة بالهاجس والاستشعار ومرة بالاتفاق والاضطرار والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فاش في هذا المعنى وليس طريقه محدثاً للعلم ولا منته مجيلاً للرأى إذ يقول: لا عدوى ولا طيرة.
وقد قيل في مكان آخر: كان يحب الفأل الحسن.
وزعم الرواة أنه حين نزل المدينة عند أبي أيوب الأنصاري سمعه يقول لغلامين له: يا سالم يا يسار.
فقال لأبي بكر: سلمت لنا الدار في يسر.
فكيف هذا وما طريقه وهل يطرد ذلك في تطايره أم يقف ثم حكيت الحكاية عن ابن اسماعيل في قصة الزعفراني.
وحكيت أيضاً عن ابن الرومي قوله: الفأل لسان الزمان وعنوان الحدثان.
وقلت: ما أكثر ما يقع ما لا يتوقع مما لم يتقدم فيه قول ولا إرجاف حتى إذا قارن ذلك شيء صار العجب العجاب والشيء المستطرف.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان متطلع إلى الوقوف على كائنات الأمور ومستقبلاتها ومغيباتها كما وصفنا من حاله فيما تقدم فهو بالطبع يتشوفها ويروم معرفتها على قدر استطاعته وبحسب طاقته فربما أمكنه التوصل إلى بعضها بطبيعة موافقة في رأى صائب وحدس صادق وتكهن في الأمور لا يكاد يخطىء فيها فهو من أعلى درجة في هذا الباب وأوثق سبب فيه فربما تعدد في بعضها ذلك فيروم التوصل إليه بدلائل النجوم وحركات الأشخاص العلوية وتأثيرها في العالم السفلي ويصدق حكمه أو يكذب بحسب قوته في أخذ ولهذه الصناعة أصول كثيرة جداً وفروع بحسب الأصول.
وخطأ المخطىء ليس من ضعف أصول الصناعة ولكن من ضعف الناظر فيها أو لأنه يروم من الصناعة أكثر مما فيها فيحمل عليها زيادة على الموضوع منها وربما فاتته هذه الأسباب ونظائرها من الدلائل الطبيعية.
وليس من شأن النفس أن تعمل عملاً بغير داع إليه ولا سبب له فيصير كالعبث فإذا سنح له أمران ولم يرجح أحدهما على الآخر طلب لنفسه حجة في ركوب أحدهما دون الآخر فيستريح حينئذ إلى الأسباب الضعيفة ويتمحل العلل البعيدة بقدر ما يترجح أحد الرأيين المتكافئين في نفسه على الآخر حتى يصل إليه ويأخذ به.
وسبيل الرجل الفاضل أن يكون حسن الظن قويم الرجاء جميل النية فيتفاءل حينئذ.
والفأل قد يكون بأصوات بسيطة ليس فيها أثر النطق ولكن أكثره بالكلام المفهوم.
وقد يكون بصورة مقبولة وأشكال مستحسنة ولكن معظمه في خلق الإنسان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أبردتم إلى بريداً فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه).
فأما أصحاب الطيره فلأنهم أضداد لأصحاب البيات الجميلة والرجاء الحسن فطريقهم مكروهة وتطيرهم من الأمور أكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وذلك أنهم يأخذون بعضها من وبعضها من الأمزجة المتنافرة والخلق المكروهة كالبوم والهامة والعقرب الفأر وما أشبهها.
وبعض من الأصوات المنكرة كنهيق الحمير وأصوات الحديد وما أشبهها.
وبعضها من الأسماء والألقاب إذا اشتقوا لها ما يوافقها في بعض الحروف أو في كلها كاسم الغراب من الغربة والبان من البين والنوى - نوى التمر - من البعد.
وبعضها من العاهات كالأعور من اليمين والمقعد من الرجل.
وبعضها من الحركات والجهات كالسانج والبارح والمعوج والمائل.
وجميع ذلك لضعف النفس والنحيزة واستيلاء اليأس والقنوط عليها.
وهذه الاستشعارات تزيدها سوء الحال فلذلك نهى عنها.
وكانت العرب خاصة من بين الأمم أحرص على هذه الطريقة وألزم لها على أن شاعرهم يقول وقد أحسن: تخبر طيره فيها زياد لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير.
على التوقير والإحلال وهو لا يكون شيخاً وآخر يتمنى أن يقال له ذلك وهو شاب طرير بل أنت تجد ذلك في شيخ على الحقيقة يكره ذلك إلا أن هذا علته ظاهرة ولكن الشأن في شاب يشيخ تعظيماً فيكره وشاب لا يشيخ فيتكلف.
وفقد الشباب موجع ووجه الشيب مفظع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يختلف الناس في ذلك باختلاف نظرهم لأنفسهم وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم.
وذلك انه ربما أحب الإنسان ان تظهر فضيلته في ابتداء زمانه واستقبال عمره فإذا قيل له: يا شيخ ظن أنه قد سلب تلك الفضيلة وألحق بمن حصل تلك الفضيلة في الزمان الطويل والتجربة الكثيرة.
وربما كره ذلك أيضاً لأرب له في الشباب وميل إلى اللعب والهوى اللذين يستقبحان من الشيخ فإذا قيل له: يا شيخ رأى هذا اللقب كالمانع له والزاجر وأن مخاطبة ينتظر منه ما ينتظر من المشايخ ولا يعذره على ركوب ما يهم به ويعزم عليه.
وربما نظر الإنسان إلى مرتبة حصلت له من الوقار الذي لا يحصل إلا من المشايخ وهو في سن الشباب فيسر بالإكرام وسرعة بلوغه مبلغ المحنكين وأهل الدربة.
مسألة ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره
وما علة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة ولم تعده المصيبة.
وما سر النفس في ذلك وهل هو محمود من الإنسان أن مكروه وإذا نزا به هذا الخاطر فبم يعالجه وإلى أي شيء يرده ولم يتمنى بسبب محنته أن يشركه الناس ولم يستريح إلى ذلك وأصحابنا يروون مثلاً بالفارسية ترجمته: من احترق بيدره أراد ان يحترق بيدر غيره.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الجزع والأسف من عوارض النفس وهي تجري مجرى سائر العوارض الأخر كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة وسائر الأخلاق التي يحمد الإنسان فيها إذا عرضت له كما ينبغي وبسائر الشروط التي أحصيناها مراراً كثيرة ويذم بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط.
وإنما تهذب النفس بالأخلاق لتكون هذه العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي فالحزن الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة لحقت الإنسان لذنب اجترحه أو لعمل فرط فيه أو كان له فيه سبب اختياري أو لسوء اتفاق خصه دون غيره وهو يجهل سببه فإن هذا الحزن وإن كان دون الأول فالإنسان معذور به.
فأما ما كان ضرورياً أو واجباً فليس يحزن له عاقل لأن غروب الشمس مثلاً لما كان ضرورياً لم يحزن له أحد وإن كان عائقاً عن منافع كثيرة وضارا بكل أحد ومنع النظر والتصرف في منافع الدنيا وكذلك هجوم الشتاء والبرد وورود الصيف بالحر لا يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أهبته.
وأما الموت الطبيعي فليس يحزن له أحد لأنه ضروري وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد في غير الوقت الذي كان ينتظره أو بغير الحالة المحتسبة ولذلك يجزع الوالد على موت ولده لأن الذي احتسبه أن يموت هو قبله.
فأما الولد فيقل جزعه على والده لأن الأمر كما كان في حسابه إلا أنه تقدم مثلاً بزمان يسير أو كما ينبغي.
فأما ما يعرض للمسافر ولراكب البحر أن يخص دون من يصحبه بمحنة في ماله أو جسمه فإنما حزنه لسوء الاتفاق ورداءة البخت فإن هذا النوع مجهول السبب ولذلك يعذر فيه أدنى عذر.
وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له فهو شر في طبعه لا سيما إذا لم يجد عليه شيئاً ولم يعد له بطائل وحينئذ يحسن توبيخه وتأديبه.
وقد أحسن الشاعر في قوله:
مسألة ما الفضيلة السارية في الأجناس المختلفة كالعرب والروم والفرس والهند
وزعمت أنك حذقت الترك لأن أبا عثمان لا يعتد بهم إلى ما يتصل به من كلامك مما لم أحكه إذ كانت المسألة هي في قدر ما خرج من حكايتي.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت هذه المسألة متوجهة إلى خصائص الأمم والتعجب واقعاً مما تفرد به قوم دون قوم - أقبلت على البحث عن ذلك وتركت تهذيب ألفاظ المسألة.
وهذه سبيلي في سائر المسائل لأن صاحبها يسلك مسلك الخطابة ولا يذهب مذهب أهل المنطق في تحقيق المسألة وتوفيتها حظها على طرقهم فأقول وبالله التوفيق: قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن النفس تستعمل الآلات البدنية فتصدر أفعالها بحسب أمزجتها وحكينا عن جالينوس مذهبه ودللنا على الموضع الذي يستخرج منه ذلك وضربنا له مثلاً من الحرارة الغريزية وغيرها إذا كانت حاضرة كيف تستعملها النفس الناطقة حتى تكون كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وأن الرياضة وحسن التقدير والترتيب ولزوم ذلك حتى يصير سجية وملكة - هي الفضيلة والخلق المحمود.
فإذا كان هذا الأصل محفوظاً فما أيسر الجواب عن مسألتك هذه! وذاك أن لكل أمة مزاجاً هو الغالب عليهم وإن كان يوجد في النادر وفي الفرط ما هو مخالف لذلك المزاج وذلك لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التابع لذلك ولما كرهته أنت أيضاً من آثار الفلك والكواكب فإن ذلك العالم هو المؤثر في هذا العالم بالجملة.
أما أولاً فبتمييز العناصر بعضها بعض ثم بمزجها على الأقل والأكثر ثم بإعطائها الصور والأشكال.
وليس لاستعفائك من الحق وجه ولا لإعفائك إياك منه طريق فالتزمه فإن واجب.
ولولا أن مسألتك وقعت عن غير هذا المعنى لاشتغلت به ولكن هذا أصل له فلا بد في ذكر الفرع من ذكر الأصل.
وإذا كان هذا على هذا فحيث يعتدل مزاج ما من الأمزجة الشريفة أعني في الأعضاء الشريفة وهي: القلب والكبد والدماغ - وأضيف إلى ذلك ما ذكرناه من أخلاق فاضلة - أعني ترتيب الأفعال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتكرر الفعل وإدمان العادة - فهناك تحصيل الفضيلة الصادرة عنها.
وسواء أكان ذلك في أمة أو شخص أو كان ذلك عن ابتداء أخلاق شريفة أو تأديب شيئاً فشيئاً بعد أن يكون المزاج مسعداً والبغية قابلة والعادة مستمرة فإن الفضيلة حاصلة غير زائلة.
مسألة ما علة كثرة غم من كان أعقل وقلة غم من كل أجهل
وهذا باب موجود في واحد واحد ثم تجده في الجنس والجنس كالسودان والحمران فإنك تجد السودان أطرب وأجهل والحمران أعقل وأكثر فكراً وأشد اهتماماً.
هذا ويقال إن الفرح من الدم.
والحمران أكثر دماً وأعدل مزاجاً وأوجد لأسباب الفرح وآلات الطرب وأقدر على الدنيا بكل وجه.
وأنت ترى - أيضاً - هذا العارض في رفيقين خليطين: أحدهما مهموم بالطبع وآخر متفكه بالطبع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الغم يعرض من جهتين مختلفتين: إحداهما جهة الفكر والأخرى جهة المزاج.
فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم إذا كان المرء ينتظر به مكروهاً.
وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى السواد أو الاحتراق فيتكدر به الروح الذي سببه بخارالدم في مجاري الشرايين.
وبحسب صفاء ذلك الدم يكون صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ذلك التجويف.
وإذا كان سبب الغم معلوماً فمقابله الذي هو سبب الفرح والسرور معلوم أيضاً.
فالعاقل - لأجل جولان فكره - يكثر انتظاره مكاره الدنيا ومن لا يكثر فكره ولا ينتظر مكروهاً فلا سبب له يغمه.
وأما المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه جالينوس وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدمه أو تأخر عنه.
وهذا المزاج ليس يخلوا أن يكون طارئاً أو حادثاً أو طبيعياً في أصل الخلقة فإن كان حادثاً فهو مرض وينبغي أن يعالج بما تعالج به أصناف المالخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي سببها فساد الدم بالاحتراق وانحرافه إلى السوداء.
وإن كان أصلياً وخلقة فلا علاج له لأنه ليس بمرض كأجيال من الناس وأمم أمزجتهم كذلك.
فأما ما حكيته عن السودان فإن الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط وسببه أعتدال دم القلب فيهم وليس ظننت أن أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب الشمس منهم وممرها في حضيض فلكها على سمت رءوسهم فهي تحرق جلودهم وشعورهم فيعرض فيها - أعني في شعورهم - التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيط الشعر ولأجل أن الحرارة تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها لأن الحرارة تميل إلى جهة الحرارة فلا تكثر الحرارة الغريزية في قلوبهم لأجل ذلك.
وإذا لك تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي هناك احتراق بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب.
ودماء الزنوج رقيقة أبداً صافية ولذلك تقل الشجاعة أيضاً فيهم.
فأما الحمران فأكثرهم في ناحية الشمال والبلدان الباردة التي تبعد الشمس عنهم وتقوى الحرارة الغريزية في قلوبهم ولاشتمال البرد على ظاهرهم تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم سباطاً وتعود حرارتهم إلى داخل أبدانهم هرباً من البرد الذي في هوائهم لبعد الشمس عنهم فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب.
ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكدورة والسواد والخروج عن الاعتدال.
وأهل الاعتدال الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من
مسألة حدثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها أمير الأجوبة وهي الشجا في الحلق والقذى في العين والغصة في الصدر والوقر على الظهر والسل في الجسم والحسرة في النفس وهذا كله لعظم مادهم منها وابتلى الناس به فيها وهي حرمان الفاضل وإدراك الناقص ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين وقال أبو سعيد الحصيري بالشك وألحد فلان في الإسلام وارتاب فلان في الحكمة.
وحين نظر أبو عيسى الوراق إلى خادم قد خرج من دار الخليفة بجنائب تقاد بين يديه وبجماعة تركض حواليه فرفع رأسه إلى السماء وقال: أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إليك بحجج وأدلة وأنصر دينك بكل شاهد وبينه ثم أمشي هكذا عارياً جائعاً نائعاً ومثل هذا الأسود يتقلب في الخز والوشي والخدم والحشم والحاشية والغاشية.
ويقال هذا الإنسان هو ابن الراوندي ومن كان فإن الحديث في هذا الباب والإسناد فيه عال والبحث عن هذا السر واجب فإنه باب إلى روح القلب وسلامة الصدر وصحة العقل ورضا الرب ولو لم يكن فيه إلا التفويض والصبر حسبما يوجبه الدليل لكان كافياً.
والمنجمون يقولون: إن الثامن من مقابلة الثاني.
وحدثنا شيخ عن ابن مجاهد أنه قال: الفضل معدود من الرزق كما أن الخفض معدود في جملة الحرمان.
وقال لي شيخ مرة: اعلم أن القسمة عدل والقاسم منصف لأنه بإزاء ما أعطاك من الأدب والفضل واللسان والعقل أعطى صاحبك المال والجاه والكفاية واليسار فانظر إلى النعمة كيف انقسمت بينكما ثم انظر إلى البلاء كيف انقسم عليكما أيضاً: أبلاك مع الفضل بالحاجة وأبلاه مع الغنى بالجهالة.
فهل العدل إلا في هذه العبرة والحق إلا بهذه الفكرة.
ولعمري إن هذا المقدار لا يصير عليه الدهري ولا التناسخي ولا الثنوي ولكن على كل حال فيه تبصرة من العمى.
ولو قد أفردنا الجواب عن مسائل هذه الرسالة للمعترض والمتشكك في ذلك مشبع ومروى.
والله المعين على ما قد اشتمل الضمير عليه وانعقدت النية به.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة كما حكيت ووصفت من صعوبتها على أكثر الناس والتباس وجه الحكمة فيها على أصناف أهل النظر حتى صار الكلام فيها مشبهاً بقائم الشطرنج الذي يتنازعه الخصمان إلى أن يقطعهما الكلال والسآمة فيطرحونها قائمة وكنت أحب أن أفرد فيها مقالة تشتمل على جملة مستقصاة تشفي وتكفي عند ما سألني بعض الإخوان ذلك فإن أمثال هذه المسائل المتداولة بين الناس المشهورة بالشك والحيرة - ليس ينبغي أن يقنع فيها بأمثال هذه الأجوبة التي سألت أنت فيها الإيجاز الشديد وضمنت أنا فيها الإيماء إلى النكت لا سيما وأنا لا أعرف في معناها كلاماً مبسوطاً لأحد ممن تقدمني حتى إذا أومأت بالمعنى إليه أحلت بالشرح عليه ولكنني لما انتهيت إليها بالنظر لم يجز أن أخليها من جواب متوسط بين الإسهاب والإيجاز.
وأنا مجتهد في بيانها وإزالة ما لحق الناس من الحيرة فيها.
ومن عند الله استمد التوفيق وهو حسبي فأقول: إن من الأصول التي لا منازعة فيها وهي مسلمة من ذوي العقول السليمة أن لكل موجود في العالم - طبيعي كان أو صناعي - غاية وكمالاً وغرضاً خاصاً وجد من أجله وبسببه اعني أنه إنما أوجد ليتم به ذلك الغرض وإن كان قد يتم به أشياء أخر دون ذلك الغرض الأخير والكمال الأخير وقد يصلح لأمور ليست من الغرض الذي قصد به وأريد له في شيء.
ومثال ذلك المطرقة فإنها إنما أعدت للصانع ليتم له بها مد الأجسام إلى أقطارها وبسطها إلى نواحيها وهي - مع ذلك - تصلح لأن يشق بها وتستعمل في بعض ما تستعمل فيه الفأس وكذلك أيضاً المقراض إنما أعد للخياط ليقطع به الثوب وهو مع ذلك - يصلح لأن يبري به القلم ويستعمل مكان السكين وكذلك الحال في سائر الآلات الصناعية.
وهكذا صور الأمور الطبيعية فإن الأسنان إنما أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاختلاف كمالاتها - أعني الأغراض التي تتم بها والأفعال التي وجدت من أجلها فإن مقاديمها حادة بالهيئة التي تصلح للقطع كالحال في السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة التي تصلح للرض والطحن كالحال في الرحا.
وقد تتم بها أفعال أخر.
وكذلك الحال في اليد والرجل فقد يتعاطى الناس أن يعملوا بكل واحدة منهما غير ما خلقت له وعملت من أجله على سبيل الحاجة إلى ذلك أو على طريق التغريب به كمن يمشي على يده ويبطش ويكتب برجله.
ولكن هذه الأفعال - وإن ساغ صدروها عن هذه الآلات وتتم بها غير ما هو كمالها وخص بها - فإن ذلك منها يكون على اضطراب ونقصان عن الآلات التي تتم بها أعمالها الخاصة بها المطلوبة منها الموجودة من أجلها.
وإذا كان ذلك مستمراً في جميع الألات الصناعية والأشخاص الطبيعية فكذلك الحال في النواع وهكذا يجري الأمر في أجناس هذه الأنواع فإن الناطق وغير الناطق من الحيوان ليس يجوز أن يكون غرضهما وكمالهما واحد - أعني لا يجوز بوجه ولا سبب ألا يكون للإنسان الذي ميز بهذه الصورة وأعطي التمييز والروية وفضل بالعقل الذي هو أجل موهوب له وأفضل مخصوص به - غرض خاص وكمال خلق لأجله ووجد بسببه.
وإذا كان هذا الأصل موطأ ومقراً به وكان على غاية الصحة وفي نهاية القوة كما تراه فهلم بنا نبحث بحثاً آخر عن هذه الآلات الصناعية والأشخاص الطبيعية فإنا نجدها قد تشترك في أشياء وتتباين في أشياء.
أعني أن المطرقة تشارك السكين والإبرة والمنشار وغيرها في الصورة التي هي الحديدة ثم تنفرد بخاص صورة لها تميزها من غيرها والإنسان يشارك النبات والبهائم في النمو والاعتلال وفي الإلتذاذ بالمأكل والمشرب وسائر راحات الجسد ونفض الفضول عنه ونريد ان نعلم هل هذا الاختصاص الذي لكل واحد منها بغرضه الخاص به وكماله المفروض له هو بما شارك به غيره آو بما باينه به فتجده الصورة الخاصة به التي ميزته عن غيره وصار بها هو ما هو.
أعني صورة الفأس التي بها هو فأس هي التي جعلت له خاصته وكماله وغرضه وكذلك الحال في الباقيات.
ثم نصير إلى الإنسان الذي شارك النبات والحيوان في موضوعاتها فنقول: إن الإنسان من حيث هو حيوان قد شارك البهائم في غرض الحيوانية وكمالها أعني في نيل اللذات والشهوات والتماس الراحات وطلب العوض مما يتحلل من بدنه إلا أن الحيوانية لما ما تكن صورته الخاصة به المميزة له عن غيره لم تصدر هذه الأشياء منه على أتم أحوالها وذاك أنا نجد أكثر الحيوانات تزيد على الإنسان في جميع ما عددناه وتفضله فيها بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء.
ولما كانت صورته الخاصة به التي ميزته عن غيره هو العقل وخصائصه من التمييز والروية - وجب ان تكون إنسانيته في هذه الأشياء فكل من كان حظه من هذه الخصائص أكثر كان اكثر إنسانية كما أن الأشياء التي عددناها كلما كان منها حظه من صورته الخاصة به أكثر كان فضله في أشكاله أظهر.
ثم نعود إلى شرح مسألتك ونبينها بحسب هذه الأصول التي قدمتها فأقول: لعمري إنه لو كان غاية الإنسان وغرضه الذي وجد بسببه وكماله الذي أعد له هو الاستكثار من القنية والتمتع بالمآكل والمشارب وسائر اللذات والراحات - لوجب أن يستوفيها بصورته الخاصة به ولوجب أن تكثر عنده ويكون نصيب كل إنسان منها على قدر قسطه من الإنسانية حتى يكون الأفضل من الناس هو الأفضل في هذه الأحوال من القنية والاستمتاع بها ولكن لما كانت صورته الخاصة به هي ذكرنا علمنا أن القصد به والغرض فيه هو ما صدر عنه وتم به كحقائق العلوم والمعارف وإجالة الروية وإعمال الفكرة فيها ليصل بذلك إلى مرتبة هي أجل من مرتبة البهائم وسائر الموجودات في عالم الكون والفساد كما أنه في نفسه وبحسب صورته أفضل منها كلها.
وهذه المرتبة لا يصل إليها بغير الروبة وبغير الإختيار الخاصيين بالعقل.
ولا يجوز أن يقال في معارضة ما قلناه: إن هذه الروية وهذا الاختيار إنما ينبغي أن يكونا في اللذات لأنا قد بينا في هذا الموضع وفي مواضع أخر كثيرة أن تلك الموجودة للحيوانات الخسيسة أو فر وأكثر بغير روية ولا عقل وإنما تشرف الروية وتتبين ثمرة العقل إذا استعمل في أفضل الموجودات.
وأفضل الموجودات ما كان دائم البقاء داثر ولا متبدل وغير محتاج ولا فقير إلى شيء خارج عنه بل هو الغني بذاته الذي بجوده على جميع الموجودات ونزلها منازلها بقدر مراتبها وعلى قدر قبولها وبحسب استحقاقاتها.
فالروية والفكرة والاختيار إنما تكمل بها صور الإنسانية إذا استعملت في الأمور الإلهية ليرتقي بها إلى منازل شريفة لا يمكن النطق بها ولا إشارة إليها إلا لمن وصل إليها وعرف إلى ما يشار وعلم لأي شيء عرض الإنسان من الخيرات ثم هو يطلب الإنتكاس في الخلق والرجوع إلى مرتبة البهائم ومن هو في عدادها ممن خسر نفسه كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}
فهذا - لعمري - هو الخسران المبين الذي يتعوذ بالله منه دائماً.
ولقد أعجبني قول امرىء القيس مع لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه وذهابه في طرق الشعر التي كان متصنعاً به وهائماً في واديه منغمساً في معانيه: أرانا موضعين لحتم غيب ونسحر بالطعام وبالشراب فما هذا الإيضاع منا وما هذا الحتم من الغيب لقد أشار إلى معنى الطيف ودل من نفسه على ذكاء تام وقريحة عجيبة ألا تراه يقول: ونسحر بالطعام وبالشراب أي المراد منا والمقصود بنا غيرهما وإنما نسحر بهذين.
فقد تبين أن الإنسان - إذا لم تكن غايته هذه الأشياء التي تسميها العامة أرزاقاً ولم يخلق لها ولا هي مقصود بالذات - فليس ينبغي له أن يلتمسها وأن يتعجب ممن اتفقت له وإن كان يتشوقها ويحبها فليس ذلك من حيث هو إنسان عاقل بل هو من حيث هو حيوان بهيمي.
وقد أزيحت علته في الأمور الضرورية التي يتم بها عيشة ويصح منها سلوكه إلى غايته.
ولم يظلم أحد في هذا فتأمله تجده بيناً إن شاء الله.
هذه المسألة مكررة وقد مضى الجواب عنها مستقصى على شريطة الإيجاز.
وبعدها مسألة التوفيق وقد مرت أيضاً فليرجع إلى الأجوبة المتقدمة عنهما.
مسألة لجواب أن تفرد مسألة الجبر والاختيار
فيقال: ما الجبر وما الاختيار وما نسبتهما إلى العالم وكيف انتسابهما وانتمائهما.
اعني كيف اختلافهما في ائتلاقهما وذلك أنك تجدهما في العالم مضافين إلى اللذين يجمعون بين العقل والحس كما تجدهما مضافين إلى اللذين ينفردون بالحس دون العقل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضاً.
وذلك أنه يظهر منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو نام - مع أنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الفعل النبات.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ذو نفس حساس فيناسب بذلك الفعل البهائم.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك الفعل الملائكة ولكل واحد من هذه الأفعال والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب وينظر أيضاً فيها من جهات مختلفة وتعرض لها عوائق كثيرة وموانع مختلفة بعضها طبيعية وبعضها اتفاقية وبعضها قهرية.
ومتى لم يفصل الناظر في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها من بعض ولم ينظر في جهاتها كلها - اختلطت عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه الشبه والشكوك.
ونحن نبين هذه الحركات ونميزها ثم نتكلم على حقيقة الجبر والاختيار فإن الأمر حينئذ يسهل جداً ويقرب فهمه ولا يعتاص - بمشيئة الله تعالى - فأقول: إن الفعل - مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته - يحتاج في ظهروه إلى أربعة أشياء: أحدهما الفاعل الذي يظهر منه.
والثاني المادة التي تحصل فيها.
والثالث الغرض الذي ينساق إليه.
والرابع الصورة التي تقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في المادة وربما كانت الصورة هي الفعل بعينه.
فهذه الأشياء الأربعة هي ضرورية في وجود الفعل وظهوره وقد يحتاج إلى الآلة والزمان والبينة الصحيحة ولكن ليست بضرورية في كل فعل.
ثم إن كل واحد من الأشياء التي هي ضرورية في وجود الفعل ينقسم قسمين: فمنه قريب ومنه بعيد: أما الفاعل القريب فبمنزلة الأجير الذي ينقل آلات البناء في اتخاذ الدار.
والفاعل البعيد بمنزلة الذي يهندس الدار ويأمر بها ويتقدم بجميع آلاتها.
وأما الهيولى القريبة فبمنزلة اللبن للحائط والخشب للباب.
والهيولى البعيدة بمنزلة العناصر الأولى.
وأما الكمال القريب فبمنزلة السكنى في الدار.
والكمال البعيد بمنزلة حفظ المتاع ودفع أذى الحر والبرد وما أشبه ذلك.
وأما أنواع الأفعال التي ذكرناها فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن لكل واحدة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خاص فعل لا يصدر إلا عنها.
وأما الأسباب الدواعي فبعضها الشوق والنزوع وبعضها الفكر والروية وقد تتركب هذه.
وأما العوائق التي ذكرناها فبعضها اتفاقية وبعضها قهرية وبعضها طبيعية.
فالاتفاقية بمنزلة من يخرج لزيارة صديقه فيلقاه عدو لم يقصده فيعوقه عن إتمام فعله وكمن ينهض لحاجة فيعثر أو يقع في بئر.
والقهرية بمنزلة من يشد يديه اللصوص ليعوقوه عن البطش بهما أو كمن يقيده السلطان ليمنعه من السعي والهرب منه.
والطبيعية بمنزلة الفالج والسكتة وأما أشبههما.
وههنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وهو أنا ربما نظرنا في الفعل لا من حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك أنا قد ننظر في فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث يحبه عمرو ويكرهه خالد ومن جهة ما هو ضار لبكر ونافع لعبد الله.
وهذا النظر ليس يكون في ذات الفعل بل في إضافته إلى غيره.
وإذ قد نظرنا في الفعل وأنواعه وجهاته وحاجته في ظهوره ووجوده إلى الشرائط التي عددناها - فإنا ناظرون في الاختيار ما هو فنقول: إن الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير وهو افتعال منه وإذا قيل: اختار الإنسان شيئاً فكأنه افتعل من الخير أي فعل ما هو خير له: إما على الحقيقة وإما بحسب ظنه.
وإن لم يكن خيراً له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من هذا الوجه وهو ما صدر عن فكر منه وإجالة رأى فيه ليقع منه ما هو خير له.
ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ولا يجيل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء الممتنع وإنما يفكر ويجيل رأيه في الشيء الممكن ومعنى قولنا الممكن هو الشيء الذي ليس بمتنع وإذا فرض وجوده لم يعرض عنه محال.
ولما كانت هذه الجهة من الفعل هي المتعلقة بالاختيار وهي التي تخص بالفعل الإنساني وكانت محتاجة في تمام وجود الفعل إلى تلك الشرائط التي قدمناها كان النظر فيها - أعني في هذه الجهة - يعرض للغلط والوقوع في تلك الجهات التي ليست متعلقة بالإنسان ولا مبدؤها إليه.
وربما نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في الجهات الأخر فيكون حكمه على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ينظر في الفعل من جهة الهيولى المختصة به التي لا بد له في وجوده منها ويتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده كالكاغد للكاتب فإنه إذا نظر في فعل الكاتب من هذه الجهة.
أعني تعذر الكاغد عليه ظن أنه عاجز عن الكتابة من هذه الجهة ممنوع عن الفعل لأجلها وهذه جهة لم تتعلق به من حيث هو كاتب ومختار للكتابة وكذلك إن عدم القلم والجارحة الصحيحة أو واحداً من تلك الأشياء المشروط في وجود كل فعل إنساني فحينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم على الإنسان بالجبر ويمنع من الاختيار.
وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من حيث هو مختار فإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده فإنه أيضاً سيبادر إلى الحكم عليه بأنه فاعل متمكن ويمنع من الجبر.
وهكذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك المركب إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزاؤه الباقية - تعرض له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها.
والفعل الإنساني وإن كان اسمه واحداً فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا بها فمتى لحظ الناظر فيه شيئاً واحداً منها وترك ملاحظة الباقيات عرضت له الشكوك من تلك الأشياء التي أغفلها.
والمذهب الصحيح هو مذهب من نظر في واحد واحد منها فنسب الفعل إلى الجميع وخص كل جهة بقسط من الفعل ولم يجعل الفعل الإنساني اختياراً كله ولا تفويضاً كله ولهذا قيل: دين الله بين الغلو والتقصير.
فإن من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون صاحبه متمكناً من القوة الفاعلة بالاختيار فهو غال من حيث أهمل الأشياء الهيولانية والأسباب القهرية والعوائق التي عددتها وهذا يؤديه إلى التفويض.
وكذلك حال من زعم أن فعله يكفي في وجوده أن ترتفع هذه العوائق عنه وتحصل له الأشياء الهيولاينة فهو مقصر من حيث أهمل القوة الفاعلة بالاختيار وهذا يؤديه إلى الجبر.
وإذا كان هذا على ما بيناه ولخصناه فقد ظهر المذهب الحق وفيه جواب مسألتك عن الجبر والاختيار.
ويعلم علماً واضحاً أن الإنسان إذا امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية في ظهور فعله أو عرضية فيه أو قهرية أو اتفاقية فهو منسوب إلى تلك الجهة.
مثال ذلك أنه إن كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولى أو أحد الأربعة الأشياء الضرورية فهو عاجز وإن امتنع لعائق قهري أو اتفاقي فهو معذور من تلك الجهة وبحسبها وعلى مقدارها.
فأما من حضرته القوة الفاعلة بالاختيار وارتفعت تلك الموانع عنه وأزيحت علله فيها كلها ثم كان ذلك لفعل مما ينظر فيه على طريق الإضافة أن يكون طاعة لمن تجب طاعته آو معونة لمن تجب معونته أو غير ذلك من وجوه الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه قادر متمكن ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره أو العيب والذم.
وهذه الجهة التي تختص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر وإجالة الرأى المسمى بالاختيار - هي ثمرة العقل ونتيجته.
ولولا هذه الجهة لما كان لوجود العقل فائدة بل يصير وجوده عبثاً ولغواً ونحن نتيقن أن العقل أجل الموجودات وأشرف ما من الله - تعالى - به ووهبه للإنسان ونتيقن أيضاً أن أخس الموجودات ما لا ثمرة له ولا فائدة في وجوده بمنزلة اللغو والعبث فإذن أجل الموجودات على هذا الحكم هو أخس الموجودات.
هذا خلف لا يمكن أن يكون.
فليس هذا الحكم بصادق فنقيضه هو الصادق.
مسألة لم حن بعض الناس إلى السفر من لدن طفوليته إلى كهولته
ومنذ صغره إلى كبره حتى إنه يعق الوالدين ويشق الخافقين صابراً على وعثاء السفر وذل الغربة ومهانة الخمول وهو يسمع قول الشاعر: إن الغريب بحيث ما حطت ركائبه ذليل ويد الغريب قصيرة ولسانه أبداً كليل وآخر ينشأ في حضن أمه وعلى عانق ظئره ولا ينزع به حنين إلى بلد ولا يغلبه شوق إلى أحد كأنه حجر جبله أو حصاة جدوله لعلك تقول: مواضع الكواكب ودرجة الطالع وشكل الفلك اقتضت له هذه الأحوال وقصرته على هذه الأمور فحينئذ تكون المسألة عليك في آثار هذه النجوم وتوزيعها هذه الأسباب على ما هي عليه من ظاهر التسخير - أشد وتكلف الجواب عنها آكد وأنكد.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن قوة النزاع إلى المحسوسات تنقسم بانقسام الحواس.
وكما ان بعض المزاج تقوى فيه حاسة البصر وبعضه تقوى فيه حاسة السمع فكذلك الحال في القوة النزاعية التي في تلك الحاسة لأنها هي التي تشتاق إلى تكمل الحاسة وتصييرها بالفعل بعد أن كانت بالقوة.
ومعنى هذا الكلام أن الحواس كلها هي حواس بالقوة إلى أن تدرك محسوساتها فإذا أدركتها صارت حواس بالفعل.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس بعجب أن يكون هذا المعنى في بعض الحواس قوياً ويضعف في بعض فيكون بعض الناس يشتاق إلى السماع وبعضهم إلى النظر وبعضهم إلى المذوقات من المأكول والمشروب وبعضهم إلى المشمومات وألوان الروائح بعضهم إلى الملبوسات من الثياب وغيرها.
وربما اجتمع لواحد أن يشتاق إلى اثنين منها أو ثلاثة أو إليها كلها.
ولكل واحد من هذه المحسوسات أنواع كثيرة لا تحصى ولأنواعها أشخاص بلا نهاية.
وهي على كثرتها وعددها الجم وخروجها إلى حد ما لا نهاية له - ليست كمالات للإنسان من حيث هو إنسان وإنما كماله الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله.
أعني العلوم.
وأشرفها ما أدى إلى أشرف المعلومات.
وإنما صار البصر والسمع أشرف الحواس لأنهما أخص بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز وبهما تدرك أوائل المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق.
وإذا كانت الحالة على هذه الصورة في الشوق إلى ما يتمم وجود الحواس ويخرجها إلى الفعل وكان من الظاهر المتعارف أن بعض الناس يشتاق إلى نوع منها فيحتمل فيه كل مشقة وأذى حتى يبلغ أربه فيه - لم يكن بديعاً ولا عجباً أن يشتاق آخر إلى نوع آخر فيحتمل مثل ذلك فيه.
إلا أنا وجدنا اللغة في بعض هذه عنيت فوضعت له اسماً وفي بعضها لم تغن فأهملته وذلك أنا قد وجدنا لمن يشتاق إلى المأكول والمشروب إذا أفرطت قوته النزاعية إليهما حتى يعرض له ما ذكرت من الحرص عليهما والتوصل إليهما ما يحتمل معه ضروب الكلف والمشاق - اسماً وهو الشره والنهم.
ولم نجد لمن يعرض له ذلك في المشموع اسماً.
وأظن ذلك لأجل كثرة ما يوجد من ذلك الضرب ولأن عيبه أفحش وما يجلبه من الآثام والقبائح أكثر.
فقد ظهر السبب في تشوق بعض الناس إلى الغربة وجولان الأرض.
وهو أن قوته النزاهية التي تختص بالبصر تحب الاستكثار من المبصرات وتحديدها ويظن أن أشخاص المبصرات تستغرق فهو يحتمل كثيراً من المشاق في الوصول إلى أربه من إدراك هذا النوع.
وقد نجد من يحتمل أكثر من ذلك إذا تحرك بقوته النزاعية إلى سائر المحسوسات الأخر والاستكثار منها.
فتأمل الجميع وأعد نظرك وتصفح جزئياتها تجد الأمر فيها واحداً.
ما غائلة الجهل ثم ما عائدة الجهل الذي قد وما سر العلم الذي قد طبع عليه الخلق فإن استشفاف هذه الفصول واستكشاف هذه الأصول يثيران علماً وحكماً جماً وإن كان فيها - في البحث عنها وبعض أوائلها وأواخرها - مشقة على النفس وثقل على الكاهل.
ولولا معونة الخالق من كان يقطع هذه التنائف الملس ومن كان يسلك هذه المهامه الخرس ولكن الله - تعالى - ولى المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في عرض كلامنا على هذه المسائل ما ينبه على جواب هذه المسألة.
ولكنه لا بد من إعادته شيء منه يزيد في كشف الشبهة وإزالة الشك.
وهو أن العلم كمال الإنسان من حيث هو إنسان لأنه إنما صار إنساناً بصورته التي ميزته عن غيره.
أعني النبات والجماد والبهائم.
وهذه الصورة التي ميزته ليست في تخاطيطه وشكله ولونه.
والدليل على ذلك أنك تقول: فلان أكثر إنسانية من فلان فلا تعني به أنه أتم صورة بدن لا أكمل يف الخلق التخطيطي ولا في اللون ولا في شيء آخر غير قوته الناطقة التي يميز بها بين الخير والشر في الأمور وبين الحسن والقبيح في الأفعال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ولذلك قيل في حد الإنسان: إنه حي ناطق مائت.
فميز بالنطق أعني بالتمييز وبينه وبين غيره دون تخطيطه وشكله وسائر أغراضه ولواحقه.
وإذا كان هذا المعنى من الإنسان هو ما صار به إنساناً فكلما كثرت إنسانيته كان أفضل في نوعه.
كما أن كل موجود في العالم إذا كأن فعله الصادر عنه بحسب صورته التي تخصه فإنه إذا كان فعله أجود كان أفضل وأشرف.
مثل ذلك الفرس والبازي من الحيوان والقلم والفأس من الآلات فإن كل واحد من هذه إذا صدر عنه فعله الخاص بصورته كاملاً كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه وكذلك الحال في النبات والجماد فإن لكل واحد من أشخاص الموجودات خاص صورة يصدر عنه فعله وبحسب يشرف أو يخس إذا كان تاماً أو ناقصاً.
فأي فائدة أعظم مما يكمل وجودك ويتمم نوعك ويعطيك ذاتك حتى يميزك عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بناطقة ويقربك من الملائكة والإله - عز وجل وتقدس وتعالى - وأي غائلة أدهى وأمر وأكلم وأطم مما ينكسك في الخلق ويردك إلى أرذل وجودك ويحطك عن شرف مقامك إلى خساسة مقامات ما هو دونك أظنك تذهب إلى أن العلم يجب ان يفيدك - لا محالة - جاهاً أو سلطاناً أو مالاً تتمكن به من شهوات ولذات.
فلعمري إن العلم قد يفعل ذلك ولكن بالعرض لا بالذات لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ويكمل به الإنسانليس هو غايات الحواس ولا كمال البدن.
وإن كان قد يتم به ذلك في كثير من الأحوال.
ومتى استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك البهيمية والنباتية وكأنه استعمل في أرذل الأشياء وهو معد لأن يستعمل في أشرفها.
مسألة ما سبب تصاغي البهائم والطير إلى اللحن الشجي والجزم الندي
وما الواصل منه إلى الإنسان العاقل المحصل حتى يأتي على نفسه وهذا جار في العادة ومعروف عند المتعرفين للأمور.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد مر لنا في المسألة الثالثة من هذه المسائل كلام كثير في سبب قبول الإنسان بعض الأسماء وكراهية بعضها وثقل بعض الحروف وخفة بعضها وما يلحق النفس من الأصوات المختلفة بالحدة والجهارة وغير ذلك ونحن نزيد في هذا الموضع ما يليق بزيادتك في المسألة فنقول: إن النفس وإن كانت صورة فاعلة من حيث هي كمال لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة فإنها هيولانية منفعلة من حيث هي قابلة رسوم الأشياء وصورها.
ولذلك صار لها سببان: أحدهما إلى ما تفعل به والآخر إلى ما كان ينفعل به.
فالنفس تقبل نسب الاقتراعات بعضها إلى بعض كما تقبل نفس الاقتراعات مفرد مركبة.
وذاك أن أفراد الأصوات ومجموعها غير نسب بعضها إلى بعض لأن النسبة هي إضافة ما والنظر الإضافي غير النظر في ذوات الأدوات وكذلك تأثير هذا غير تأثير ذاك.
ولما كانت هذه النسب كثيرة مختلفة وجب فيها - ضرورة - ما يجب في الأشياء المتكثرة.
أعني أن لها طرفين: أحدهما الزيادة والآخر النقصان.
ولها من هذين الطرفين اعتدال.
فإن كانت الأطراف كثيرة فالاعتدالات أيضاً كثيرة.
والنفس تأبى الزيادة والنقصان وتميل إلى الاعتدال ولأن لها قوى تظهر بحسب الأمزجة فلتلك القوى المختلفة إضافات مختلفة إلى نسب مختلفة واعتدالات مختلفة.
وقد اجتهد أصحاب الموسيقا في تمثيل هذه النسب وتحصيل هذه الاعتدالات بأن جعلوا لها أمثلة في مقولة الكم من العدد وإن كان بعضها بمقولة الكيف أحق لأن الصناعة مؤلفة من هاتين أعني الكم والكيف ولكن الكم الذي هو العدد أقرب إلى الأفهام ومثلوا ما كان من الكيفية بالكمية ثم لخصوا كل واحدة منهما تلخيصاً تجده مبيناً في كتبهم.
وإذا قد قلنا ما الذي يصل إلى النفس من آثار الأصوات وما المحبوب منه وما المكروه على طريق الإجمال من القول فقد تبين أن الإفراط منه والخروج إلى إحدى الجهتين يؤثر بحسب ذلك.
وقد كان تبين في مواضع كثيرة أن النفس والبدن كل واحد منهما مشتبك ما يظهر أثر أحدهما في الآخر فإن الأحوال النفسية تغير مزاج البدن ومزاج البدن أيضاً يغير أحوال النفس فإذا قوى أثر ما في النفس حتى يتفاوت به المزاج ويخرج عن اعتداله لم يقبل أثر النفس وعرض منه الموت لأن الموت ليس بأكثر من ترك النفس استعمال الآلات البدنية.
وقد علمنا أن دم القلب الذي له اعتدال ما إذا انتشر في البدن ورق بالسرور أكثر مما ينبغي أو عاد واجتمع إلى القلب بالغم أكثر مما ينبغي - عرض من كل واحدة من الحالتين الموت أو ما يقارب الموت بحسب قوة الأثر.
وما أكثر ما تؤثر الأجسام تأثيراً طبيعياً فيتأدى ذلك الأثر إلى النفس فتعرض لها حركة ما وتصير تلك سبباً لتأثير آخر في الجسم يكون به انتفاضه وخروجه عن الاعتدال.
وإذا تأملت ذلك في الأشياء المغضبة والمحزنة إذا كانت قوية تبين لك ذلك.
فهذا كاف في هذا الموضع وإن أحببت الإتساع فيه فعليك بكتب الموسيقا فإنها تشفيك إن شاء الله.
مسألة لم كلما شاب البدن شب الأمل
قال أبو عثمان النهدي: قد أتت علي مائة وثمانون سنة وأنكرت كل شيء إلا الأمل فإنه أحد ما كان.
ما سبب هذه الحال وعلى ماذا يدل الرمز فيها وما الأمل أولاً وما الأمنية ثانياً وما الرجاء ثالثاً وهل تشتمل هذه على مصالح العالم فإن كانت مشتملة فلم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع الأماني وبصرف الرجاء إلا في الله - تبارك وتعالى - وإلى الله فإنه ساتر العورة وراحم العبرة وقابل التوبة وغافر الخطيئة وكل أمل في غيره باطل وكل رجاء في سواه زائل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة قد أخذ فيها فعل من أفعال النفس فقرن بفعل من أفعال الطبيعة التي بحسب البدن إلى الطبيعة والمزاج البدني ثم وقعت المقايسة بينهما وهما يتباينان لا يتشابهان فلذلك عرض التعجب منها.
فأما الشيب والنقصانات التي تعرض للبدن وعجز القوى التابعة للمزاج فهي أمور طبيعية في آلات تكل بالاستعمال وتضعف على مر الزمان.
وأما أفعال النفس فإنها كلما تكررت وأديمت فإنها تقوى ويشتد أثرها فهي بالضد من حال البدن.
مثال ذلك ان النظر العقلي كلما استعمل قوى واحتد وأدرك في الزمان القصير ما يدركه في الزمان الطويل ولحق الأمر الذي كان خفياً عنه بسرعة.
والنظر الحسي كلما استعمل كل وضعف ونقص أثره إلى أن يضمحل.
فأما الفرق بين الأمل والرجاء وبين الأمنية فظاهر وذاك أن الأمل والرجاء يعلقان بالأمور الاختيارية وبالأشياء التي لها هذا المعنى.
فأما الأمنية فقد تتعلق بما لا اختيار له ولا روية فإنه ليس يمنع مانع من تمنى المحال والأشياء التي لا تمييز فيها ولا لها.
والأمل أخص بالمختار.
والرجاء كأنه مشترك وقد يرجو الإنسان المطر والخصب وليس يأمل إلا من له قدرة وروية.
وأما المنى فهو - كما علمت - شائع في الكل ذاهب كل مذهب فقد يتمنى الإنسان أن وليس يرجو هذا ولا يأمله.
ثم قد يرجو المطر وليس يأمل إلا منزل القطر ومنشىء الغيث.
فهذه فروق واضحة.
فأما قولك لم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع الأماني وصرف الرجاء إلا في الله تعالى فأقول: لأن سائر الأشياء المأمولة والمرجوة والمتمناة منقطعة المدد متناهية العدد ثم هي متلاشية في أنفسها مضمحلة بائدة فاسدة لا يثبت شيء منها على حال لحظة واحدة فلو وصل الواصل إليها وبلغ نهمته منها لأوشك ان يتلاشى ويضمحل ذلك الشيء في نفسه أو يتلاشى ويضمحل الأمل فيه آو رجاؤه وتمنيه.
فأما ما اتصل من هذه بالله - تعالى ذكره - فهو أبدى غير منقطع ولا مضمحل بل الله - تعالى - دائم الفيض به أبدى الجود منه.
تعالى اسمه وتقدس ولا قوة إلا به وهو حسبنا ومعيننا وناصرنا وهادينا إلى صراط مستقيم.
مسألة لم صارت غيرة المرأة على الرجل أشد من غيرة الرجل على المرأة
هذا في الأكثر والأقل وكيفما كان ففيه خبىء وهو المشدد على وقد أدت الغيرة جماعة إلى تلف النفوس وإلى زوال النعم وإلى الجلاء عن الأوطان.
ثم فلت في المسألة التالية لهذه: ما الغيرة أولاً وما حقيقتها وكيف أصلها وفصلها وعلى ماذا يدل اشتقاقها وهل هي محمودة أو مذمومة وهل صاحبها ممدوح أم ملوم فإن إثارة هذا أبلغ بك إلى الفوائد وأجرى معك إلى الأمد وبوقوفك عليها تعرف غيرها وتتخطى إلى ما عداها.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الغيرة فهي خلق طبيعي عام للإنسان والبهائم.
وهو ممدوح إذا كان على شرائط الأخلاق.
أعني إذا وضع في خاص موضعه ولم يتجاوز به المقدار الذي يجب ولم ينقص عنه على مثال ما ذكرناه فيما مضى من سائر الأخلاق كالغضب والشهوة.
فإن هذه أخلاق طبيعية وإنما يحمد منها ما لم يخرج عن الاعتدال أو أصيب به موضعه الخاص به.
وحقيقة الغيرة هي منع الحريم وحماية الحوزة لأجل حفظ النسل والنسب فكل من كانت غيرته لأجل ذلك ثم لم يتجاوز ما ينبغي حتى يحكم بالتهمة الباطلة فيصدق بالظنون الكاذبة ويبادر إلى العقوبة على ذلك ولم ينقص عما ينبغي حتى يتغافل عن الدلائل الواضحة ويترك الامتعاض من الرؤية والسماع إذا كان حقاً وكان معتدل الخلق بين هذين الطرفين يغضب كما ينبغي وعلى ما ينبغي - فهو محمود غير ملوم.
فأما من فرط أو أفرط في الغيرة فسبيله سبيل من تجاوز الاعتدال في سائر الأخلاق إلى الزيادة أو النقصان.
فقد بينا إن الزيادة والنقصان في كل خلق يهجم بصاحبه على ضروب من الشر وأنواع من البلايا والمكاره ويكون هلاكه على مقدار زيادته أو نقصانه منها ومن شرائطها المذكورة في الأخلاق.
فأما زيادة حظ الأنثى على الذكر من الغيرة أو الذكر على الأنثى فليس بلازم طريقة واحدة ولا جار على وتيرة واحدة.
بل ربما زاد ذكر على أنثاه في هذا المعنى وربما زادت أنثى على ذكرها فيه كما يعرض لهما ذلك في قوة الغضب وغيره من الأخلاق.
على أن الذكر أولى بالمحاماة وأخص بهذا الخلق لأنه تستعمل فيه قوة الغضب والشجاعة وهذا أولى بالذكر منه بالأنثى وإن كانت الأنثى تشارك فيه الذكر.
وههنا خلة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها فإن كثيراً من الناس يضل عن وجه الصواب فيها وهي أن الغيرة إذا هاجت قوتها وكان سببها الشهوة وجب الاستئثار وأن يختص الإنسان بحال لا يشاركه فيها غيره وكان هذا العارض له في غير حرمته ولا من أجل حفظ نسبه وزرعه - فهو أمر قبيح.
وإن كانت على شرائطها التي ذكرت فهو أمر حسن جميل.
وأما سقوط هذه القوة دفعة فهجنة قبيحة فقد نجد في بعض الحيوان من لا تعرض له الغيرة كالكلب والتيس ويسب به الإنسان إذا ذكر به وسمي باسمه.
ونجد أيضاً بعضها غيوراً محامياً كالكبش وغيره من فحول الحيوان فيمدح بذكره الإنسان إذا شبه به وسمي باسمه.
فلست اعرف وجه السب بالتيس والمدح بالكبش إلا لما يظهر من هذا الخلق في أحدهما دون الآخر.
فهذه حال الغيرة وحقيقتها وما يجب أن يمدح منها أو يذم.
مسألة ما السبب في أن الذين يموتون وهم شبان أكثر من الذين يموتون وهم شيوخ
الشاهد على ذلك أنك تجد الشيوخ أقل ولولا ذلك لكانوا يكثرون لأنهم كانوا يتجاوزون الشبيبة إلى الكهولة والكهولة إلى الشيخوخة فلما دب الحمام في ذوي الشباب أفناهم وتخطى القليل منهم فبلغوا التشيخ وهو قليل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الحياة تابعة لمزاج ما خاص بإنسان إنسان.
وذلك المزاج له بمنزلة النقطة من الدائرة.
أعني أنه شيء واحد والخروج عنه إلى النقط التي حواليه مما يقرب منه أو يبعد عنه بلا نهاية.
وذلك أن لكل إنسان وبالجملة لكل حيوان - اعتدالاً خاصاً به بين الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة فإذا انحرف عن ذلك الاعتدال إلى أحد الأطراف كان مرضه أو هلاكه.
ثم إن الأمور التي تخرجه إلى الأطراف كثيرة من الأغذية والأشربة والهواء الواصل إليه بالاشتتشاق وغيره وحركاته الطبيعية وغير الطبيعية مما يخرجه عن هذا الاعتدال - كثيرة.
والآفات الأخرى التي تطرأ من خارج مما لا تحتسب كثيرة.
وإذا كانت الأسباب التي يخرج الإنسان بها عن الاعتدال كثيرة بلا نهاية والأسباب التي يثبت بها على الاعتدال الخاص به قليلة ويسيرة - لم يكن ما ذكرته عجباً بل العجب لو اتفق ضده.
ولولا أن العناية الموكلة بحفظ الحيوان كله - والإنسان من بينه - شديدة والوقاية له تامة بالغة فتأمل جميع ما ذكرته من الآفات الداخلة والخارجة عن بدن الإنسان وحركاتها المختلفة أعني منازعة النارية فيه إلى حركة العلو ومنازعة المائية منه إلى حركة السفل ثم حرص كل واحد منهما بطبيعته على إفناء الآخر وإحالته ثم المجاهدة الواقعة في حفظ الاعتدال بينهما حتى لا تزيد قوة أحدهما على الآخر مع كثرة الشهوات والمنازعات إلى ما هو لا محالة زائد في أحدهما ناقص من الآخر - تجد الأمر محفوظاً بعناية شديدة إلى أكثر مما يمكن في مثله من الحفظ حتى يأتي شيء طبيعي لا سبيل إلى مقاومته.
ومثل ذلك سراج يحفظ بالفتيلة والدهن والمواد تجيئه من خارج أعني الدهن الكثير الذي هو سبب إطفائه والنار العظيمة التي هي كذلك والرياح العاصفة التي لا طاقة له بها ولا سبيل إلى حفظه معها فإذا سلم من جميع ذلك مدة طويلة فلا بد من الفناء الطبيعي.
أعني أن الحرارة تستغرق - لا محالة - ما يغتذى به على طول الزمان فيكون الفناء به ومن أجله.
فإن هذا مثل صحيح مطابق للممثل به.
وإذا تفقدت الحرارة الغريزية وحاجتها إلى ما تحفظ قواها بلا زيادة ولا نقصان وإفنائها الرطوبة الأصلية مع المواد التي تأتيها من خارج وقوتها على الإحالة وضعفها - طلعت على ما سألت مسألة ما السبب في طلب الإنسان فيما يسمعه ويقوله ويفعله ويرتئيه ويروى فيه - الأمثال وما فائدة المثل وما غناؤه من مأتاه وعلى ماذا قراره فإن المثل والمثل والمماثلة والتمثيل كلاماً رائقاً وغاية شريفة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأمثال إنما تضرب فيما لا تدركه الحواس مما تدركه.
والسبب في ذلك أنسنا بالحواس وإلفنا لها منذ أول كونها ولأنها مبادىء علومنا ومنها نرتقي إلى غيرها.
فإذا أخبر الإنسان بما لم يدركه أو حدث بما لم يشاهده وكان غريباً عنده - طلب له مثالاً من الحس فإذا أعطي ذلك أنس به وسكن إليه لإلفه له.
وقد يعرض في المحسوسات أيضاً هذا العارض.
أعني أن إنساناً لو حدث عن النعامة أو الزرافة والفيل والتمساح لطلب أن يصور له ليقع عليه ويحصل تحت حسه البصري ولا يقنع فيما طريقه حس البصر بحس السمع حتى يرده إليه فهذا الأمر في الموهوبات فإن إنساناً لو كلف أن يتوهم حيواناً لم يشاهد مثله لسأل عن مثله وكلف مخبره أن يصور له مثل عنقاء مغرب فإن هذا الحيوان وإن لم يكن له وجود فلا بد لمتوهمه أن يتوهمه بصورة مركبة من حيوانات قد شاهدها.
فأما المعقولات فلما كانت صورها ألطف من أن تقع تحت الحس وأبعد من أن تمثل بمثال الحس إلا على جهة التقريب - صارت أخرى أن تكون غريبة غير مألوفة.
والنفس تسكن إلى مثل وإن لم يكن مثلاً لتأنس به من وحشة الغربة.
فإذا ألفتها وقويت على تأملها بعين عقلها من غير مثال سهل حينئذ عليها تأمل أمثالها.
والله الموفق لجميع الخيرات.
مسألة كيف قوى الوهم على أن ينقش في نفس الإنسان أوحش صورة وأمقت شكل
وأقبح تخطيط ولم يقو على أن يصور أحسن صورة وألطف شكل وأملح تخطيط ألا ترى أن الإنسان كلما اعترض في وهمه أوحش شيء عرته شمأزيزة وعلته قشعريرة ولحقه صدوف ورهقه نفور فلو قوى الوهم على تصوير أحسن الحسن تعلل به الإنسان عند فراغ فما هذا وكيف هذا ولا عجب فلهذا الإنسان من هذه النفس والعقل والطبيعة أمور تستنفد العجب وتحير القلب.
جل من أودع هذا الوعاء هذه الطرائف وعرضه لهذه الغايات وزين ظاهره وحسن باطنه وصرفه بين امن وخوف وعدل وحيف وحجبه في أكثر ذلك عن لم وكيف.
الجواب: قال أبوعلي مسكويه - رحمه الله: إن الحسن هو صورة تابعة لاعتدال المزاج وصحة مناسبات من الأعضاء بعضها إلى بعض في الشكل واللون وسائر الهيئات.
وهذه حال لا يتفق اجتماع جميع أجزائها على الصحة ولذلك لا تقوى الطبيعة نفسها على اتخاذها في الهيولى على الكمال لأن الأسباب لا تساعد عليها أعني أنه لا يتفق في الهيولى والأشكال والصورة والمزاج أن تقبل الصورة الأخيرة على غاية الصحة.
فإذا كانت الطبيعة تعجز عن إيجاد هذا الاعتدال وهذه المناسبة الصحيحة التي يتبعها الحسن التام فكم بالحرى يكون الوهم أعجز عنه وإنما الوهم تابع للحس والحس تابع للمزاج والمزاج تابع أثر من آثار الطبيعة.
ومثال ذلك أن الأوتار الكثيرة إنما يطلب بها وبكثرة الدساتين عليها أن تخرج من بينهما نغمة مقبولة وتلك النغمة إنما يتوصل إليها بجميع الآلة وأجزائها من الأوتار والدساتين بالقرعات فالنغمة وإن كانت واحدة فإنها تتم بمساعدة جميع تلك الإجزاء.
فإن خان واحد منها خرجت النغمة كريهة: إما بعيدة من القبول وإما قريبة على قدر عجز الأسباب وقصور بعضها.
فكذلك الهيولى في حاجتها إلى مزاج ما بين اسطقصات وصور أخرى كثيرة تصير بجميعها مستعدة لقبول صور الحسن الذي هو اعتدال ما ومناسبة ما صحيحة بين أمزجة وأعضاء في الهيئة الشكل واللون وغيرها من الأحوال التي مجموعها كلها هو الحسن.
والحسن وإن كان أمراً واحداً وصورة واحد فهو مثل النغمة الواحدة المقبولة التي تحتاج إلى هيئات كثيرة وصور مختلفة جمة ليحصل من بينها هذا الاعتدال المقبول.
والوهم في خروجه عن الاعتدال سهل الحركة.
فأما في حفظه إياه وتوصله إليه فإنه يحتاج إلى تعب شديد وأخذ مقامات كثيرة واستخراج اعتدال بينها.
وهكذا الحال في كل اعتدال فإن حفظه والثبات عليه صعب.
فأما الخروج عنه فهو بأدنى حركة.
فإن اتفق أن يكون لذلك الاعتدال تمامات من خارج ومعاونات من أمور مختلفة كانت الصعوبة
مسألة لم صار السرور إذا هجم تأثيره أشد وربما قتل
وقد حكي الثقة من تأثيره أموراً.
ولقد خبرت والدة بعض الناس أن ابنها ولى إمرة فبرقت وانحرفت وما زالت تنتقض حتى ماتت.
وقال لي ابن الخليل: الحيرة التي تلحق واجد الكنز هي من إفراط فرحه وغلبة سروره ولذلك ما يبين على شمائله وينم بحركاته ويضيق عطنه عن كتمانه مابه وسياسته.
ولا تكاد تجد هذا العارض في الغم والهم النازل الملم وقل ما وجد من انشقت مرارته وانتقضت بنيته وانحلت معاقدة ومآسره بخبر ساءه وناءه ومكروه غشيه وناله.
فإن كان فهو أيضاً قليل وإن ساوى عارض السرور فذاك أعجب والسر فيه أغرب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد مر جواب هذه المسألة في عرض ما تكلمنا عليه في المسائل المتقدمة.
وقلنا: إن النفس تؤثر في المزاج المعتدل عن البدن وكما أن المزاج يؤثر في النفس وبينا جميع ذلك وضربنا له الأمثال.
وما ذاك إلا لانبساط الدم من ذاك في ظاهر البدن وغوره من الآخر إلى قعر البدن.
والحرارة التي في القلب هي التي تفعل هذا أعني أنها تنبسط فترق الدم تارة وتنقبض فتغلظة أخرى.
ويتبع ذلك الحال السرور ويتبع هذه الغم.
فإذا كان زائد المقدار في أي الطرفين كان - تبعه الخروج عن الاعتدال.
وبحسب الخروج عن الاعتدال يكون الموت الوحي أو المرض الشديد.
مسألة ما السبب في أن إحساس الإنسان بألم يعتريه أشد من إحساسه بعافية تكون فيه
حتى لو شكاً يوماً لأن أياماً وهو يمر في لباس العافية فلا يجد لها وقعاً وإنما يتبينه إذا مسه وجع أو دهمه فزع ولهذا قال الشاعر: والحادثات وإن أصابك بؤسها فهو الذي انباك كيف نعيمها ومما يحقق هذا أنك تجد شكوى المبتلى أكثر من شكر المعافي وإنما لوجدان أحدهما مالاً يجده الآخر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: السبب في ذلك أن العافية إنما هي حال ملائمة موافقة للحال الطبيعي من المزاج المعتدل الموضوع لذلك البدن.
والملائمة والموافقة لا يحس بهما وإنما الحس يكون للشيء الذي لا موافقة فيه.
والسبب في ذلك أن الحس إنما أعطي الحيوان ليتحرز به من الآفات الطارئة عليه وليكون ألمه بما يريد عليه مما لا يوافقه سبباً لتلافيه وتداركه قبل أن يتفاوت مزاجه ويسرع هلاكه.
فأنشئت لذلك أعصاب من الدماغ وفرقت في جميع البدن ونسجت بها الأعضاء التي تحتاج إلى إحساس كما بين ذلك في التشريح وفي منافع الأعضاء.
فكل موضع من البدن فيه عصب فهناك حس وكل موضع خلا منه فلا حس فيه.
ولم يخل منه إلا ما لا حاجة به إلى حس.
وإنما وفرت الأعصاب على الأعضاء الشريفة لتصير أذكى حساً ولتكون بما يرد عليها من الآفات أسرع إحساساً.
وكل ذلك ليبادر إلى إزالة ما يجده من الألم بالعلاج ولا يغفل عنه بتوان ولا غيره.
ولو خلا الإنسان من الحس ومن الألم ومكانه لكان هلاكه وشيكاً من الآفات الكثيرة.
وأما الحال الملائمة فلا يحتاج إلى إحساس بها.
وهذه حال جميع الحواس الخمس في أحوالها الطبيعية وانها لا تحس بما يلائمها وإنما تحس بما لا يوافقها.
أقول: إن حس اللمس الذي هو مشترك بجميع البدن إنما يدرك ما زاد أو نقص عن اعتداله الموضوع له فإن البدن له اعتدال من الحرارة مثلاً فإذا لاقاه من حرارة الهواء ما يلائمه ويوافقه لم يحس به أصلاً.
فإن خرج الهواء عن ذلك الاعتدال الذي للبدن إما إلى برد أو حر أحس به فبادر إلى تلافيه وإصلاحه.
وكذلك الحال في البرد والرطوبة واليبوسة.
فأما سائر الحواس فلكل واحد منها اعتدال خاص به لا يحس بما يلائمه وإنما يحس بما يضاده ويزيله عن اعتداله كالعين فإنها لا تحس بالهواء وبكل ما لا لون له ولا كيفية تزيلها عن اعتدالها.
وكذلك السمع وباقي الحواس.
وهذا باب مستقصى في مواضعه من كتب الحمسألة لم اشتد عشق الإنسان لهذا العالم حتى لصق به وآثره وكدح فيه مع ما يرى من صروفه وحوادثه ونكباته وغيره وزواله بأهله ومن أين استفاد الإنسان هذا العرض.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: وكيف لا يشتد عشقه إلى للعالم وهو طبيعي وجزء له إنما مبدؤه منه ومنشؤه فيه وتولده عنه ألا تراه يبتدىء وهو نطفة فينشأ نشوء النبات أعني أنه يستمد غذاءه بعروق موصولة برحم أمه فيستقي المادة التي تقيمه كما تستقي عروق الشجر فإذا تم وصار خلقاً آخر وأنشأه الله - تعالى - حيوان أخرجه من هناك فحينئذ يغتذى بفمه ويتنفس فيصير في مرتبة الحيوان غير الناطق ولا يزال كذلك إلى أن يقبل صورة النطق أولاً فيصير إنساناً ثم يتدرج في إنسانيته حتى ينتهي إلى غاية ما يؤهل له من المراتب فيها وليس ينتهي إلى الرتبة الأخيرة التي هي غاية الإنسانية إلا الأفراد من الناس والواحد بعد الواحد في الأزمنة الطوال والفترات الكثيرة.
وعامة الخلق وجمهور الناس واقفون في منزلة قريبة من البهيمية وغاية نطقهم وتمييزهم أن يرتبوا تلك البهيمية ترتيباً ما فيه نظامك عقلي.
وأما أن يفارقوها ويصيروا إلى الحد الذي طالبت به فلا وإنما يصير إلى هناك الحكيم التام الحكمة الذي يستوفي جميع أجزائها علماً وعملاً أو نبي له تلك المنزلة بالإلهام والتوفيق ثم لابد من المادة البشرية التي يأخذها من هذا العالم وإن كان بلا عشق ولا لصوق شديد ولا إيثار.
وهذا المعنى واسع البحر طويل الميدان قد أكثر فيه الناس وفيما أومأت إليه وصرحت به والسلام.
مسألة لم قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا
وما في الحياة الحمقى من الفائدة على الدين والدنيا وهل الذي قالوه حق.
الجواب: قال أبوعلي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن الإنسان مدني بالطبع وأنه لا يعيش متوحداً كما تعيش الطير والوحش لأن تلك مكتفية بما خلق لها من الرياش والهداية إلى مصالحها وأقواتها والإنسان عار لا طاقة له ولا هداية إلى قوته ومصلحته إلا بالاحتماع والتعاون هو المدنية.
ثم إن المدينة لها حال تسمى بالأولى عمارة وبالإضافة إلى الأولى.
فأما حال عمارتها فإنما يتم بكثرة الأعوان وانتشار العدل بينهم بقوة السلطان الذي ينظم أحوالهم ويحفظ مراتبهم ويرفع الغوائل عنهم.
وأعني بكثرة الأعوان تعاون الأيدي والنيات بالأعمال الكثيرة التي بعضها ضرورية في قوام العيش وبعضها نافعة في حسن الحال في العيش وبعضها نافعة في تزيين العيش فإن اجتماع هذه هي العمارة.
فأما إن فات المدنية واحدة من هذه الثلاث فإنها خراب.
وإن فاتها اثنتان - أعني حسن الحال والزينة جميعاً - فهي غاية في الخراب وذلك أن الأشياء الضرورية في قوام العيش إنما يتبلغ بها الزهاد الذين لا يعمرون الدنيا وليسوا في عدد العمار.
وعمارة الدنيا التامة وقوامها بثلاثة أشياء هي كالأجناس العالية ثم تنقسم إلى أنواع كثيرة.
وأحد الأشياء الثلاثة إثارة الأرض وفلاحتها بالزرع والغرس والقيام عليها بما يصلحها ويستعد لما يراد منها اعني الآلات المستخرجة من المعادن كالحجارة والحديد المستعملة في إثارة الحرث والطحن وإساحة الماء على وجه الأرض من العيون والأنهار والقنى والدوالى وغير ذلك.
والثاني آلات الجند والأسلحة المستعملة لهم في ذب الأعداء عن أولئك الذي وصفناهم ليتم لجماعتهم العيش ويقام غرضهم فيما اجتمعوا له بالمعاونة.
وللجند أيضاً صناع وأصحاب حرف فهم يعدون لهم الخيل بالرياضة والجنن للوقاية وسائر الأسلحة للدفع والذب.
والثالث الجلب والتجهيز الذي يتم بنقل ما يعز في أرض إلى أرض وما يكون في بحر إلى بر.
ولها أصحاب يختصون بجزء جزء من أقسام الأحوال الثلاثة التي ذكرناها.
وينبغي أن تعلم أن العيش غير جودة العيش وحسن الحال في العيش لتعلم أن العمارة متعلقة بجودة العيش وحسن حاله.
وقد عرف أن هذه الأمور لا تتم إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال واحتمال المشاق والتعرض للمخاوف.
ولو تبلغ الناس بضروراتهم وطرحوا فضول العيش وعملوا بما يقتضيه مجرد العقل لصاروا كلهم زهاداً ولو كانوا كذلك لبطل هذا النظام الحسن والزين الذي في العالم وعاشوا عيشة قشفة كعيشة أهل القرى الضعيفة القليلة العدد أو كعيشة سكان الخيم وبيوت الشعر وأظلال القصب.
وهذه هي الحال التي تسمى خراب المدن.
فأما قولك: هل يسمى القوام بعمارة الدنيا حمقى فأقول: إنه لا يجوز أن يسميهم بذلك كل أحد وذلك ان الذين وصفنا أحوالهم من سكان القرى وأطراف الأرض والذين لا يكملون لتحسين معايشهم هم اولى بهذا النبز من الذين استخرجوا بعقولهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم - هذه الصناعات الكثيرة الجميلة العائدة بمنافع الناس.
وإنما يسوغ ذلك لمن أطلع على جميع العلوم والمعارف وميزها ونزلها منازلها فترك ما ترك منها عن خبر وعلم وآثر ما آثر منها على روية وبعد يقين فإن الحكماء إنما تركوا النظر في عمارة الدنيا لأنها عائدة بعمارة الأبدان ولما اطلعوا على شرف النفس على البدن ورأوا لها عالماً آخر وجمالاً يليق بذلك العالم وصناعات وعلوماً ومسالك ركوبها أشق وأعسر من ركوب مخاطرات الدنيا ولزوم محجتها والدءوب فيها بالنظر والعمل أصعب وأكثر تعباً من الدءوب والعمل في الدنيا - آثروا التبلغ وتبلغوا بالقوت الضروري من الدنيا على أنهم هم الذين عملوا لهؤلاء أصول الصناعات والمهن وتركوهم وإياها لما لم يكملوا لغيرها ثم اشتغلوا وشغلوا من جالسهم بالأمر الأعلى الأفضل.
مسألة ما السبب في قلق من تأبط سوأه واحتضن ريبة واستسر فاحشة
حتى قيل - من أجل ما يبدو على وجهه وشمائله -: كاد المريب يقول خذوني وما هذا العارض ومن أين مثاره وبأي شيء زواله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة إنما تعترض الحيرة فيها لمن لا يعترف بالنفس وأن حركات البدن الاختيارية كلها إنما تكون بها ومنها.
فأما من علم أن النفس هي المدبرة لبدن الحي ولا سيما الإنسان المختار الذي مدبره النفس المميزة العاقلة فلا أعرف لحيرته وجهاً.
وذاك ان النفس إذا عرفت شيئاً واستعملت ضد ما يليق بتلك المعرفة لحقها من الاضطراب ما يلحق الطبيعة إذا كانت حركتها يمنة فحركت يسرة بقوة دون قوتها أو مساوية لها.
فإن الاضطراب يظهر هناك مثل ما يظهر ههنا.
مسألة لم إذا كان الواعظ صادقاً نجع كلامه ونفع وعظه وسهل الاقتداء به
وخفت الطاعة له والأخذ بما قاله ولم إذا كان بخلاف ذلك لم يؤثر كلامه وإن راق ولا ينفع وعظه وإن بلغ وما في انسلاخه من حقيقة ما يقول مع حقيقة القول وصحة الدلالة وسطوع الحجة وكيف صار فعله مشيداً لقوله وخلافه موهناً لدلالته ألست الحكمة قائمة في نفسها مستقلة بصحتها ولهذا قيل: الموعظة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لأن المواعظ إنما يأمر بما عنده أنه الأصوب فإذا خالف نفسه أوهم غيره أنه كذب وغش وإنما نهى عن الدنيا لتترك له وتوفر عليه.
وظن من عجز عن رتبته وسقط عن بلوغ درجته في النظر أنه إنما يقتدر على الوعظ بحسن اقتداره على التلبيس وإظهار المموه في صورة الحق.
ولو اعتقد ما يظهر بلسانه لعمل بحسبه فهذا وأشباهه يعرض في قلب المستمع لوعظ من لا يعمل بوعظه.
هذا.
وربما كان أكثر من تراه من الواعظين هو بالحقيقة غير معتقد لما يظهره وإنما غايته أن يشغل الناس عما في أيديهم أو لتتم له رئاسة باجتماع الناس إليه أو لأرب له من الدنيا.
فأي موقع لكلام مثل هذا إذا عرف الموعوظ غايته وأشرف على نيته ومذهبه.
والأمر بالضد فيمن عمل واجتهد وأخلص سره ووافق عمله علمه وقوله نيته فإنه يصير إماماً يقتدى به ويوثق بكلامه ويكثر اتباعه والناظرون فيما ينظر فيه والمصدقون بحكمه.
مسألة لم عظم ندم الإنسان على ما قصر فيه من إكرام الفاضل
وتعظيمه واقتباس الحكمة منه بعد فقده ولم كان يعرض له الزهد فيه مع التمكن منه والانقطاع إليه وقد كان في الوقت الأول أفرغ قلباً وأوسع مذهباً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه مسألة قد أجيب عنها فيما تقدم ولا معنى لتكرير الكلام فيها.
مسألة لم اعتزت العرب والعجم في مواقف الحروب
وأيام الهياج والاعتزاء هو الانتساب إلى الآباء والآجداد وإلى أيام مشهورة وأفعال مذكورة.
وما الذي حرك أحدهم من هذه الأشياء حتى ثار وتقدم وبارز وأقدم وأخطر نفسه واقتحم وربما سمع في ذلك الوقت بيتاً أو تذكر مثلاً أو رأى من دونه في البيت والمنصب والعرق والمركب دون ما يقدر - يفعل فوق ما يفعل فتأتيه الأنفة فتقوده بأنفه إلى مباشرة حتفه ما هذه الغرائب المبثوثة والعجائب المدفونة في هذا الخلق عن هذا الخلق جل من هذا بعلمه وبأمره ومن فعله وهو الإله الذي انقادت له الأشياء طوعاً وكرهاً وأشارت إليه تعريضاً وتصريحاً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الغضب في الإنسان يكون بالقوة إلى أن يخرجه إلى كذلك سائر قوى النفس.
وما يخرجه إلى الفعل ينقسم قسمين: إما من خارج وإما من داخل.
فالذي يكون من خارج فهو مثل انتهاك الحرمة وشتم العرض وما أشبه ذلك.
والذي يكون من داخل فهو تذكر الذنوب والأحقاد وجميع الأحوال التي من شأنها قدح هذه القوة.
ومن شأن النفس إذا كانت ساكنة والتمر الإنسان فعلاً قوياً منها لم تستجب له الأعضاء عما يلتمس فحينئذ يضطر إلى تحريك النفس وإثارتها.
وبحسب تلك الحركة من النفس تكون قوة ذلك الفعل.
وأنت تتبين ذلك من المسرور إذا أراد أن يظهر غضباً أو يفعل فعل الغضوب كيف تتخاذل أعضاؤه ويظهر عليه أثر التكلف فربما أضحك من نفسه وضحك هو أيضاً في أحوج ما كان إلى قوة الغضب فيحتاج في تلك الحال إلى إثارة القوة الغضبية بتذكر أمر يهيج تلك القوة حتى يصدر فعله على ما ينبغي.
وهذه الحال تعرض في الحرب إذا لم يخص المحارب أمرها.
وأعني بذلك أن المحارب ربما حضر الحرب التي لا يخصه أمرها بل لمساعدة غيره أو لأجرة وهو تذكر لأحوال شجاعات ظهرت لأولين ليكون ذلك قدحاً له وإثارة لشجاعته وسبباً لحركة قوية من نفسه.
فإذا ثارت هذه القوة كان مثلها مثل النار التي تبتدىء ضعيفة وتقوى بمباشرة الأفعال وبالإمعان فيها حتى تصير تلك الأفعال لها بمنزلة المادة للنار تتزيد بها إلى أن تلتهب وتستشيط ويصير بمنزلة السكران في قلة الضبط والتمييز.
وهي الحال التي يلتمسها المحارب من نفسه.
مسألة ما السبب في أن الناس يقولون هذا الهواء أطيب من ذلك الهواء
وذلك الماء أعذب من ذلك الماء وتربة بلد كذا وكذا أصلب من تربة كذا وطين مكان كذا أنعم من طين مكان كذا وأعفن وأسبخ ثم لا يقولون في قياس هذا: بلد كذا ناره أجود وأحسن وأصفى أو أشد حراً وإحراقاً وأعظم لهيباً بل يصرفون هذه الصفات على اختلاف المواد كأنها في الحطب اليابس أبين سلطاناً وفي القطن المنفوش أسرع نفوذاً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأركان الأربعة وإن اشتركت في ان بعضها يأخذ قوة بعض الأقل والأكثر حتى يكون بعضها أخلص في صورته ونوعه من بعض فإن النار من بينها خاصة أقل قبولاً لقوة غيرها وأعسر ممازجة وذلك أن صورة النار غالبة على مادتها.
وبيان هذا أن الأرض تقبل من ممازجة الماء والهواء ما تستحيل به عن صورتها الخاصة بها حتى تصير منها الحمأة والملح وضروب الأشياء التي تختلف بها الترب.
وكذلك الماء يقبل من الأرض التي يجاوره والهواء الذي يليه ضروب الطعوم والأراييح والصفاء والكدر حتى يخرج من صورته الخاصة به خروجاً بيناً وهذه حال الهواء في قبول الآثار من الأرض والماء حتى يصير بعضه غليظاً وبعضه رطباً ويابساً ومعتدلاً.
فتظهر في هذه الثلاثة آثار بعضها في بعض حتى تتبين للحس بياناً ظاهراً وتنقص آثار بعضها عن بعض حتى يحكم كل إنسان بخروجه عن اعتداله وخروجه عن اعتداله سبب الاستضرار البين في الأبدان.
فأما النار فإن صورتها الخاصة بها غالبة على مائيتها حتى لا تقبل من المزاج ما يظهر للحس منه نقصان أثر من الإحراق الذي هو فعلها أو الضوء الذي هو خاصتها.
وعلى ان النار أيضاً قد تقبل من المزاج ومجاورة ما تليه أثراً ما ولكنه - بالإضافة إلى الآثار مثال ذلك أن النار التي مادتها النفط الأسود والكبريت الصرف لونها بخلاف لون النار التي مادتها الزيت الصافي ودهن البنفسج الخالص لأن تلك حمراء وهذه بيضاء.
ولكن الفعل المطلوب من النار للجمهور غير ناقص أعني الإحراق والضوء.
وأن نقص بحسب المواد فإن تلك الحال منها مشتركة في البلدان كلها لا تخص بعضها دون بعض.
وإذا حصل الناس أغراضهم من أفعال النار تبلغوا به إلى حاجاتهم ولم ينظروا في المواد التي تخص البلدان لا سيما والمواد متفقة فيها وليست هكذا أخوات النار.
مسألة لم فرح الإنسان بنيل مال وإصابة خير من غير احتساب له
وتوقع أكثر من فرحه بدرك ما طلب ولحوق ما زوال الأنه في أحد الطرفين ينبغي طلب شيء متخير أم لغير ذلك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن جميع ما يصيب الإنسان مما يخص نفسه أو جسمه إذا وصل إليه بتدريج قل إحساسه به وضعف ظهور أثره عليه.
أما مثال ذلك في الجسم فإن الأمراض التي يخرج بها عن الاعتدال على تدريج فليس يشعر بها إلا شعوراً يسيراً وربما لم يشعر بها ألبتة.
فإن خرج بها على غير تدريج تألم منها جداً كالحال في الدوي وأشباهه من الأمراض فإن الإنسان يخرج عن الاعتدال بها إلى الطرف الأقصى الذي يليه الموت فلا يحس بألمه لأنه على تدريج.
ولو خرج دون ذلك الخروج ضربة للحقه من الألم ما لا قوام له به.
وكذلك الحال في اللذات لأن اللذة إنما هي عود الإنسان إلى اعتداله ضربة.
فاللذة والألم حالان يستويان في انهما يردان دفعة بلا تدريج فيستويان في باب شدة الإحساس.
وهذه المسألة أحد الآثار التي ترد على الإنسان مرة بتدريج ومرة بغير تدريج فتصير حال الإنسان بما لم يحتسبه ولم يتدرج بالمزاولة حال ما يصيبه ضربة واحدة مما ضربنا مثاله فيكثر إحساسه به وظهور أثره عليه.
مسألة لم صار البنيان الكريم والقصر المشيد إذا لم يسكنه الناس تداعى عن قرب
وما هكذا هو إذا سكن لعلك تظن أن ذلك لأن السكان يرمون منه ما استرم ويتلافون ما تداعى وتهدم ويتعهدونه بالتطرية والكنس فاعلم ان هذا ليس لذاك لأنك تعلم انهم يؤثرون في المسكن بالمثنى والاستناد وأخذ القلاعة وسائر الحركات المختلفة ما إن لم يضعفه على رمهم ولمهم كان بإزائه ومقابله.
فقد بقيت العلة على هذا وستسمعها في عرض الجواب عن جميع مسائل هذا الكتاب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن معظم آفات البنيان يكون من تشعيث الأمطار وانسداد مجاري المياه بما تحصله الرياح في وجه المآزيب ومسالك المياه التي ترد المياه إلى أصول الحيطان من خارج البناء وداخله وبما يتثلم من وجوه البنيان الكريمة بالآفات التي تعرضها لحركات الهواء والأمطار والبرد والثلوج.
وربما كان سبب ذلك قصبة أو هشيم من تبن الطين الذي تطيره الأرواح إلى مسلك الماء فتعطف الماء إلى غير جهته فيكون به خراب البنيان كله.
فأما ظهور الهوام في أصول الحيطان والعناكب في سقوفه وأخذها من الجميع ما يتبين أثره على الأيام فشيء ظاهر وذلك أن هذا الضرب من الخراب قبيح الأثر جداً ينبو الطرف عنه ويسمج به البناء الشريف.
وربما أغفل السكان بيتاً من عرض البناء إما بقصد وإما بغير قصد فإذا فتح عنه يوجد فيه من آثار الدبيب من الفأر والحيات وضروب الحشرات التي تتخذ لنفسها أكنة بالنقب والبناء كالأرصنة والنمل وما تجمعه من أقواتها ومن نسج العنكبوت وتراكم الغبرة على النقوش - ما يمنع من دخوله.
هذا إن سلم من الوكف وتطرق المياه وهدمها لما تسيل عليه من حائط وسقف ورضه بما يثقله من طين السطوح وتقصف جميع الخشب والسنادات والعمد.
وإذا كان فيها السكان منعوا هذه الأسباب العظيمة في الخراب وكان ما يشعثونه بعد هذه الأشياء يسيراً بالإضافة إليها فكان البناء إلى العمران أقرب ومن الخراب أبعد.
مسألة لم صار الكريم الماجد النجد يلد اللئيم الساقط الوغد
وهذا يلد ذاك على تباين ما بينهما في أغراض النفس وأخلاقها مع قرب ما بينهما في أصولها وأعراقها.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن أخلاق النفس وإن كانت تابعة لمزاج البدن فإن التأديب والسياسة تصلح منها إصلاحاً كثيراً.
وربما كان مزاج الابن بعيداً من مزاج الأب وانضاف إلى ذلك سوء تأديب ورداءة سياسة
مسألة لم إذا كان الإنسان بعيداً عن وطنه ومسقط رأسه وملهى عنه
ومضطجع جنبه ومطرب نفسه ومعدن أنسه - يكون أخمد شوقاً وأقل قلقاً وأطفأ نائرة وأسلى نفساً وألهى فؤاداً حتى إذا دنت الديار من الديار وقوى الطمع في الجوار نفد الصبر وذهب القرار وحتى قال الشاعر # وأعظم ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الديار من الديار.
وهل هذا معنى يعم أو يخص وما علته وهل له علة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا المعنى موجود في الأشياء الطبيعية أيضاً مستمر فيها وذاك أنك لو أرسلت حجراً من موضع عال مركزه لكان يبتدىء بحركته وكلما قرب من مركزه احتدت الحركة وصارت أسرع إلى أن تصير عند قربه من الأرض على أحد ما تكون وأسرعه.
وكلما كان الموضع الذي يرسل منه الحجر أعلى كان هذا المعنى فيه أبين وأظهر.
وكذلك حكم النار والعناصر الباقية إذا أرسلت من غير أمكنتها الخاصة بها فإنها كلما قربت من مراكزها اشتدت حركتها ونزاعها.
ومثل هذه المواضع لا يسأل عنها بلم لأنها أوائل طبيعية وغايتنا فيها أن نعرفها ونعلم أنها كذلك وكذلك حال النفس في أنها إذا كانت بعيدة من مألفها كان نزاعها أيسر فكلما دنت منه اشتد نزاعها وحركتها التي تسمى شوقاً.
وإنما قلت إن هذه المواضع لا يبحث عنها بلم لأن لم إنما يبحث بها عن طلب علة ومبدأ.
وهذه مبادىء في أنفسها وليس علة أكثر من أن الأمور أنفسها كذلك أى مبادئها هي أنفسها ولم تكن كذلك لعلة أخرى مثال ذلك: لو ان قائلاً قال: لم صارت العين تبصر بهذه الطبقات من العين ولم صارت ترى الشيء بحسب الزاوية التي بينها وبين المبصر: إن كانت كبيرة فكبيرة وإن كانت صغيرة فصغيرة أو سأل: لم صارت الأذن تحس باقتراع الهواء على هذا الشكل - لم يلزم الجواب عنه لأن الأشياء الواضحة التي هي أوائل إنياتها هي لمياتها.
وحال تتمنع على حوله وطوقه وباب ينسد دون مطلبه ومأربه وعشق يضيق ذرعاً به ويبعل في معالجته.
وما الذي يرجو بما يأتي وإلى أي شيء ينحو فيما يقصد وينوي وما الذي ينتصب أمامه ويستهلك حصافته ويذهله عن روح مألوفة ونفس معشوقة وحياة عزيزة وما الذي يوهمه من العدم حتى يسلبه من قبضة الوجدان ويسلمه إلى صرف الحدثان.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان مركب من ثلاث قوى نفسانية وهو كالواقف بينها تجذبه هذه مرة وهذه مرة.
وبحسب قوة إحداها على الأخرى يميل بفعله فربما غلبت عليه القوة الغضبية فإذا انصبغ بها وما بفعله إليها ظهرت قوته كلها كأنها غضب وخفيت القوى الأخرى حتى كأنها لم توجد له وكذلك إذا هاجت به القوة الشهوية خفيت آثار القوى الأخر.
وأحصف ما يكون الإنسان وأحسنه حالاً إذا غلبت عليه القوة الناطقة فإن هذه القوة هي المميزة العاقلة التي ترتب القوى الأخرى حتى تظهر أفعالها بحسب ما تحده وترسمه.
والإنسان حينئذ نازل بالمنزلة الكريمة بحيث هيأه الله تعالى وكما أراده.
فإذا كان الأمر كذلك فغير منكر أن يهيج بالإنسان بعض تلك القوى منه عند التواء أمر عليه أو انسداد باب دون مطلب له فيظهر منه فعل لا توجبه روية ولا يقتضيه تمييز لخلفاء أثر القوة الناطقة واستيلاء القوة الأخرى.
وأنت تجد ذلك عياناً عند الأحوال المختلفة بك فإنك تجد نفسك في أوقات على أحوال مؤثرة لها قاصدة إليها غير مصغية إلى نصيح ولا قابلة أمر سديد حتى إذا أفقت من تلك السكرة التي غلبت عليك في تلك الحال - عجبت من الأفعال التي ظهرت منك وأنكرت نفسك فيها وكأن غيرك كان الذي آثرها وقصد إليها فلا تزال كذلك حتى تهيج بك تلك القوة الأولى مرة أخرى فلا يمنعك ما جربته من نفسك ووعظتها به - أن تقع في مثله.
وسبب ذلك التركيب من القوى المختلفة النفسانية.
وليس يمكن الإنسان أن يخلص بقوة واحدة ويصدر أفعال الباقية بحسب التي هي أفضل وأشرف إلا بعد معالجة شديدة وتقويم كثير وإدمان طويل فإن العادة إذا استمرت والعزيمة إذا أنفذت في زمان متصل طويل - حصل منها خلق فكان الحكم له وصار هو الغالب ولذلك نأمر الأحداث بالسيرة الجميلة ونؤاخذهم بالآداب التي تسنها الشرائع وتأمر بها الحكمة.
واستقصاء هذا الكلام وذكر علله لا تقتضيه المسألة ولا يفي به المكان.
فإن شك فيما قلنا شاك وظن أن الإنسان المركب من القوى الثلاثة يجب أن يكون لا زماً لأمر واحد متركب من تلك القوى كما نجد الحال في سائر المعجونات والمركبات من الطبيعة فليعلم أن مثاله ليس بصحيح لأن قوى الإنسان النفسانية لها من ذاتها حركات تزيد وتنقص وأحوال - أيضاً - تهيجاً.
وليست كذلك قوى الطبيعيات فلتنعم النظر في ذلك تجده كما أومأنا إليه وذكرناه.
مسألة سألت بعض مشايخنا بمدينة السلام عن رجل اجتاز بطرف الجسر
وقد اكتنفه الجلاوزة لا يسوقونه إلى السجن فأبصر موسى وميضة في طرف دكان مزين فاختطفها كالبرق وأمرها على حلقومه فإذا هو يخور في دمائه فقلت: من قتل الإنسان فإذا قلنا: قتل نفسه فالقاتل هو المقتول أم القاتل غير المقتول فإن كان أحدهما غير الآخر فكيف تواصلا مع هذا الانفصال وإن كان هذا ذاك فكيف تفاصلا مع هذا الاتصال وإنما شيعت المسألة الأولى بهذا السؤال لأنه ناح نحوها وقاف أثرها.
الجواب: قال أبو على مسكويه - رحمه الله: كأن هذه المسألة مبينة على أن الإنسان شيء واحد لا كثرة فيه والشبهة فيها من هذا الوجه تقوى فإذا بان أن للإنسان قوى كثيرة وهو مركب منها وأنه يميل في وقت ما نحو قوة وفي وقت آخر نحو غيرها وأن أفعاله - أيضاً - بحسب ميله إلى إحدى القوى وغلبتها عليه كما بيناه في المسألة التي قبل هذه - زال هذا الشك.
فأما قوله: كيف تواصلا مع هذا الانفصال فأقول: إن السبب في ذلك أن الباري تعالى لما علم أن هذا المركب من نفس وجسد يحتاج إلى أشياء تقيمه من غذاء وغيره وأنه لا قوام لحياته إلا بمادة وكان لا يصل إلى تلك المادة إلا بحركة وسعي وكانت العائقات والمانعات عنها كثيرة - أعطاه قوة يصل بها إلى حاجاته ويدفع بها أضدادها عن نفسه ليتم له البقاء.
ومن شأن هذه القوة أن تهيج وتثور في أوقات بأكثر مما ينبغي وفي أوقات تقصر عما ينبغي.
وهاتان الحالتان لها رذيلتان: أما الأولى فيتبعها التهور وأما الثانية فيتبعها الجبن.
وللإنسان - بقوة التمييز والعقل - أن يستعمل هذه القوة على ما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي وعلى الشيء الذي ينبغي.
فإذا حصل في هذه الرتبة فهو شجاع وممدوح وكما أراده الله تعالى منه على خلقه له.
وقد بقي في المسألة موضع شك وهو أن يقول قائل: إن كان قاتل نفسه إنما ظهر منه هذا الفعل بحسب القوة الغضبية فهو شجاع والشجاع محمود ونحن نعلم أن هذا الفاعل بنفسه هذا الفعل مذموم فكيف حاله وأين موضع الشجاعة الممدوح فنقول: لعمري إن هذا الفعل من أثر القوة الغضبية ولكنه بحسب رذيلتها وتقصيرها عما ينبغي لا بحسب الزيادة ولا بحسب الاعتدال الذي سميناه شجاعة وذلك أن المرء الذي يخاف أمراً فيه من فقر أو شدة ولا يرحب ذرعاً به ولا يستقبله بعزيمة قوية ومنه تامة - جبان ضعيف فيحمله هذا الجبن على أن يقول: أستريح من تحمل هذه المشقة التي ترد علي.
وهذا هو النكول والضعف المسمى جبناً.
وقد ذكرنا أن قوة الغضب ربما كلت ونقصت عما ينبغي فتكون رذيلة ومنقصة ولا تسمى شجاعة ولا يكون صاحبها محموداً ولا ممدوحاً.
ويتيقن من اشتمل بالريب ويستيقظ من هو راقد ويتنصح من هو غاش وكيف صار - أيضاً - ينافق من نشأ على الإخلاص ويريب من ألف النزاهة وعلى هذا كيف يكون يخون من استمر على الأمانة ستين عاماً ويتحرج من عتق في الخيانة ستين عاماً ما هذه العوارض المختلفة والعادات المستطرقة وكذلك نجد الكذاب يصدق أحياناً لغير أرب مجتلب والصادق يكذب لغير معنى محدد ثم لا يتفق أن يصدق ذلك في نافع أو يكذب هذا في دافع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة أيضاً قريبة من المسألتين المتقدمتين والجواب عنها قريب من الجواب عنهما.
وذلك ان النفاق والنصح وسائر ما ذكره في هذه المسألة هو من آثار النفس الناطقة.
ومن البين أن هذه النفس لها أيضاً مرض وصحة فصحتها اعتدالها في قواها الباقية ومرضها خروجها عن الاعتدال.
وهي إن خرجت عن اعتدالها في وقت فغير منكر لها أن تعود إليه في وقت آخر وكما أن الصدق والنصيحة وصحة الروية وتقسيط الأعمال بحسب الأحوال هو صحتها واعتدالها فأضداد هذه مرضها وخروجها عن الاعتدال.
ولكن ليس نسلم أنها تصدق ثم تكذب لغير سبب ولا لدفع مضرة بل يظن - أبداً - أن فعلها صواب لأمر تراه فربما كان ذلك الظن غلطاً وخطأ فأما أن تفعل ذلك لغير أرب وفير قصد إلى ما تراه خطأ فمحال.
مسألة ما معنى قول بعض العلماء إن الله عم الخلق بالصنع
ولم يعمهم بالاصطناع وما مبسوط هذا المعنى وكيف وجه تحصيله وهل ترك الله - تعالى - فيه صلاح الخلق فلم يجد به ابتداء من غير طلب كيف يكون هذا وقد بدأ بالنعم قبل الاستحقاق وخلق الخلق من غير حاجة إلى الخلق فإن قيل: أبلى بالحاجة ثم منع من غير بخل قيل: فلن ينبغي أن يجحد إحسانه فيما ظهر لحيرة تقع فيما يظن ولعل في غيب ما منع ما قد يقع ولكنه مجهول وهو بتدبيره ملىء وعلى موجب الحكمة ماض بغير مدافعة ولا اعتراض.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما قول من قال: إن الله - تعالى - عم بالصنع خلقه ولم يعمهم بالاصطناع فكلام قد ذهب به مذهب البلاغة ومعناه صحيح لولا التكلف الذي تجشمه صاحبه.
وهذا المعنى في قول المسيح - عليه السلام - أظهر وذاك أنه روى لنا ونقل من لغته إلى لعتنا أنه قال: (لا تهمتوا ولا تقولوا ما نأكل وما نشرب وما نلبس فإن قدر الحاجة قد عم به جميع الخلق وإنما يلتمسون الفضول فيها واعلموا أن ليس كل من دعا إلى الله يرى وجه الله بل من أكمل رضوانه بالعمل الصالح).
فهذا قول المسيح - عليه السلام - على ما نقل وروى.
فأما تفسير هذا الكلام وهو تبيين الكلام الأول الذي سألت عن معناه فإن الصنع البين الظاهر لجميع الخلق هو إعطاؤهم الحياة ثم إزاحة العلة فيما هو ضروري في بقائها وذلك أن بقاءها بالحرارة الغريزية وبقاء الحرارة الغريزية بالترويح يخرج من معدنها الذي هي متعلقة به - الدخان الذي يحدث عن الحرارة والرطوبة الدهنية وتبديل الهواء اليابس بذلك الدخان بهواء آخر رطب سليم موافق لمادة تلك الحرارة وذلك بمنفاخ دائم العمل في شبيه بكير الحدادين وهو الرئة وآلة النفس في جميع ماله قلب ومعدن لهذه الحرارة وما يجرى مجراها في الحيوانات الأخرى التي لا قلب لها ولا حاجة بها إلى الترويح عن الحرارة الملتهبة في المادة الرطبة الدهنية ثم إزاحة العلة في نفس الهواء الذي هو مادة تلك الحرارة ثم في الرطوبة التي لولاها لفني مقدار ما في الجسم منها مع اغتذاء الحرارة بها أعني الماء.
وهذه هي الأشياء الضرورية في الحياة التي لو فقد منها واحد طرفة عين لبطلت الحياة.
وقد أزيحت العلة فيها إزاحة بينة كثيرة ظاهرة وعم بها جميع الحيوان.
فأما الأشياء التي تتبع هذه مما هي ضرورية في طول بقاء الحي وفي حسن حاله من العروق الضوارب وغير الضوارب وآلات الغذاء والقوى الجاذبة والمغيرة والمحيلة الممسكة والدافعة وارئيسة من هذه القوى والخادمة لها وقيام الرئيسة - أبداً - بسياسة الخوادم واستخدامها وقيام الخوادم منها بالطاعة والخدمة الدائمة - فأمر قد تبين في صناعة الطب وظهر ظهوراً لا يحتاج معه إلى استئناف قول.
ويبقى بعد ذلك تخير الحي لقوت دون قوت مما ليس بضروري في بقائه فقد أعطى بحسب حاجته - أيضاً - قوة يطيق بها التخير والتوصل إلى قدر حاجته.
وهذا كله معموم به جميع الخلق غير ممنوع من شيء منه.
فأما الاصطناع فهو القرب من الباري - جل اسمه - وليس يتم هذا إلا بسعي ورغبة وتوجه.
وقد دل - أيضاً - تقدس اسمه إلى ذلك وبقي أن يتحرك العبد إلى هذه الحال فإنه لا يمنع - أيضاً - من الاصطناع بل الباب مفتوح والحجاب مرفوع وإنما المرء يحجب نفسه ويمتنع من التوجه والرغبة وقصد المنهاج والسبيل الذي دل عليه ورغب فيه - بأن يتشاغل بفضول عيشه الذي هو مستغن عنه بما هو حي وبالميل إلى لذات الحس التي تعوقه عن مطلبه وغايته ومنتهى سعادته.
مسألة ما سر النفس الشريفة في إيثار النظافة ومحبة الطهارة
وتتبع الوضاءة وعلى هذا فما وجه الخير في قوله صلى الله عليه وسلم (البذاذة من الإيمان) وقال بعض النساء: القشف من الشرف والترف من السرف.
وسمعت صوفياً يقول: سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا.
ومطلق هذا يقتضي قيداً ولكن قال هذا وسكت.
وسمعت فيلسوفاً يقول: إذا صفا السر انتفى الشر.
وهذا وإن كان قولاً رشيقاً فإن السبب فيه متوار والدليل عنه متراخ.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينبغي أن نتكلم أولاً في سبب النظافة والدنس حتى تبين معنى كل واحد منهما ثم ننظر في نفور الإنسان عن الدنس وميله إلى الطهارة فأقول: إن العناصر الأربعة إذا لم تمتزج ضروب الامتزاجات المتغايرة لم ينفر الإنسان منها ولم يسمها دنساً وإنما يقع النفور من بعض المزاجات.
وإذا نظرنا في المزاجات وجدنا هذه الأربعة إذا اختلطت ضرباً من الاختلاط على مناسبة ما كانت معتدلة وحصل المزاج الإنساني وهذا المزاج له غرض ما فكل ما لم يخرج عنه فهو إنسان بالصورة والمزاج وإن انحرف عن هذا المزاج وخرج عنه - لم يكن إنساناً.
ولا بد أن يكون انحرافه وخروجه إلى واحد من هذه الأربعة أكثر فإن كان مائلاً إلى جهة الحرارة وباقي العناصر مقاربة للمزاج الإنساني أو باقية بحالها - نظر في مقدار خروجه إلى جهة الحرارة فإن كان كثير جداً كان سماً للإنسان قاتلاً له وإن كان دون هذا كان ضاراً له بحسب خروجه عن اعتداله في الحرارة وهذا لا يسمى دنساً وكذلك إن خرج في جهة اليبوسة والبرد فإن هذه إن أفرطت وحصلت مضادة للمزاج المعتدل حتى تبطله - كانت سموماً وإن لم تبطل ذلك المزاج فهي تضره وتغيره عن صورته وسواء كان هذا الخارج عن الاعتدال الإنساني نباتاً أو حيواناً فإنه يعرض فيه ما ذكرناه.
فهذه حال مفردات العناصر إذا أفرطت مع اعتدال الباقيات.
فإما إذا خرج اثنان منها عن الاعتدال فإن خروجهما أيضاً يكون على ضروب وأنحاء إلا أن الرطوبة - خاصة - إذا أفرطت في الزيادة والحرارة إذا أفرطت في الزيادة - عرض من هذا المزاج حال تسمى عفونة وهي عجز الحرارة عن تحليل الرطوبة فيحصل مخالفاً للمزاج المعتدل من هذا الوجه فيتكرهه الإنسان ويأباه سواء أكان ذلك في حيوان أو جماد.
وهذا النفور والتكره على ضروب بحسب خروج المزاج المقابل له عن الاعتدال وسأضرب لذلك مثلاً وهو أن مزاج الإنسان لما كان مقارباً لمزاج الفرس وكانت بينهما مناسبة - حصل بينهما قبول من تلك الجهة فإذا تباعد هذا المزاج حتى يكون منه الغبار والدود والجعل والذباب - نفر منه الإنسان وتكرهه وذلك أن هذه الأنواع من الحيوانات مكونة من عفونات - كما وصفناه من زيادة الرطوبة ونقصان الحرارة - فبعدت من مزاج الإنسان وكذلك حال فضول البدن وذلك أن الطبيعة إذا استولت على الغذاء فتناولت منه القدر الملائم وميزته أيضاً وحصلته في أوعيته وشبهته أولاً أولاً بالبدن ونفت ما ليس بملائم وميزته أيضاً وحصلته في أوعية أخرى وهي آلات النفض فإن ذلك المميز الذي قد خرج عنه جميع ما فيه من الملاءمة - يحصل على غاية البعد من المشابهة وتعرض له غلبة الرطوبة ونقصان الحرارة فيعفن فينفر عنه الإنسان ويكرهه ويحب الراحة منه.
وهذا سبيل ما يرشح من البدن من سائر الفضول فإن جميعه ما نفاه الطبع وميزه فهو لذلك غير ملائم وما لم يكن ملائماً كان متكرهاً ويسمى هذا النوع دنساً إلا أنه ما دام مستبطناً وغير بارز من البدن فهو محتمل بالضرورة فإذا برز عفناه - حينئذ - وتكرهناه وتقررنا منه.
وههنا أشياء أخر ينفر منها الإنسان بالعادة ويألفها أيضاً بالعادة وليس ما نحن فيه من هذه المسألة في شيء.
فأما قول النبي - عليه السلام - (البذاذة من الإيمان) فهو بعيد من هذا النمط الذي كنا في ذكره فإن من كاد باذ الهيئة يكره الدنس ويحب النظافة وليس يخالفك في شيء مما تؤثره من معنى الطهارة فإن خالفك فليس من حيث بذاذة الهيئة لكن كما يخالفك غيره ممن ليس بباذ الهيئة.
وكذلك حال التقشف الذي حكيت فيه كلاماً ما عن بعض الصوفية فإن تلك المعاني هي موضوعات أخر ليست مما كنا فيه والكلام فيها يتصل بمعاني العفة والقناعة والاقتصاد وهي فضائل قد استقصى الكلام فيها في مواضع أخر.
فأما قول القائل: سر الصوفي إذا صفا لم يحتمل الجفا وقول الآخر: إذا صفا السر انتفى الشر فهو إيماء إلى مراتب النفس من المعارف ومنازل اليقين.
ولعمري إن من حصل له مرتبة في القرب من بارئه - جل اسمه وتعالى علواً كبيراً - فقد انتفى منه الشيء ولم يحتمل الجفاء.
وشرح هذا الكلام وبسطه طويل وقد لاح مما ذكرناه ما فيه كفاية وبلاغ.
والمغنى أفضل وأشرف أم الضارب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الموسيقا فإنه علم وقد يقترن به عمل وعامله يسمى موسيقاراً.
فأما علمه فهو أحد التعاليم الأربعة التي لا بد لمن يتفلسف أن يأخذ بخط منه وأما عمله فليس من التعاليم ولكنه تأدية نغم وإيقاعات متناسبة من شأنها أن تحرك النفس - في آلة موافقة وتلك الآلة إما أن تكون من البدن أو خارجة عن البدن.
فإن كانت من البدن فهي أعضاء طبيعية أعدت لتكمل بها أمور أخر فاستعملت في غيرها.
وإن كانت خارجة من الطبيعة فهي آلات صناعية أعدت لتكمل بها تأدية النغم والإيقاع.
ومن شأن الآلات الطبيعية إذا هي استعملت في غير ما أعدت له - أن تضطرب وتخرج عن أشكالها فتتبذل وتتغير.
فإن كان غرض المتكلف ذلك فيها الوصول إلى خسائس الأمور ونقائصها كان قبيحاً مستهجناً.
وإن كان غرضه منها إظهار أثر العلم للحس ليتبين النسب المؤلفة في النفس وإظهار الحكمة في ذلك - كان جميلاً مستحسناً وإن كان لا بد فيه من الخروج عن العادة والإلف عند قوم لكن غرض أهل زماننا من العمل هو إثارة الشهوات القبيحة وإعانة النفس البهيمية على النفس المميزة حتى تتناول لذاتها من غير ترتيب العقل وترخيصه فيها.
وإذا كان قصده لذلك بآلات طبيعية فهو - لا محالة - يضم إليه كلاماً ملائماً له يؤلف منه تلك النغم في ذلك الإيقاع.
فإن كان - أيضاً - منظوماً نظماً شعرياً غزلياً قد استعمل فيه خدع الشعر وتمويهاته - تركب تحريكه للنفس وكثرت وجوهه واشتدت الدواعي وقويت على ما ينقض العفة ويثير الشبق والشره لأن الشعر وحده يفعل هذه الأفعال.
وهذه أسباب شرور العالم وسبب الشر شر فلذلك يعافه العقل وتخطره الشريعة وتمنع منه السياسة.
فإذا كانت الآلة خارجة من البدن فأحسنها ما قل استعمال الأعضاء فيه وبقيت هيئة الإنسان ونصبته صحيحة غير مضطربة وكان مع ذلك أكثر طاعة في إبراز على التأليف وأقدر على تمييز النغم وأفصح على حقائق النغم المتشابهة لا إلى المتناسبة التي حصلها على الموسيقا.
ولسنا نعرف أكمل في هذه الأسباب من الآلة المسماة عوداً لأن أوتارها الأربعة مركبة على الطبائع الأربع ولدساتينها المشدودة نسب موافقة لما يراد من تمييز النغم فيها وليس يمكن أن توجد نغمة في العالم إلا وهي محكية منها ومؤادة بها.
فأما ما يحكى عن الأرغن الرومي فلم تسمعه إلا خبراً ولم نره إلا مصوراً وقد عمل فيه الكندي وغيره كلاماً ما لم يخرج به إلى الفعل من القوة ولو عملت الآلة لا حتاجت من مهارة مستعملها ما يتعذر وجوده ويبعد.
وكما أن العود لما خرج إلى الفعل احتيج إلى ماهر يضربه ولم يكن ليغني فيه العلم دون العمل والحذق فيه فكذلك هذه الآلة لو خرجت إلى الفعل فلذلك توقفنا عن الحكم لها بالشرف وقطعناه للعود.
مسألة ما علة افتتان بعض الناس في العلوم على سهولة من نفسه وانقياد من هواه
واستجابة من طبعه وآخر لا يستقل بفن مع كد القلب ودوام السهر ومواصلة المجالس وطول المدارسة.
ولعل الأول كان من المحاويح والثاني من المياسير.
وقال آخرون: هي أقسام.
وقال قائلون: هي طبائع مختلفة وعروق نزاعة ونفوس أباءة.
وقال آخرون: إنما هي تأثيرات علوية ومقابلات سفلية واقترانات فلكية.
وقال آخر: الله أعلم بخلقه وبفعله ليس لنا إلا النظر والاعتبار فإن أفضينا بنا إلى البيان فنعمة لا يقوم بشكرها إنس ولا جان وإن أديا إلى اللبس فتسليم لا عار فيه على الإنسان.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس وإن كانت في ذاتها كريمة شريفة فإن أفعالها إنما تصدر بحسب آلتها فكما أن النجار إذا فقد الفأس واستعمل المثقب أو المنشار مكانه لم يصدر فعله الذي يتم بالفأس كاملاً ولم تحصل له صور المنجور تاماً ولم يكن ذلك لتقصير منه بل لفقد الآلة - فكذلك حال النفس إذا ثارت إلى معرفة ونهضت نحو علم ثم لم تجد آلته فإنها حينئذ بمنزلة النجار الذي ضربناه مثلاً وذلك أن بعض العلوم يحتاج فيه إلى تخيل قوى والتخيل إنما يكون باعتدال ما في مزاج بطن الدماغ المقدم.
وبعض العلوم يحتاج فيه إلى فكر صحيح والفكر الصحيح إنما يتم باعتدال ما في مزاج بطن الدماغ الأوسط.
وبعض العلوم يحتاج فيه إلى حفظ صحيح جيد والحفظ الجيد يحصل باعتدال ما في مزاج بطن وبعض هذه المزاجات يحتاج في اعتداله الخاص فيه إلى رطوبة ما وبعضه يحتاج فيه إلى يبوسة ما وكذلك الحال في الكيفيتين الأخريين.
ولما كانت هذه البطون متجاورة أدى بعضها إلى بعض كيفيتها فإن رطوبة أحدها ترطب الآخر بالمجاورة وإن كان غير محتاج إلى الرطوبة في اعتداله الخاص به فلذلك قل من يجتمع له الفضائل الثلاث من صدق التخيل وصحة الفكر وجودة الحفظ.
وإذا غلب أحد هذه كانت سهولة العلم الموافق لذلك المزاج على الإنسان بحسب ما ركب فيه وأعطى القدرة عليه.
ومن فقد الاعتدال فيها كلها فقد الانتفاع بالعلوم أجمعها.
وربما حصلت الفضائل في التركيب من صحة المزاج ثم أهمل صاحبها نفسه بمنزلة النجار الذي يجد الآلة ثم لا يستعملها كسلاً وميلاً إلى الراحة والهوينا وشغلاً باللعب والعبث فهذا هو المذموم المضيع حظه الذي خسر نفسه قال الله تعالى فيه {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}
فأما من استعمل آلته بحسب طاقته وحصل فضيلتها بنحو استطاعته فهو معذور.
وليس يكون ذلك بيسار ولا فقر بل بحصول الآلة ومواتاة المزاج وبقدر عناية الإنسان بعد فمن قال من الناس: إنها مواهب أو أقسام أو طبائع أو تأثيرات علوية أو غير ذلك فهو صادق وليس يكذب أحد في شيء مما حكيته لأن كل واحد منهم يومىء إلى جهة صحيحة وسبب ظاهر وإن كانت جميع الجهات والأسباب مرتقية إلى سبب واحد لا سبب له وإلى علة أولى هي علة الباقيات وإلى مبدع للجميع خالق للكل - تعالى ذكره وتقدس إسمه - ونحن نستمده التوفيق ونسأله العصمة ونستوزعه الشكر ونفوض إليه أمورنا وهو حسبنا ومولانا وعليه توكلنا ونعم المولى ونعم النصير.
مسألة ما الفراسة وماذا يراد بها وهل هي صحيحة أم هي تصح في بعض الأوقات دون بعض أو لشخص دون شخص؟
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الفراسة صناعة تتصيد الأخلاق والأفعال التي بحسب الأخلاق من الأمزجة والهيئات الطبيعية والحركات التي تتبعها.
وهي صناعة صحيحة قوية الأصول وثيقة المقدمات ويحتاج صاحبها ومتعاطيها أن يتدرب في ثلاثة أصول لها حتى يحكمها ثم يحكم بها فإنه حينئذ لا يخطىء ولا يغلط.
والأصول الثلاثة هي هذه: أما أحدها فالطبائع الأربع أنفسها.
والثالث الهيئات والأشكال والحركات التابعة للأخلاق.
ونحن نشرحها على مذهبنا في الإيجاز والإيماء إلى النكت والدلالة بعد ذلك على مظانها.
فأما قولك: فما الذي يراد بها فإن المراد من هذه الصناعة تقدمة المعرفة بأخلاق الناس ليلابسهم على بصيرة.
والفراسة قد تكون في الخيل والكلاب وسائر الحيوانات التي ينتفع بها الناس وقد تكون في الجمادات أيضاً كفراسة السيوف والسحاب وغيرهما إلا أن العناية التامة إنما وقعت بفراسة الإنسان خاصة لكثرة الانتفاع به مما سنذكره بمشيئة الله.
وأما قولك: هل تصح أبداً أم في وقت دون وقت ولشخص دون شخص فإني أقول: إنها تصح أبداً في كل وقت ولكل أحد ولكن على الشريطة التي ذكرناها من إحكام الأصول التي وعدنا بذكرها مجملة والدلالة على مواضعها مفصلة.
وإنما قلنا إنها تصح أبداً ودائماً لأن مقوماتها ودلائلها ثابتة غير منقلبة وليست كأشكال الفلك التي تتبدل وتتغير بل شكل الإنسان وهيئاته ومزاجه والحركات اللازمة له عن هذه الأشياء ثابتة باقية ما دام حياً فالمستدل بها أيضاً يتصفحها فيجدها بحال واحدة.
ونعود إلى ذكر الأصول الثلاثة فنقول: أما الاستدلال بالطبائع أنفسها فهو أن الحرارة التي تكون في قلب الإنسان - وهي سبب الحياة - من شأنها إن زادت على الاعتدال أن تزيد في النفس لحاجة القلب إلى الترويح بالرئة وأن توسع التجويف الذي تكون فيه بالحركة الزائدة وأن يكون لها دخان فاضل على القدر المعتدل بحسب زيادتها وبقدر الرطوبة الدهنية التي تجاورها.
فيعرض من هذه الأحوال التي ذكرتها أن يكون الإنسان الذي حرارة قلبه بهذه الصفة عظيم النفس واسع الصدر جهير الصوت كثير الشعر في نواحي الصدر والأكتاف إذا لم يمنع منه مانع كما يعرض لمن يكون جلده مستحصفاً ومسام جلده مسدودة أو ضيقة.
فمن وجد هذه الصفات فحكم بأن الموجب لها حرارة غالبة فهو صادق إلا أنه لا ينبغي أن يتسرع إلى حكم آخر حتى في الأصلين الباقيين ليثق كل الثقة وذلك أن الحرارة يتبعها الغضب والشجاعة وسرعة الحركة ولكن على شروط وهي أن للدماغ مشاركة في أفعال الإنسان وتعديل حرارة القلب إذا كان بارداً رطباً فينبغي أن ينظر فيه فإن كان صاحب هذا المزاج صغير الرأس بالإضافة إلى صدره فاحكم عليه بما قلناه.
فإن أضاف المستدل إلى هذه الدلالة الدلالتين الأخريين من الأصلين الباقيين لا أشك في صحة حكمه وصدق قياسه.
وأنا الاستدلال بالأصل الثاني وهو المزاج فقد علمنا أن لكل مزاج خلقاً ملائماً وشكلاً موافقاً وذلك الخلق يتبعه خلق النفس فإن الطبيعة تعمل - أبداً - من كل مزاج خلقاً خاصاً فلذلك لا تعمل من نطفة الحمار إلا حماراً ومن النواة إلا النخلة ومن البرة إلا براً.
وكذلك أيضاً - أبداً - تعمل من المزاج المخصوص بالأسد خلقة الأسد ومن مزاج الأرنب خلقة الأرنب وأن ذلك الخلق يتبعه خلق خاص - أبداً - بموجب الطبيعة وذلك أن الأسد لما كان مزاج قلبه حاراً تتبعه الجرأة ولأنه مستعد لأن يلتهب قلبه - صار يسرع إليه الغضب ولأن مزاجه موافق لخلقه أعدت له الطبيعة آلة الفرس والنهس وأزاحت علته في الأعضاء التي يستعملها بحسب هذا المزاج وأعطته الأيد والبطش.
ولما كان مزاج الأرنب مقابلاً لهذا المزاج صار خواراً جباناً ضعيفاً قليل المنة فأعدت الطبيعة له آلة الهرب فهو لذلك خفيف جيد العدو لا يصدر عنه شيء من أفعال الشجاعة والإقدام فكل أسد شجاع مقدام وكل أرنب جبان فرار حتى لو تحدث إنسان أن أرنباً أقدم على سبع وولى السبع عنه لكان موضع ضحك.
فإذا وجد صاحب الفراسة في مخايل الإنسان وخلقه مشابهة لأحد هذين الحيوانين فحكم له بقريب من ذلك المزاج والخلق الصادر عنه فهو غير بعيد من الحق لا سيما إن أضاف إليه الأصلين الباقيين.
وهذا المثالان اللذان ذكرناهما يستمر القياس عليهما على مزاج خاص بحيوان أعني أنه يتبع كل مزاج خلق كالروغان للثعلب والخداع والجبن للأرنب والختل وكالملق للسنور والأنس وكالسرق للعقعق والدفن.
وإنما صار الإنسان وحده لا يظهر منه الخلق الطبيعي ظهوراً تاماً كظهوره من هذه الحيوانات لأنه مميز ذو روية فهو يستر على نفسه مذموم الأخلاق بتعاطي ضده وتكلف فعل المحمود وإظهار ما ليس في طبعه ولا في جبلته فيحتاج حينئذ إلى أن يستدل على خلقه الطبيعي بأحد شيئين: إما بطول الصحبة وتفقد الأحوال وإما بالاستدلال الذي نحن في ذكره والاستعانة بصناعة الفراسة على ما يسيره من أخلاقه الطبيعية.
فإن كان مزاجه وخلقه مناسباً لخلق الأرنب حكم بخلقه وإن كان مناسباً للأسد حكم عليه بخلقه مع سائر دلائله الأخر.
فأما الاستدلال بالأصل الأخر وهو الهيئات والأشكال والحركات فهو أن كل حال من حالات النفس من غضب ورضا وسرور وحزن وغير ذلك هيئات وحركات وأشكالاً تتبع تلك الحال أبداً وظهورها يكون في العين والوجه أكثر وأصحاب الفراسة يعتمدون العين خاصة ويزعمون أنها باب القلب فيتصيدون من شكلها ولونها وأحوال أخر لها كثيرة يضيق موضعنا عن ذكرها - أكثر الأخلاق والشيم وتحسن إصابتهم ويصدق حكمهم لا سيما إن أضافوا إليه الأصلين الباقيين وذلك أن عين المسرور مثلاص وعين الحزين ظاهرتا الهيئة والحركة فإذا وجد الإنسان وهو بالخلقة والطبيعة على أحد هاتين الحالتين من هيئة عينه وحركتها حكم عليه بذلك الطبع وكذلك من ظهر في وجهه في حال سكوته قطوب وغضون في الجبهة وعبوس - حكم عليه بهذا الطبع وأنه سيىء الخلق.
فهذه هي الأصول الثلاثة التي اعتمدها أصحاب الفراسة وهي قوية طبيعية كما تراها.
وقد عمل فيها أفليمون كتاباً.
ويقال إنه أول من سبق إلى هذا العلم ممن انتهى إلينا أثره وعرفنا خبره ثم تبعه جماعة صنفوا فيه كتباً وهي مشهورة فمن أحب الاتساع في هذا العلم فليأخذه من مظانه.
وههنا نوع آخر من الاستدلال - وإن لم يكن طبيعياً فهو قريب منه - وهو العادات فإن المثل قد سبق بأن العادة طبيعة ثانية وقد علمنا أن من نشأ بمدينة وفي أمة وطالت صحبته لطائفه - تشبهبهم وأخذ طريقتهم كمن يصحب الجند وأصحاب الملاهي أو سائر طبقات الناس حتى يظن بمن صحب البهائم طويلاً أنه يحدث فيه شيء من أخلاقها.
وأنت تبين ذلك في الجمالين والرعاة الذين يسكنون البر وتقل مخالطتهم للناس وفي القوم الذين فهذه جملة من القول في الفراسة.
وينبغي أن تحذر الحكم بدليل واحد وتتوخى جميع الدلائل من الأصول الثلاثة لتكون بمنزلة شهود عدول لا يتداخلك الشك في صدقهم فيكون حكمك صادقاً وفراستك صحيحة وذلك بحسب دربتك بالصناعة بعد معرفتك بالأصول.
وما أكثر الانتفاع بهذا العلم وأحضره فإني أرى في الجولان الذي يتفق لي في الأرض وكثرة الأسفار أن أرى ضروباً من الناس وأخالط أخياف الأمم وأشاهد عجائب الأخلاق فأستعمل الفراسة فيعظم نفعها وتتعجل فائدتها.
والفراسة ربما تخطىء في الفيلسوف التام الحكمة ووجه ذلك أنه ربما كان ذا مزاج فاسد وخلق - بالطبع - مشاكل له فيصلحه ويهذبه بطول المعاناة وتعاهد نفسه بدوام السيرة الحميدة ولزوم السجايا الرضية كما يحكي عن أفليمون وهو أول من سبق إلى هذا العلم فإنه حمل إلى أبقراطيس وهو متنكر فدخل إليه وهو لا يعرفه فلما تأمله حكم عليه: زان فهم أصحابه بالوثوب عليه فنهاهم أبقراطيس وقال: قد صدق الرجل بحسب صناعته ولكني بالقهر أمنع نفسي من إظهار سجيتها.
ولم صار هذا هكذا وكيف يسرع الملل مما بذل ويضاعف الولوع بطلب ما بخل به هلا كان الحرص في مقابلة ما وجد والزهد في مقابلة ما منع ولهذا ما صار الرخيص مرغوبا عنه والغالي مرغوباً فيه ولهذا إذا ركب الأمير لا يحرص على رؤيته كما يحرص على رؤية الخليفة إذا برز.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النفس غنية بذاتها مكتفية بنفسها غير محتاجة إلى شيء خارج عنها.
وإنما عرض لها الحاجة والفقر إلى ما هو خارج منها لمقارنتها الهيولى وذلك أن أمر الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر والحاجة والإنسان لما كان مركباً منها عرض له التشوف إلى تحصيل المعارف والقنيات.
أما العارف والعلوم فهو يحصلها في شبيه بالخزانة له يرجع إليه متى شاء ويستخرج منه ما أراد أعني القوة الذاكرة التي تستودع الأمور التي تستفاد من خارج أعني من العلماء والكتب أو التي تستثار بالفكر والروية من داخل.
وأما القنيات والمحسوسات فإنه منها ما يروم من تلك التي تقدم ذكرها فلذلك يغلط فيها ويخطىء في الاستكثار منها إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني من العلوم والمحسوسات وإنما حرص على ما منع لأنه إنما يطلب ما ليس عنده ولا هو موجود له في خزانته فيتحرك لاقتنائه وتحصيله بحسب ميله إلى أحد الأمرين أعني المعقول أو المحسوس فإذا حصله سكن من هذه الجهة وعلم أنه قد ادخره ومتى رجع إليه وجده إن كان مما يبقى بالذات وتشوف إلى جهة أخرى ولا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها وما ما لا نهاية له فلا طمع في تحصيله ولا فائدة في النزاع إليه ولا وجه لطلبه سواء كان في المعلوم أو في المحسوس.
وإنما ينبغي أن يقصد من المعلومات إلى الأنواع والذوات الدائمة السرمدية الموجودة أبداً بحالة واحدة ويكون ذلك برد الأشخاص التي بلا نهاية إلى الوحدة التي يمكن أن تتأحد بها النفس ومن المحسوسات المقتناة إلى ضرورات البدن ومقيماته دون الاستكثار منها فإن استيعاب جميعها غير ممكن لأنها أمور لا نهاية لها.
فإذن كل ما فضل عن الحاجة وقدر الكفاية فهو مادة الأحزان والهموم والأمراض وضروب المكاره.
والغلط في هذا الباب كثير وسبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر لأن الفقر هو الحاجة والغنى هو الاستقلال اعني ألا يحتاج بتة ولذلك قيل أنه الله - تعالى - غني لأنه غير محتاج بتة.
فأما من كثرت قنياته فإنه ستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته وعلى قدر منازعته إلى الاستكثار تكثر وجوه فقره وقد تبين ذلك في شرائع الأنبياء وأخلاق الحكماء.
فأما الشيء الرخيص الموجود كثيراً فإنما رغب عنه لأنه معلوم أنه إذ التمس وجد وأما الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان ويصيبه الواحد بعد الواحد فكل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليحصل له ما لم يحصل لغيره وذلك من الإنسان على السبيل الذي شرحناه من أمره.
مسألة ما سبب نظر الإنسان في العواقب وما مثاره منها وما آثاره فيها
وما الذي يحلى به إذا استقصى وما الذي يتخوفه إذا جنح إلى الهويني أو ما مراد الأولين في قولهم: المحتفل ملقي والمسترسل موقى.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما نظر الإنسان في العواقب فيكون لأمرين.
أحدهما لتطلعه إلى الأمور الكائنة وشوقه إلى الوقوف على الأمر الكائن قبل حدوثه لما تقدم فيه من الكلام في المسألة الأولى.
والآخر لأخذ الأهبة له إن كان مما ينفع فيه ذلك ولهذا المعنى اشتاق الإنسان إلى الفأل والزجر إذا عدم جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك إلى الفأل والزجر إذا عدم جميع وجوه الاستدلال من أشكال الفلك وحركات النجوم وربما عدل إلى المتكهن وصدق بكثير من الظنون الباطلة.
وأما قول المتقدمين: المحتفل ملقي والمسترسل موقي فهو على ظاهره كالمناقض للحكم الأول ولذلك أن الإشارة في هذا المثل هو إلى أن المحتفل إنما يتوقى ما لا بد أن يصيبه فهو يجتهد أن يخرج من حكم القضاء أعني موجبات الأقدار بتوسط حركات الفلك فيصير اجتهاده في الخروج منه سبباً لحصوله فيه ووقوعه عليه.
وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله: وإذا حذرت من الأمور مقدراً وهربت منه فنحوه تتوجه فأما المسترسل إلى ذلك الراضي به فإنه موقى مما هو غير مقضي ولا هو بمصيب له وإن لم يتوقه كما قال الشاعر فيمن كان بغير هذه الصفة: حذراً أموراً لا تكون وخائف ما ليس منجيه من الأقدار.
ويتصل بهذا الباب شرح ما يجب أن يتوقى وما يجب ألا يتوقي أعني بذلك ما يغني فيه الفكر والروية وما لا يغني فيه.
وإذا مر ما يقتضيه من الكلام استقصيته إن شاء الله.
وكيف صار يؤثر الشرير في الخير أسرع مما يؤثر الخير في الشرير وما فائدة النفس في المقارنة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينال القرين من قرينه الاقتداء والتشبه وكما أن كل متجاورين من الأشياء الطبيعية لا بد أن يؤثر أحدهما في الآخر فكذلك حال النفس وذاك أن الطبيعة متشبهة بالنفس لأنها شبيهة بظل النفس ومن شأن الشيء الأقوى في الطبيعة أن يحيل الأضعف إلى نفسه ويشبهه بذاته كما تجد ذلك في الحار والبارد والرطب واليابس ولأجل تأثير المجاور في مجاوره حدثت الأمراض في البدن وبسببه عولج بالأدوية.
ولما كانت النفس التي فينا هيولانية صار الشر لها طباعاً والخير تكلفاً وتعلما فاحتجنا - معاشر البشر - أن نتعب بالخير حتى تستفيده ونقتنيه ثم ليس يكفينا تحصيل صورته حتى نألفه ونتعوده ونكرر زماناً طويلاً الحالة التي حصلت لنا منه على أنفسنا لتصير ملكة وسحية بعد أن كانت حالاً.
فأما الشر فلسنا نحتاج إلى تعب به وتحصيله بل يكفي فيه أن نخلى النفس وسومها ونتركها على طبيعتها فإنها تخلو من الخير والخلو من الخير هو الشر لأنه قد تبين في المباحث الفلسفية أنه ليس الشر بشيء له عين قائمة بل هو عدم الخير ولذلك قيل: الهيولى معدن الشر وينبوعه لأجل خلوها من جميع الصور فالشر الأول البسيط هو عدم ثم يتركب وسبب تركبه الأعدام التي هي مقترنة بالهيولى.
وشرح هذا الكلام طويل إلا أن الذي يحصل لك من جواب المسألة فيه أن النفس تتشبه بالنفس المقارنة لها وتقتدي بها والشر أسرع إليها من الخير وهو أن النفس التي فينا هي هيولانية وأعني بهذا القول أنها قابلة للصور من العقل فالمعقولات إنما تصير معقولات لنا إذا ثبتت صورها في النفس ولذلك قال أفلاطون: إن النفس مكان للصور.
واستحسن ارسططاليس هذا التشبيه من أفلاطون لأن استعارة حسنة وإيماء فصيح إلى المعنى الذي أراده.
فيجب - على هذا الأصل - أن نتوقى مجالسه الأشرار ومخالطتهم ومقارنتهم ونقبل قول الشاعر: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينة فإن القرين بالمقارن مقتد وينبغي أن نأخذ الأحداث والصبيان به أشد الأخذ فقد مر في مسألة ما يحقق هذا المعنى ويؤكده وينبه عليه.
وكبر عمامته وحشا زيقه قطناً وعرض جيبه تعريضاً ومشى متبهسناً وتكلم متشادقاً ولم شنع هذا ونظيره وما الذي سمج هذا وأمثاله ولم لم يترك كل إنسان على رأيه واختياره وشهوته وإيثاره وهل أطبق العقلاء المميزون والفضلاء المبرزون على كراهة هذه الأمور إلا لسر خاف وخبيئة موجودة فما ذلك السر وما تلك الخبيئة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: ينكر مما ذكرته كله التكلف وذاك أن من خالف عادات الناس في زيهم ومذاهبهم وتفرد من بينهم بما يباينهم ثم احتمل مؤونة ما يتجشمه فليس ذلك منه إلا لغرض مخالف لأغراضهم وقصد لغير ما يقصدونه: فإن كان غايته من هذه الأشياء أن يشهر نفسه وينبه على موضعه فليس يعدو أن يوهم بها أمراً لا حقيقة له ويطلب حالاً لا يستحقها لأنه لو كان يستحقها لظهرت منه وعرفت له من غير تكلف ولا تجشم لهذه المؤن الغليظة فإذن هو كاذب فعلاً ومزور باطلاً وما تعاطي ذلك إلا ليغر سليماً ويخدع مسترسلاً.
وهذا مذهب المحتال الذي يتحرز منه ويتباعد عنه.
هذا إلى ما يجمعه من بديهة المخالفة والمخالفة سبب الاستيحاش وعلة النفور وأصل المعاداة.
وإنما حرص الناس وأهل الفضل وحرص لهم الأنبياء عليهم السلام بما وضعوه لهم من السنن والشرائع لتحدث بينهم الموافقة والمناسبة التي هي سبب المحبات وأصل المودات ليتشاركوا في الخيرات ولتحصل لهم صورة التأحد الذي هو سبب كل فضيلة ولأجله تم الاجتماع في المدنية الذي هو سبب حسن الحال في العيش والاستمتاع بالحياة والخيرات المطلوبة في الدنيا.
مسألة ما ملتمس النفس في هذا العالم
وهل لها ملتمس وبغية وإن وسمت بهذه المعاني خرجت من أن تكون علية الدرجة خطيرة القدر لأن هذا عنوان الحاجة وبدء العجز.
ولولا أن يتسع النطاق لسألت: ما نسبتها إلى الإنسان وهل لها به قوام أو له بها قوام وإن كان هذا فعلى أي وجه هو وأوسع من هذا الفضاء حديث الإنسان فإن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان.
ثم حكيت حكايات ليس لها غناء في المسألة فلنشتغل بالجواب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لولا لفظة الالتماس توهم غير المعنى الصحيح في حال النفس وظهور آثارها في هذا العالم لأطلقتها ورخصت فيها لك كما أطلقها قوم ولكني رأيت أبا بكر محمد بن زكريا الطبيب وغيره ممن كان في طبقته قد تورطوا في مذهب بعيد من الحق سببه هذه اللفظة وما أشبهها مما أطلقته الحكماء على سبيل الاتساع في الكلام بل لأجل الضرورة العارضة للألفاظ عند ضيقها عن المعاني الغامضة التي أطلقوا عليها.
ولكني سأشير لك إلى ما ينبغي أن تعتقده في هذا الباب وهو أن الطبائع إذا امتزجت ضروب الامتزاجات بضروب حركات الفلك حدثت منها ضروب الصور والأشكال التي تعملها الطبيعة وتقبل من آثار النفس بوساطة الطبيعة ضروب الآثار لأن النفس تظهر آثارهما في كل مزاج بحسب قبوله وتستعمل كل آلة طبيعية بحسب ملاءمتها في كل ما يمكن أن تستعمل فيه وتنهيه إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه من الفضيلة.
وهذا الفعل من النفس لا لغرض أكثر من ظهور الحكمة وذاك أن ظهور الحكمة من الحكيم لا يكون لغرض آخر فوق الحكمة لأن أجل الأفعال ما لم يرد الشيء آخر بل ذاته وكل فعل أريد لغاية أخرى ولشيء آخر فذلك الشيء أجل من ذلك الفعل.
ولا يمكن أن يكون ذلك ماراً بلا نهاية فالغاية الأخيرة والفعل الأفضل ما لم يفعل لشيء آخر بل هو بعينه الغاية والغرض الأقصى ولذلك ينبغي ألا يكون قصد المتفلسف بفلسفته شيئاً آخر غير الفلسفة ولا يجب أن يكون قصد فاعل الجميل شيئاً آخر غير الجميل أعني أنه لا يجب أن يقصد به نيل منفعة ولا طلب ذكر ولا بلوغ رئاسة ولا شيئاً من الأشياء غير ذات الجميل لأنه جميل.
وقد أشار الحكيم إلى أن النفس تكمل في هذا العالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلاً بالفعل بعد أن كانت بالقوة فإذا عقلت العقل صارت هي هو إذ من شأن المعقول والعاقل أن يكونا شيئاً واحداً لا فرق بينهما.
فأما حديث الإنسان الذي شكوت طوله وحكيت من الكلام المتردد الذي لم يفدك طائلاً فالذي ينبغي أن تعتمد عليه هو أن هذه اللفظة موضوعة على الشيء المركب من نفس ناطقة وجسم طبيعي لأن كل مركب من بسيطين أو أكثر يحتاج إلى اسم مفرد يعبر عن معنى التركيب ويدل عليه كما فعل ذلك بالصورة التي تجتمع مع مادة الفضة فسمى خاتماً وكما تجتمع صورة السرير مع مادة الخشب فيصير اسمه سريراً وعلى هذا أيضاً يفعل إذا اجتمع جسمان طبيعيان أو أجسام طبيعية فتركب منها شيء آخر فإنه يسمى باسم مفرد كما يفعل بالخل إذا تركب مع العسل أو السكر فيسمى سكنجبناً وكما تسمى أنواع الأدوية والمعجونات من الأخلاط الكثيرة وأنواع الأغذية والأشربة المركبة ينفرد كل واحد منها باسم خاص وكذلك يفعل بالمادة التي تستحيل من صورة إلى صورة كعصير العنب الذي يسمى عصيراً مرة وخمراً مرة وخلا مرة فالإنسان هو النفس الناطقة إذا استعملت الآلات الجسمية التي تسمى بدناً لتصدر عنها الأفعال بحسب التمييز.
مسألة حكيت
- أيدك الله - حكايات بين سائل ومتكلم ولم تتوجه إلى مطلوب ينبغي أن نبحث عنه لأن المسألة من باب الأسماء والصفات وقد تكلمنا عليه فيما مضى كلاماً مستقصى لا وجه لإعادته فينبغي أن تعود إلى ما مضى وتطلبه لتجده كافياً بمعونة الله.
مسألة ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف وما وجه تجلد الخائف
والمصاب كراهة أن يوقف منه على فسولة طبعه أو قلة مكانته أو سوء جزعه هذا مع تخاذل أعضائه وندائه على ما به واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وظهور علامات ما إذا أراد طيه ظهر على أسرة وجهه وألحاظ عينيه وألفاظ لسانه واضطراب شمائله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك توقع مكروه حادث فإن كان السبب صحيحاً قوياً والدليل واضحاً جلياً كان الخوف في موضعه.
ثم بحسب ذلك المكروه يحسن الصبر ويحمد احتمال الأذى العارض منه وتظهر من الإنسان أمارات الشجاعة أو الجبن.
وأثبت الناس جناناً وجأشاً وأحسنهم بصيرة وروية لا بد أن يضطرب عند نزول المكروه الحادث به الطارىء عليه لا سيما إن كان هائلاً فإن أرسططاليس يقول: من لم يجزع من هيج البحر وهو راكبه ومن الأشياء الهائلة التي فوق طاقة الإنسان فهو مجنون.
وكثير من المكاره يجري هذا المجرى ويقاربه والجزع لا حق بالمرء على حسبه ومقداره: فإن كان المكروه والمتوقع مما يطيق الإنسان دفعه أو تخفيفه فذهب عليه أمره واستولى عليه الجزع ولم يتماسك له - فهو جبان جزوع مذموم من هذه الجهة.
ودواؤه التدرب باحتمال الشدائد وملاقاتها والتصبر عليها وتوطين النفس لها قبل حدوثها لئلا ترد عليه وهو غافل عنها غير مستعد لها.
وإذا كانت الشجاعة فضيلة وكانت ضدها نقيصة ورذيلة فمن لا يحب أن يستر نقيصته ويظهر فضيلته مع ما تقدم من قولنا فيما سبق.
إن كل إنسان يعشق ذاته ويحب نفسه.
إذا كان مثلاً يفتح قفلاً فيتعسر عليه حتى يجن ويعض على القفل ويكفر وهذا عارض فاش في الناس.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا العارض وشبهه من أقبح ما يرض للإنسان وهو غير معذور إن لم يصلحه بالخلق الحسن المحمود وذلك أن الغضب إنما يثور به دم القلب لمحبة الانتقام وهذا الانتقام إذا لم يكن كما ينبغي وعلى من ينبغي وعلى مقدار ما ينبغي فهو مذموم فكيف به إذا كان على الصورة التي حكيتها.
فأما سؤالك عن سبب الغضب فقد ذكرته وأجبت عنه وإذا أثار في غير وضعه فواجب على الإنسان الناطق المميز أن يسكنه ولا يستعجله ولا يجري فيه على منهاج البهيمة وسنة السبع فإن من أعانة بالفكرة وألهبه بسلطان الروية حتى يحتدم ويتوقد فإنه سيعسر بعد ذلك تلافيه وتسكينه والإنسان مذموم به إذا وسوم الطبيعة ولم يظهر فيه أثر التمييز ومكان العقل.
وجالينوس قد ذكر في كتاب الأخلاق حديث القفل بعينه وتعجب من جهل من يفعل ذلك أو يرفس الحمار ويلكم البغل فإن هذا الفعل يدل على أن الإنسانية يسيره في صاحبه جداً والبهيمية غالبة عليه أعني سوء التمييز وقلة استعمال الفكر.
وليس هذا وحده يعرض لحشو الناس وعامتهم بل الشهوة والشبق وسائر عوارض النفس البهيمية والغضبية إذا هاج بهم وابتدأ في حركته الطبيعية لم يستعملوا فيه ما وهبه الله - تعالى - لهم وفضلهم به وجعلهم له أناسي اعني أثر العقل بحسن الروية وصحة التمييز والله المستعان ولا قوة إلا به.
مسألة لم صار من كان صغير الرأس خفيف الدماغ
ولم يكن كل من كان عظيم الرأس رزين الدماغ الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: يحتاج الدماغ إلى اعتدال في الكيفية والكمية فإن حصل له احدهما لم يغن عن الآخر فإن كان جوهره جيداً في الكيفية وكانت كميته ناقصة فهو - لا محالة - ردىء وإن كانت كميته كثيرة فليس هو - لا محالة - رديئاً فقد يكون كثيراً وجيد الجوهر إلا أنه يجب أن يكون مناسباً لحرارة القلب ليحصل بين برد هذا ورطوبته وحرارة ذلك ويبوسته - الاعتدال المحبوب المحمود.
ومتى حصل على الخروج من هذا الاعتدال تبعه من الرداءة قسطه ونصيبه إلا أن التفاضل بين أنواع الخروج من الاعتدال كثير ولأن يكون جيداً وكثيراً زائداً على قدر الحاجة خير من ان يكون جيداً وناقصاً عن قدر الحاجة فإن جمع رداءة الكيفية والكمية كان صاحبه معتوهاً
مسألة لم اعتقد الناس في الكوسج أنه خبيث وداهية
وكذلك في القصير ولم يعتقدوا العقل والحصافة فيمن كان طويل اللحية كثيف الشعر مديد القامة جميل الإمة ولم رأوا خفة العارضين من السعادة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة من باب الفراسة.
والممدوح المحمود من كل أمر يتبع مزاجاً ما هو الاعتدال.
فأما الطرفان اللذان يكتنفان الاعتدال - أعني الزيادة والنقصان - فهما مذمومان مكروهان.
فإن كان وفور اللحية وطولها وعظمها وذهابها في جميع جهات الوجه دليل السلامة والغفلة فبالواجب صار الطرف الذي يقابله من الخفة والنزرة والقلة دليل الخبث والدهاء.
وهما جميعاً طرفان خارجان عن الاعتدال المحمود.
وأحسب أن للاختيار السيء مدخلاً: وذلك أن الرجل إذا كان وافر إضاعة اللحية فهو قادر على أن يخفف منها بأيسر مئونة حتى يحصل على القدر المعتدل والهيئة المحمودة فتركه إياها على الحال المذمومة مع تعبه بها وإصلاحها دائماً أو تركه إياها حتى تسمج وتضطرب دليل فأما عدم اللحية فليس يقدر صاحبه على حيلة فيها فهو معذور.
مسألة لم سهل الموت على المعذب مع علمه
أن العدم لا حياة معه وليس بموجود فيه وأن الأذى - وإن اشتد - فإنه مقرون بالحياة العزيزة هذا وقد علم أيضاً أن الموجود أشرف من المعدوم وانه لا شرف للمعدوم فما الذي يسهل عليه العدم وما الشيء المنتصب لقلبه وهل هذا الاختيار منه بعقل أو فساد مزاج.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة - وإن كان الغرض فيها صحيحاً فالكلام فيها مضطرب غير مسلم المقدمات وذلك أن الإنسان إذا مات فليس يعدم رأساً بل إنما تبطل عنه أعراض وتعدم عنه كيفيات فأما جواهره فإنها غير معدومة ولا يجوز على الجوهر العدم بتة لما تبين في أصول الفلسفة من أن الجوهر لا ضد له ومن أشياء أخر ليس هذا موضعها.
فالجوهر لا يقبل العدم من حيث جوهر وأجزاء الإنسان إذا مات تنحل إلى أصولها - أعني العناصر الأربعة وذلك بأن يستحيل إليها.
وأما جوهره الذي هو النفس الناطقة فقد تبين أنه أحق بالجوهرية من عناصره الأربعة فهو إذن دائم البقاء أيضاً.
ولما لم تكن مسألتك متوجهة إلى هذا المعنى وإنما وقع الغلط في أخذ مقدمات غير صحيحة وإرسال الكلام فيها على غير تحرز - وجب أن ننبه على موضع الغلط ثم نعدل إلى جواب الغرض من المسألة فنقول: إن الحياة ليست بعزيزة إلا إذا كانت جيدة وأعني بالحياة الجيدة ما سلمت من الآفات والمكاره وصدرت بها الأفعال تامة جيدة ولم يلحق الإنسان فيها ما يكرهه من الذل السديد والضيم العظيم والمصائب في الأهل والولد.
وذلك أن الإنسان لو خير بين هذه الحياة الرديئة وبين الموت الجيد أعني أن يقتل في الجهاد الذي يذب به عن حريمه ويمتنع به عن المذلة والمكاره التي وصفناها لوجب بحكم العقل والشريعة أن يختار الموت والقتل في مجاهدة من يسومه ذلك.
وهذه مسألة قد سبقت لها نظيرة وتكلمنا عليها بجواب مقنع وهو قولك: ما سبب الجزع من الموت وما سبب الاسترسال إلى الموت فليرجع إليه فإنه كاف.
مسألة لم ذم الإنسان ما لم ينله وهجن ما لم يحزه وعلى ذلك عادى الناس
ما جهلوا حتى صار هذا من الحكم اليتيمة: وقد عادى الناس ما جهلوا كما قيل فلم عادوه ولم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حتى تزول العداوة ويحصل الشرف ويكمل الجمال ويحق القول بالثناء ويصدق الخبر عن الحق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا من قبيح ما يعترى الناس من الأخلاق وهو جار مجرى الحسد وذاهب في طريقه.
وصاحب المثل الذي يقول: المرء عدو ما جهل إنما أخرجه مخرج الذم والعيب كما قيل: الناس شجرة بغي وحسد.
والسبب في محبة النفس أولاً ثم الغلط في تحصيل ما يزينها.
وذلك أنه إذا أحب الإنسان نفسه أحب صورتها والعلم صورة النفس ويعرض من محبة صورة نفسه أن يبغض ما ليس له بصورة فمتى حصل له علم أحبه وإذا لم يحصل له أبغضه.
ويذهب عليه التماس ما جهله بالمطلب - وإن كان فيه مشقة - أولى به ليصير - أيضاً - صورة أخرى له جميلة.
ولعل المانع له من ذلك كراهة التذلل لمن يتعلم منه بعد حصول العز له في نوع آخر وبين طائفة أخرى.
فأما قولك فلم لم يحبوه حتى يطلبوه ويفقهوه فهو الواجب الذي ينبغي أن يفعل وعليه حض صاحب المثل بالتنبيه على العيب ليتجنب بإتيان الفضيلة.
وسمعت بعض أهل العلم يحكي عن قاض جليل المحل عالى المرتبة أنه هم بتعلم الهندسة على كبر السن.
قال: فقلت له: ما الذي يحملك على ذلك وهو يقدح في مرتبتك ويطلق ألسن السفهاء عليك وأنت لا تصل إلى كبير حظ منه مع علو السن وحاجة هذا العلم إلى زمان طويل وذكاء لا يوجد إلا مع الحداثة واستقبال العمر فقال: ويحك! أحسست من نفسي بغضاً لهذا العلم وعداوة لأهله فأحببت أن أتعاطاه لأحبه ولئلا أبغض علماً فأعادي اهله.
وهذا هو الانقياد للحق وتجرع مرارته حرصاً على حلاوة ثمرته ورياضة للنفس على ما تكرهه فيما هو أزين لها وأعود عليها وحملها على ما يصلحها ويهذبها.
مسألة لم كان الإنسان إذا أراد أن يتخذ عدة أعداء في ساعة واحدة
قدر على ذلك وإذا قصد اتخاذ صديق ومصافاة خذن واحد لم يستطع إلا بزمان واجتهاد وطاعة وغرم وكذلك كل صلاح مأمول ونظام مطلوب في جميع الأمور ألا الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: جواب مسألتك هذه منها.
وما أشبهها بحكاية سمعتها عن الأصمعي وذاك أنه بلغني أن قارئاً قرأ عليه: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا فقال: يا أبا سعيد: ما الألمعى فقال: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
فأنا قائل في هذه المسألة أيضاً: إنما صار الإنسان قادراً على اتخاذ الأعداء بسرعة وغير قادر على اتخاذ الأصدقاء إلا في زمان طويل وبغرامة كثيرة - لأن هذا فتق وذاك رتق وهذا هدم وذاك بناء.
وسق باقي كلامك فإنه جوابك.
مسألة ما الذي حرك الزديق والدهري على الخير وإيثار الجميل
وأداء الأمانة ومواصلة البر ورحمة المبتلي ومعونة الصريخ ومغثة الملتجيء إليه والشاكي بين يديه هذا وهو لا يرجو ثواباً ولا ينتظر مآباً ولا يخاف حساباً.
أترى الباعث على هذه الأخلاق الشريفة والخصال المحمودة رغبته في الشكر وتبرؤه من القرف وخوفه من السيف قد يفعل هذه في الأوقات لا يظن به التوقى ولا اجتلاب الشكر وهل في هذه الأمور ما يشير إلى توحيد الله تبارك وتعالى.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: للإنسان - بما هو إنسان - أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع وله بداية في رأيه وأوائل في عقله لا يحتاج فيها إلى الشرع بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما عنده والتنبيه عليه فتثير ما هو كامن فيه وموجود في فطرته قد أخذه الله - تعالى - وسطره فيه من مبدأ الخلق فكل من له غريزة من العقل ونصيب من الإنسانية ففيه حركة إلى الفضائل وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من الفضائل والمحاسن التي يقتضيها العقل وتوجبها الإنسانية وإن اقترن بذلك في بعض الأوقات محبة الشكر وطلب السمعة والتماس أمور أخر.
ولولا أن محبة الشكر وما يتبعه - أيضاً - جميل وفضيلة لما رغب فيه ولولا أن الخالق - تعالى - واحد لما تساوت هذه الحال بالناس ولا استجاب أحد لمن دعا إليها وحض عليها إذا لم يجد في نفسه شاهداً لها ومصدقاً بها.
ولعمري إذا هذا أوضح دليل على توحيد الله تعالى ذكره وتقدس اسمه.
مسألة ما الذي قام في نفس بعض الناس
حتى صار ضحكة أعني يضحك ويسخر منه ويعبث بقفاه وهو في ذاك صابر محتسب وربما خلا من النائل وربما نزر النائل.
فكيف هون عليه الأمر القبيح ولعله من بيت ظاهر الشرف منيف المحل.
وبمثل هذا المعنى يصير آخر مخنثاً مغنياً لعاباً إلى آخر ما اقتصه من حديث الرجل الذي نشأ على طريق مذمومة وهو من بيت كبير.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في مسألة الفراسة أن لكل مزاج خلقاً يتبعه والنفس تصدر أفعالها بحسب تلك الطبيعة والمزاج وأن الإنسان متى استرسل للطبيعة وانقاد لهواه ولم يستعمل القوة الموهوبة له في رفع ذلك وتأديبه نفسه بها - كان في مسلاخ بهيمة!!!.
وهذا الخلق الذي ذكرته في هذه المسألة أحد الأخلاق التابعة لمزاج خارج عن الاعتدال التي من ترك الإنسان وسوم الطبيعة فيها جمحت فيه إلى أقبح مذهب وأسوأ طريقة.
وحق على من بلى بها أن يجتهد في مداواتها ويجتهد له فيها.
فقد تقدم قولنا في هذا الباب إنه ممكن ولولا إمكانه لما حسن التقويم والتأديب عليه ولا الحمد والذم فيه ولا الزجر والدعاء إليه ولا السياسة من الآباء والملوك وقوام المدن به.
ومتى لم يستجب إنسان لمعالجة هذه الأدواء كانت معالجته بالعقوبات المفروضة واجبة فيه.
وما أشبه الأمراض النفسانية بالأمراض الجسمانية فكما أن مرض الجسم متى لم يعالجه صاحبه بالاختيار والإيثار وجب أن يعالج بالقهر والقسر فكذلك مرض النفس إلى أن ينتهي إلى حال يقع معها اليأس من الصلاح فحينئذ ينبغي أن يراح من نفسه ويستراح منه وتطهر الأرض منه على حسب ما تحكم فيه الشريعة أو السياسة الفاضلة.
مسألة ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة
ومن أين ورث هذا الخلق وأي شيء رمزت الطبيعة به ولم أفرط بعضهم في طلبها حتى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وحتى هجر من أجلها الوساد وودع بسببها الرقاد وطوى المهامه والبلاد وهل هذا الجنس من جنس من امتعض في ترتيب العنوان إذا كوتب أوكاتب وما ذاك من جميع ما تقدم فقد تشاح الناس في هذه المواضع وتباينوا وبلغوا المبالغ.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن في الناس ثلاث قوى وهي: الناطقة والبهيمية والغضبية.
فهو بالناطقة منها يتحرك نحو الشهوات التي يتناول بها اللذات البدنية كلها.
وبالغضبية منها يتحرك إلى طلب الرئاسات ويشتاق إلى أنواع الكرامات وتعرض له الحمية والأنفة ويلتمس العز والمراتب الجليلة العالية ويظهر أثرها من القلب.
وإنما تقوى فيه واحدة من هذه القوى بحسب مزاج قوة هذه الأعضاء التي تسمى الرئيسية في البدن.
فربما خرج عن الاعتدال فيها إلى جانب الزيادة والإفراط أو إلى ناحية النقصان والتفريط فيجب عليه حينئذ أن يعد لها ويردها إلى الوسط - أعني الاعتدال الموضوع له - ولا يسترسل لها بترك التقويم والتأديب فإن هذه القوى تهيج لما ذكرناه.
فإن تركت وسومها وترك صاحبها إصلاحها وعلاجها بالأعقال واتباع الطبيعة - تفاقم أمرها وغلبت حتى تجمح إلى حيث لا يطمع في علاجها ويؤيس من برئها.
وإنما يملك أمرها وتأديبها في مبدأ الأمر بالنفس التي هي رئيسة عليها كلها - أعني المميزة العاقلة التي تسمى القوة الإلهية - فإن هذه القوة ينبغي أن تستولي وتكون لها الرئاسة على الباقية.
فمحبة الإنسان للرئاسة أمر طبيعي له ولكن يجب أن تكون مقومة لتكون في موضعها وكما ينبغي.
فإن زادت أو نقصت في إنسان لأجل مزاج أو عادة سيئة وجب عليه أن يعد لها بالتأديب ليتحرك كما ينبغي وعلى ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي.
وقد مضى من ذكر هذه القوى وآثارها في موضعه ما يجب أن يقتصر بها هنا على هذا المقدار.
ونقول: إنه كما يعرض لبعض الناس ان يلقى الأسنة بنحره ويركب أهوال البر والبحر لنيل الشهوات بحسب حركة قوة النفس البهيمية فيه وتركه قمعها - فكذلك يعرض لبعضهم في نهوض قوة النفس الغضبية فيهم إلى نيل الرئاسات والكرامات - أن يركب هذه الأهوال فيها.
ومدار الأمر على العقل الذي هو الرئيس عليها وأن يجتهد الإنسان في تقوية هذه النفس لتكون هي الغالبة وتتعبد القواتان الباقيتان لها حتى تصدر عن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف عندما يحده فإن هذه القوة هي التي تسمى الإلهية ولها قوة على رئاسة تلك الأخر وهداية إلى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التامة عليها ولكنها - كما قال أفلاطون - في لين الذهب وتلك في قوة الحديد وللإنسان الاجتهاد والميل إلى تذليل هذه لتلك فإنها ستذل وتنقاد.
والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أي أو جد منظور إليه مكثور عليه في فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كان له ابن كذلك أعني كيف يسري الشرف من المتقدم في المتأخر ولا يسري من المتأخر في المتقدم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأب علة الولد وعرفه يسري فيه لأنه معلوله ولأنه مكون من مزاجه وبزره فهو من أجل ذلك كجزء منه أو كنسخة له فغير مستنكر أن يظهر أثر العلة فيه أو ينتظر منه نزوع العرق إليه.
فأما عكس هذه القضية وهو أن يصير المعلول سبباً للعلة حتى يرجع مقلوباً فشيء يأباه العقل وترده البديهة ويسير التأمل يكفي في جواب هذه المسألة.
مسألة ولم إذا كان أبو الإنسان مذكوراً بما أسلفنا نعته وبغيره من الدين والورع
- وجب أن يكون ولده وولد ولده يسحبون الذيل ويختالون في العطاف ويزدرون الناس ويرون من أنفسهم أنهم قد خولوا الملك ويعتقدون أن خدمتك لهم فريضة ونجاتك بهم متعلقة ما هذه الفتنة والآفة وما أصلها وهل كان في سالف الدهر وفيما مضى من الزمان من الأمم المعروفة هذا الفن.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد ذكرنا في جواب المسألة الأولى ما ينبه على جواب هذه التالية فإن المعلول إنما يشرف بشرف علته فإن كان ذلك الشرف ديناً وعلته الهيئة حصل للعرق الساري من الافتخار به ما لا يحصل لغيره ولكن إلى حد مفروض ومقدار معلوم فأما الغلو فيه إلى أن يعتقد أنهم كما حكيت عنهم فهو كسائر الإفراطات التي عددناها فيما تقدم.
وأما قولك: هل كان في سالف الدهر شيء من هذا الفن فلعمري لقد كان ذلك في كل أمة وكل زمان.
ولم تزل النجابة على الأكثر سارية في الأولاد ومتوقعة في العروق حتى إن الملك يبقى في البيت الواحد زماناً طويلاً لا يرتضى الناس إلا بهم ولا ينقادون إلا لهم.
وذلك في جميع الأمم من الفرس والروم والهند وسائر أجناس الناس.
وكذلك العرق اللئيم والأصل الفاسد يهجي به الأولاد وينتظر منهم إليه فيذمون به وتتجنب ناحيتهم له.
ولكن مسألتك مضمنة ذكر الدين وله حكم آخر كما قد علمت من علو الرتبة وشرف المنزلة وإن لم تكن النبوة نفسها سارية في العرق ولا هي متوقعة فيما يتبع النبوة من التعظيم والتشريف ونجوع الناس لها بالطبع والتماس أهل بيتها مرتبة الإمامة والتمليك - أمر خارج عن حكم العادة ولا سيما إن كان هناك شريطة الفضيلة موجودة والاستقلال حاضراً فإن العدول حينئذ عمن كان بهذه الصفة ظلم وتعد.
والسلام.
مسألة هل يجوز أن تكون الحكمة في تساوي الناس من جهة ارتفاع الشرف دون تباينهم
فإنه إن كانت الحكمة في ذلك لزم أن يكون ما عليه الناس إما عن قهر لا فكاك لهم منه أو جهل لا حجة عليهم به.
ولست اعني التساوي في الحال وفي الكفاية وفي الفقر والحاجة لأن ذاك قد شهدت له الحكمة بالصواب لأنه تابع لسوس العالم وجار مع العقل.
وإنما عنيت تساوي الناس من جهة السبب فإن التطاول والتسلط والازدراء قد فشا بهذا النسب.
والحكمة تأبى وضع ما يكون فساداً أو ذريعة إلى فساد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يشرف الإنسان نفسه وبما يظهر فيه من آثار وما أحسن قول الإمام على عليه السلام: قيمة كل امرىء ما يحسن.
وإنما حكينا ما تقدم من شريان النجابة في العرق لأجل أن الطمع يقوى فيمن كانت له سابقة في فضيلة ان تظهر فيه ايضاً ولا سيما إن كانت علته قريبة منه.
وكيف يتساوى الناس في ارتفاع الشرف ولو تساووا فيه لما كان شرف ولا ارتفاع وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية ولكن الناس يتساوون في الإنسانية التي تعمهم وفي أشياء تتبع الإنسانية من الأحكام والأوضاع ويتفاوتون في أمور أخر يزيد بها بعضهم على بعض.
مسألة ما التطير والفأل ولم أولع كثير من الناس بهما
وكيف نفى عن الشريعة أحدهما ورخص الآخر وهل لهما أصل يرجع إليه ويوقف لديه أو هما جاريان مرة بالهاجس والاستشعار ومرة بالاتفاق والاضطرار والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فاش في هذا المعنى وليس طريقه محدثاً للعلم ولا منته مجيلاً للرأى إذ يقول: لا عدوى ولا طيرة.
وقد قيل في مكان آخر: كان يحب الفأل الحسن.
وزعم الرواة أنه حين نزل المدينة عند أبي أيوب الأنصاري سمعه يقول لغلامين له: يا سالم يا يسار.
فقال لأبي بكر: سلمت لنا الدار في يسر.
فكيف هذا وما طريقه وهل يطرد ذلك في تطايره أم يقف ثم حكيت الحكاية عن ابن اسماعيل في قصة الزعفراني.
وحكيت أيضاً عن ابن الرومي قوله: الفأل لسان الزمان وعنوان الحدثان.
وقلت: ما أكثر ما يقع ما لا يتوقع مما لم يتقدم فيه قول ولا إرجاف حتى إذا قارن ذلك شيء صار العجب العجاب والشيء المستطرف.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان متطلع إلى الوقوف على كائنات الأمور ومستقبلاتها ومغيباتها كما وصفنا من حاله فيما تقدم فهو بالطبع يتشوفها ويروم معرفتها على قدر استطاعته وبحسب طاقته فربما أمكنه التوصل إلى بعضها بطبيعة موافقة في رأى صائب وحدس صادق وتكهن في الأمور لا يكاد يخطىء فيها فهو من أعلى درجة في هذا الباب وأوثق سبب فيه فربما تعدد في بعضها ذلك فيروم التوصل إليه بدلائل النجوم وحركات الأشخاص العلوية وتأثيرها في العالم السفلي ويصدق حكمه أو يكذب بحسب قوته في أخذ ولهذه الصناعة أصول كثيرة جداً وفروع بحسب الأصول.
وخطأ المخطىء ليس من ضعف أصول الصناعة ولكن من ضعف الناظر فيها أو لأنه يروم من الصناعة أكثر مما فيها فيحمل عليها زيادة على الموضوع منها وربما فاتته هذه الأسباب ونظائرها من الدلائل الطبيعية.
وليس من شأن النفس أن تعمل عملاً بغير داع إليه ولا سبب له فيصير كالعبث فإذا سنح له أمران ولم يرجح أحدهما على الآخر طلب لنفسه حجة في ركوب أحدهما دون الآخر فيستريح حينئذ إلى الأسباب الضعيفة ويتمحل العلل البعيدة بقدر ما يترجح أحد الرأيين المتكافئين في نفسه على الآخر حتى يصل إليه ويأخذ به.
وسبيل الرجل الفاضل أن يكون حسن الظن قويم الرجاء جميل النية فيتفاءل حينئذ.
والفأل قد يكون بأصوات بسيطة ليس فيها أثر النطق ولكن أكثره بالكلام المفهوم.
وقد يكون بصورة مقبولة وأشكال مستحسنة ولكن معظمه في خلق الإنسان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أبردتم إلى بريداً فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه).
فأما أصحاب الطيره فلأنهم أضداد لأصحاب البيات الجميلة والرجاء الحسن فطريقهم مكروهة وتطيرهم من الأمور أكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وذلك أنهم يأخذون بعضها من وبعضها من الأمزجة المتنافرة والخلق المكروهة كالبوم والهامة والعقرب الفأر وما أشبهها.
وبعض من الأصوات المنكرة كنهيق الحمير وأصوات الحديد وما أشبهها.
وبعضها من الأسماء والألقاب إذا اشتقوا لها ما يوافقها في بعض الحروف أو في كلها كاسم الغراب من الغربة والبان من البين والنوى - نوى التمر - من البعد.
وبعضها من العاهات كالأعور من اليمين والمقعد من الرجل.
وبعضها من الحركات والجهات كالسانج والبارح والمعوج والمائل.
وجميع ذلك لضعف النفس والنحيزة واستيلاء اليأس والقنوط عليها.
وهذه الاستشعارات تزيدها سوء الحال فلذلك نهى عنها.
وكانت العرب خاصة من بين الأمم أحرص على هذه الطريقة وألزم لها على أن شاعرهم يقول وقد أحسن: تخبر طيره فيها زياد لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير.
على التوقير والإحلال وهو لا يكون شيخاً وآخر يتمنى أن يقال له ذلك وهو شاب طرير بل أنت تجد ذلك في شيخ على الحقيقة يكره ذلك إلا أن هذا علته ظاهرة ولكن الشأن في شاب يشيخ تعظيماً فيكره وشاب لا يشيخ فيتكلف.
وفقد الشباب موجع ووجه الشيب مفظع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يختلف الناس في ذلك باختلاف نظرهم لأنفسهم وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم.
وذلك انه ربما أحب الإنسان ان تظهر فضيلته في ابتداء زمانه واستقبال عمره فإذا قيل له: يا شيخ ظن أنه قد سلب تلك الفضيلة وألحق بمن حصل تلك الفضيلة في الزمان الطويل والتجربة الكثيرة.
وربما كره ذلك أيضاً لأرب له في الشباب وميل إلى اللعب والهوى اللذين يستقبحان من الشيخ فإذا قيل له: يا شيخ رأى هذا اللقب كالمانع له والزاجر وأن مخاطبة ينتظر منه ما ينتظر من المشايخ ولا يعذره على ركوب ما يهم به ويعزم عليه.
وربما نظر الإنسان إلى مرتبة حصلت له من الوقار الذي لا يحصل إلا من المشايخ وهو في سن الشباب فيسر بالإكرام وسرعة بلوغه مبلغ المحنكين وأهل الدربة.
مسألة ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره
وما علة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة ولم تعده المصيبة.
وما سر النفس في ذلك وهل هو محمود من الإنسان أن مكروه وإذا نزا به هذا الخاطر فبم يعالجه وإلى أي شيء يرده ولم يتمنى بسبب محنته أن يشركه الناس ولم يستريح إلى ذلك وأصحابنا يروون مثلاً بالفارسية ترجمته: من احترق بيدره أراد ان يحترق بيدر غيره.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الجزع والأسف من عوارض النفس وهي تجري مجرى سائر العوارض الأخر كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة وسائر الأخلاق التي يحمد الإنسان فيها إذا عرضت له كما ينبغي وبسائر الشروط التي أحصيناها مراراً كثيرة ويذم بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط.
وإنما تهذب النفس بالأخلاق لتكون هذه العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي فالحزن الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة لحقت الإنسان لذنب اجترحه أو لعمل فرط فيه أو كان له فيه سبب اختياري أو لسوء اتفاق خصه دون غيره وهو يجهل سببه فإن هذا الحزن وإن كان دون الأول فالإنسان معذور به.
فأما ما كان ضرورياً أو واجباً فليس يحزن له عاقل لأن غروب الشمس مثلاً لما كان ضرورياً لم يحزن له أحد وإن كان عائقاً عن منافع كثيرة وضارا بكل أحد ومنع النظر والتصرف في منافع الدنيا وكذلك هجوم الشتاء والبرد وورود الصيف بالحر لا يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أهبته.
وأما الموت الطبيعي فليس يحزن له أحد لأنه ضروري وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد في غير الوقت الذي كان ينتظره أو بغير الحالة المحتسبة ولذلك يجزع الوالد على موت ولده لأن الذي احتسبه أن يموت هو قبله.
فأما الولد فيقل جزعه على والده لأن الأمر كما كان في حسابه إلا أنه تقدم مثلاً بزمان يسير أو كما ينبغي.
فأما ما يعرض للمسافر ولراكب البحر أن يخص دون من يصحبه بمحنة في ماله أو جسمه فإنما حزنه لسوء الاتفاق ورداءة البخت فإن هذا النوع مجهول السبب ولذلك يعذر فيه أدنى عذر.
وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له فهو شر في طبعه لا سيما إذا لم يجد عليه شيئاً ولم يعد له بطائل وحينئذ يحسن توبيخه وتأديبه.
وقد أحسن الشاعر في قوله:
مسألة ما الفضيلة السارية في الأجناس المختلفة كالعرب والروم والفرس والهند
وزعمت أنك حذقت الترك لأن أبا عثمان لا يعتد بهم إلى ما يتصل به من كلامك مما لم أحكه إذ كانت المسألة هي في قدر ما خرج من حكايتي.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت هذه المسألة متوجهة إلى خصائص الأمم والتعجب واقعاً مما تفرد به قوم دون قوم - أقبلت على البحث عن ذلك وتركت تهذيب ألفاظ المسألة.
وهذه سبيلي في سائر المسائل لأن صاحبها يسلك مسلك الخطابة ولا يذهب مذهب أهل المنطق في تحقيق المسألة وتوفيتها حظها على طرقهم فأقول وبالله التوفيق: قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن النفس تستعمل الآلات البدنية فتصدر أفعالها بحسب أمزجتها وحكينا عن جالينوس مذهبه ودللنا على الموضع الذي يستخرج منه ذلك وضربنا له مثلاً من الحرارة الغريزية وغيرها إذا كانت حاضرة كيف تستعملها النفس الناطقة حتى تكون كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وأن الرياضة وحسن التقدير والترتيب ولزوم ذلك حتى يصير سجية وملكة - هي الفضيلة والخلق المحمود.
فإذا كان هذا الأصل محفوظاً فما أيسر الجواب عن مسألتك هذه! وذاك أن لكل أمة مزاجاً هو الغالب عليهم وإن كان يوجد في النادر وفي الفرط ما هو مخالف لذلك المزاج وذلك لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التابع لذلك ولما كرهته أنت أيضاً من آثار الفلك والكواكب فإن ذلك العالم هو المؤثر في هذا العالم بالجملة.
أما أولاً فبتمييز العناصر بعضها بعض ثم بمزجها على الأقل والأكثر ثم بإعطائها الصور والأشكال.
وليس لاستعفائك من الحق وجه ولا لإعفائك إياك منه طريق فالتزمه فإن واجب.
ولولا أن مسألتك وقعت عن غير هذا المعنى لاشتغلت به ولكن هذا أصل له فلا بد في ذكر الفرع من ذكر الأصل.
وإذا كان هذا على هذا فحيث يعتدل مزاج ما من الأمزجة الشريفة أعني في الأعضاء الشريفة وهي: القلب والكبد والدماغ - وأضيف إلى ذلك ما ذكرناه من أخلاق فاضلة - أعني ترتيب الأفعال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتكرر الفعل وإدمان العادة - فهناك تحصيل الفضيلة الصادرة عنها.
وسواء أكان ذلك في أمة أو شخص أو كان ذلك عن ابتداء أخلاق شريفة أو تأديب شيئاً فشيئاً بعد أن يكون المزاج مسعداً والبغية قابلة والعادة مستمرة فإن الفضيلة حاصلة غير زائلة.
مسألة ما علة كثرة غم من كان أعقل وقلة غم من كل أجهل
وهذا باب موجود في واحد واحد ثم تجده في الجنس والجنس كالسودان والحمران فإنك تجد السودان أطرب وأجهل والحمران أعقل وأكثر فكراً وأشد اهتماماً.
هذا ويقال إن الفرح من الدم.
والحمران أكثر دماً وأعدل مزاجاً وأوجد لأسباب الفرح وآلات الطرب وأقدر على الدنيا بكل وجه.
وأنت ترى - أيضاً - هذا العارض في رفيقين خليطين: أحدهما مهموم بالطبع وآخر متفكه بالطبع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الغم يعرض من جهتين مختلفتين: إحداهما جهة الفكر والأخرى جهة المزاج.
فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم إذا كان المرء ينتظر به مكروهاً.
وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى السواد أو الاحتراق فيتكدر به الروح الذي سببه بخارالدم في مجاري الشرايين.
وبحسب صفاء ذلك الدم يكون صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ذلك التجويف.
وإذا كان سبب الغم معلوماً فمقابله الذي هو سبب الفرح والسرور معلوم أيضاً.
فالعاقل - لأجل جولان فكره - يكثر انتظاره مكاره الدنيا ومن لا يكثر فكره ولا ينتظر مكروهاً فلا سبب له يغمه.
وأما المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه جالينوس وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدمه أو تأخر عنه.
وهذا المزاج ليس يخلوا أن يكون طارئاً أو حادثاً أو طبيعياً في أصل الخلقة فإن كان حادثاً فهو مرض وينبغي أن يعالج بما تعالج به أصناف المالخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي سببها فساد الدم بالاحتراق وانحرافه إلى السوداء.
وإن كان أصلياً وخلقة فلا علاج له لأنه ليس بمرض كأجيال من الناس وأمم أمزجتهم كذلك.
فأما ما حكيته عن السودان فإن الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط وسببه أعتدال دم القلب فيهم وليس ظننت أن أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب الشمس منهم وممرها في حضيض فلكها على سمت رءوسهم فهي تحرق جلودهم وشعورهم فيعرض فيها - أعني في شعورهم - التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيط الشعر ولأجل أن الحرارة تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها لأن الحرارة تميل إلى جهة الحرارة فلا تكثر الحرارة الغريزية في قلوبهم لأجل ذلك.
وإذا لك تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي هناك احتراق بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب.
ودماء الزنوج رقيقة أبداً صافية ولذلك تقل الشجاعة أيضاً فيهم.
فأما الحمران فأكثرهم في ناحية الشمال والبلدان الباردة التي تبعد الشمس عنهم وتقوى الحرارة الغريزية في قلوبهم ولاشتمال البرد على ظاهرهم تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم سباطاً وتعود حرارتهم إلى داخل أبدانهم هرباً من البرد الذي في هوائهم لبعد الشمس عنهم فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب.
ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكدورة والسواد والخروج عن الاعتدال.
وأهل الاعتدال الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من
مسألة حدثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها أمير الأجوبة وهي الشجا في الحلق والقذى في العين والغصة في الصدر والوقر على الظهر والسل في الجسم والحسرة في النفس وهذا كله لعظم مادهم منها وابتلى الناس به فيها وهي حرمان الفاضل وإدراك الناقص ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين وقال أبو سعيد الحصيري بالشك وألحد فلان في الإسلام وارتاب فلان في الحكمة.
وحين نظر أبو عيسى الوراق إلى خادم قد خرج من دار الخليفة بجنائب تقاد بين يديه وبجماعة تركض حواليه فرفع رأسه إلى السماء وقال: أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إليك بحجج وأدلة وأنصر دينك بكل شاهد وبينه ثم أمشي هكذا عارياً جائعاً نائعاً ومثل هذا الأسود يتقلب في الخز والوشي والخدم والحشم والحاشية والغاشية.
ويقال هذا الإنسان هو ابن الراوندي ومن كان فإن الحديث في هذا الباب والإسناد فيه عال والبحث عن هذا السر واجب فإنه باب إلى روح القلب وسلامة الصدر وصحة العقل ورضا الرب ولو لم يكن فيه إلا التفويض والصبر حسبما يوجبه الدليل لكان كافياً.
والمنجمون يقولون: إن الثامن من مقابلة الثاني.
وحدثنا شيخ عن ابن مجاهد أنه قال: الفضل معدود من الرزق كما أن الخفض معدود في جملة الحرمان.
وقال لي شيخ مرة: اعلم أن القسمة عدل والقاسم منصف لأنه بإزاء ما أعطاك من الأدب والفضل واللسان والعقل أعطى صاحبك المال والجاه والكفاية واليسار فانظر إلى النعمة كيف انقسمت بينكما ثم انظر إلى البلاء كيف انقسم عليكما أيضاً: أبلاك مع الفضل بالحاجة وأبلاه مع الغنى بالجهالة.
فهل العدل إلا في هذه العبرة والحق إلا بهذه الفكرة.
ولعمري إن هذا المقدار لا يصير عليه الدهري ولا التناسخي ولا الثنوي ولكن على كل حال فيه تبصرة من العمى.
ولو قد أفردنا الجواب عن مسائل هذه الرسالة للمعترض والمتشكك في ذلك مشبع ومروى.
والله المعين على ما قد اشتمل الضمير عليه وانعقدت النية به.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة كما حكيت ووصفت من صعوبتها على أكثر الناس والتباس وجه الحكمة فيها على أصناف أهل النظر حتى صار الكلام فيها مشبهاً بقائم الشطرنج الذي يتنازعه الخصمان إلى أن يقطعهما الكلال والسآمة فيطرحونها قائمة وكنت أحب أن أفرد فيها مقالة تشتمل على جملة مستقصاة تشفي وتكفي عند ما سألني بعض الإخوان ذلك فإن أمثال هذه المسائل المتداولة بين الناس المشهورة بالشك والحيرة - ليس ينبغي أن يقنع فيها بأمثال هذه الأجوبة التي سألت أنت فيها الإيجاز الشديد وضمنت أنا فيها الإيماء إلى النكت لا سيما وأنا لا أعرف في معناها كلاماً مبسوطاً لأحد ممن تقدمني حتى إذا أومأت بالمعنى إليه أحلت بالشرح عليه ولكنني لما انتهيت إليها بالنظر لم يجز أن أخليها من جواب متوسط بين الإسهاب والإيجاز.
وأنا مجتهد في بيانها وإزالة ما لحق الناس من الحيرة فيها.
ومن عند الله استمد التوفيق وهو حسبي فأقول: إن من الأصول التي لا منازعة فيها وهي مسلمة من ذوي العقول السليمة أن لكل موجود في العالم - طبيعي كان أو صناعي - غاية وكمالاً وغرضاً خاصاً وجد من أجله وبسببه اعني أنه إنما أوجد ليتم به ذلك الغرض وإن كان قد يتم به أشياء أخر دون ذلك الغرض الأخير والكمال الأخير وقد يصلح لأمور ليست من الغرض الذي قصد به وأريد له في شيء.
ومثال ذلك المطرقة فإنها إنما أعدت للصانع ليتم له بها مد الأجسام إلى أقطارها وبسطها إلى نواحيها وهي - مع ذلك - تصلح لأن يشق بها وتستعمل في بعض ما تستعمل فيه الفأس وكذلك أيضاً المقراض إنما أعد للخياط ليقطع به الثوب وهو مع ذلك - يصلح لأن يبري به القلم ويستعمل مكان السكين وكذلك الحال في سائر الآلات الصناعية.
وهكذا صور الأمور الطبيعية فإن الأسنان إنما أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاختلاف كمالاتها - أعني الأغراض التي تتم بها والأفعال التي وجدت من أجلها فإن مقاديمها حادة بالهيئة التي تصلح للقطع كالحال في السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة التي تصلح للرض والطحن كالحال في الرحا.
وقد تتم بها أفعال أخر.
وكذلك الحال في اليد والرجل فقد يتعاطى الناس أن يعملوا بكل واحدة منهما غير ما خلقت له وعملت من أجله على سبيل الحاجة إلى ذلك أو على طريق التغريب به كمن يمشي على يده ويبطش ويكتب برجله.
ولكن هذه الأفعال - وإن ساغ صدروها عن هذه الآلات وتتم بها غير ما هو كمالها وخص بها - فإن ذلك منها يكون على اضطراب ونقصان عن الآلات التي تتم بها أعمالها الخاصة بها المطلوبة منها الموجودة من أجلها.
وإذا كان ذلك مستمراً في جميع الألات الصناعية والأشخاص الطبيعية فكذلك الحال في النواع وهكذا يجري الأمر في أجناس هذه الأنواع فإن الناطق وغير الناطق من الحيوان ليس يجوز أن يكون غرضهما وكمالهما واحد - أعني لا يجوز بوجه ولا سبب ألا يكون للإنسان الذي ميز بهذه الصورة وأعطي التمييز والروية وفضل بالعقل الذي هو أجل موهوب له وأفضل مخصوص به - غرض خاص وكمال خلق لأجله ووجد بسببه.
وإذا كان هذا الأصل موطأ ومقراً به وكان على غاية الصحة وفي نهاية القوة كما تراه فهلم بنا نبحث بحثاً آخر عن هذه الآلات الصناعية والأشخاص الطبيعية فإنا نجدها قد تشترك في أشياء وتتباين في أشياء.
أعني أن المطرقة تشارك السكين والإبرة والمنشار وغيرها في الصورة التي هي الحديدة ثم تنفرد بخاص صورة لها تميزها من غيرها والإنسان يشارك النبات والبهائم في النمو والاعتلال وفي الإلتذاذ بالمأكل والمشرب وسائر راحات الجسد ونفض الفضول عنه ونريد ان نعلم هل هذا الاختصاص الذي لكل واحد منها بغرضه الخاص به وكماله المفروض له هو بما شارك به غيره آو بما باينه به فتجده الصورة الخاصة به التي ميزته عن غيره وصار بها هو ما هو.
أعني صورة الفأس التي بها هو فأس هي التي جعلت له خاصته وكماله وغرضه وكذلك الحال في الباقيات.
ثم نصير إلى الإنسان الذي شارك النبات والحيوان في موضوعاتها فنقول: إن الإنسان من حيث هو حيوان قد شارك البهائم في غرض الحيوانية وكمالها أعني في نيل اللذات والشهوات والتماس الراحات وطلب العوض مما يتحلل من بدنه إلا أن الحيوانية لما ما تكن صورته الخاصة به المميزة له عن غيره لم تصدر هذه الأشياء منه على أتم أحوالها وذاك أنا نجد أكثر الحيوانات تزيد على الإنسان في جميع ما عددناه وتفضله فيها بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء.
ولما كانت صورته الخاصة به التي ميزته عن غيره هو العقل وخصائصه من التمييز والروية - وجب ان تكون إنسانيته في هذه الأشياء فكل من كان حظه من هذه الخصائص أكثر كان اكثر إنسانية كما أن الأشياء التي عددناها كلما كان منها حظه من صورته الخاصة به أكثر كان فضله في أشكاله أظهر.
ثم نعود إلى شرح مسألتك ونبينها بحسب هذه الأصول التي قدمتها فأقول: لعمري إنه لو كان غاية الإنسان وغرضه الذي وجد بسببه وكماله الذي أعد له هو الاستكثار من القنية والتمتع بالمآكل والمشارب وسائر اللذات والراحات - لوجب أن يستوفيها بصورته الخاصة به ولوجب أن تكثر عنده ويكون نصيب كل إنسان منها على قدر قسطه من الإنسانية حتى يكون الأفضل من الناس هو الأفضل في هذه الأحوال من القنية والاستمتاع بها ولكن لما كانت صورته الخاصة به هي ذكرنا علمنا أن القصد به والغرض فيه هو ما صدر عنه وتم به كحقائق العلوم والمعارف وإجالة الروية وإعمال الفكرة فيها ليصل بذلك إلى مرتبة هي أجل من مرتبة البهائم وسائر الموجودات في عالم الكون والفساد كما أنه في نفسه وبحسب صورته أفضل منها كلها.
وهذه المرتبة لا يصل إليها بغير الروبة وبغير الإختيار الخاصيين بالعقل.
ولا يجوز أن يقال في معارضة ما قلناه: إن هذه الروية وهذا الاختيار إنما ينبغي أن يكونا في اللذات لأنا قد بينا في هذا الموضع وفي مواضع أخر كثيرة أن تلك الموجودة للحيوانات الخسيسة أو فر وأكثر بغير روية ولا عقل وإنما تشرف الروية وتتبين ثمرة العقل إذا استعمل في أفضل الموجودات.
وأفضل الموجودات ما كان دائم البقاء داثر ولا متبدل وغير محتاج ولا فقير إلى شيء خارج عنه بل هو الغني بذاته الذي بجوده على جميع الموجودات ونزلها منازلها بقدر مراتبها وعلى قدر قبولها وبحسب استحقاقاتها.
فالروية والفكرة والاختيار إنما تكمل بها صور الإنسانية إذا استعملت في الأمور الإلهية ليرتقي بها إلى منازل شريفة لا يمكن النطق بها ولا إشارة إليها إلا لمن وصل إليها وعرف إلى ما يشار وعلم لأي شيء عرض الإنسان من الخيرات ثم هو يطلب الإنتكاس في الخلق والرجوع إلى مرتبة البهائم ومن هو في عدادها ممن خسر نفسه كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}
فهذا - لعمري - هو الخسران المبين الذي يتعوذ بالله منه دائماً.
ولقد أعجبني قول امرىء القيس مع لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه وذهابه في طرق الشعر التي كان متصنعاً به وهائماً في واديه منغمساً في معانيه: أرانا موضعين لحتم غيب ونسحر بالطعام وبالشراب فما هذا الإيضاع منا وما هذا الحتم من الغيب لقد أشار إلى معنى الطيف ودل من نفسه على ذكاء تام وقريحة عجيبة ألا تراه يقول: ونسحر بالطعام وبالشراب أي المراد منا والمقصود بنا غيرهما وإنما نسحر بهذين.
فقد تبين أن الإنسان - إذا لم تكن غايته هذه الأشياء التي تسميها العامة أرزاقاً ولم يخلق لها ولا هي مقصود بالذات - فليس ينبغي له أن يلتمسها وأن يتعجب ممن اتفقت له وإن كان يتشوقها ويحبها فليس ذلك من حيث هو إنسان عاقل بل هو من حيث هو حيوان بهيمي.
وقد أزيحت علته في الأمور الضرورية التي يتم بها عيشة ويصح منها سلوكه إلى غايته.
ولم يظلم أحد في هذا فتأمله تجده بيناً إن شاء الله.
هذه المسألة مكررة وقد مضى الجواب عنها مستقصى على شريطة الإيجاز.
وبعدها مسألة التوفيق وقد مرت أيضاً فليرجع إلى الأجوبة المتقدمة عنهما.
مسألة لجواب أن تفرد مسألة الجبر والاختيار
فيقال: ما الجبر وما الاختيار وما نسبتهما إلى العالم وكيف انتسابهما وانتمائهما.
اعني كيف اختلافهما في ائتلاقهما وذلك أنك تجدهما في العالم مضافين إلى اللذين يجمعون بين العقل والحس كما تجدهما مضافين إلى اللذين ينفردون بالحس دون العقل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضاً.
وذلك أنه يظهر منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو نام - مع أنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الفعل النبات.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ذو نفس حساس فيناسب بذلك الفعل البهائم.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك الفعل الملائكة ولكل واحد من هذه الأفعال والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب وينظر أيضاً فيها من جهات مختلفة وتعرض لها عوائق كثيرة وموانع مختلفة بعضها طبيعية وبعضها اتفاقية وبعضها قهرية.
ومتى لم يفصل الناظر في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها من بعض ولم ينظر في جهاتها كلها - اختلطت عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه الشبه والشكوك.
ونحن نبين هذه الحركات ونميزها ثم نتكلم على حقيقة الجبر والاختيار فإن الأمر حينئذ يسهل جداً ويقرب فهمه ولا يعتاص - بمشيئة الله تعالى - فأقول: إن الفعل - مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته - يحتاج في ظهروه إلى أربعة أشياء: أحدهما الفاعل الذي يظهر منه.
والثاني المادة التي تحصل فيها.
والثالث الغرض الذي ينساق إليه.
والرابع الصورة التي تقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في المادة وربما كانت الصورة هي الفعل بعينه.
فهذه الأشياء الأربعة هي ضرورية في وجود الفعل وظهوره وقد يحتاج إلى الآلة والزمان والبينة الصحيحة ولكن ليست بضرورية في كل فعل.
ثم إن كل واحد من الأشياء التي هي ضرورية في وجود الفعل ينقسم قسمين: فمنه قريب ومنه بعيد: أما الفاعل القريب فبمنزلة الأجير الذي ينقل آلات البناء في اتخاذ الدار.
والفاعل البعيد بمنزلة الذي يهندس الدار ويأمر بها ويتقدم بجميع آلاتها.
وأما الهيولى القريبة فبمنزلة اللبن للحائط والخشب للباب.
والهيولى البعيدة بمنزلة العناصر الأولى.
وأما الكمال القريب فبمنزلة السكنى في الدار.
والكمال البعيد بمنزلة حفظ المتاع ودفع أذى الحر والبرد وما أشبه ذلك.
وأما أنواع الأفعال التي ذكرناها فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن لكل واحدة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خاص فعل لا يصدر إلا عنها.
وأما الأسباب الدواعي فبعضها الشوق والنزوع وبعضها الفكر والروية وقد تتركب هذه.
وأما العوائق التي ذكرناها فبعضها اتفاقية وبعضها قهرية وبعضها طبيعية.
فالاتفاقية بمنزلة من يخرج لزيارة صديقه فيلقاه عدو لم يقصده فيعوقه عن إتمام فعله وكمن ينهض لحاجة فيعثر أو يقع في بئر.
والقهرية بمنزلة من يشد يديه اللصوص ليعوقوه عن البطش بهما أو كمن يقيده السلطان ليمنعه من السعي والهرب منه.
والطبيعية بمنزلة الفالج والسكتة وأما أشبههما.
وههنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وهو أنا ربما نظرنا في الفعل لا من حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك أنا قد ننظر في فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث يحبه عمرو ويكرهه خالد ومن جهة ما هو ضار لبكر ونافع لعبد الله.
وهذا النظر ليس يكون في ذات الفعل بل في إضافته إلى غيره.
وإذ قد نظرنا في الفعل وأنواعه وجهاته وحاجته في ظهوره ووجوده إلى الشرائط التي عددناها - فإنا ناظرون في الاختيار ما هو فنقول: إن الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير وهو افتعال منه وإذا قيل: اختار الإنسان شيئاً فكأنه افتعل من الخير أي فعل ما هو خير له: إما على الحقيقة وإما بحسب ظنه.
وإن لم يكن خيراً له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من هذا الوجه وهو ما صدر عن فكر منه وإجالة رأى فيه ليقع منه ما هو خير له.
ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ولا يجيل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء الممتنع وإنما يفكر ويجيل رأيه في الشيء الممكن ومعنى قولنا الممكن هو الشيء الذي ليس بمتنع وإذا فرض وجوده لم يعرض عنه محال.
ولما كانت هذه الجهة من الفعل هي المتعلقة بالاختيار وهي التي تخص بالفعل الإنساني وكانت محتاجة في تمام وجود الفعل إلى تلك الشرائط التي قدمناها كان النظر فيها - أعني في هذه الجهة - يعرض للغلط والوقوع في تلك الجهات التي ليست متعلقة بالإنسان ولا مبدؤها إليه.
وربما نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في الجهات الأخر فيكون حكمه على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ينظر في الفعل من جهة الهيولى المختصة به التي لا بد له في وجوده منها ويتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده كالكاغد للكاتب فإنه إذا نظر في فعل الكاتب من هذه الجهة.
أعني تعذر الكاغد عليه ظن أنه عاجز عن الكتابة من هذه الجهة ممنوع عن الفعل لأجلها وهذه جهة لم تتعلق به من حيث هو كاتب ومختار للكتابة وكذلك إن عدم القلم والجارحة الصحيحة أو واحداً من تلك الأشياء المشروط في وجود كل فعل إنساني فحينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم على الإنسان بالجبر ويمنع من الاختيار.
وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من حيث هو مختار فإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده فإنه أيضاً سيبادر إلى الحكم عليه بأنه فاعل متمكن ويمنع من الجبر.
وهكذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك المركب إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزاؤه الباقية - تعرض له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها.
والفعل الإنساني وإن كان اسمه واحداً فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا بها فمتى لحظ الناظر فيه شيئاً واحداً منها وترك ملاحظة الباقيات عرضت له الشكوك من تلك الأشياء التي أغفلها.
والمذهب الصحيح هو مذهب من نظر في واحد واحد منها فنسب الفعل إلى الجميع وخص كل جهة بقسط من الفعل ولم يجعل الفعل الإنساني اختياراً كله ولا تفويضاً كله ولهذا قيل: دين الله بين الغلو والتقصير.
فإن من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون صاحبه متمكناً من القوة الفاعلة بالاختيار فهو غال من حيث أهمل الأشياء الهيولانية والأسباب القهرية والعوائق التي عددتها وهذا يؤديه إلى التفويض.
وكذلك حال من زعم أن فعله يكفي في وجوده أن ترتفع هذه العوائق عنه وتحصل له الأشياء الهيولاينة فهو مقصر من حيث أهمل القوة الفاعلة بالاختيار وهذا يؤديه إلى الجبر.
وإذا كان هذا على ما بيناه ولخصناه فقد ظهر المذهب الحق وفيه جواب مسألتك عن الجبر والاختيار.
ويعلم علماً واضحاً أن الإنسان إذا امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية في ظهور فعله أو عرضية فيه أو قهرية أو اتفاقية فهو منسوب إلى تلك الجهة.
مثال ذلك أنه إن كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولى أو أحد الأربعة الأشياء الضرورية فهو عاجز وإن امتنع لعائق قهري أو اتفاقي فهو معذور من تلك الجهة وبحسبها وعلى مقدارها.
فأما من حضرته القوة الفاعلة بالاختيار وارتفعت تلك الموانع عنه وأزيحت علله فيها كلها ثم كان ذلك لفعل مما ينظر فيه على طريق الإضافة أن يكون طاعة لمن تجب طاعته آو معونة لمن تجب معونته أو غير ذلك من وجوه الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه قادر متمكن ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره أو العيب والذم.
وهذه الجهة التي تختص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر وإجالة الرأى المسمى بالاختيار - هي ثمرة العقل ونتيجته.
ولولا هذه الجهة لما كان لوجود العقل فائدة بل يصير وجوده عبثاً ولغواً ونحن نتيقن أن العقل أجل الموجودات وأشرف ما من الله - تعالى - به ووهبه للإنسان ونتيقن أيضاً أن أخس الموجودات ما لا ثمرة له ولا فائدة في وجوده بمنزلة اللغو والعبث فإذن أجل الموجودات على هذا الحكم هو أخس الموجودات.
هذا خلف لا يمكن أن يكون.
فليس هذا الحكم بصادق فنقيضه هو الصادق.
مسألة لم حن بعض الناس إلى السفر من لدن طفوليته إلى كهولته
ومنذ صغره إلى كبره حتى إنه يعق الوالدين ويشق الخافقين صابراً على وعثاء السفر وذل الغربة ومهانة الخمول وهو يسمع قول الشاعر: إن الغريب بحيث ما حطت ركائبه ذليل ويد الغريب قصيرة ولسانه أبداً كليل وآخر ينشأ في حضن أمه وعلى عانق ظئره ولا ينزع به حنين إلى بلد ولا يغلبه شوق إلى أحد كأنه حجر جبله أو حصاة جدوله لعلك تقول: مواضع الكواكب ودرجة الطالع وشكل الفلك اقتضت له هذه الأحوال وقصرته على هذه الأمور فحينئذ تكون المسألة عليك في آثار هذه النجوم وتوزيعها هذه الأسباب على ما هي عليه من ظاهر التسخير - أشد وتكلف الجواب عنها آكد وأنكد.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن قوة النزاع إلى المحسوسات تنقسم بانقسام الحواس.
وكما ان بعض المزاج تقوى فيه حاسة البصر وبعضه تقوى فيه حاسة السمع فكذلك الحال في القوة النزاعية التي في تلك الحاسة لأنها هي التي تشتاق إلى تكمل الحاسة وتصييرها بالفعل بعد أن كانت بالقوة.
ومعنى هذا الكلام أن الحواس كلها هي حواس بالقوة إلى أن تدرك محسوساتها فإذا أدركتها صارت حواس بالفعل.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس بعجب أن يكون هذا المعنى في بعض الحواس قوياً ويضعف في بعض فيكون بعض الناس يشتاق إلى السماع وبعضهم إلى النظر وبعضهم إلى المذوقات من المأكول والمشروب وبعضهم إلى المشمومات وألوان الروائح بعضهم إلى الملبوسات من الثياب وغيرها.
وربما اجتمع لواحد أن يشتاق إلى اثنين منها أو ثلاثة أو إليها كلها.
ولكل واحد من هذه المحسوسات أنواع كثيرة لا تحصى ولأنواعها أشخاص بلا نهاية.
وهي على كثرتها وعددها الجم وخروجها إلى حد ما لا نهاية له - ليست كمالات للإنسان من حيث هو إنسان وإنما كماله الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله.
أعني العلوم.
وأشرفها ما أدى إلى أشرف المعلومات.
وإنما صار البصر والسمع أشرف الحواس لأنهما أخص بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز وبهما تدرك أوائل المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق.
وإذا كانت الحالة على هذه الصورة في الشوق إلى ما يتمم وجود الحواس ويخرجها إلى الفعل وكان من الظاهر المتعارف أن بعض الناس يشتاق إلى نوع منها فيحتمل فيه كل مشقة وأذى حتى يبلغ أربه فيه - لم يكن بديعاً ولا عجباً أن يشتاق آخر إلى نوع آخر فيحتمل مثل ذلك فيه.
إلا أنا وجدنا اللغة في بعض هذه عنيت فوضعت له اسماً وفي بعضها لم تغن فأهملته وذلك أنا قد وجدنا لمن يشتاق إلى المأكول والمشروب إذا أفرطت قوته النزاعية إليهما حتى يعرض له ما ذكرت من الحرص عليهما والتوصل إليهما ما يحتمل معه ضروب الكلف والمشاق - اسماً وهو الشره والنهم.
ولم نجد لمن يعرض له ذلك في المشموع اسماً.
وأظن ذلك لأجل كثرة ما يوجد من ذلك الضرب ولأن عيبه أفحش وما يجلبه من الآثام والقبائح أكثر.
فقد ظهر السبب في تشوق بعض الناس إلى الغربة وجولان الأرض.
وهو أن قوته النزاهية التي تختص بالبصر تحب الاستكثار من المبصرات وتحديدها ويظن أن أشخاص المبصرات تستغرق فهو يحتمل كثيراً من المشاق في الوصول إلى أربه من إدراك هذا النوع.
وقد نجد من يحتمل أكثر من ذلك إذا تحرك بقوته النزاعية إلى سائر المحسوسات الأخر والاستكثار منها.
فتأمل الجميع وأعد نظرك وتصفح جزئياتها تجد الأمر فيها واحداً.
ما غائلة الجهل ثم ما عائدة الجهل الذي قد وما سر العلم الذي قد طبع عليه الخلق فإن استشفاف هذه الفصول واستكشاف هذه الأصول يثيران علماً وحكماً جماً وإن كان فيها - في البحث عنها وبعض أوائلها وأواخرها - مشقة على النفس وثقل على الكاهل.
ولولا معونة الخالق من كان يقطع هذه التنائف الملس ومن كان يسلك هذه المهامه الخرس ولكن الله - تعالى - ولى المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في عرض كلامنا على هذه المسائل ما ينبه على جواب هذه المسألة.
ولكنه لا بد من إعادته شيء منه يزيد في كشف الشبهة وإزالة الشك.
وهو أن العلم كمال الإنسان من حيث هو إنسان لأنه إنما صار إنساناً بصورته التي ميزته عن غيره.
أعني النبات والجماد والبهائم.
وهذه الصورة التي ميزته ليست في تخاطيطه وشكله ولونه.
والدليل على ذلك أنك تقول: فلان أكثر إنسانية من فلان فلا تعني به أنه أتم صورة بدن لا أكمل يف الخلق التخطيطي ولا في اللون ولا في شيء آخر غير قوته الناطقة التي يميز بها بين الخير والشر في الأمور وبين الحسن والقبيح في الأفعال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ولذلك قيل في حد الإنسان: إنه حي ناطق مائت.
فميز بالنطق أعني بالتمييز وبينه وبين غيره دون تخطيطه وشكله وسائر أغراضه ولواحقه.
وإذا كان هذا المعنى من الإنسان هو ما صار به إنساناً فكلما كثرت إنسانيته كان أفضل في نوعه.
كما أن كل موجود في العالم إذا كأن فعله الصادر عنه بحسب صورته التي تخصه فإنه إذا كان فعله أجود كان أفضل وأشرف.
مثل ذلك الفرس والبازي من الحيوان والقلم والفأس من الآلات فإن كل واحد من هذه إذا صدر عنه فعله الخاص بصورته كاملاً كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه وكذلك الحال في النبات والجماد فإن لكل واحد من أشخاص الموجودات خاص صورة يصدر عنه فعله وبحسب يشرف أو يخس إذا كان تاماً أو ناقصاً.
فأي فائدة أعظم مما يكمل وجودك ويتمم نوعك ويعطيك ذاتك حتى يميزك عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بناطقة ويقربك من الملائكة والإله - عز وجل وتقدس وتعالى - وأي غائلة أدهى وأمر وأكلم وأطم مما ينكسك في الخلق ويردك إلى أرذل وجودك ويحطك عن شرف مقامك إلى خساسة مقامات ما هو دونك أظنك تذهب إلى أن العلم يجب ان يفيدك - لا محالة - جاهاً أو سلطاناً أو مالاً تتمكن به من شهوات ولذات.
فلعمري إن العلم قد يفعل ذلك ولكن بالعرض لا بالذات لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ويكمل به الإنسانليس هو غايات الحواس ولا كمال البدن.
وإن كان قد يتم به ذلك في كثير من الأحوال.
ومتى استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك البهيمية والنباتية وكأنه استعمل في أرذل الأشياء وهو معد لأن يستعمل في أشرفها.
مسألة ما سبب استشعار الخوف بلا مخيف وما وجه تجلد الخائف
والمصاب كراهة أن يوقف منه على فسولة طبعه أو قلة مكانته أو سوء جزعه هذا مع تخاذل أعضائه وندائه على ما به واستحالة أعراضه ووجيب قلبه وظهور علامات ما إذا أراد طيه ظهر على أسرة وجهه وألحاظ عينيه وألفاظ لسانه واضطراب شمائله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: سبب ذلك توقع مكروه حادث فإن كان السبب صحيحاً قوياً والدليل واضحاً جلياً كان الخوف في موضعه.
ثم بحسب ذلك المكروه يحسن الصبر ويحمد احتمال الأذى العارض منه وتظهر من الإنسان أمارات الشجاعة أو الجبن.
وأثبت الناس جناناً وجأشاً وأحسنهم بصيرة وروية لا بد أن يضطرب عند نزول المكروه الحادث به الطارىء عليه لا سيما إن كان هائلاً فإن أرسططاليس يقول: من لم يجزع من هيج البحر وهو راكبه ومن الأشياء الهائلة التي فوق طاقة الإنسان فهو مجنون.
وكثير من المكاره يجري هذا المجرى ويقاربه والجزع لا حق بالمرء على حسبه ومقداره: فإن كان المكروه والمتوقع مما يطيق الإنسان دفعه أو تخفيفه فذهب عليه أمره واستولى عليه الجزع ولم يتماسك له - فهو جبان جزوع مذموم من هذه الجهة.
ودواؤه التدرب باحتمال الشدائد وملاقاتها والتصبر عليها وتوطين النفس لها قبل حدوثها لئلا ترد عليه وهو غافل عنها غير مستعد لها.
وإذا كانت الشجاعة فضيلة وكانت ضدها نقيصة ورذيلة فمن لا يحب أن يستر نقيصته ويظهر فضيلته مع ما تقدم من قولنا فيما سبق.
إن كل إنسان يعشق ذاته ويحب نفسه.
إذا كان مثلاً يفتح قفلاً فيتعسر عليه حتى يجن ويعض على القفل ويكفر وهذا عارض فاش في الناس.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا العارض وشبهه من أقبح ما يرض للإنسان وهو غير معذور إن لم يصلحه بالخلق الحسن المحمود وذلك أن الغضب إنما يثور به دم القلب لمحبة الانتقام وهذا الانتقام إذا لم يكن كما ينبغي وعلى من ينبغي وعلى مقدار ما ينبغي فهو مذموم فكيف به إذا كان على الصورة التي حكيتها.
فأما سؤالك عن سبب الغضب فقد ذكرته وأجبت عنه وإذا أثار في غير وضعه فواجب على الإنسان الناطق المميز أن يسكنه ولا يستعجله ولا يجري فيه على منهاج البهيمة وسنة السبع فإن من أعانة بالفكرة وألهبه بسلطان الروية حتى يحتدم ويتوقد فإنه سيعسر بعد ذلك تلافيه وتسكينه والإنسان مذموم به إذا وسوم الطبيعة ولم يظهر فيه أثر التمييز ومكان العقل.
وجالينوس قد ذكر في كتاب الأخلاق حديث القفل بعينه وتعجب من جهل من يفعل ذلك أو يرفس الحمار ويلكم البغل فإن هذا الفعل يدل على أن الإنسانية يسيره في صاحبه جداً والبهيمية غالبة عليه أعني سوء التمييز وقلة استعمال الفكر.
وليس هذا وحده يعرض لحشو الناس وعامتهم بل الشهوة والشبق وسائر عوارض النفس البهيمية والغضبية إذا هاج بهم وابتدأ في حركته الطبيعية لم يستعملوا فيه ما وهبه الله - تعالى - لهم وفضلهم به وجعلهم له أناسي اعني أثر العقل بحسن الروية وصحة التمييز والله المستعان ولا قوة إلا به.
مسألة لم صار من كان صغير الرأس خفيف الدماغ
ولم يكن كل من كان عظيم الرأس رزين الدماغ الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: يحتاج الدماغ إلى اعتدال في الكيفية والكمية فإن حصل له احدهما لم يغن عن الآخر فإن كان جوهره جيداً في الكيفية وكانت كميته ناقصة فهو - لا محالة - ردىء وإن كانت كميته كثيرة فليس هو - لا محالة - رديئاً فقد يكون كثيراً وجيد الجوهر إلا أنه يجب أن يكون مناسباً لحرارة القلب ليحصل بين برد هذا ورطوبته وحرارة ذلك ويبوسته - الاعتدال المحبوب المحمود.
ومتى حصل على الخروج من هذا الاعتدال تبعه من الرداءة قسطه ونصيبه إلا أن التفاضل بين أنواع الخروج من الاعتدال كثير ولأن يكون جيداً وكثيراً زائداً على قدر الحاجة خير من ان يكون جيداً وناقصاً عن قدر الحاجة فإن جمع رداءة الكيفية والكمية كان صاحبه معتوهاً
مسألة لم اعتقد الناس في الكوسج أنه خبيث وداهية
وكذلك في القصير ولم يعتقدوا العقل والحصافة فيمن كان طويل اللحية كثيف الشعر مديد القامة جميل الإمة ولم رأوا خفة العارضين من السعادة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة من باب الفراسة.
والممدوح المحمود من كل أمر يتبع مزاجاً ما هو الاعتدال.
فأما الطرفان اللذان يكتنفان الاعتدال - أعني الزيادة والنقصان - فهما مذمومان مكروهان.
فإن كان وفور اللحية وطولها وعظمها وذهابها في جميع جهات الوجه دليل السلامة والغفلة فبالواجب صار الطرف الذي يقابله من الخفة والنزرة والقلة دليل الخبث والدهاء.
وهما جميعاً طرفان خارجان عن الاعتدال المحمود.
وأحسب أن للاختيار السيء مدخلاً: وذلك أن الرجل إذا كان وافر إضاعة اللحية فهو قادر على أن يخفف منها بأيسر مئونة حتى يحصل على القدر المعتدل والهيئة المحمودة فتركه إياها على الحال المذمومة مع تعبه بها وإصلاحها دائماً أو تركه إياها حتى تسمج وتضطرب دليل فأما عدم اللحية فليس يقدر صاحبه على حيلة فيها فهو معذور.
مسألة لم سهل الموت على المعذب مع علمه
أن العدم لا حياة معه وليس بموجود فيه وأن الأذى - وإن اشتد - فإنه مقرون بالحياة العزيزة هذا وقد علم أيضاً أن الموجود أشرف من المعدوم وانه لا شرف للمعدوم فما الذي يسهل عليه العدم وما الشيء المنتصب لقلبه وهل هذا الاختيار منه بعقل أو فساد مزاج.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة - وإن كان الغرض فيها صحيحاً فالكلام فيها مضطرب غير مسلم المقدمات وذلك أن الإنسان إذا مات فليس يعدم رأساً بل إنما تبطل عنه أعراض وتعدم عنه كيفيات فأما جواهره فإنها غير معدومة ولا يجوز على الجوهر العدم بتة لما تبين في أصول الفلسفة من أن الجوهر لا ضد له ومن أشياء أخر ليس هذا موضعها.
فالجوهر لا يقبل العدم من حيث جوهر وأجزاء الإنسان إذا مات تنحل إلى أصولها - أعني العناصر الأربعة وذلك بأن يستحيل إليها.
وأما جوهره الذي هو النفس الناطقة فقد تبين أنه أحق بالجوهرية من عناصره الأربعة فهو إذن دائم البقاء أيضاً.
ولما لم تكن مسألتك متوجهة إلى هذا المعنى وإنما وقع الغلط في أخذ مقدمات غير صحيحة وإرسال الكلام فيها على غير تحرز - وجب أن ننبه على موضع الغلط ثم نعدل إلى جواب الغرض من المسألة فنقول: إن الحياة ليست بعزيزة إلا إذا كانت جيدة وأعني بالحياة الجيدة ما سلمت من الآفات والمكاره وصدرت بها الأفعال تامة جيدة ولم يلحق الإنسان فيها ما يكرهه من الذل السديد والضيم العظيم والمصائب في الأهل والولد.
وذلك أن الإنسان لو خير بين هذه الحياة الرديئة وبين الموت الجيد أعني أن يقتل في الجهاد الذي يذب به عن حريمه ويمتنع به عن المذلة والمكاره التي وصفناها لوجب بحكم العقل والشريعة أن يختار الموت والقتل في مجاهدة من يسومه ذلك.
وهذه مسألة قد سبقت لها نظيرة وتكلمنا عليها بجواب مقنع وهو قولك: ما سبب الجزع من الموت وما سبب الاسترسال إلى الموت فليرجع إليه فإنه كاف.
مسألة لم ذم الإنسان ما لم ينله وهجن ما لم يحزه وعلى ذلك عادى الناس
ما جهلوا حتى صار هذا من الحكم اليتيمة: وقد عادى الناس ما جهلوا كما قيل فلم عادوه ولم لم يحبوه ويطلبوه ويفقهوه حتى تزول العداوة ويحصل الشرف ويكمل الجمال ويحق القول بالثناء ويصدق الخبر عن الحق.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا من قبيح ما يعترى الناس من الأخلاق وهو جار مجرى الحسد وذاهب في طريقه.
وصاحب المثل الذي يقول: المرء عدو ما جهل إنما أخرجه مخرج الذم والعيب كما قيل: الناس شجرة بغي وحسد.
والسبب في محبة النفس أولاً ثم الغلط في تحصيل ما يزينها.
وذلك أنه إذا أحب الإنسان نفسه أحب صورتها والعلم صورة النفس ويعرض من محبة صورة نفسه أن يبغض ما ليس له بصورة فمتى حصل له علم أحبه وإذا لم يحصل له أبغضه.
ويذهب عليه التماس ما جهله بالمطلب - وإن كان فيه مشقة - أولى به ليصير - أيضاً - صورة أخرى له جميلة.
ولعل المانع له من ذلك كراهة التذلل لمن يتعلم منه بعد حصول العز له في نوع آخر وبين طائفة أخرى.
فأما قولك فلم لم يحبوه حتى يطلبوه ويفقهوه فهو الواجب الذي ينبغي أن يفعل وعليه حض صاحب المثل بالتنبيه على العيب ليتجنب بإتيان الفضيلة.
وسمعت بعض أهل العلم يحكي عن قاض جليل المحل عالى المرتبة أنه هم بتعلم الهندسة على كبر السن.
قال: فقلت له: ما الذي يحملك على ذلك وهو يقدح في مرتبتك ويطلق ألسن السفهاء عليك وأنت لا تصل إلى كبير حظ منه مع علو السن وحاجة هذا العلم إلى زمان طويل وذكاء لا يوجد إلا مع الحداثة واستقبال العمر فقال: ويحك! أحسست من نفسي بغضاً لهذا العلم وعداوة لأهله فأحببت أن أتعاطاه لأحبه ولئلا أبغض علماً فأعادي اهله.
وهذا هو الانقياد للحق وتجرع مرارته حرصاً على حلاوة ثمرته ورياضة للنفس على ما تكرهه فيما هو أزين لها وأعود عليها وحملها على ما يصلحها ويهذبها.
مسألة لم كان الإنسان إذا أراد أن يتخذ عدة أعداء في ساعة واحدة
قدر على ذلك وإذا قصد اتخاذ صديق ومصافاة خذن واحد لم يستطع إلا بزمان واجتهاد وطاعة وغرم وكذلك كل صلاح مأمول ونظام مطلوب في جميع الأمور ألا الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: جواب مسألتك هذه منها.
وما أشبهها بحكاية سمعتها عن الأصمعي وذاك أنه بلغني أن قارئاً قرأ عليه: الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا فقال: يا أبا سعيد: ما الألمعى فقال: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
فأنا قائل في هذه المسألة أيضاً: إنما صار الإنسان قادراً على اتخاذ الأعداء بسرعة وغير قادر على اتخاذ الأصدقاء إلا في زمان طويل وبغرامة كثيرة - لأن هذا فتق وذاك رتق وهذا هدم وذاك بناء.
وسق باقي كلامك فإنه جوابك.
مسألة ما الذي حرك الزديق والدهري على الخير وإيثار الجميل
وأداء الأمانة ومواصلة البر ورحمة المبتلي ومعونة الصريخ ومغثة الملتجيء إليه والشاكي بين يديه هذا وهو لا يرجو ثواباً ولا ينتظر مآباً ولا يخاف حساباً.
أترى الباعث على هذه الأخلاق الشريفة والخصال المحمودة رغبته في الشكر وتبرؤه من القرف وخوفه من السيف قد يفعل هذه في الأوقات لا يظن به التوقى ولا اجتلاب الشكر وهل في هذه الأمور ما يشير إلى توحيد الله تبارك وتعالى.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: للإنسان - بما هو إنسان - أفعال وهمم وسجايا وشيم قبل ورود الشرع وله بداية في رأيه وأوائل في عقله لا يحتاج فيها إلى الشرع بل إنما تأتيه الشريعة بتأكيد ما عنده والتنبيه عليه فتثير ما هو كامن فيه وموجود في فطرته قد أخذه الله - تعالى - وسطره فيه من مبدأ الخلق فكل من له غريزة من العقل ونصيب من الإنسانية ففيه حركة إلى الفضائل وشوق إلى المحاسن لا لشيء آخر أكثر من الفضائل والمحاسن التي يقتضيها العقل وتوجبها الإنسانية وإن اقترن بذلك في بعض الأوقات محبة الشكر وطلب السمعة والتماس أمور أخر.
ولولا أن محبة الشكر وما يتبعه - أيضاً - جميل وفضيلة لما رغب فيه ولولا أن الخالق - تعالى - واحد لما تساوت هذه الحال بالناس ولا استجاب أحد لمن دعا إليها وحض عليها إذا لم يجد في نفسه شاهداً لها ومصدقاً بها.
ولعمري إذا هذا أوضح دليل على توحيد الله تعالى ذكره وتقدس اسمه.
مسألة ما الذي قام في نفس بعض الناس
حتى صار ضحكة أعني يضحك ويسخر منه ويعبث بقفاه وهو في ذاك صابر محتسب وربما خلا من النائل وربما نزر النائل.
فكيف هون عليه الأمر القبيح ولعله من بيت ظاهر الشرف منيف المحل.
وبمثل هذا المعنى يصير آخر مخنثاً مغنياً لعاباً إلى آخر ما اقتصه من حديث الرجل الذي نشأ على طريق مذمومة وهو من بيت كبير.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في مسألة الفراسة أن لكل مزاج خلقاً يتبعه والنفس تصدر أفعالها بحسب تلك الطبيعة والمزاج وأن الإنسان متى استرسل للطبيعة وانقاد لهواه ولم يستعمل القوة الموهوبة له في رفع ذلك وتأديبه نفسه بها - كان في مسلاخ بهيمة!!!.
وهذا الخلق الذي ذكرته في هذه المسألة أحد الأخلاق التابعة لمزاج خارج عن الاعتدال التي من ترك الإنسان وسوم الطبيعة فيها جمحت فيه إلى أقبح مذهب وأسوأ طريقة.
وحق على من بلى بها أن يجتهد في مداواتها ويجتهد له فيها.
فقد تقدم قولنا في هذا الباب إنه ممكن ولولا إمكانه لما حسن التقويم والتأديب عليه ولا الحمد والذم فيه ولا الزجر والدعاء إليه ولا السياسة من الآباء والملوك وقوام المدن به.
ومتى لم يستجب إنسان لمعالجة هذه الأدواء كانت معالجته بالعقوبات المفروضة واجبة فيه.
وما أشبه الأمراض النفسانية بالأمراض الجسمانية فكما أن مرض الجسم متى لم يعالجه صاحبه بالاختيار والإيثار وجب أن يعالج بالقهر والقسر فكذلك مرض النفس إلى أن ينتهي إلى حال يقع معها اليأس من الصلاح فحينئذ ينبغي أن يراح من نفسه ويستراح منه وتطهر الأرض منه على حسب ما تحكم فيه الشريعة أو السياسة الفاضلة.
مسألة ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة
ومن أين ورث هذا الخلق وأي شيء رمزت الطبيعة به ولم أفرط بعضهم في طلبها حتى تلقى الأسنة بنحره وواجه المرهفات بصدره وحتى هجر من أجلها الوساد وودع بسببها الرقاد وطوى المهامه والبلاد وهل هذا الجنس من جنس من امتعض في ترتيب العنوان إذا كوتب أوكاتب وما ذاك من جميع ما تقدم فقد تشاح الناس في هذه المواضع وتباينوا وبلغوا المبالغ.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن في الناس ثلاث قوى وهي: الناطقة والبهيمية والغضبية.
فهو بالناطقة منها يتحرك نحو الشهوات التي يتناول بها اللذات البدنية كلها.
وبالغضبية منها يتحرك إلى طلب الرئاسات ويشتاق إلى أنواع الكرامات وتعرض له الحمية والأنفة ويلتمس العز والمراتب الجليلة العالية ويظهر أثرها من القلب.
وإنما تقوى فيه واحدة من هذه القوى بحسب مزاج قوة هذه الأعضاء التي تسمى الرئيسية في البدن.
فربما خرج عن الاعتدال فيها إلى جانب الزيادة والإفراط أو إلى ناحية النقصان والتفريط فيجب عليه حينئذ أن يعد لها ويردها إلى الوسط - أعني الاعتدال الموضوع له - ولا يسترسل لها بترك التقويم والتأديب فإن هذه القوى تهيج لما ذكرناه.
فإن تركت وسومها وترك صاحبها إصلاحها وعلاجها بالأعقال واتباع الطبيعة - تفاقم أمرها وغلبت حتى تجمح إلى حيث لا يطمع في علاجها ويؤيس من برئها.
وإنما يملك أمرها وتأديبها في مبدأ الأمر بالنفس التي هي رئيسة عليها كلها - أعني المميزة العاقلة التي تسمى القوة الإلهية - فإن هذه القوة ينبغي أن تستولي وتكون لها الرئاسة على الباقية.
فمحبة الإنسان للرئاسة أمر طبيعي له ولكن يجب أن تكون مقومة لتكون في موضعها وكما ينبغي.
فإن زادت أو نقصت في إنسان لأجل مزاج أو عادة سيئة وجب عليه أن يعد لها بالتأديب ليتحرك كما ينبغي وعلى ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي.
وقد مضى من ذكر هذه القوى وآثارها في موضعه ما يجب أن يقتصر بها هنا على هذا المقدار.
ونقول: إنه كما يعرض لبعض الناس ان يلقى الأسنة بنحره ويركب أهوال البر والبحر لنيل الشهوات بحسب حركة قوة النفس البهيمية فيه وتركه قمعها - فكذلك يعرض لبعضهم في نهوض قوة النفس الغضبية فيهم إلى نيل الرئاسات والكرامات - أن يركب هذه الأهوال فيها.
ومدار الأمر على العقل الذي هو الرئيس عليها وأن يجتهد الإنسان في تقوية هذه النفس لتكون هي الغالبة وتتعبد القواتان الباقيتان لها حتى تصدر عن أمره وتتحرك لما ترسمه وتقف عندما يحده فإن هذه القوة هي التي تسمى الإلهية ولها قوة على رئاسة تلك الأخر وهداية إلى علاجها وإصلاحها واستقلال بالرئاسة التامة عليها ولكنها - كما قال أفلاطون - في لين الذهب وتلك في قوة الحديد وللإنسان الاجتهاد والميل إلى تذليل هذه لتلك فإنها ستذل وتنقاد.
والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أي أو جد منظور إليه مكثور عليه في فعال ممجد وشجاعة وسياسة دون تشريف من كان له ابن كذلك أعني كيف يسري الشرف من المتقدم في المتأخر ولا يسري من المتأخر في المتقدم.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأب علة الولد وعرفه يسري فيه لأنه معلوله ولأنه مكون من مزاجه وبزره فهو من أجل ذلك كجزء منه أو كنسخة له فغير مستنكر أن يظهر أثر العلة فيه أو ينتظر منه نزوع العرق إليه.
فأما عكس هذه القضية وهو أن يصير المعلول سبباً للعلة حتى يرجع مقلوباً فشيء يأباه العقل وترده البديهة ويسير التأمل يكفي في جواب هذه المسألة.
مسألة ولم إذا كان أبو الإنسان مذكوراً بما أسلفنا نعته وبغيره من الدين والورع
- وجب أن يكون ولده وولد ولده يسحبون الذيل ويختالون في العطاف ويزدرون الناس ويرون من أنفسهم أنهم قد خولوا الملك ويعتقدون أن خدمتك لهم فريضة ونجاتك بهم متعلقة ما هذه الفتنة والآفة وما أصلها وهل كان في سالف الدهر وفيما مضى من الزمان من الأمم المعروفة هذا الفن.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد ذكرنا في جواب المسألة الأولى ما ينبه على جواب هذه التالية فإن المعلول إنما يشرف بشرف علته فإن كان ذلك الشرف ديناً وعلته الهيئة حصل للعرق الساري من الافتخار به ما لا يحصل لغيره ولكن إلى حد مفروض ومقدار معلوم فأما الغلو فيه إلى أن يعتقد أنهم كما حكيت عنهم فهو كسائر الإفراطات التي عددناها فيما تقدم.
وأما قولك: هل كان في سالف الدهر شيء من هذا الفن فلعمري لقد كان ذلك في كل أمة وكل زمان.
ولم تزل النجابة على الأكثر سارية في الأولاد ومتوقعة في العروق حتى إن الملك يبقى في البيت الواحد زماناً طويلاً لا يرتضى الناس إلا بهم ولا ينقادون إلا لهم.
وذلك في جميع الأمم من الفرس والروم والهند وسائر أجناس الناس.
وكذلك العرق اللئيم والأصل الفاسد يهجي به الأولاد وينتظر منهم إليه فيذمون به وتتجنب ناحيتهم له.
ولكن مسألتك مضمنة ذكر الدين وله حكم آخر كما قد علمت من علو الرتبة وشرف المنزلة وإن لم تكن النبوة نفسها سارية في العرق ولا هي متوقعة فيما يتبع النبوة من التعظيم والتشريف ونجوع الناس لها بالطبع والتماس أهل بيتها مرتبة الإمامة والتمليك - أمر خارج عن حكم العادة ولا سيما إن كان هناك شريطة الفضيلة موجودة والاستقلال حاضراً فإن العدول حينئذ عمن كان بهذه الصفة ظلم وتعد.
والسلام.
مسألة هل يجوز أن تكون الحكمة في تساوي الناس من جهة ارتفاع الشرف دون تباينهم
فإنه إن كانت الحكمة في ذلك لزم أن يكون ما عليه الناس إما عن قهر لا فكاك لهم منه أو جهل لا حجة عليهم به.
ولست اعني التساوي في الحال وفي الكفاية وفي الفقر والحاجة لأن ذاك قد شهدت له الحكمة بالصواب لأنه تابع لسوس العالم وجار مع العقل.
وإنما عنيت تساوي الناس من جهة السبب فإن التطاول والتسلط والازدراء قد فشا بهذا النسب.
والحكمة تأبى وضع ما يكون فساداً أو ذريعة إلى فساد ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يشرف الإنسان نفسه وبما يظهر فيه من آثار وما أحسن قول الإمام على عليه السلام: قيمة كل امرىء ما يحسن.
وإنما حكينا ما تقدم من شريان النجابة في العرق لأجل أن الطمع يقوى فيمن كانت له سابقة في فضيلة ان تظهر فيه ايضاً ولا سيما إن كانت علته قريبة منه.
وكيف يتساوى الناس في ارتفاع الشرف ولو تساووا فيه لما كان شرف ولا ارتفاع وإلا فعلى ماذا يرتفع ويشرف والمنازل متساوية ولكن الناس يتساوون في الإنسانية التي تعمهم وفي أشياء تتبع الإنسانية من الأحكام والأوضاع ويتفاوتون في أمور أخر يزيد بها بعضهم على بعض.
مسألة ما التطير والفأل ولم أولع كثير من الناس بهما
وكيف نفى عن الشريعة أحدهما ورخص الآخر وهل لهما أصل يرجع إليه ويوقف لديه أو هما جاريان مرة بالهاجس والاستشعار ومرة بالاتفاق والاضطرار والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فاش في هذا المعنى وليس طريقه محدثاً للعلم ولا منته مجيلاً للرأى إذ يقول: لا عدوى ولا طيرة.
وقد قيل في مكان آخر: كان يحب الفأل الحسن.
وزعم الرواة أنه حين نزل المدينة عند أبي أيوب الأنصاري سمعه يقول لغلامين له: يا سالم يا يسار.
فقال لأبي بكر: سلمت لنا الدار في يسر.
فكيف هذا وما طريقه وهل يطرد ذلك في تطايره أم يقف ثم حكيت الحكاية عن ابن اسماعيل في قصة الزعفراني.
وحكيت أيضاً عن ابن الرومي قوله: الفأل لسان الزمان وعنوان الحدثان.
وقلت: ما أكثر ما يقع ما لا يتوقع مما لم يتقدم فيه قول ولا إرجاف حتى إذا قارن ذلك شيء صار العجب العجاب والشيء المستطرف.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الإنسان متطلع إلى الوقوف على كائنات الأمور ومستقبلاتها ومغيباتها كما وصفنا من حاله فيما تقدم فهو بالطبع يتشوفها ويروم معرفتها على قدر استطاعته وبحسب طاقته فربما أمكنه التوصل إلى بعضها بطبيعة موافقة في رأى صائب وحدس صادق وتكهن في الأمور لا يكاد يخطىء فيها فهو من أعلى درجة في هذا الباب وأوثق سبب فيه فربما تعدد في بعضها ذلك فيروم التوصل إليه بدلائل النجوم وحركات الأشخاص العلوية وتأثيرها في العالم السفلي ويصدق حكمه أو يكذب بحسب قوته في أخذ ولهذه الصناعة أصول كثيرة جداً وفروع بحسب الأصول.
وخطأ المخطىء ليس من ضعف أصول الصناعة ولكن من ضعف الناظر فيها أو لأنه يروم من الصناعة أكثر مما فيها فيحمل عليها زيادة على الموضوع منها وربما فاتته هذه الأسباب ونظائرها من الدلائل الطبيعية.
وليس من شأن النفس أن تعمل عملاً بغير داع إليه ولا سبب له فيصير كالعبث فإذا سنح له أمران ولم يرجح أحدهما على الآخر طلب لنفسه حجة في ركوب أحدهما دون الآخر فيستريح حينئذ إلى الأسباب الضعيفة ويتمحل العلل البعيدة بقدر ما يترجح أحد الرأيين المتكافئين في نفسه على الآخر حتى يصل إليه ويأخذ به.
وسبيل الرجل الفاضل أن يكون حسن الظن قويم الرجاء جميل النية فيتفاءل حينئذ.
والفأل قد يكون بأصوات بسيطة ليس فيها أثر النطق ولكن أكثره بالكلام المفهوم.
وقد يكون بصورة مقبولة وأشكال مستحسنة ولكن معظمه في خلق الإنسان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أبردتم إلى بريداً فاجعلوه حسن الإسم حسن الوجه).
فأما أصحاب الطيره فلأنهم أضداد لأصحاب البيات الجميلة والرجاء الحسن فطريقهم مكروهة وتطيرهم من الأمور أكثر وأنواع دلائلهم أغزر وأبسط وذلك أنهم يأخذون بعضها من وبعضها من الأمزجة المتنافرة والخلق المكروهة كالبوم والهامة والعقرب الفأر وما أشبهها.
وبعض من الأصوات المنكرة كنهيق الحمير وأصوات الحديد وما أشبهها.
وبعضها من الأسماء والألقاب إذا اشتقوا لها ما يوافقها في بعض الحروف أو في كلها كاسم الغراب من الغربة والبان من البين والنوى - نوى التمر - من البعد.
وبعضها من العاهات كالأعور من اليمين والمقعد من الرجل.
وبعضها من الحركات والجهات كالسانج والبارح والمعوج والمائل.
وجميع ذلك لضعف النفس والنحيزة واستيلاء اليأس والقنوط عليها.
وهذه الاستشعارات تزيدها سوء الحال فلذلك نهى عنها.
وكانت العرب خاصة من بين الأمم أحرص على هذه الطريقة وألزم لها على أن شاعرهم يقول وقد أحسن: تخبر طيره فيها زياد لتخبره وما فيها خبير أقام كأن لقمان بن عاد أشار له بحكمته مشير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير.
على التوقير والإحلال وهو لا يكون شيخاً وآخر يتمنى أن يقال له ذلك وهو شاب طرير بل أنت تجد ذلك في شيخ على الحقيقة يكره ذلك إلا أن هذا علته ظاهرة ولكن الشأن في شاب يشيخ تعظيماً فيكره وشاب لا يشيخ فيتكلف.
وفقد الشباب موجع ووجه الشيب مفظع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إنما يختلف الناس في ذلك باختلاف نظرهم لأنفسهم وبحسب ملاحظتهم أغراض مخاطبيهم.
وذلك انه ربما أحب الإنسان ان تظهر فضيلته في ابتداء زمانه واستقبال عمره فإذا قيل له: يا شيخ ظن أنه قد سلب تلك الفضيلة وألحق بمن حصل تلك الفضيلة في الزمان الطويل والتجربة الكثيرة.
وربما كره ذلك أيضاً لأرب له في الشباب وميل إلى اللعب والهوى اللذين يستقبحان من الشيخ فإذا قيل له: يا شيخ رأى هذا اللقب كالمانع له والزاجر وأن مخاطبة ينتظر منه ما ينتظر من المشايخ ولا يعذره على ركوب ما يهم به ويعزم عليه.
وربما نظر الإنسان إلى مرتبة حصلت له من الوقار الذي لا يحصل إلا من المشايخ وهو في سن الشباب فيسر بالإكرام وسرعة بلوغه مبلغ المحنكين وأهل الدربة.
مسألة ما علة الإنسان في سلوته إذا كانت محنته عامة له ولغيره
وما علة جزعه واستكثاره وتحسره إذا خصته المساءة ولم تعده المصيبة.
وما سر النفس في ذلك وهل هو محمود من الإنسان أن مكروه وإذا نزا به هذا الخاطر فبم يعالجه وإلى أي شيء يرده ولم يتمنى بسبب محنته أن يشركه الناس ولم يستريح إلى ذلك وأصحابنا يروون مثلاً بالفارسية ترجمته: من احترق بيدره أراد ان يحترق بيدر غيره.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الجزع والأسف من عوارض النفس وهي تجري مجرى سائر العوارض الأخر كالغضب والشهوة والغيرة والرحمة والقسوة وسائر الأخلاق التي يحمد الإنسان فيها إذا عرضت له كما ينبغي وبسائر الشروط التي أحصيناها مراراً كثيرة ويذم بها إذا عرضت بخلاف تلك الشرائط.
وإنما تهذب النفس بالأخلاق لتكون هذه العوارض التي تعرض له في مواضعها على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي فالحزن الذي يعرض كما ينبغي هو ما كان في مصيبة لحقت الإنسان لذنب اجترحه أو لعمل فرط فيه أو كان له فيه سبب اختياري أو لسوء اتفاق خصه دون غيره وهو يجهل سببه فإن هذا الحزن وإن كان دون الأول فالإنسان معذور به.
فأما ما كان ضرورياً أو واجباً فليس يحزن له عاقل لأن غروب الشمس مثلاً لما كان ضرورياً لم يحزن له أحد وإن كان عائقاً عن منافع كثيرة وضارا بكل أحد ومنع النظر والتصرف في منافع الدنيا وكذلك هجوم الشتاء والبرد وورود الصيف بالحر لا يحزن له عاقل بل يستعد له ويأخذ أهبته.
وأما الموت الطبيعي فليس يحزن له أحد لأنه ضروري وإنما يجزع الإنسان منه إذا ورد في غير الوقت الذي كان ينتظره أو بغير الحالة المحتسبة ولذلك يجزع الوالد على موت ولده لأن الذي احتسبه أن يموت هو قبله.
فأما الولد فيقل جزعه على والده لأن الأمر كما كان في حسابه إلا أنه تقدم مثلاً بزمان يسير أو كما ينبغي.
فأما ما يعرض للمسافر ولراكب البحر أن يخص دون من يصحبه بمحنة في ماله أو جسمه فإنما حزنه لسوء الاتفاق ورداءة البخت فإن هذا النوع مجهول السبب ولذلك يعذر فيه أدنى عذر.
وأما من يتمنى لغيره من السوء مثل ما يحصل له فهو شر في طبعه لا سيما إذا لم يجد عليه شيئاً ولم يعد له بطائل وحينئذ يحسن توبيخه وتأديبه.
وقد أحسن الشاعر في قوله:
مسألة ما الفضيلة السارية في الأجناس المختلفة كالعرب والروم والفرس والهند
وزعمت أنك حذقت الترك لأن أبا عثمان لا يعتد بهم إلى ما يتصل به من كلامك مما لم أحكه إذ كانت المسألة هي في قدر ما خرج من حكايتي.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لما كانت هذه المسألة متوجهة إلى خصائص الأمم والتعجب واقعاً مما تفرد به قوم دون قوم - أقبلت على البحث عن ذلك وتركت تهذيب ألفاظ المسألة.
وهذه سبيلي في سائر المسائل لأن صاحبها يسلك مسلك الخطابة ولا يذهب مذهب أهل المنطق في تحقيق المسألة وتوفيتها حظها على طرقهم فأقول وبالله التوفيق: قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن النفس تستعمل الآلات البدنية فتصدر أفعالها بحسب أمزجتها وحكينا عن جالينوس مذهبه ودللنا على الموضع الذي يستخرج منه ذلك وضربنا له مثلاً من الحرارة الغريزية وغيرها إذا كانت حاضرة كيف تستعملها النفس الناطقة حتى تكون كما ينبغي وعلى من ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي وأن الرياضة وحسن التقدير والترتيب ولزوم ذلك حتى يصير سجية وملكة - هي الفضيلة والخلق المحمود.
فإذا كان هذا الأصل محفوظاً فما أيسر الجواب عن مسألتك هذه! وذاك أن لكل أمة مزاجاً هو الغالب عليهم وإن كان يوجد في النادر وفي الفرط ما هو مخالف لذلك المزاج وذلك لأجل التربة والهواء والأغذية والمزاج التابع لذلك ولما كرهته أنت أيضاً من آثار الفلك والكواكب فإن ذلك العالم هو المؤثر في هذا العالم بالجملة.
أما أولاً فبتمييز العناصر بعضها بعض ثم بمزجها على الأقل والأكثر ثم بإعطائها الصور والأشكال.
وليس لاستعفائك من الحق وجه ولا لإعفائك إياك منه طريق فالتزمه فإن واجب.
ولولا أن مسألتك وقعت عن غير هذا المعنى لاشتغلت به ولكن هذا أصل له فلا بد في ذكر الفرع من ذكر الأصل.
وإذا كان هذا على هذا فحيث يعتدل مزاج ما من الأمزجة الشريفة أعني في الأعضاء الشريفة وهي: القلب والكبد والدماغ - وأضيف إلى ذلك ما ذكرناه من أخلاق فاضلة - أعني ترتيب الأفعال الغامرة وبحسب المزاج وتهذيبها ولزومها يتكرر الفعل وإدمان العادة - فهناك تحصيل الفضيلة الصادرة عنها.
وسواء أكان ذلك في أمة أو شخص أو كان ذلك عن ابتداء أخلاق شريفة أو تأديب شيئاً فشيئاً بعد أن يكون المزاج مسعداً والبغية قابلة والعادة مستمرة فإن الفضيلة حاصلة غير زائلة.
مسألة ما علة كثرة غم من كان أعقل وقلة غم من كل أجهل
وهذا باب موجود في واحد واحد ثم تجده في الجنس والجنس كالسودان والحمران فإنك تجد السودان أطرب وأجهل والحمران أعقل وأكثر فكراً وأشد اهتماماً.
هذا ويقال إن الفرح من الدم.
والحمران أكثر دماً وأعدل مزاجاً وأوجد لأسباب الفرح وآلات الطرب وأقدر على الدنيا بكل وجه.
وأنت ترى - أيضاً - هذا العارض في رفيقين خليطين: أحدهما مهموم بالطبع وآخر متفكه بالطبع.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الغم يعرض من جهتين مختلفتين: إحداهما جهة الفكر والأخرى جهة المزاج.
فأما الفكر فإنه يعرض منه الغم إذا كان المرء ينتظر به مكروهاً.
وأما المزاج فهو أن ينحرف مزاج الدم إلى السواد أو الاحتراق فيتكدر به الروح الذي سببه بخارالدم في مجاري الشرايين.
وبحسب صفاء ذلك الدم يكون صفاء بخاره وانبساطه وسرعة حركته وجريانه في ذلك التجويف.
وإذا كان سبب الغم معلوماً فمقابله الذي هو سبب الفرح والسرور معلوم أيضاً.
فالعاقل - لأجل جولان فكره - يكثر انتظاره مكاره الدنيا ومن لا يكثر فكره ولا ينتظر مكروهاً فلا سبب له يغمه.
وأما المزاج الذي ذكرناه فقد أحكمه جالينوس وأصحابه وسائر الأطباء ممن تقدمه أو تأخر عنه.
وهذا المزاج ليس يخلوا أن يكون طارئاً أو حادثاً أو طبيعياً في أصل الخلقة فإن كان حادثاً فهو مرض وينبغي أن يعالج بما تعالج به أصناف المالخوليا وأنواع الأمراض السوداوية التي سببها فساد الدم بالاحتراق وانحرافه إلى السوداء.
وإن كان أصلياً وخلقة فلا علاج له لأنه ليس بمرض كأجيال من الناس وأمم أمزجتهم كذلك.
فأما ما حكيته عن السودان فإن الزنوج خاصة لهم الفرح والنشاط وسببه أعتدال دم القلب فيهم وليس ظننت أن أمزجتهم تابعة لسواد ألوانهم وذلك أن سبب سواد ألوانهم هو قرب الشمس منهم وممرها في حضيض فلكها على سمت رءوسهم فهي تحرق جلودهم وشعورهم فيعرض فيها - أعني في شعورهم - التفلفل الذي هو بالحقيقة تشيط الشعر ولأجل أن الحرارة تستولي على ظاهرهم فهي تجذب الحرارة الغريزية من باطنهم إليها لأن الحرارة تميل إلى جهة الحرارة فلا تكثر الحرارة الغريزية في قلوبهم لأجل ذلك.
وإذا لك تكن الحرارة الغريزية في القلب قوية لم يعرض للدم الذي هناك احتراق بل هو إلى الصفاء والرقة أقرب.
ودماء الزنوج رقيقة أبداً صافية ولذلك تقل الشجاعة أيضاً فيهم.
فأما الحمران فأكثرهم في ناحية الشمال والبلدان الباردة التي تبعد الشمس عنهم وتقوى الحرارة الغريزية في قلوبهم ولاشتمال البرد على ظاهرهم تبقى جلودهم بيضاء وشعورهم سباطاً وتعود حرارتهم إلى داخل أبدانهم هرباً من البرد الذي في هوائهم لبعد الشمس عنهم فهم لذلك أشجع وأقوى حرارة قلوب.
ودماؤهم لأجل ذلك إلى الكدورة والسواد والخروج عن الاعتدال.
وأهل الاعتدال الذي يبعدون عن الشمال وعن الجنوب ويسكنون الإقليم الأوسط هم أسلم من
مسألة حدثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها أمير الأجوبة وهي الشجا في الحلق والقذى في العين والغصة في الصدر والوقر على الظهر والسل في الجسم والحسرة في النفس وهذا كله لعظم مادهم منها وابتلى الناس به فيها وهي حرمان الفاضل وإدراك الناقص ولهذا المعنى خلع ابن الراوندي ربقة الدين وقال أبو سعيد الحصيري بالشك وألحد فلان في الإسلام وارتاب فلان في الحكمة.
وحين نظر أبو عيسى الوراق إلى خادم قد خرج من دار الخليفة بجنائب تقاد بين يديه وبجماعة تركض حواليه فرفع رأسه إلى السماء وقال: أوحدك بلغات وألسنة وأدعو إليك بحجج وأدلة وأنصر دينك بكل شاهد وبينه ثم أمشي هكذا عارياً جائعاً نائعاً ومثل هذا الأسود يتقلب في الخز والوشي والخدم والحشم والحاشية والغاشية.
ويقال هذا الإنسان هو ابن الراوندي ومن كان فإن الحديث في هذا الباب والإسناد فيه عال والبحث عن هذا السر واجب فإنه باب إلى روح القلب وسلامة الصدر وصحة العقل ورضا الرب ولو لم يكن فيه إلا التفويض والصبر حسبما يوجبه الدليل لكان كافياً.
والمنجمون يقولون: إن الثامن من مقابلة الثاني.
وحدثنا شيخ عن ابن مجاهد أنه قال: الفضل معدود من الرزق كما أن الخفض معدود في جملة الحرمان.
وقال لي شيخ مرة: اعلم أن القسمة عدل والقاسم منصف لأنه بإزاء ما أعطاك من الأدب والفضل واللسان والعقل أعطى صاحبك المال والجاه والكفاية واليسار فانظر إلى النعمة كيف انقسمت بينكما ثم انظر إلى البلاء كيف انقسم عليكما أيضاً: أبلاك مع الفضل بالحاجة وأبلاه مع الغنى بالجهالة.
فهل العدل إلا في هذه العبرة والحق إلا بهذه الفكرة.
ولعمري إن هذا المقدار لا يصير عليه الدهري ولا التناسخي ولا الثنوي ولكن على كل حال فيه تبصرة من العمى.
ولو قد أفردنا الجواب عن مسائل هذه الرسالة للمعترض والمتشكك في ذلك مشبع ومروى.
والله المعين على ما قد اشتمل الضمير عليه وانعقدت النية به.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة كما حكيت ووصفت من صعوبتها على أكثر الناس والتباس وجه الحكمة فيها على أصناف أهل النظر حتى صار الكلام فيها مشبهاً بقائم الشطرنج الذي يتنازعه الخصمان إلى أن يقطعهما الكلال والسآمة فيطرحونها قائمة وكنت أحب أن أفرد فيها مقالة تشتمل على جملة مستقصاة تشفي وتكفي عند ما سألني بعض الإخوان ذلك فإن أمثال هذه المسائل المتداولة بين الناس المشهورة بالشك والحيرة - ليس ينبغي أن يقنع فيها بأمثال هذه الأجوبة التي سألت أنت فيها الإيجاز الشديد وضمنت أنا فيها الإيماء إلى النكت لا سيما وأنا لا أعرف في معناها كلاماً مبسوطاً لأحد ممن تقدمني حتى إذا أومأت بالمعنى إليه أحلت بالشرح عليه ولكنني لما انتهيت إليها بالنظر لم يجز أن أخليها من جواب متوسط بين الإسهاب والإيجاز.
وأنا مجتهد في بيانها وإزالة ما لحق الناس من الحيرة فيها.
ومن عند الله استمد التوفيق وهو حسبي فأقول: إن من الأصول التي لا منازعة فيها وهي مسلمة من ذوي العقول السليمة أن لكل موجود في العالم - طبيعي كان أو صناعي - غاية وكمالاً وغرضاً خاصاً وجد من أجله وبسببه اعني أنه إنما أوجد ليتم به ذلك الغرض وإن كان قد يتم به أشياء أخر دون ذلك الغرض الأخير والكمال الأخير وقد يصلح لأمور ليست من الغرض الذي قصد به وأريد له في شيء.
ومثال ذلك المطرقة فإنها إنما أعدت للصانع ليتم له بها مد الأجسام إلى أقطارها وبسطها إلى نواحيها وهي - مع ذلك - تصلح لأن يشق بها وتستعمل في بعض ما تستعمل فيه الفأس وكذلك أيضاً المقراض إنما أعد للخياط ليقطع به الثوب وهو مع ذلك - يصلح لأن يبري به القلم ويستعمل مكان السكين وكذلك الحال في سائر الآلات الصناعية.
وهكذا صور الأمور الطبيعية فإن الأسنان إنما أعدت مختلفات الأوضاع والأشكال لاختلاف كمالاتها - أعني الأغراض التي تتم بها والأفعال التي وجدت من أجلها فإن مقاديمها حادة بالهيئة التي تصلح للقطع كالحال في السكين ومآخيرها عريضة بالهيئة التي تصلح للرض والطحن كالحال في الرحا.
وقد تتم بها أفعال أخر.
وكذلك الحال في اليد والرجل فقد يتعاطى الناس أن يعملوا بكل واحدة منهما غير ما خلقت له وعملت من أجله على سبيل الحاجة إلى ذلك أو على طريق التغريب به كمن يمشي على يده ويبطش ويكتب برجله.
ولكن هذه الأفعال - وإن ساغ صدروها عن هذه الآلات وتتم بها غير ما هو كمالها وخص بها - فإن ذلك منها يكون على اضطراب ونقصان عن الآلات التي تتم بها أعمالها الخاصة بها المطلوبة منها الموجودة من أجلها.
وإذا كان ذلك مستمراً في جميع الألات الصناعية والأشخاص الطبيعية فكذلك الحال في النواع وهكذا يجري الأمر في أجناس هذه الأنواع فإن الناطق وغير الناطق من الحيوان ليس يجوز أن يكون غرضهما وكمالهما واحد - أعني لا يجوز بوجه ولا سبب ألا يكون للإنسان الذي ميز بهذه الصورة وأعطي التمييز والروية وفضل بالعقل الذي هو أجل موهوب له وأفضل مخصوص به - غرض خاص وكمال خلق لأجله ووجد بسببه.
وإذا كان هذا الأصل موطأ ومقراً به وكان على غاية الصحة وفي نهاية القوة كما تراه فهلم بنا نبحث بحثاً آخر عن هذه الآلات الصناعية والأشخاص الطبيعية فإنا نجدها قد تشترك في أشياء وتتباين في أشياء.
أعني أن المطرقة تشارك السكين والإبرة والمنشار وغيرها في الصورة التي هي الحديدة ثم تنفرد بخاص صورة لها تميزها من غيرها والإنسان يشارك النبات والبهائم في النمو والاعتلال وفي الإلتذاذ بالمأكل والمشرب وسائر راحات الجسد ونفض الفضول عنه ونريد ان نعلم هل هذا الاختصاص الذي لكل واحد منها بغرضه الخاص به وكماله المفروض له هو بما شارك به غيره آو بما باينه به فتجده الصورة الخاصة به التي ميزته عن غيره وصار بها هو ما هو.
أعني صورة الفأس التي بها هو فأس هي التي جعلت له خاصته وكماله وغرضه وكذلك الحال في الباقيات.
ثم نصير إلى الإنسان الذي شارك النبات والحيوان في موضوعاتها فنقول: إن الإنسان من حيث هو حيوان قد شارك البهائم في غرض الحيوانية وكمالها أعني في نيل اللذات والشهوات والتماس الراحات وطلب العوض مما يتحلل من بدنه إلا أن الحيوانية لما ما تكن صورته الخاصة به المميزة له عن غيره لم تصدر هذه الأشياء منه على أتم أحوالها وذاك أنا نجد أكثر الحيوانات تزيد على الإنسان في جميع ما عددناه وتفضله فيها بالاقتدار على التزيد وبالمداومة وبالاهتداء.
ولما كانت صورته الخاصة به التي ميزته عن غيره هو العقل وخصائصه من التمييز والروية - وجب ان تكون إنسانيته في هذه الأشياء فكل من كان حظه من هذه الخصائص أكثر كان اكثر إنسانية كما أن الأشياء التي عددناها كلما كان منها حظه من صورته الخاصة به أكثر كان فضله في أشكاله أظهر.
ثم نعود إلى شرح مسألتك ونبينها بحسب هذه الأصول التي قدمتها فأقول: لعمري إنه لو كان غاية الإنسان وغرضه الذي وجد بسببه وكماله الذي أعد له هو الاستكثار من القنية والتمتع بالمآكل والمشارب وسائر اللذات والراحات - لوجب أن يستوفيها بصورته الخاصة به ولوجب أن تكثر عنده ويكون نصيب كل إنسان منها على قدر قسطه من الإنسانية حتى يكون الأفضل من الناس هو الأفضل في هذه الأحوال من القنية والاستمتاع بها ولكن لما كانت صورته الخاصة به هي ذكرنا علمنا أن القصد به والغرض فيه هو ما صدر عنه وتم به كحقائق العلوم والمعارف وإجالة الروية وإعمال الفكرة فيها ليصل بذلك إلى مرتبة هي أجل من مرتبة البهائم وسائر الموجودات في عالم الكون والفساد كما أنه في نفسه وبحسب صورته أفضل منها كلها.
وهذه المرتبة لا يصل إليها بغير الروبة وبغير الإختيار الخاصيين بالعقل.
ولا يجوز أن يقال في معارضة ما قلناه: إن هذه الروية وهذا الاختيار إنما ينبغي أن يكونا في اللذات لأنا قد بينا في هذا الموضع وفي مواضع أخر كثيرة أن تلك الموجودة للحيوانات الخسيسة أو فر وأكثر بغير روية ولا عقل وإنما تشرف الروية وتتبين ثمرة العقل إذا استعمل في أفضل الموجودات.
وأفضل الموجودات ما كان دائم البقاء داثر ولا متبدل وغير محتاج ولا فقير إلى شيء خارج عنه بل هو الغني بذاته الذي بجوده على جميع الموجودات ونزلها منازلها بقدر مراتبها وعلى قدر قبولها وبحسب استحقاقاتها.
فالروية والفكرة والاختيار إنما تكمل بها صور الإنسانية إذا استعملت في الأمور الإلهية ليرتقي بها إلى منازل شريفة لا يمكن النطق بها ولا إشارة إليها إلا لمن وصل إليها وعرف إلى ما يشار وعلم لأي شيء عرض الإنسان من الخيرات ثم هو يطلب الإنتكاس في الخلق والرجوع إلى مرتبة البهائم ومن هو في عدادها ممن خسر نفسه كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}
فهذا - لعمري - هو الخسران المبين الذي يتعوذ بالله منه دائماً.
ولقد أعجبني قول امرىء القيس مع لوثة أعرابيته وعجمية ملكه وشبابه وذهابه في طرق الشعر التي كان متصنعاً به وهائماً في واديه منغمساً في معانيه: أرانا موضعين لحتم غيب ونسحر بالطعام وبالشراب فما هذا الإيضاع منا وما هذا الحتم من الغيب لقد أشار إلى معنى الطيف ودل من نفسه على ذكاء تام وقريحة عجيبة ألا تراه يقول: ونسحر بالطعام وبالشراب أي المراد منا والمقصود بنا غيرهما وإنما نسحر بهذين.
فقد تبين أن الإنسان - إذا لم تكن غايته هذه الأشياء التي تسميها العامة أرزاقاً ولم يخلق لها ولا هي مقصود بالذات - فليس ينبغي له أن يلتمسها وأن يتعجب ممن اتفقت له وإن كان يتشوقها ويحبها فليس ذلك من حيث هو إنسان عاقل بل هو من حيث هو حيوان بهيمي.
وقد أزيحت علته في الأمور الضرورية التي يتم بها عيشة ويصح منها سلوكه إلى غايته.
ولم يظلم أحد في هذا فتأمله تجده بيناً إن شاء الله.
هذه المسألة مكررة وقد مضى الجواب عنها مستقصى على شريطة الإيجاز.
وبعدها مسألة التوفيق وقد مرت أيضاً فليرجع إلى الأجوبة المتقدمة عنهما.
مسألة لجواب أن تفرد مسألة الجبر والاختيار
فيقال: ما الجبر وما الاختيار وما نسبتهما إلى العالم وكيف انتسابهما وانتمائهما.
اعني كيف اختلافهما في ائتلاقهما وذلك أنك تجدهما في العالم مضافين إلى اللذين يجمعون بين العقل والحس كما تجدهما مضافين إلى اللذين ينفردون بالحس دون العقل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضاً.
وذلك أنه يظهر منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو نام - مع أنه جسم طبيعي - فيناسب بذلك الفعل النبات.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ذو نفس حساس فيناسب بذلك الفعل البهائم.
ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك الفعل الملائكة ولكل واحد من هذه الأفعال والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب وينظر أيضاً فيها من جهات مختلفة وتعرض لها عوائق كثيرة وموانع مختلفة بعضها طبيعية وبعضها اتفاقية وبعضها قهرية.
ومتى لم يفصل الناظر في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها من بعض ولم ينظر في جهاتها كلها - اختلطت عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه الشبه والشكوك.
ونحن نبين هذه الحركات ونميزها ثم نتكلم على حقيقة الجبر والاختيار فإن الأمر حينئذ يسهل جداً ويقرب فهمه ولا يعتاص - بمشيئة الله تعالى - فأقول: إن الفعل - مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته - يحتاج في ظهروه إلى أربعة أشياء: أحدهما الفاعل الذي يظهر منه.
والثاني المادة التي تحصل فيها.
والثالث الغرض الذي ينساق إليه.
والرابع الصورة التي تقدم عند الفاعل ويروم بالفعل اتخاذها في المادة وربما كانت الصورة هي الفعل بعينه.
فهذه الأشياء الأربعة هي ضرورية في وجود الفعل وظهوره وقد يحتاج إلى الآلة والزمان والبينة الصحيحة ولكن ليست بضرورية في كل فعل.
ثم إن كل واحد من الأشياء التي هي ضرورية في وجود الفعل ينقسم قسمين: فمنه قريب ومنه بعيد: أما الفاعل القريب فبمنزلة الأجير الذي ينقل آلات البناء في اتخاذ الدار.
والفاعل البعيد بمنزلة الذي يهندس الدار ويأمر بها ويتقدم بجميع آلاتها.
وأما الهيولى القريبة فبمنزلة اللبن للحائط والخشب للباب.
والهيولى البعيدة بمنزلة العناصر الأولى.
وأما الكمال القريب فبمنزلة السكنى في الدار.
والكمال البعيد بمنزلة حفظ المتاع ودفع أذى الحر والبرد وما أشبه ذلك.
وأما أنواع الأفعال التي ذكرناها فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن لكل واحدة من القوى الشهوية والقوى الغضبية والقوى الناطقة - خاص فعل لا يصدر إلا عنها.
وأما الأسباب الدواعي فبعضها الشوق والنزوع وبعضها الفكر والروية وقد تتركب هذه.
وأما العوائق التي ذكرناها فبعضها اتفاقية وبعضها قهرية وبعضها طبيعية.
فالاتفاقية بمنزلة من يخرج لزيارة صديقه فيلقاه عدو لم يقصده فيعوقه عن إتمام فعله وكمن ينهض لحاجة فيعثر أو يقع في بئر.
والقهرية بمنزلة من يشد يديه اللصوص ليعوقوه عن البطش بهما أو كمن يقيده السلطان ليمنعه من السعي والهرب منه.
والطبيعية بمنزلة الفالج والسكتة وأما أشبههما.
وههنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وهو أنا ربما نظرنا في الفعل لا من حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك أنا قد ننظر في فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث يحبه عمرو ويكرهه خالد ومن جهة ما هو ضار لبكر ونافع لعبد الله.
وهذا النظر ليس يكون في ذات الفعل بل في إضافته إلى غيره.
وإذ قد نظرنا في الفعل وأنواعه وجهاته وحاجته في ظهوره ووجوده إلى الشرائط التي عددناها - فإنا ناظرون في الاختيار ما هو فنقول: إن الاختيار اشتقاقه بحسب اللغة من الخير وهو افتعال منه وإذا قيل: اختار الإنسان شيئاً فكأنه افتعل من الخير أي فعل ما هو خير له: إما على الحقيقة وإما بحسب ظنه.
وإن لم يكن خيراً له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من هذا الوجه وهو ما صدر عن فكر منه وإجالة رأى فيه ليقع منه ما هو خير له.
ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ولا يجيل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء الممتنع وإنما يفكر ويجيل رأيه في الشيء الممكن ومعنى قولنا الممكن هو الشيء الذي ليس بمتنع وإذا فرض وجوده لم يعرض عنه محال.
ولما كانت هذه الجهة من الفعل هي المتعلقة بالاختيار وهي التي تخص بالفعل الإنساني وكانت محتاجة في تمام وجود الفعل إلى تلك الشرائط التي قدمناها كان النظر فيها - أعني في هذه الجهة - يعرض للغلط والوقوع في تلك الجهات التي ليست متعلقة بالإنسان ولا مبدؤها إليه.
وربما نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في الجهات الأخر فيكون حكمه على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ينظر في الفعل من جهة الهيولى المختصة به التي لا بد له في وجوده منها ويتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده كالكاغد للكاتب فإنه إذا نظر في فعل الكاتب من هذه الجهة.
أعني تعذر الكاغد عليه ظن أنه عاجز عن الكتابة من هذه الجهة ممنوع عن الفعل لأجلها وهذه جهة لم تتعلق به من حيث هو كاتب ومختار للكتابة وكذلك إن عدم القلم والجارحة الصحيحة أو واحداً من تلك الأشياء المشروط في وجود كل فعل إنساني فحينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم على الإنسان بالجبر ويمنع من الاختيار.
وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من حيث هو مختار فإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخر التي هي أيضاً ضرورية في وجوده فإنه أيضاً سيبادر إلى الحكم عليه بأنه فاعل متمكن ويمنع من الجبر.
وهكذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك المركب إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزاؤه الباقية - تعرض له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها.
والفعل الإنساني وإن كان اسمه واحداً فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا بها فمتى لحظ الناظر فيه شيئاً واحداً منها وترك ملاحظة الباقيات عرضت له الشكوك من تلك الأشياء التي أغفلها.
والمذهب الصحيح هو مذهب من نظر في واحد واحد منها فنسب الفعل إلى الجميع وخص كل جهة بقسط من الفعل ولم يجعل الفعل الإنساني اختياراً كله ولا تفويضاً كله ولهذا قيل: دين الله بين الغلو والتقصير.
فإن من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون صاحبه متمكناً من القوة الفاعلة بالاختيار فهو غال من حيث أهمل الأشياء الهيولانية والأسباب القهرية والعوائق التي عددتها وهذا يؤديه إلى التفويض.
وكذلك حال من زعم أن فعله يكفي في وجوده أن ترتفع هذه العوائق عنه وتحصل له الأشياء الهيولاينة فهو مقصر من حيث أهمل القوة الفاعلة بالاختيار وهذا يؤديه إلى الجبر.
وإذا كان هذا على ما بيناه ولخصناه فقد ظهر المذهب الحق وفيه جواب مسألتك عن الجبر والاختيار.
ويعلم علماً واضحاً أن الإنسان إذا امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية في ظهور فعله أو عرضية فيه أو قهرية أو اتفاقية فهو منسوب إلى تلك الجهة.
مثال ذلك أنه إن كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولى أو أحد الأربعة الأشياء الضرورية فهو عاجز وإن امتنع لعائق قهري أو اتفاقي فهو معذور من تلك الجهة وبحسبها وعلى مقدارها.
فأما من حضرته القوة الفاعلة بالاختيار وارتفعت تلك الموانع عنه وأزيحت علله فيها كلها ثم كان ذلك لفعل مما ينظر فيه على طريق الإضافة أن يكون طاعة لمن تجب طاعته آو معونة لمن تجب معونته أو غير ذلك من وجوه الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه قادر متمكن ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره أو العيب والذم.
وهذه الجهة التي تختص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر وإجالة الرأى المسمى بالاختيار - هي ثمرة العقل ونتيجته.
ولولا هذه الجهة لما كان لوجود العقل فائدة بل يصير وجوده عبثاً ولغواً ونحن نتيقن أن العقل أجل الموجودات وأشرف ما من الله - تعالى - به ووهبه للإنسان ونتيقن أيضاً أن أخس الموجودات ما لا ثمرة له ولا فائدة في وجوده بمنزلة اللغو والعبث فإذن أجل الموجودات على هذا الحكم هو أخس الموجودات.
هذا خلف لا يمكن أن يكون.
فليس هذا الحكم بصادق فنقيضه هو الصادق.
مسألة لم حن بعض الناس إلى السفر من لدن طفوليته إلى كهولته
ومنذ صغره إلى كبره حتى إنه يعق الوالدين ويشق الخافقين صابراً على وعثاء السفر وذل الغربة ومهانة الخمول وهو يسمع قول الشاعر: إن الغريب بحيث ما حطت ركائبه ذليل ويد الغريب قصيرة ولسانه أبداً كليل وآخر ينشأ في حضن أمه وعلى عانق ظئره ولا ينزع به حنين إلى بلد ولا يغلبه شوق إلى أحد كأنه حجر جبله أو حصاة جدوله لعلك تقول: مواضع الكواكب ودرجة الطالع وشكل الفلك اقتضت له هذه الأحوال وقصرته على هذه الأمور فحينئذ تكون المسألة عليك في آثار هذه النجوم وتوزيعها هذه الأسباب على ما هي عليه من ظاهر التسخير - أشد وتكلف الجواب عنها آكد وأنكد.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن قوة النزاع إلى المحسوسات تنقسم بانقسام الحواس.
وكما ان بعض المزاج تقوى فيه حاسة البصر وبعضه تقوى فيه حاسة السمع فكذلك الحال في القوة النزاعية التي في تلك الحاسة لأنها هي التي تشتاق إلى تكمل الحاسة وتصييرها بالفعل بعد أن كانت بالقوة.
ومعنى هذا الكلام أن الحواس كلها هي حواس بالقوة إلى أن تدرك محسوساتها فإذا أدركتها صارت حواس بالفعل.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فليس بعجب أن يكون هذا المعنى في بعض الحواس قوياً ويضعف في بعض فيكون بعض الناس يشتاق إلى السماع وبعضهم إلى النظر وبعضهم إلى المذوقات من المأكول والمشروب وبعضهم إلى المشمومات وألوان الروائح بعضهم إلى الملبوسات من الثياب وغيرها.
وربما اجتمع لواحد أن يشتاق إلى اثنين منها أو ثلاثة أو إليها كلها.
ولكل واحد من هذه المحسوسات أنواع كثيرة لا تحصى ولأنواعها أشخاص بلا نهاية.
وهي على كثرتها وعددها الجم وخروجها إلى حد ما لا نهاية له - ليست كمالات للإنسان من حيث هو إنسان وإنما كماله الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله.
أعني العلوم.
وأشرفها ما أدى إلى أشرف المعلومات.
وإنما صار البصر والسمع أشرف الحواس لأنهما أخص بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز وبهما تدرك أوائل المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق.
وإذا كانت الحالة على هذه الصورة في الشوق إلى ما يتمم وجود الحواس ويخرجها إلى الفعل وكان من الظاهر المتعارف أن بعض الناس يشتاق إلى نوع منها فيحتمل فيه كل مشقة وأذى حتى يبلغ أربه فيه - لم يكن بديعاً ولا عجباً أن يشتاق آخر إلى نوع آخر فيحتمل مثل ذلك فيه.
إلا أنا وجدنا اللغة في بعض هذه عنيت فوضعت له اسماً وفي بعضها لم تغن فأهملته وذلك أنا قد وجدنا لمن يشتاق إلى المأكول والمشروب إذا أفرطت قوته النزاعية إليهما حتى يعرض له ما ذكرت من الحرص عليهما والتوصل إليهما ما يحتمل معه ضروب الكلف والمشاق - اسماً وهو الشره والنهم.
ولم نجد لمن يعرض له ذلك في المشموع اسماً.
وأظن ذلك لأجل كثرة ما يوجد من ذلك الضرب ولأن عيبه أفحش وما يجلبه من الآثام والقبائح أكثر.
فقد ظهر السبب في تشوق بعض الناس إلى الغربة وجولان الأرض.
وهو أن قوته النزاهية التي تختص بالبصر تحب الاستكثار من المبصرات وتحديدها ويظن أن أشخاص المبصرات تستغرق فهو يحتمل كثيراً من المشاق في الوصول إلى أربه من إدراك هذا النوع.
وقد نجد من يحتمل أكثر من ذلك إذا تحرك بقوته النزاعية إلى سائر المحسوسات الأخر والاستكثار منها.
فتأمل الجميع وأعد نظرك وتصفح جزئياتها تجد الأمر فيها واحداً.
ما غائلة الجهل ثم ما عائدة الجهل الذي قد وما سر العلم الذي قد طبع عليه الخلق فإن استشفاف هذه الفصول واستكشاف هذه الأصول يثيران علماً وحكماً جماً وإن كان فيها - في البحث عنها وبعض أوائلها وأواخرها - مشقة على النفس وثقل على الكاهل.
ولولا معونة الخالق من كان يقطع هذه التنائف الملس ومن كان يسلك هذه المهامه الخرس ولكن الله - تعالى - ولى المخلصين وناصر المطيعين ومغيث المستصرخين.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: مر لنا في عرض كلامنا على هذه المسائل ما ينبه على جواب هذه المسألة.
ولكنه لا بد من إعادته شيء منه يزيد في كشف الشبهة وإزالة الشك.
وهو أن العلم كمال الإنسان من حيث هو إنسان لأنه إنما صار إنساناً بصورته التي ميزته عن غيره.
أعني النبات والجماد والبهائم.
وهذه الصورة التي ميزته ليست في تخاطيطه وشكله ولونه.
والدليل على ذلك أنك تقول: فلان أكثر إنسانية من فلان فلا تعني به أنه أتم صورة بدن لا أكمل يف الخلق التخطيطي ولا في اللون ولا في شيء آخر غير قوته الناطقة التي يميز بها بين الخير والشر في الأمور وبين الحسن والقبيح في الأفعال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ولذلك قيل في حد الإنسان: إنه حي ناطق مائت.
فميز بالنطق أعني بالتمييز وبينه وبين غيره دون تخطيطه وشكله وسائر أغراضه ولواحقه.
وإذا كان هذا المعنى من الإنسان هو ما صار به إنساناً فكلما كثرت إنسانيته كان أفضل في نوعه.
كما أن كل موجود في العالم إذا كأن فعله الصادر عنه بحسب صورته التي تخصه فإنه إذا كان فعله أجود كان أفضل وأشرف.
مثل ذلك الفرس والبازي من الحيوان والقلم والفأس من الآلات فإن كل واحد من هذه إذا صدر عنه فعله الخاص بصورته كاملاً كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه وكذلك الحال في النبات والجماد فإن لكل واحد من أشخاص الموجودات خاص صورة يصدر عنه فعله وبحسب يشرف أو يخس إذا كان تاماً أو ناقصاً.
فأي فائدة أعظم مما يكمل وجودك ويتمم نوعك ويعطيك ذاتك حتى يميزك عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بناطقة ويقربك من الملائكة والإله - عز وجل وتقدس وتعالى - وأي غائلة أدهى وأمر وأكلم وأطم مما ينكسك في الخلق ويردك إلى أرذل وجودك ويحطك عن شرف مقامك إلى خساسة مقامات ما هو دونك أظنك تذهب إلى أن العلم يجب ان يفيدك - لا محالة - جاهاً أو سلطاناً أو مالاً تتمكن به من شهوات ولذات.
فلعمري إن العلم قد يفعل ذلك ولكن بالعرض لا بالذات لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ويكمل به الإنسانليس هو غايات الحواس ولا كمال البدن.
وإن كان قد يتم به ذلك في كثير من الأحوال.
ومتى استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك البهيمية والنباتية وكأنه استعمل في أرذل الأشياء وهو معد لأن يستعمل في أشرفها.
مسألة ما سبب تصاغي البهائم والطير إلى اللحن الشجي والجزم الندي
وما الواصل منه إلى الإنسان العاقل المحصل حتى يأتي على نفسه وهذا جار في العادة ومعروف عند المتعرفين للأمور.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد مر لنا في المسألة الثالثة من هذه المسائل كلام كثير في سبب قبول الإنسان بعض الأسماء وكراهية بعضها وثقل بعض الحروف وخفة بعضها وما يلحق النفس من الأصوات المختلفة بالحدة والجهارة وغير ذلك ونحن نزيد في هذا الموضع ما يليق بزيادتك في المسألة فنقول: إن النفس وإن كانت صورة فاعلة من حيث هي كمال لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة فإنها هيولانية منفعلة من حيث هي قابلة رسوم الأشياء وصورها.
ولذلك صار لها سببان: أحدهما إلى ما تفعل به والآخر إلى ما كان ينفعل به.
فالنفس تقبل نسب الاقتراعات بعضها إلى بعض كما تقبل نفس الاقتراعات مفرد مركبة.
وذاك أن أفراد الأصوات ومجموعها غير نسب بعضها إلى بعض لأن النسبة هي إضافة ما والنظر الإضافي غير النظر في ذوات الأدوات وكذلك تأثير هذا غير تأثير ذاك.
ولما كانت هذه النسب كثيرة مختلفة وجب فيها - ضرورة - ما يجب في الأشياء المتكثرة.
أعني أن لها طرفين: أحدهما الزيادة والآخر النقصان.
ولها من هذين الطرفين اعتدال.
فإن كانت الأطراف كثيرة فالاعتدالات أيضاً كثيرة.
والنفس تأبى الزيادة والنقصان وتميل إلى الاعتدال ولأن لها قوى تظهر بحسب الأمزجة فلتلك القوى المختلفة إضافات مختلفة إلى نسب مختلفة واعتدالات مختلفة.
وقد اجتهد أصحاب الموسيقا في تمثيل هذه النسب وتحصيل هذه الاعتدالات بأن جعلوا لها أمثلة في مقولة الكم من العدد وإن كان بعضها بمقولة الكيف أحق لأن الصناعة مؤلفة من هاتين أعني الكم والكيف ولكن الكم الذي هو العدد أقرب إلى الأفهام ومثلوا ما كان من الكيفية بالكمية ثم لخصوا كل واحدة منهما تلخيصاً تجده مبيناً في كتبهم.
وإذا قد قلنا ما الذي يصل إلى النفس من آثار الأصوات وما المحبوب منه وما المكروه على طريق الإجمال من القول فقد تبين أن الإفراط منه والخروج إلى إحدى الجهتين يؤثر بحسب ذلك.
وقد كان تبين في مواضع كثيرة أن النفس والبدن كل واحد منهما مشتبك ما يظهر أثر أحدهما في الآخر فإن الأحوال النفسية تغير مزاج البدن ومزاج البدن أيضاً يغير أحوال النفس فإذا قوى أثر ما في النفس حتى يتفاوت به المزاج ويخرج عن اعتداله لم يقبل أثر النفس وعرض منه الموت لأن الموت ليس بأكثر من ترك النفس استعمال الآلات البدنية.
وقد علمنا أن دم القلب الذي له اعتدال ما إذا انتشر في البدن ورق بالسرور أكثر مما ينبغي أو عاد واجتمع إلى القلب بالغم أكثر مما ينبغي - عرض من كل واحدة من الحالتين الموت أو ما يقارب الموت بحسب قوة الأثر.
وما أكثر ما تؤثر الأجسام تأثيراً طبيعياً فيتأدى ذلك الأثر إلى النفس فتعرض لها حركة ما وتصير تلك سبباً لتأثير آخر في الجسم يكون به انتفاضه وخروجه عن الاعتدال.
وإذا تأملت ذلك في الأشياء المغضبة والمحزنة إذا كانت قوية تبين لك ذلك.
فهذا كاف في هذا الموضع وإن أحببت الإتساع فيه فعليك بكتب الموسيقا فإنها تشفيك إن شاء الله.
مسألة لم كلما شاب البدن شب الأمل
قال أبو عثمان النهدي: قد أتت علي مائة وثمانون سنة وأنكرت كل شيء إلا الأمل فإنه أحد ما كان.
ما سبب هذه الحال وعلى ماذا يدل الرمز فيها وما الأمل أولاً وما الأمنية ثانياً وما الرجاء ثالثاً وهل تشتمل هذه على مصالح العالم فإن كانت مشتملة فلم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع الأماني وبصرف الرجاء إلا في الله - تبارك وتعالى - وإلى الله فإنه ساتر العورة وراحم العبرة وقابل التوبة وغافر الخطيئة وكل أمل في غيره باطل وكل رجاء في سواه زائل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة قد أخذ فيها فعل من أفعال النفس فقرن بفعل من أفعال الطبيعة التي بحسب البدن إلى الطبيعة والمزاج البدني ثم وقعت المقايسة بينهما وهما يتباينان لا يتشابهان فلذلك عرض التعجب منها.
فأما الشيب والنقصانات التي تعرض للبدن وعجز القوى التابعة للمزاج فهي أمور طبيعية في آلات تكل بالاستعمال وتضعف على مر الزمان.
وأما أفعال النفس فإنها كلما تكررت وأديمت فإنها تقوى ويشتد أثرها فهي بالضد من حال البدن.
مثال ذلك ان النظر العقلي كلما استعمل قوى واحتد وأدرك في الزمان القصير ما يدركه في الزمان الطويل ولحق الأمر الذي كان خفياً عنه بسرعة.
والنظر الحسي كلما استعمل كل وضعف ونقص أثره إلى أن يضمحل.
فأما الفرق بين الأمل والرجاء وبين الأمنية فظاهر وذاك أن الأمل والرجاء يعلقان بالأمور الاختيارية وبالأشياء التي لها هذا المعنى.
فأما الأمنية فقد تتعلق بما لا اختيار له ولا روية فإنه ليس يمنع مانع من تمنى المحال والأشياء التي لا تمييز فيها ولا لها.
والأمل أخص بالمختار.
والرجاء كأنه مشترك وقد يرجو الإنسان المطر والخصب وليس يأمل إلا من له قدرة وروية.
وأما المنى فهو - كما علمت - شائع في الكل ذاهب كل مذهب فقد يتمنى الإنسان أن وليس يرجو هذا ولا يأمله.
ثم قد يرجو المطر وليس يأمل إلا منزل القطر ومنشىء الغيث.
فهذه فروق واضحة.
فأما قولك لم تواصى الناس بقصر الأمل وقطع الأماني وصرف الرجاء إلا في الله تعالى فأقول: لأن سائر الأشياء المأمولة والمرجوة والمتمناة منقطعة المدد متناهية العدد ثم هي متلاشية في أنفسها مضمحلة بائدة فاسدة لا يثبت شيء منها على حال لحظة واحدة فلو وصل الواصل إليها وبلغ نهمته منها لأوشك ان يتلاشى ويضمحل ذلك الشيء في نفسه أو يتلاشى ويضمحل الأمل فيه آو رجاؤه وتمنيه.
فأما ما اتصل من هذه بالله - تعالى ذكره - فهو أبدى غير منقطع ولا مضمحل بل الله - تعالى - دائم الفيض به أبدى الجود منه.
تعالى اسمه وتقدس ولا قوة إلا به وهو حسبنا ومعيننا وناصرنا وهادينا إلى صراط مستقيم.
مسألة لم صارت غيرة المرأة على الرجل أشد من غيرة الرجل على المرأة
هذا في الأكثر والأقل وكيفما كان ففيه خبىء وهو المشدد على وقد أدت الغيرة جماعة إلى تلف النفوس وإلى زوال النعم وإلى الجلاء عن الأوطان.
ثم فلت في المسألة التالية لهذه: ما الغيرة أولاً وما حقيقتها وكيف أصلها وفصلها وعلى ماذا يدل اشتقاقها وهل هي محمودة أو مذمومة وهل صاحبها ممدوح أم ملوم فإن إثارة هذا أبلغ بك إلى الفوائد وأجرى معك إلى الأمد وبوقوفك عليها تعرف غيرها وتتخطى إلى ما عداها.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: أما الغيرة فهي خلق طبيعي عام للإنسان والبهائم.
وهو ممدوح إذا كان على شرائط الأخلاق.
أعني إذا وضع في خاص موضعه ولم يتجاوز به المقدار الذي يجب ولم ينقص عنه على مثال ما ذكرناه فيما مضى من سائر الأخلاق كالغضب والشهوة.
فإن هذه أخلاق طبيعية وإنما يحمد منها ما لم يخرج عن الاعتدال أو أصيب به موضعه الخاص به.
وحقيقة الغيرة هي منع الحريم وحماية الحوزة لأجل حفظ النسل والنسب فكل من كانت غيرته لأجل ذلك ثم لم يتجاوز ما ينبغي حتى يحكم بالتهمة الباطلة فيصدق بالظنون الكاذبة ويبادر إلى العقوبة على ذلك ولم ينقص عما ينبغي حتى يتغافل عن الدلائل الواضحة ويترك الامتعاض من الرؤية والسماع إذا كان حقاً وكان معتدل الخلق بين هذين الطرفين يغضب كما ينبغي وعلى ما ينبغي - فهو محمود غير ملوم.
فأما من فرط أو أفرط في الغيرة فسبيله سبيل من تجاوز الاعتدال في سائر الأخلاق إلى الزيادة أو النقصان.
فقد بينا إن الزيادة والنقصان في كل خلق يهجم بصاحبه على ضروب من الشر وأنواع من البلايا والمكاره ويكون هلاكه على مقدار زيادته أو نقصانه منها ومن شرائطها المذكورة في الأخلاق.
فأما زيادة حظ الأنثى على الذكر من الغيرة أو الذكر على الأنثى فليس بلازم طريقة واحدة ولا جار على وتيرة واحدة.
بل ربما زاد ذكر على أنثاه في هذا المعنى وربما زادت أنثى على ذكرها فيه كما يعرض لهما ذلك في قوة الغضب وغيره من الأخلاق.
على أن الذكر أولى بالمحاماة وأخص بهذا الخلق لأنه تستعمل فيه قوة الغضب والشجاعة وهذا أولى بالذكر منه بالأنثى وإن كانت الأنثى تشارك فيه الذكر.
وههنا خلة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها فإن كثيراً من الناس يضل عن وجه الصواب فيها وهي أن الغيرة إذا هاجت قوتها وكان سببها الشهوة وجب الاستئثار وأن يختص الإنسان بحال لا يشاركه فيها غيره وكان هذا العارض له في غير حرمته ولا من أجل حفظ نسبه وزرعه - فهو أمر قبيح.
وإن كانت على شرائطها التي ذكرت فهو أمر حسن جميل.
وأما سقوط هذه القوة دفعة فهجنة قبيحة فقد نجد في بعض الحيوان من لا تعرض له الغيرة كالكلب والتيس ويسب به الإنسان إذا ذكر به وسمي باسمه.
ونجد أيضاً بعضها غيوراً محامياً كالكبش وغيره من فحول الحيوان فيمدح بذكره الإنسان إذا شبه به وسمي باسمه.
فلست اعرف وجه السب بالتيس والمدح بالكبش إلا لما يظهر من هذا الخلق في أحدهما دون الآخر.
فهذه حال الغيرة وحقيقتها وما يجب أن يمدح منها أو يذم.
مسألة ما السبب في أن الذين يموتون وهم شبان أكثر من الذين يموتون وهم شيوخ
الشاهد على ذلك أنك تجد الشيوخ أقل ولولا ذلك لكانوا يكثرون لأنهم كانوا يتجاوزون الشبيبة إلى الكهولة والكهولة إلى الشيخوخة فلما دب الحمام في ذوي الشباب أفناهم وتخطى القليل منهم فبلغوا التشيخ وهو قليل.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الحياة تابعة لمزاج ما خاص بإنسان إنسان.
وذلك المزاج له بمنزلة النقطة من الدائرة.
أعني أنه شيء واحد والخروج عنه إلى النقط التي حواليه مما يقرب منه أو يبعد عنه بلا نهاية.
وذلك أن لكل إنسان وبالجملة لكل حيوان - اعتدالاً خاصاً به بين الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة فإذا انحرف عن ذلك الاعتدال إلى أحد الأطراف كان مرضه أو هلاكه.
ثم إن الأمور التي تخرجه إلى الأطراف كثيرة من الأغذية والأشربة والهواء الواصل إليه بالاشتتشاق وغيره وحركاته الطبيعية وغير الطبيعية مما يخرجه عن هذا الاعتدال - كثيرة.
والآفات الأخرى التي تطرأ من خارج مما لا تحتسب كثيرة.
وإذا كانت الأسباب التي يخرج الإنسان بها عن الاعتدال كثيرة بلا نهاية والأسباب التي يثبت بها على الاعتدال الخاص به قليلة ويسيرة - لم يكن ما ذكرته عجباً بل العجب لو اتفق ضده.
ولولا أن العناية الموكلة بحفظ الحيوان كله - والإنسان من بينه - شديدة والوقاية له تامة بالغة فتأمل جميع ما ذكرته من الآفات الداخلة والخارجة عن بدن الإنسان وحركاتها المختلفة أعني منازعة النارية فيه إلى حركة العلو ومنازعة المائية منه إلى حركة السفل ثم حرص كل واحد منهما بطبيعته على إفناء الآخر وإحالته ثم المجاهدة الواقعة في حفظ الاعتدال بينهما حتى لا تزيد قوة أحدهما على الآخر مع كثرة الشهوات والمنازعات إلى ما هو لا محالة زائد في أحدهما ناقص من الآخر - تجد الأمر محفوظاً بعناية شديدة إلى أكثر مما يمكن في مثله من الحفظ حتى يأتي شيء طبيعي لا سبيل إلى مقاومته.
ومثل ذلك سراج يحفظ بالفتيلة والدهن والمواد تجيئه من خارج أعني الدهن الكثير الذي هو سبب إطفائه والنار العظيمة التي هي كذلك والرياح العاصفة التي لا طاقة له بها ولا سبيل إلى حفظه معها فإذا سلم من جميع ذلك مدة طويلة فلا بد من الفناء الطبيعي.
أعني أن الحرارة تستغرق - لا محالة - ما يغتذى به على طول الزمان فيكون الفناء به ومن أجله.
فإن هذا مثل صحيح مطابق للممثل به.
وإذا تفقدت الحرارة الغريزية وحاجتها إلى ما تحفظ قواها بلا زيادة ولا نقصان وإفنائها الرطوبة الأصلية مع المواد التي تأتيها من خارج وقوتها على الإحالة وضعفها - طلعت على ما سألت مسألة ما السبب في طلب الإنسان فيما يسمعه ويقوله ويفعله ويرتئيه ويروى فيه - الأمثال وما فائدة المثل وما غناؤه من مأتاه وعلى ماذا قراره فإن المثل والمثل والمماثلة والتمثيل كلاماً رائقاً وغاية شريفة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأمثال إنما تضرب فيما لا تدركه الحواس مما تدركه.
والسبب في ذلك أنسنا بالحواس وإلفنا لها منذ أول كونها ولأنها مبادىء علومنا ومنها نرتقي إلى غيرها.
فإذا أخبر الإنسان بما لم يدركه أو حدث بما لم يشاهده وكان غريباً عنده - طلب له مثالاً من الحس فإذا أعطي ذلك أنس به وسكن إليه لإلفه له.
وقد يعرض في المحسوسات أيضاً هذا العارض.
أعني أن إنساناً لو حدث عن النعامة أو الزرافة والفيل والتمساح لطلب أن يصور له ليقع عليه ويحصل تحت حسه البصري ولا يقنع فيما طريقه حس البصر بحس السمع حتى يرده إليه فهذا الأمر في الموهوبات فإن إنساناً لو كلف أن يتوهم حيواناً لم يشاهد مثله لسأل عن مثله وكلف مخبره أن يصور له مثل عنقاء مغرب فإن هذا الحيوان وإن لم يكن له وجود فلا بد لمتوهمه أن يتوهمه بصورة مركبة من حيوانات قد شاهدها.
فأما المعقولات فلما كانت صورها ألطف من أن تقع تحت الحس وأبعد من أن تمثل بمثال الحس إلا على جهة التقريب - صارت أخرى أن تكون غريبة غير مألوفة.
والنفس تسكن إلى مثل وإن لم يكن مثلاً لتأنس به من وحشة الغربة.
فإذا ألفتها وقويت على تأملها بعين عقلها من غير مثال سهل حينئذ عليها تأمل أمثالها.
والله الموفق لجميع الخيرات.
مسألة كيف قوى الوهم على أن ينقش في نفس الإنسان أوحش صورة وأمقت شكل
وأقبح تخطيط ولم يقو على أن يصور أحسن صورة وألطف شكل وأملح تخطيط ألا ترى أن الإنسان كلما اعترض في وهمه أوحش شيء عرته شمأزيزة وعلته قشعريرة ولحقه صدوف ورهقه نفور فلو قوى الوهم على تصوير أحسن الحسن تعلل به الإنسان عند فراغ فما هذا وكيف هذا ولا عجب فلهذا الإنسان من هذه النفس والعقل والطبيعة أمور تستنفد العجب وتحير القلب.
جل من أودع هذا الوعاء هذه الطرائف وعرضه لهذه الغايات وزين ظاهره وحسن باطنه وصرفه بين امن وخوف وعدل وحيف وحجبه في أكثر ذلك عن لم وكيف.
الجواب: قال أبوعلي مسكويه - رحمه الله: إن الحسن هو صورة تابعة لاعتدال المزاج وصحة مناسبات من الأعضاء بعضها إلى بعض في الشكل واللون وسائر الهيئات.
وهذه حال لا يتفق اجتماع جميع أجزائها على الصحة ولذلك لا تقوى الطبيعة نفسها على اتخاذها في الهيولى على الكمال لأن الأسباب لا تساعد عليها أعني أنه لا يتفق في الهيولى والأشكال والصورة والمزاج أن تقبل الصورة الأخيرة على غاية الصحة.
فإذا كانت الطبيعة تعجز عن إيجاد هذا الاعتدال وهذه المناسبة الصحيحة التي يتبعها الحسن التام فكم بالحرى يكون الوهم أعجز عنه وإنما الوهم تابع للحس والحس تابع للمزاج والمزاج تابع أثر من آثار الطبيعة.
ومثال ذلك أن الأوتار الكثيرة إنما يطلب بها وبكثرة الدساتين عليها أن تخرج من بينهما نغمة مقبولة وتلك النغمة إنما يتوصل إليها بجميع الآلة وأجزائها من الأوتار والدساتين بالقرعات فالنغمة وإن كانت واحدة فإنها تتم بمساعدة جميع تلك الإجزاء.
فإن خان واحد منها خرجت النغمة كريهة: إما بعيدة من القبول وإما قريبة على قدر عجز الأسباب وقصور بعضها.
فكذلك الهيولى في حاجتها إلى مزاج ما بين اسطقصات وصور أخرى كثيرة تصير بجميعها مستعدة لقبول صور الحسن الذي هو اعتدال ما ومناسبة ما صحيحة بين أمزجة وأعضاء في الهيئة الشكل واللون وغيرها من الأحوال التي مجموعها كلها هو الحسن.
والحسن وإن كان أمراً واحداً وصورة واحد فهو مثل النغمة الواحدة المقبولة التي تحتاج إلى هيئات كثيرة وصور مختلفة جمة ليحصل من بينها هذا الاعتدال المقبول.
والوهم في خروجه عن الاعتدال سهل الحركة.
فأما في حفظه إياه وتوصله إليه فإنه يحتاج إلى تعب شديد وأخذ مقامات كثيرة واستخراج اعتدال بينها.
وهكذا الحال في كل اعتدال فإن حفظه والثبات عليه صعب.
فأما الخروج عنه فهو بأدنى حركة.
فإن اتفق أن يكون لذلك الاعتدال تمامات من خارج ومعاونات من أمور مختلفة كانت الصعوبة
مسألة لم صار السرور إذا هجم تأثيره أشد وربما قتل
وقد حكي الثقة من تأثيره أموراً.
ولقد خبرت والدة بعض الناس أن ابنها ولى إمرة فبرقت وانحرفت وما زالت تنتقض حتى ماتت.
وقال لي ابن الخليل: الحيرة التي تلحق واجد الكنز هي من إفراط فرحه وغلبة سروره ولذلك ما يبين على شمائله وينم بحركاته ويضيق عطنه عن كتمانه مابه وسياسته.
ولا تكاد تجد هذا العارض في الغم والهم النازل الملم وقل ما وجد من انشقت مرارته وانتقضت بنيته وانحلت معاقدة ومآسره بخبر ساءه وناءه ومكروه غشيه وناله.
فإن كان فهو أيضاً قليل وإن ساوى عارض السرور فذاك أعجب والسر فيه أغرب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: قد مر جواب هذه المسألة في عرض ما تكلمنا عليه في المسائل المتقدمة.
وقلنا: إن النفس تؤثر في المزاج المعتدل عن البدن وكما أن المزاج يؤثر في النفس وبينا جميع ذلك وضربنا له الأمثال.
وما ذاك إلا لانبساط الدم من ذاك في ظاهر البدن وغوره من الآخر إلى قعر البدن.
والحرارة التي في القلب هي التي تفعل هذا أعني أنها تنبسط فترق الدم تارة وتنقبض فتغلظة أخرى.
ويتبع ذلك الحال السرور ويتبع هذه الغم.
فإذا كان زائد المقدار في أي الطرفين كان - تبعه الخروج عن الاعتدال.
وبحسب الخروج عن الاعتدال يكون الموت الوحي أو المرض الشديد.
مسألة ما السبب في أن إحساس الإنسان بألم يعتريه أشد من إحساسه بعافية تكون فيه
حتى لو شكاً يوماً لأن أياماً وهو يمر في لباس العافية فلا يجد لها وقعاً وإنما يتبينه إذا مسه وجع أو دهمه فزع ولهذا قال الشاعر: والحادثات وإن أصابك بؤسها فهو الذي انباك كيف نعيمها ومما يحقق هذا أنك تجد شكوى المبتلى أكثر من شكر المعافي وإنما لوجدان أحدهما مالاً يجده الآخر.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: السبب في ذلك أن العافية إنما هي حال ملائمة موافقة للحال الطبيعي من المزاج المعتدل الموضوع لذلك البدن.
والملائمة والموافقة لا يحس بهما وإنما الحس يكون للشيء الذي لا موافقة فيه.
والسبب في ذلك أن الحس إنما أعطي الحيوان ليتحرز به من الآفات الطارئة عليه وليكون ألمه بما يريد عليه مما لا يوافقه سبباً لتلافيه وتداركه قبل أن يتفاوت مزاجه ويسرع هلاكه.
فأنشئت لذلك أعصاب من الدماغ وفرقت في جميع البدن ونسجت بها الأعضاء التي تحتاج إلى إحساس كما بين ذلك في التشريح وفي منافع الأعضاء.
فكل موضع من البدن فيه عصب فهناك حس وكل موضع خلا منه فلا حس فيه.
ولم يخل منه إلا ما لا حاجة به إلى حس.
وإنما وفرت الأعصاب على الأعضاء الشريفة لتصير أذكى حساً ولتكون بما يرد عليها من الآفات أسرع إحساساً.
وكل ذلك ليبادر إلى إزالة ما يجده من الألم بالعلاج ولا يغفل عنه بتوان ولا غيره.
ولو خلا الإنسان من الحس ومن الألم ومكانه لكان هلاكه وشيكاً من الآفات الكثيرة.
وأما الحال الملائمة فلا يحتاج إلى إحساس بها.
وهذه حال جميع الحواس الخمس في أحوالها الطبيعية وانها لا تحس بما يلائمها وإنما تحس بما لا يوافقها.
أقول: إن حس اللمس الذي هو مشترك بجميع البدن إنما يدرك ما زاد أو نقص عن اعتداله الموضوع له فإن البدن له اعتدال من الحرارة مثلاً فإذا لاقاه من حرارة الهواء ما يلائمه ويوافقه لم يحس به أصلاً.
فإن خرج الهواء عن ذلك الاعتدال الذي للبدن إما إلى برد أو حر أحس به فبادر إلى تلافيه وإصلاحه.
وكذلك الحال في البرد والرطوبة واليبوسة.
فأما سائر الحواس فلكل واحد منها اعتدال خاص به لا يحس بما يلائمه وإنما يحس بما يضاده ويزيله عن اعتداله كالعين فإنها لا تحس بالهواء وبكل ما لا لون له ولا كيفية تزيلها عن اعتدالها.
وكذلك السمع وباقي الحواس.
وهذا باب مستقصى في مواضعه من كتب الحمسألة لم اشتد عشق الإنسان لهذا العالم حتى لصق به وآثره وكدح فيه مع ما يرى من صروفه وحوادثه ونكباته وغيره وزواله بأهله ومن أين استفاد الإنسان هذا العرض.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: وكيف لا يشتد عشقه إلى للعالم وهو طبيعي وجزء له إنما مبدؤه منه ومنشؤه فيه وتولده عنه ألا تراه يبتدىء وهو نطفة فينشأ نشوء النبات أعني أنه يستمد غذاءه بعروق موصولة برحم أمه فيستقي المادة التي تقيمه كما تستقي عروق الشجر فإذا تم وصار خلقاً آخر وأنشأه الله - تعالى - حيوان أخرجه من هناك فحينئذ يغتذى بفمه ويتنفس فيصير في مرتبة الحيوان غير الناطق ولا يزال كذلك إلى أن يقبل صورة النطق أولاً فيصير إنساناً ثم يتدرج في إنسانيته حتى ينتهي إلى غاية ما يؤهل له من المراتب فيها وليس ينتهي إلى الرتبة الأخيرة التي هي غاية الإنسانية إلا الأفراد من الناس والواحد بعد الواحد في الأزمنة الطوال والفترات الكثيرة.
وعامة الخلق وجمهور الناس واقفون في منزلة قريبة من البهيمية وغاية نطقهم وتمييزهم أن يرتبوا تلك البهيمية ترتيباً ما فيه نظامك عقلي.
وأما أن يفارقوها ويصيروا إلى الحد الذي طالبت به فلا وإنما يصير إلى هناك الحكيم التام الحكمة الذي يستوفي جميع أجزائها علماً وعملاً أو نبي له تلك المنزلة بالإلهام والتوفيق ثم لابد من المادة البشرية التي يأخذها من هذا العالم وإن كان بلا عشق ولا لصوق شديد ولا إيثار.
وهذا المعنى واسع البحر طويل الميدان قد أكثر فيه الناس وفيما أومأت إليه وصرحت به والسلام.
مسألة لم قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا
وما في الحياة الحمقى من الفائدة على الدين والدنيا وهل الذي قالوه حق.
الجواب: قال أبوعلي مسكويه - رحمه الله: قد تبين أن الإنسان مدني بالطبع وأنه لا يعيش متوحداً كما تعيش الطير والوحش لأن تلك مكتفية بما خلق لها من الرياش والهداية إلى مصالحها وأقواتها والإنسان عار لا طاقة له ولا هداية إلى قوته ومصلحته إلا بالاحتماع والتعاون هو المدنية.
ثم إن المدينة لها حال تسمى بالأولى عمارة وبالإضافة إلى الأولى.
فأما حال عمارتها فإنما يتم بكثرة الأعوان وانتشار العدل بينهم بقوة السلطان الذي ينظم أحوالهم ويحفظ مراتبهم ويرفع الغوائل عنهم.
وأعني بكثرة الأعوان تعاون الأيدي والنيات بالأعمال الكثيرة التي بعضها ضرورية في قوام العيش وبعضها نافعة في حسن الحال في العيش وبعضها نافعة في تزيين العيش فإن اجتماع هذه هي العمارة.
فأما إن فات المدنية واحدة من هذه الثلاث فإنها خراب.
وإن فاتها اثنتان - أعني حسن الحال والزينة جميعاً - فهي غاية في الخراب وذلك أن الأشياء الضرورية في قوام العيش إنما يتبلغ بها الزهاد الذين لا يعمرون الدنيا وليسوا في عدد العمار.
وعمارة الدنيا التامة وقوامها بثلاثة أشياء هي كالأجناس العالية ثم تنقسم إلى أنواع كثيرة.
وأحد الأشياء الثلاثة إثارة الأرض وفلاحتها بالزرع والغرس والقيام عليها بما يصلحها ويستعد لما يراد منها اعني الآلات المستخرجة من المعادن كالحجارة والحديد المستعملة في إثارة الحرث والطحن وإساحة الماء على وجه الأرض من العيون والأنهار والقنى والدوالى وغير ذلك.
والثاني آلات الجند والأسلحة المستعملة لهم في ذب الأعداء عن أولئك الذي وصفناهم ليتم لجماعتهم العيش ويقام غرضهم فيما اجتمعوا له بالمعاونة.
وللجند أيضاً صناع وأصحاب حرف فهم يعدون لهم الخيل بالرياضة والجنن للوقاية وسائر الأسلحة للدفع والذب.
والثالث الجلب والتجهيز الذي يتم بنقل ما يعز في أرض إلى أرض وما يكون في بحر إلى بر.
ولها أصحاب يختصون بجزء جزء من أقسام الأحوال الثلاثة التي ذكرناها.
وينبغي أن تعلم أن العيش غير جودة العيش وحسن الحال في العيش لتعلم أن العمارة متعلقة بجودة العيش وحسن حاله.
وقد عرف أن هذه الأمور لا تتم إلا بالمخاطرات الكثيرة وركوب الأهوال واحتمال المشاق والتعرض للمخاوف.
ولو تبلغ الناس بضروراتهم وطرحوا فضول العيش وعملوا بما يقتضيه مجرد العقل لصاروا كلهم زهاداً ولو كانوا كذلك لبطل هذا النظام الحسن والزين الذي في العالم وعاشوا عيشة قشفة كعيشة أهل القرى الضعيفة القليلة العدد أو كعيشة سكان الخيم وبيوت الشعر وأظلال القصب.
وهذه هي الحال التي تسمى خراب المدن.
فأما قولك: هل يسمى القوام بعمارة الدنيا حمقى فأقول: إنه لا يجوز أن يسميهم بذلك كل أحد وذلك ان الذين وصفنا أحوالهم من سكان القرى وأطراف الأرض والذين لا يكملون لتحسين معايشهم هم اولى بهذا النبز من الذين استخرجوا بعقولهم وصفاء أذهانهم ودقة نظرهم - هذه الصناعات الكثيرة الجميلة العائدة بمنافع الناس.
وإنما يسوغ ذلك لمن أطلع على جميع العلوم والمعارف وميزها ونزلها منازلها فترك ما ترك منها عن خبر وعلم وآثر ما آثر منها على روية وبعد يقين فإن الحكماء إنما تركوا النظر في عمارة الدنيا لأنها عائدة بعمارة الأبدان ولما اطلعوا على شرف النفس على البدن ورأوا لها عالماً آخر وجمالاً يليق بذلك العالم وصناعات وعلوماً ومسالك ركوبها أشق وأعسر من ركوب مخاطرات الدنيا ولزوم محجتها والدءوب فيها بالنظر والعمل أصعب وأكثر تعباً من الدءوب والعمل في الدنيا - آثروا التبلغ وتبلغوا بالقوت الضروري من الدنيا على أنهم هم الذين عملوا لهؤلاء أصول الصناعات والمهن وتركوهم وإياها لما لم يكملوا لغيرها ثم اشتغلوا وشغلوا من جالسهم بالأمر الأعلى الأفضل.
مسألة ما السبب في قلق من تأبط سوأه واحتضن ريبة واستسر فاحشة
حتى قيل - من أجل ما يبدو على وجهه وشمائله -: كاد المريب يقول خذوني وما هذا العارض ومن أين مثاره وبأي شيء زواله.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه المسألة إنما تعترض الحيرة فيها لمن لا يعترف بالنفس وأن حركات البدن الاختيارية كلها إنما تكون بها ومنها.
فأما من علم أن النفس هي المدبرة لبدن الحي ولا سيما الإنسان المختار الذي مدبره النفس المميزة العاقلة فلا أعرف لحيرته وجهاً.
وذاك ان النفس إذا عرفت شيئاً واستعملت ضد ما يليق بتلك المعرفة لحقها من الاضطراب ما يلحق الطبيعة إذا كانت حركتها يمنة فحركت يسرة بقوة دون قوتها أو مساوية لها.
فإن الاضطراب يظهر هناك مثل ما يظهر ههنا.
مسألة لم إذا كان الواعظ صادقاً نجع كلامه ونفع وعظه وسهل الاقتداء به
وخفت الطاعة له والأخذ بما قاله ولم إذا كان بخلاف ذلك لم يؤثر كلامه وإن راق ولا ينفع وعظه وإن بلغ وما في انسلاخه من حقيقة ما يقول مع حقيقة القول وصحة الدلالة وسطوع الحجة وكيف صار فعله مشيداً لقوله وخلافه موهناً لدلالته ألست الحكمة قائمة في نفسها مستقلة بصحتها ولهذا قيل: الموعظة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: لأن المواعظ إنما يأمر بما عنده أنه الأصوب فإذا خالف نفسه أوهم غيره أنه كذب وغش وإنما نهى عن الدنيا لتترك له وتوفر عليه.
وظن من عجز عن رتبته وسقط عن بلوغ درجته في النظر أنه إنما يقتدر على الوعظ بحسن اقتداره على التلبيس وإظهار المموه في صورة الحق.
ولو اعتقد ما يظهر بلسانه لعمل بحسبه فهذا وأشباهه يعرض في قلب المستمع لوعظ من لا يعمل بوعظه.
هذا.
وربما كان أكثر من تراه من الواعظين هو بالحقيقة غير معتقد لما يظهره وإنما غايته أن يشغل الناس عما في أيديهم أو لتتم له رئاسة باجتماع الناس إليه أو لأرب له من الدنيا.
فأي موقع لكلام مثل هذا إذا عرف الموعوظ غايته وأشرف على نيته ومذهبه.
والأمر بالضد فيمن عمل واجتهد وأخلص سره ووافق عمله علمه وقوله نيته فإنه يصير إماماً يقتدى به ويوثق بكلامه ويكثر اتباعه والناظرون فيما ينظر فيه والمصدقون بحكمه.
مسألة لم عظم ندم الإنسان على ما قصر فيه من إكرام الفاضل
وتعظيمه واقتباس الحكمة منه بعد فقده ولم كان يعرض له الزهد فيه مع التمكن منه والانقطاع إليه وقد كان في الوقت الأول أفرغ قلباً وأوسع مذهباً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذه مسألة قد أجيب عنها فيما تقدم ولا معنى لتكرير الكلام فيها.
مسألة لم اعتزت العرب والعجم في مواقف الحروب
وأيام الهياج والاعتزاء هو الانتساب إلى الآباء والآجداد وإلى أيام مشهورة وأفعال مذكورة.
وما الذي حرك أحدهم من هذه الأشياء حتى ثار وتقدم وبارز وأقدم وأخطر نفسه واقتحم وربما سمع في ذلك الوقت بيتاً أو تذكر مثلاً أو رأى من دونه في البيت والمنصب والعرق والمركب دون ما يقدر - يفعل فوق ما يفعل فتأتيه الأنفة فتقوده بأنفه إلى مباشرة حتفه ما هذه الغرائب المبثوثة والعجائب المدفونة في هذا الخلق عن هذا الخلق جل من هذا بعلمه وبأمره ومن فعله وهو الإله الذي انقادت له الأشياء طوعاً وكرهاً وأشارت إليه تعريضاً وتصريحاً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: الغضب في الإنسان يكون بالقوة إلى أن يخرجه إلى كذلك سائر قوى النفس.
وما يخرجه إلى الفعل ينقسم قسمين: إما من خارج وإما من داخل.
فالذي يكون من خارج فهو مثل انتهاك الحرمة وشتم العرض وما أشبه ذلك.
والذي يكون من داخل فهو تذكر الذنوب والأحقاد وجميع الأحوال التي من شأنها قدح هذه القوة.
ومن شأن النفس إذا كانت ساكنة والتمر الإنسان فعلاً قوياً منها لم تستجب له الأعضاء عما يلتمس فحينئذ يضطر إلى تحريك النفس وإثارتها.
وبحسب تلك الحركة من النفس تكون قوة ذلك الفعل.
وأنت تتبين ذلك من المسرور إذا أراد أن يظهر غضباً أو يفعل فعل الغضوب كيف تتخاذل أعضاؤه ويظهر عليه أثر التكلف فربما أضحك من نفسه وضحك هو أيضاً في أحوج ما كان إلى قوة الغضب فيحتاج في تلك الحال إلى إثارة القوة الغضبية بتذكر أمر يهيج تلك القوة حتى يصدر فعله على ما ينبغي.
وهذه الحال تعرض في الحرب إذا لم يخص المحارب أمرها.
وأعني بذلك أن المحارب ربما حضر الحرب التي لا يخصه أمرها بل لمساعدة غيره أو لأجرة وهو تذكر لأحوال شجاعات ظهرت لأولين ليكون ذلك قدحاً له وإثارة لشجاعته وسبباً لحركة قوية من نفسه.
فإذا ثارت هذه القوة كان مثلها مثل النار التي تبتدىء ضعيفة وتقوى بمباشرة الأفعال وبالإمعان فيها حتى تصير تلك الأفعال لها بمنزلة المادة للنار تتزيد بها إلى أن تلتهب وتستشيط ويصير بمنزلة السكران في قلة الضبط والتمييز.
وهي الحال التي يلتمسها المحارب من نفسه.
مسألة ما السبب في أن الناس يقولون هذا الهواء أطيب من ذلك الهواء
وذلك الماء أعذب من ذلك الماء وتربة بلد كذا وكذا أصلب من تربة كذا وطين مكان كذا أنعم من طين مكان كذا وأعفن وأسبخ ثم لا يقولون في قياس هذا: بلد كذا ناره أجود وأحسن وأصفى أو أشد حراً وإحراقاً وأعظم لهيباً بل يصرفون هذه الصفات على اختلاف المواد كأنها في الحطب اليابس أبين سلطاناً وفي القطن المنفوش أسرع نفوذاً.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن الأركان الأربعة وإن اشتركت في ان بعضها يأخذ قوة بعض الأقل والأكثر حتى يكون بعضها أخلص في صورته ونوعه من بعض فإن النار من بينها خاصة أقل قبولاً لقوة غيرها وأعسر ممازجة وذلك أن صورة النار غالبة على مادتها.
وبيان هذا أن الأرض تقبل من ممازجة الماء والهواء ما تستحيل به عن صورتها الخاصة بها حتى تصير منها الحمأة والملح وضروب الأشياء التي تختلف بها الترب.
وكذلك الماء يقبل من الأرض التي يجاوره والهواء الذي يليه ضروب الطعوم والأراييح والصفاء والكدر حتى يخرج من صورته الخاصة به خروجاً بيناً وهذه حال الهواء في قبول الآثار من الأرض والماء حتى يصير بعضه غليظاً وبعضه رطباً ويابساً ومعتدلاً.
فتظهر في هذه الثلاثة آثار بعضها في بعض حتى تتبين للحس بياناً ظاهراً وتنقص آثار بعضها عن بعض حتى يحكم كل إنسان بخروجه عن اعتداله وخروجه عن اعتداله سبب الاستضرار البين في الأبدان.
فأما النار فإن صورتها الخاصة بها غالبة على مائيتها حتى لا تقبل من المزاج ما يظهر للحس منه نقصان أثر من الإحراق الذي هو فعلها أو الضوء الذي هو خاصتها.
وعلى ان النار أيضاً قد تقبل من المزاج ومجاورة ما تليه أثراً ما ولكنه - بالإضافة إلى الآثار مثال ذلك أن النار التي مادتها النفط الأسود والكبريت الصرف لونها بخلاف لون النار التي مادتها الزيت الصافي ودهن البنفسج الخالص لأن تلك حمراء وهذه بيضاء.
ولكن الفعل المطلوب من النار للجمهور غير ناقص أعني الإحراق والضوء.
وأن نقص بحسب المواد فإن تلك الحال منها مشتركة في البلدان كلها لا تخص بعضها دون بعض.
وإذا حصل الناس أغراضهم من أفعال النار تبلغوا به إلى حاجاتهم ولم ينظروا في المواد التي تخص البلدان لا سيما والمواد متفقة فيها وليست هكذا أخوات النار.
مسألة لم فرح الإنسان بنيل مال وإصابة خير من غير احتساب له
وتوقع أكثر من فرحه بدرك ما طلب ولحوق ما زوال الأنه في أحد الطرفين ينبغي طلب شيء متخير أم لغير ذلك.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن جميع ما يصيب الإنسان مما يخص نفسه أو جسمه إذا وصل إليه بتدريج قل إحساسه به وضعف ظهور أثره عليه.
أما مثال ذلك في الجسم فإن الأمراض التي يخرج بها عن الاعتدال على تدريج فليس يشعر بها إلا شعوراً يسيراً وربما لم يشعر بها ألبتة.
فإن خرج بها على غير تدريج تألم منها جداً كالحال في الدوي وأشباهه من الأمراض فإن الإنسان يخرج عن الاعتدال بها إلى الطرف الأقصى الذي يليه الموت فلا يحس بألمه لأنه على تدريج.
ولو خرج دون ذلك الخروج ضربة للحقه من الألم ما لا قوام له به.
وكذلك الحال في اللذات لأن اللذة إنما هي عود الإنسان إلى اعتداله ضربة.
فاللذة والألم حالان يستويان في انهما يردان دفعة بلا تدريج فيستويان في باب شدة الإحساس.
وهذه المسألة أحد الآثار التي ترد على الإنسان مرة بتدريج ومرة بغير تدريج فتصير حال الإنسان بما لم يحتسبه ولم يتدرج بالمزاولة حال ما يصيبه ضربة واحدة مما ضربنا مثاله فيكثر إحساسه به وظهور أثره عليه.
مسألة لم صار البنيان الكريم والقصر المشيد إذا لم يسكنه الناس تداعى عن قرب
وما هكذا هو إذا سكن لعلك تظن أن ذلك لأن السكان يرمون منه ما استرم ويتلافون ما تداعى وتهدم ويتعهدونه بالتطرية والكنس فاعلم ان هذا ليس لذاك لأنك تعلم انهم يؤثرون في المسكن بالمثنى والاستناد وأخذ القلاعة وسائر الحركات المختلفة ما إن لم يضعفه على رمهم ولمهم كان بإزائه ومقابله.
فقد بقيت العلة على هذا وستسمعها في عرض الجواب عن جميع مسائل هذا الكتاب.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن معظم آفات البنيان يكون من تشعيث الأمطار وانسداد مجاري المياه بما تحصله الرياح في وجه المآزيب ومسالك المياه التي ترد المياه إلى أصول الحيطان من خارج البناء وداخله وبما يتثلم من وجوه البنيان الكريمة بالآفات التي تعرضها لحركات الهواء والأمطار والبرد والثلوج.
وربما كان سبب ذلك قصبة أو هشيم من تبن الطين الذي تطيره الأرواح إلى مسلك الماء فتعطف الماء إلى غير جهته فيكون به خراب البنيان كله.
فأما ظهور الهوام في أصول الحيطان والعناكب في سقوفه وأخذها من الجميع ما يتبين أثره على الأيام فشيء ظاهر وذلك أن هذا الضرب من الخراب قبيح الأثر جداً ينبو الطرف عنه ويسمج به البناء الشريف.
وربما أغفل السكان بيتاً من عرض البناء إما بقصد وإما بغير قصد فإذا فتح عنه يوجد فيه من آثار الدبيب من الفأر والحيات وضروب الحشرات التي تتخذ لنفسها أكنة بالنقب والبناء كالأرصنة والنمل وما تجمعه من أقواتها ومن نسج العنكبوت وتراكم الغبرة على النقوش - ما يمنع من دخوله.
هذا إن سلم من الوكف وتطرق المياه وهدمها لما تسيل عليه من حائط وسقف ورضه بما يثقله من طين السطوح وتقصف جميع الخشب والسنادات والعمد.
وإذا كان فيها السكان منعوا هذه الأسباب العظيمة في الخراب وكان ما يشعثونه بعد هذه الأشياء يسيراً بالإضافة إليها فكان البناء إلى العمران أقرب ومن الخراب أبعد.
مسألة لم صار الكريم الماجد النجد يلد اللئيم الساقط الوغد
وهذا يلد ذاك على تباين ما بينهما في أغراض النفس وأخلاقها مع قرب ما بينهما في أصولها وأعراقها.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن أخلاق النفس وإن كانت تابعة لمزاج البدن فإن التأديب والسياسة تصلح منها إصلاحاً كثيراً.
وربما كان مزاج الابن بعيداً من مزاج الأب وانضاف إلى ذلك سوء تأديب ورداءة سياسة
مسألة لم إذا كان الإنسان بعيداً عن وطنه ومسقط رأسه وملهى عنه
ومضطجع جنبه ومطرب نفسه ومعدن أنسه - يكون أخمد شوقاً وأقل قلقاً وأطفأ نائرة وأسلى نفساً وألهى فؤاداً حتى إذا دنت الديار من الديار وقوى الطمع في الجوار نفد الصبر وذهب القرار وحتى قال الشاعر # وأعظم ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الديار من الديار.
وهل هذا معنى يعم أو يخص وما علته وهل له علة.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: هذا المعنى موجود في الأشياء الطبيعية أيضاً مستمر فيها وذاك أنك لو أرسلت حجراً من موضع عال مركزه لكان يبتدىء بحركته وكلما قرب من مركزه احتدت الحركة وصارت أسرع إلى أن تصير عند قربه من الأرض على أحد ما تكون وأسرعه.
وكلما كان الموضع الذي يرسل منه الحجر أعلى كان هذا المعنى فيه أبين وأظهر.
وكذلك حكم النار والعناصر الباقية إذا أرسلت من غير أمكنتها الخاصة بها فإنها كلما قربت من مراكزها اشتدت حركتها ونزاعها.
ومثل هذه المواضع لا يسأل عنها بلم لأنها أوائل طبيعية وغايتنا فيها أن نعرفها ونعلم أنها كذلك وكذلك حال النفس في أنها إذا كانت بعيدة من مألفها كان نزاعها أيسر فكلما دنت منه اشتد نزاعها وحركتها التي تسمى شوقاً.
وإنما قلت إن هذه المواضع لا يبحث عنها بلم لأن لم إنما يبحث بها عن طلب علة ومبدأ.
وهذه مبادىء في أنفسها وليس علة أكثر من أن الأمور أنفسها كذلك أى مبادئها هي أنفسها ولم تكن كذلك لعلة أخرى مثال ذلك: لو ان قائلاً قال: لم صارت العين تبصر بهذه الطبقات من العين ولم صارت ترى الشيء بحسب الزاوية التي بينها وبين المبصر: إن كانت كبيرة فكبيرة وإن كانت صغيرة فصغيرة أو سأل: لم صارت الأذن تحس باقتراع الهواء على هذا الشكل - لم يلزم الجواب عنه لأن الأشياء الواضحة التي هي أوائل إنياتها هي لمياتها.